السيد السيستاني والقضية الفلسطينية نادين محفوظ

  

قليلة هي الجهات والدول في المنطقة التي لا زالت تولي شؤون الفلسطينيين والقضية الفلسطينية جزءا من اهتماماتها، سواء بسبب انشغال البعض في نيل مكاسب سلطوية وتنفيذ أجندات غربية يشكل الأمن القومي لـ”إسرائيل” ركيزة فيها، أو انشغال آخرين بقضايا يعدُّها أكثر محورية بالنسبة لهم، بعد أن دخلوا ضمن دوامة من الصراعات تكاد لا تفارق المنطقة، وتُغَيّب فلسطين وقضيتها عن جدول الأولويات والركائز. فيما تبرز مواقف شجاعة تقف إلى جانب الشعب الذي اقتلع من أرضه و هُجّر إلى دول الشتات، والقضية التي تُعَدُّ بوصلة للمسلمين والمقاومين والأحرار منذ عام 1948 وحتى اليوم.

وللشيعة حصة من هذه المواقف في دعمهم للشعب الفلسطيني وقضيته المحقة وإعطائها دفعا كبيرا، وكذلك في حماية اللاجئين منهم في دول اللجوء، والتي من أهمها مواقف سماحة السيد السيستاني، حيث صدرت لسماحته العديد من البيانات والفتاوى اللافتة، والتي لعبت في الكثير من الأحيان دورا فاعلا، وعلى مختلف الأصعدة.

 

السيد السيستاني يستنكر الاعتداءات على الفلسطينيين 

ففي الثالث من نيسان من العام 2002 قام الاحتلال الصهيوني بمجزرة في مخيم جنين في فلسطين، ليضيف جريمة لم تكن الأولى ولا الأخيرة على تاريخه الدموي. وفي التفاصيل، أن القوات الإسرائيلية قامت بالتوغل داخل المخيم مرتكبة أعمال القتل العشوائي، بالإضافة إلى قيامها بالاعتقال التعسفي والتعذيب ومنع إسعاف الجرحى … وذلك خلال عملية اجتياح شاملة للضفة الغربية, هدفت إلى القضاء على المقاومين الفلسطينيين، بعد تنفيذهم عمليات ضد الاحتلال. وراح ضحية المجزرة ما يقارب الـ63 شهيدا والمئات من الجرحى, إلى جانب الآلاف من المعتقلين.

وأمام هذا المشهد الدامي والمؤلم، لم تقف المرجعية صامتة ، كما باتت حال الكثير ممن يدعون العروبة والإسلام اليوم، غاضين الطرف عن جرائم الاحتلال المروعة والمتكررة بحق الفلسطينيين. وصدر عنها بيان حول هذه الأحداث دون أن تكتفي فيه بإدانة الجريمة، بل ضمّنته دعوة إلى المسلمين لأن “يقفوا مع إخوانهم وأخواتهم في فلسطين العزيزة ويرصوا صفوفهم ويجندوا طاقاتهم في الدفاع عنهم ووقف العدوان عليهم”، قبل أن تذهب أبعد من ذلك بالقول أنه “يقتضي أن لا يهنأ المسلمون في مطعم أو مشرب إلى أن يكفوا عن إخوانهم وأخواتهم أيدي الظالمين المعتدين”(1).

وهي دعوة إلى نصرة الفلسطينيين ودعمهم في مقاومة الاحتلال بشتى الوسائل، حتى يتم رفع الظلم عنهم، كما أنها دعوة لأن تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في عقول المسلمين وأذهانهم حتى “استرداد الحقوق المغتصبة وإنقاذ الأرض الإسلامية من أيدي الغزاة الغاصبين”، ما يدل على أن سماحة السيد السيستاني اعتبر أن هذه القضية لا تخص الفلسطينيين وحدهم كما يحلو للبعض أن يعتبر، بل إنها قضية تمس المسلمين جميعا.

وإذ إن العدو الصهيوني لم يكف يده عن استهداف الشعب الفلسطيني، ولم تقم صحوة إسلامية كبرى لإنقاذ فلسطين وتحريرها، سارعت المرجعية العليا إلى إصدار بيان آخر في كانون الثاني من العام 2008، إثر قيام الاحتلال بعدوان جوي واسع على قطاع غزة، ألحق بحملة برية في شمال القطاع، بعد حصار خانق سبقه بعدّة أشهر.

واستخدم الاحتلال خلال العدوان – الذي أطلقت عليه المقاومة إسم “حرب الفرقان” وسماه العدو “الرصاص المصبوب” – الأسلحة المحرمة دوليًا من قذائف فسفورية وقذائف مغلفة باليورانيوم، وقذائف مسمارية وغيرها، مبررة ذلك بالرد على إطلاق صواريخ فلسطينية على جنوب الأراضي المحتلة، مع العلم أن معظم الشهداء والجرحى كانوا من المدنيين والنساء والأطفال، حيث بلغ عددهم المئات، في جريمة ليست بغريبة على سجل الكيان الغاصب الذي لا يسلم منه لا البشر ولا الحجر.

وجاء بيان المرجعية ليلفت إلى أن الكلمات والإدانات، ليست بحجم المأساة، ولم تعد وحدها تكفي، بل هناك حاجة لاتخاذ مواقف عملية، حيث ورد فيه: “إن تعابير الإدانة والاستنكار لما يجري على إخواننا الفلسطينيين في غزة والتضامن معهم بالألفاظ والكلمات لا تعني شيئا أمام حجم المأساة المروعة التي يتعرضون لها”، مضيفا أن “الأمتين العربية والإسلامية مطالبتان أزيد من أي وقت مضى باتخاذ مواقف عملية في سبيل وقف هذا العدوان المتواصل وكسر الحصار الظالم المفروض على هذا الشعب الأبي”(2)، وذلك تأكيد كما في البيان السابق على ضرورة دعم الشعب الفلسطيني والمقاومة بشتى الوسائل والإمكانيات للحد من جرائم الاحتلال المتصاعدة، وعلى أن القضية الفلسطينية يجب أن تكون القضية المركزية للأمتين الإسلامية والعربية حتى تحرير الأرض.

 

السيد السيستاني يؤبن الشيخ ياسين ويصفه بالشهيد

 

بيانات المرجعية العليا صدرت أيضا لتتطرق إلى اغتيال مؤسس حركة حماس الفلسطينية الشيخ أحمد ياسين، الذي تمتع بموقع روحي وسياسي متميز في صفوف المقاومة الفلسطينية، مما جعل منه واحدا من رموز الجهاد الفلسطيني، حتى بعد اغتياله في 22 آذار من العام 2004 في مسجد المجمع الإسلامي بثلاثة صواريخ أطلقت من مروحية أباتشي إسرائيلية.

والشيخ ياسين كان من أهم الداعين إلى مقاومة الاحتلال، مما أثار حفيظة سلطات الاحتلال، وجعلها تقوم باعتقاله في العام 1982 بتهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، ثم تطلق سراحه عام 1985 في إطار عملية لتبادل الأسرى.

لم يؤثر الاعتقال في حجب الشيخ ياسين عن مسيرته، حيث بادر في العام 1987 إلى الاتفاق مع مجموعة من قادة العمل الإسلامي في قطاع غزة، على تكوين تنظيم إسلامي لمحاربة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير فلسطين، أطلقوا عليه اسم “حركة المقاومة الإسلامية” المعروفة باسم “حماس”.

ونظرا لهذه المكانة التي احتلها الشيخ أحمد ياسين على صعيد مقاومة الاحتلال والسعي لتحرير فلسطين واستهدافه إثر ذلك من قبل العدو الاسرائيلي حتى استشهاده ، قامت المرجعية العليا بإصدار بيان لإدانة عملية الاغتيال واصفة إياها بـ”الجريمة البشعة”، مشيرة إلى أن الشيخ “كرس حياته لخدمة وطنه ودينه وأصبح مثالا في الصبر والمقاومة”.

واستنادا إلى قول الله عز وجل: “إن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، استنهض البيان “أبناء الأمة العربية والإسلامية لرص الصفوف وتوحيد الكلمة والعمل الجاد في سبيل تحرير الأرض المغتصبة واستعادة الحقوق المسلوبة”(3) ، حيث الدعوة هي نفسها تلك التي في البيانات الأخرى، وبروزٌ للتضامن والتعاطف الكامل مع الفلسطينيين والسعي إلى دعمهم.

مع الإشارة إلى أن سماحة السيد السيستاني وصف الشيخ ب”الشهيد”، وهذا يكتنز دلالات فقهية مهمة لصدوره عن فقيه بموقع المرجعية العليا في النجف الأشرف.

 

السيد السيستاني يحرم بيع الأراضي لليهود الصهاينة

 

شملت فتاوى وبيانات السيد السيستاني المتعلقة بالقضية الفلسطينية، المخططات الصهيونية التي رسمتها للمنطقة انطلاقا من العراق من جهة، وشؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق من جهة أخرى.

فبعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2003، الذي أتى تحت ذرائع عدة، حيث ادعت الولايات المتحدة رغبتها في نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، باشر العدو الصهيوني في تنفيذ سياسته القائمة على تحصيل مطامعه في العراق ذات الثروات الغنية، مستغلا حال الفوضى فيه.

ومن إحدى الوسائل التي اعتمدها بهدف التغلغل في العراق، كانت شراء الأراضي والمراكز التجارية وغيرها في عملية وصفت بالمنظمة، وذلك ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تسيير المنطقة وفقا لما يخدم المصالح العليا للكيان.

وفي خضمّ ذلك أتت فتوى السيد السيستاني لتجزم بعدم جواز بيع الممتلكات من فنادق ومراكز تجارية ودور وقطع أراضي … لليهود الصهاينة، واصفا ثمنها بال”سحت” أي بالمال الحرام، وذلك إثر استفتاء جمع من المؤمنين لسماحته حول المسألة (4) . وفي هذا تأكيد من سماحته على عدم مشروعية الكيان الصهيوني وعدم جواز التعامل مع رعاياه، ووعي وحكمة للمخططات المحاكة للعراق والمنطقة.

 

السيد السيستاني يحمي اللاجئين الفلسطينيين في العراق

 

وكان لاحتلال العراق أثر أيضا على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين فيه، الذين بلغ عددهم في سنة 2003 بين 34 ألفا و 42 ألفا، وفقا لتقديرات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (5) . حيث تعرض هؤلاء إلى اعتداءات ومضايقات في ظل حالة الفوضى التي خلفها الاحتلال، بظن أن لهم دورا ببعض ما يحصل من أعمال العنف ضد العراقيين والتعاون مع النظام السابق، ما أدى إلى هروب العديد منهم إلى الأردن التي لم تسمح سلطاتها لهم بالدخول.

مما خلف اضطرابا في التعامل مع الوضع القانوني والإنساني للفلسطينيين الموجودين في العراق.

ونظرا لموقع المرجعية العليا في المنظومة السياسية والاجتماعية داخل العراق وخارجه، تقدم وزير شؤون اللاجئين في السلطة الوطنية الفلسطينية عاطف عدوان، بتاريخ 19/4/2006 برسالة إلى سماحة السيد السيستاني، يناشده فيها بإصدار تصريح أو فتوى تمنع التعرض للفلسطينيين ولممتلكاتهم في العراق، معربا عن ثقته بموقف المرجعية (6).

وجاء رد مكتب سماحته على الرسالة مؤكدا إجرائه لاتصالات بالجهات الرسمية ذات العلاقة بهذا الموضوع، لحثهم على توفير الحماية للاجئين الفلسطينيين ومنع الاعتداء عليهم.

وأرفقت الرسالة بفتوى موثقة للسيد السيستاني بتاريخ 22/4/1427 هـ ، تعبر عن موقف سماحته من هذه القضية، أفتى فيها بعدم جواز التعرض للاجئين الفلسطينين بسوء، حتى من كان منهم متهما بجرم، ريثما تتخذ بحقه الإجراءات القضائية “المبنية على رعاية القسط والعدل”، كما أشار إلى واجب السلطات المدنية بتوفير الحماية للاجئين ومنع الاعتداء عليهم (7).

هذه الفتوى لاقت ردود فعل سياسية وإعلامية إيجابية، تمثلت بتصريحات جهات فلسطينية عدّة، رحبت بالفتوى وأثنت على مواقف السيد السيستاني الحكيمة، وتطرق العديد من الصحف البارزة لها، وذلك بسبب أثرها البالغ في تخفيف معاناة اللاجئين الفلسطينيين، بحيث أنها تضمن حمايتهم وحماية ممتلكاتهم ووقف عمليات التهديد التي يتعرضون لها، كما تساهم في وقف نزوحهم من العراق. وبحسب ما أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية حينها لم تسجل أي حالات نزوح للفلسطينيين من العراق منذ إصدار هذه الفتوى (8).

وما هذا سوى مؤشر على مدى قدرة المرجعية العليا في التأثير معنويا على أتباعها، وبالتالي على المجتمع العراقي، بخطابها الوحدوي البعيد عن العنف الطائفي والمذهبي، رغم كل التحديات التي مر بها العراق. كما أنه مؤشر على تمسكها بالقضية الفلسطينية ودأبها في العمل على مساندة الشعب الفلسطيني بكافة الوسائل المتاحة لها، ليس في فلسطين وحدها إنما كذلك في دول اللجوء.

 

تلخص هذه المواقف جميعها رؤية السيد السيستاني للقضية الفلسطينية، من حيث إيمان سماحته بقداسة هذه القضية وأولويتها. وهي رؤية لا تختلف عن المسار الذي اتخذته المرجعية العليا في الدفاع عن حياض المسلمين وقضاياهم المحقة، انطلاقا من مبادئ التسامح والوحدة ونبذ الطائفية والتطرف، وباقي التعاليم التي جاء بها النبي محمد (ص) والأئمة (ع). فذلك يحتم رفض احتلال الصهاينة للأراضي التي انتزعوها من أهلها بالقوة ومقاومتهم، خاصة لما للقدس من مكانة لدى المسلمين، كما يحتم الدفاع عن الفلسطينيين بغض النظر عن المذهب أو الدين الذي ينتمون إليه، في وجه الظلم الذي يعانون منه، إن لجهة عنصرية الكيان الصهيوني وإجرامه، أم لجهة المشاكل التي يعانيها بعضهم في دول اللجوء.

وعلى أمل أن يستفيق كل حكام العرب ليعيدوا القضية الفلسطينية إلى جدول أولوياتهم، لابد لكافة المراجع الدينية المؤثرة والفاعلة أن تحمل زمام المبادرة في الاستمرار بالدفاع عن القضية الفلسطينية حتى اقتلاع الكيان الصهيوني الغاصب، خاصة أن مشاكل الأمة بمعظمها هي وليدة تواجد هذا الكيان في المنطقة.

 
 

 

(1) حامد الخفاف، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية، الطبع السادسة، دار المؤرخ العربي، بيروت-لبنان، 2015، ص 339-400
(2) المصدر نفسه، ص 342، 343.
(3) المصدر نفسه، ص 341.
(4) استفتاء صادر عن سماحة السيد السيستاني بتاريخ 25/4/1424هـ
(5) فلسطينيو العراق، جريدة “السفير”، نيسان 2011،
http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=1868
(6) المصدر نفسه، 341-342.
(7) استفتاء صادر عن سماحة السيد السيستاني بتاريخ 22/4/1427 هـ .
(8) منظمة التحرير: لا نزوح فلسطينيا من العراق منذ فتوى السيستاني، صحيفة “الشرق الأوسط”، 11 مايو 2006، العدد 10026.

 

المصدر: شفقنا