جريرة السيستاني الكبرى! وسام السبع

 

 

أصاب المبعوث الأميركي السابق للعراق بول بريمر عندما قال في كتابه «عام قضيته في العراق» أن السيستاني «لم يتزحزح عن موقفه. وسيودي موقفه المتصلب إلى إبطال خطتنا الأولى للعملية السياسية». وحديثه المتكرر في ثنايا كتابه عن «مشكلات غير محلولة مع السيستاني»، يكشف استعصاء المرجعية العليا على الاختراق والتحييد والاحتواء الأميركي.

بريمر فيما يخص السيد السيستاني يخلط في مذكراته الأوراق أحياناًً، ويختلق أحداثاً لم تقع، ويبتر بعضها الآخر بشكل يؤدي إلى فهم مغاير للسياق الذي حدثت فيه. يرجع ذلك إلى أن معظم المعلومات التي وردت عن هذا الرجل الثمانيني استقاها السفير الأميركي شفهياًً من سياسيين عراقيين لهم مصالح وأطماع وانحيازات، وليست من خلال لقاءات مباشرة ظل السيد السيستاني متمسكاًً برفضها.

الفتوى الأخيرة التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني الجمعة (13 يونيو/ حزيران 2014) بالجهاد الكفائي ووجوب الدفاع عن وحدة العراق وشعبه، كان لها صدى طيب في نفوس العراقيين في الداخل، الذين يشعرون أن سحب الموت والدمار تقترب منهم بيد القوى التكفيرية من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والجماعات والقبائل المؤيدة لها. التنظيم الإرهابي الذي استفرغ دوره الدموي المجنون في تدمير بلاد الشام ونجح في نقل معركته إلى بلاد الرافدين بعد أن بانت علائم الهزيمة المنكرة في الجبهة السورية.

وإذا كانت الفتوى لاقت على الصعيد الداخلي تفهماً وترحيباً عراقيين، والتقت معها والتفت حولها الأصوات السُنية الوطنية الشريفة كالشيخ أحمد الكبيسي والشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق، اللذين أصدرا فتوى يدعوان فيها المواطنين إلى «حمل السلاح ضد الدواعش والمرتزقة»، فإن مرتزقة الفكر والدين ومحترفي النفاق والنجومية الطارئة لا يحلو لهم قراءة المشهد بألوانه الطبيعية وبأبعاده الحقيقية.

ومن خارج العراق هناك الموقف المبدئي المسئول والمشرف للداعية الإسلامي المستنير عدنان إبراهيم، خطيب مسجد الشورى بالعاصمة النمساوية فيينا، ورئيس جمعية لقاء الحضارات فيها.

غير أن الأقلام الرخيصة ومنابر الفتنة لا طاقة لها على رؤية الأمور بمنظور موضوعي، فراحت تقرأ موقف المرجعية العليا السنية والشيعية بالمقلوب، معتبرة أن الفتوى «تصب الزيت في النار» وتؤلب الشيعة على السنة وتذكي أوار الطائفية في منطقة تقترب من شفير حرب أهلية شاملة!

المرجعية الدينية التي كانت أحرص على دماء العراقيين من أي طرف سياسي في العراق وخارجه، والتي كانت ولا تزال طوق النجاة وصمام الأمان والحصانة المنيعة ضد انفلات الوضع الملتهب في بغداد منذ أبريل /نيسان 2003.

المرجعية التي تدرك أن أهل العراق كانوا يُقتلون ويذبحون على الهوية؛ كانت توصي بضبط النفس والصفح والإغضاء عن الإساءة. عمد الإرهابيون إلى تفجير ضريح العسكريين في فبراير/ شباط 2006، فكان موقف المرجعية الإدانة والدعوة لضبط النفس.

قُتل آلاف المدنيين في الطرقات، ولاحقتهم الأحزمة الناسفة في مساجدهم وحسينياتهم ومدنهم وأسواقهم؛ فتعالت على الجراح وأوصت: «السُنة أنفسنا»، والقانون سيأخذ مجراه، ولم تتوقف يوماًً عن التحذير من مغبة أي ردود أفعال انتقامية تجر العراق إلى حمام دم لا تحمد عقباه.

وعندما غادر السيد محمد باقر الحكيم دار الدنيا بعد صلاة جمعة جثة ممزقة أشلاء في تفجير راح ضحيته 83 شخصاً في أغسطس/ آب 2003، كان هو الموقف ذاته: صلابة في المبدأ واتزاناً في الطرح ومسئوليةً في الموقف، فيما العين تدمع والعراق بين الجوانح يئن من الوجع.

تاريخياًً، لم تُشهر المرجعية العليا سلاح الفتوى إلا في مفاصل وطنية حاسمة تستدعي التدخل السريع لحسم معركة الوجود، فمنذ موقف الميرزا محمد حسن الشيرازي (ت 1897) صاحب فتوى الدخان المشهورة التي قوّض بها كيان الاستعمار البريطاني ووجوده في إيران والمنطقة؛ مروراً بموقف المرجعية المشرف ضد الاستعمار الايطالي وغزوه ليبيا، إلى الاحتلال الروسي لإيران العام 1911؛ إلى استجابة العلماء وطلبة العلوم الدينية وأبناء العشائر وعموم الشعب العراقي للفتوى التي أصدرتها المرجعية العليا في حينه للجهاد عندما نزل الانجليز في العام 1914 أرض العراق، والتي كانت – بالمناسبة – تحت الحكم العثماني السنّي لمن يعشقون لعبة التصانيف المذهبية.

وعندما تصاعد الوجود البريطاني في العراق والنجف كان الموقف المبدئي الثابت للمرجعية في ثورة النجف الموضعية 1918، وتلتها الأحداث سريعاً لتنطلق شرارة ثورة العشرين الكبرى العام 1920.

لقد كان إسهام المجتهدين الشيعة في الجهاد الليبي يعني في الواقع مناصرتهم للدفاع عن بلد سني، وعن الوحدة العربية وحتى العثمانية ضد الخطر المتجسد في الاستعمار الغربي. إلا أن أهم حلقة في هذا التطور كانت العام 1914 عندما أعلن المجتهدون في النجف وكربلاء الجهاد، ونظموا قوات الدفاع عن العراق ضد الانجليز، وبذلك أعربوا مرةً أخرى عن تفضيلهم لحكم «السُنّة» على حكم الانجليز.

هذا تاريخ يكرهه البعض، ويتناساه الإعلام العربي لأنه لا ينسجم مع الرغبة المريضة في تمزيق وحدة الصف العربي والإسلامي التي يمتهنها البعض بشكل يومي للارتزاق والتعيش السياسي.

لقد كان ولايزال للمرجعية الدينية دور مشرق وحضور فاعل في الساحتين العربية والإسلامية، أظهرت فيه إيمانها العميق بشعار الوحدة الإسلامية منطلقةً من التزامها الثابت بحق الشعوب في الحرية والكرامة وحق تقرير المصير.

ويعرف الكثير من المعنيين بالأزمات التي حدثت في العراق، أن منهجية المرجعية في التعامل معها كانت مبنيةً على محاولة تطويق الأزمات وتخفيف التوترات، والمنع من الإقدام على أي خطوات تصعيدية تتسبب في المزيد من معاناة العراقيين بجميع قومياتهم وطوائفهم.

إن مواقف المرجعية الدينية العليا مواقف لا تفرضها التحولات السياسية المجردة، ولا تحركها الأطماع ولا المخاوف، بل يحكمها الشعور الأصيل بالواجب الديني والوطني، بعيداً عن أية اعتبارات أخرى سوى الإيمان العميق بقداسة الإنسان واحترام إنسانية البشر، في مجتمع عربي ليست هذه نظرته مع الأسف.

 

صحيفة الوسط البحرينية

الثلاثاء 24 يونيو 2014 م

الموافق 26 شعبان 1435هـ