أضواء على الصحافة النجفية.. الدور الفكري والإصلاحي للخليلي علي شمخي الفتلاوي

 

اكتسبت النجف اهميتها من بين مدن البلاد العربية الاسلامية بسبب عمقها التراثي والديني والحضاري، كونها تقع على اعتاب الحيرة عاصمة المناذرة قبل الاسلام، وقربها من الكوفة عاصمة الخلافة الاسلامية في عهد الخليفة الرابع الامام علي بن ابي طالب عليه السلام واحتضانها الجامعة الاسلامية في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي بعد هجرة الشيخ الطوسي اليها، لتصبح بعد سقوط بغداد عام 656هـ / 1258م من المراكز الروحية والثقافة والعلمية المهمة في العالمين العربي والاسلامي. ولم تزل النجف منذ هاجر اليها الشيخ الطوسي سنة 448 وحط رحاله بها مركزاً علمياً وجامعة دينية يقصدها رواد العلم وطلابه .

واضافة لهذه الاسباب فان المدارس القديمة التي انشئت في النجف لدراسة علوم الشريعة الاسلامية، وفنون اللغة العربية هي الاخرى دفعت الكثيرين للاهتمام بالمدينة. وفي هذا الصدد يشير المؤرخون الى ان البيوتات والعوائل التي هاجرت الى النجف كان لها نصيب من العلم وحظ في الادب وان كانت هي في غير ذلك الوقت تشتغل ببعض المهن والاعمال الاخرى.

وبمرور الزمن، اصبحت النجف من امهات المدن العراقية وذلك لطابعها الديني والثقافي المميز، فهي قد حلت محل الكوفة القديمة على ان لا ينكر اثر الكوفة في نشوء النجف ونموها.

وبالعودة الى تاريخ العراق السياسي والثقافي نرى ان اول مطبعة او اول صحيفة انشئت في العراق هي مطبعة وجريدة الزوراء وقد ظهــــــــــــرت في عهد مدحت باشا 1822م – 1882م الذي اصدر الجريدة في  5 ربيع الاول سنة 1286هـ-1869م واستمرت طوال ايامه واراد مدحت باشا من الجريدة ان تدون اعماله وما يقوم به من اصلاحات وان تسجل اخبار الحكومة.وفي الفترة الممتدة من 1869 وحتى عام 1908 لم تكن هناك الا ثلاث صحف تنشر باللغة التركية بوصفها لسان الحكومة العثمانية تحتل كل مننها احدى الولايات الثلاثة بغداد والبصرة والموصل وهي الزوراء البغدادية التي صدرت بين 1917-1869والموصل التي كانت تصدر في الموصل بين عامي 1885 و 1918 والبصرة الصادرة من البصرة بين عامي 1889-1914. ويعزو المؤرخون والمعنيون بحركة الادب والثقافة في العراق انكماش حركة الادب في العراق الى عدم وجود خطة عامة مرسومة للنهوض بالادب، فالتقلبات السياسية البارزة لا تقع بغير عملية انضاج واسباب كامنة ومثلها التطورات والتغيرات التي تطرأ على الادب فلابد من مقدمات او اصل لهذا التغيير، ولو رسمت خطة كهذه لما استطاعت تلك الاحدث ان تعصف بحياة الادب.

ومثل عقدي الثلاثينات والاربعينات وهو الذي شهدت فيه النجف ولادة عدد كبير من الصحف ذات المستوى العالي دور الازدهار اذ ظهرت المواهب الصحفية بأجلى مظاهرها في الموضوعات المنشورة وحسن الاخراج فضلا عن تناولها للمناسبات التاريخية والادبية والدينية والاقتصادية مما عدت حينها في طليعة الصحافة العراقية ومقدمة الصحافة العربية.

وكان من بين تلك المواهب الادبية والصحفية القاص والصحفي والاديب جعفر الخليلي، ان جعفر الخليلي من الكتاب العراقيين المنتجين وآثاره كثيرة المواضع، متعددة الجوانب. وقد حرص الخليلي كل الحرص كي يعطي صورة مشرقة وطبيعية لادب النجف ولفكر النجف الاشرف من خلال علاقاته الاجتماعية والسياسية ورغم ان النجف عرفها القاصي والداني من خلال الفكر والادب منذ اربعة قرون او منذ تأسيس الجامعة العلمية الدينية فيها منذ قرابة الاف عام، الا ان الخليلي كان دائباً على ابراز هاتين الميزتين في فنونه الادبية. وقد بلغ عدد المجلات والصحف السياسية سنة 1933 – 309 جريدة ومجلة موزعة على المدن العراقية، بغداد 77  مجلة و168 جريدة، الموصل 4 مجلات و8 صحف، البصرة 5  مجلات و21جريدة، النجف 4 مجلات و5 جرائد، كربلاء جريدة واحدة، الحلة جريدة واحدة، الكاظمية 4 جرائد، العمارة جريدتان، كركوك جريدتان ومجلتان، السليمانية 4 جرائد.

جريدتي الراعي والهاتف إنموذج لكتابات الخليلي الصحفية

ان جعفر الخليلي يؤمن ان الصحف الادبية الاجتماعية اجدى نفعاً من الصحف السياسية ، لكونها اكثر فاعلية وقدرة ثقافية وعلمية على تنمية ثقافة الشعب، وهو يرى ان الصحف السياسية تنمي الانتهازية في المجتمع، وكان كره الخليلي للصحافة السياسية نابعاً من متاجرتها بعواطف الناس وتهييجها الرأي العام دون توجيه المجتمع الى العمل المنتج الذي يبني مجتمعاً عصرياً.

مسيرة حياة

واراد الخليلي في حياته الصحفية ان يكمل مسيرته الى نهاية هدفها رغم التحديات الجسيمة التي واجهها، ولم يستكن للظروف الصعبة والعراقيل التي وضعت امامه فهو حين احس ان جريدته الراعي بدأت تترك اثارها في المجتمع وتؤثر فيه قرر ان يستمر في اصدار مطبوع اخر اسمه الهاتف واعتبر ما مرت به الراعي كبوة شاء الحظ ان تعثر واراد الخليلي ان يطمئن قراءه في الراعي بان مسلكه الاجتماعي وناموسه الادبي لن يتغيب بتوقف الراعي وظهور الهاتف فجريدة الراعي كانت لسان حال ليقظته الفكرية والهاتف لا يريد ان يكون لسان حال احد غير صاحبها والراعي كان يميل الى ان يجاري الرأي العام في مسلكه الاجتماعي وناموسه الادبي على خلاف رغبته وشعوره والهاتف يريد اليوم ان يجعل لصاحبه ميزة خاصة بظهور افكاره وانتشار آرائه دون ان يهتم أكان هذا مما يرضي الناس او يغضبهم.

وحرص الخليلي في حياته الصحفية ان يكون قلمه ولسانه مستقلا غير تابع لاحد والهاتف غير مأخوذ ولا مؤاخذ على حرية رايه ما زال يعترف بانه لا يمثل احد غير نفسه، وهكذا فقد ادت الصحافة النجفية دوراً هاماً في الحركة الوطنية والتوجيه الشعبي وكانت لها مواقف شريفة في احلك الظروف.

وتوجه الخليلي في كتاباته الصحفية نحو الرأي العام واهتم بشؤون الناس اكثر من اهتمامه بشؤون السلطة، وكان يرى ان الرأي العام العراقي منصرف بكليته الى السياسة، وقد ألحقت هذه السياسية بمختلف الطبقات اضرار جمة كان من نتائجها هذا الاهمال الكبير للمصالح السياسية.

ورغم ان الرأي العام الموحد للجماعة امر لايمكن تصوره حتى في الفترات التي تكافح به الشعوب من اجل كيانها ومصيرها حيث تصبح الشجاعة في ابداء الرأي تختلف من فرد الى فرد والعقول التي يصدر عنها الرأي تختلف من حيث القوة او الضعف.الا ان الخليلي كان يؤمن بضرورة الدعوة الى التغيير من خلال الثقافة الساكنة والباردة الهادئة، وكان مؤمناً بالتغيير المتعاقب، لا ثقافة انفعالية متفجرة تعمل على تحقيق الانقلابات المفاجئة.ان جعفر الخليلي كان ابي النفس لهذا كان يرفض اية مساعدة خارجية حتى من اخوانه في الداخل وعندما اراد ان يبني مركزاً لجريدة الهاتف في النجف باع داره لانشاء هذا المركز.. وحين تنادى بعض إخوانه وأصدقائه لمساعدته مالياً رفض رفضاً قاطعاً ان يستلم شيئاً من ذلك.  وقد اصدر الخليلي الراعي بعد ان اقترض من أصدقائه المقربين اليه مبلغاً من المال لهذا الغرض. وهذا ما يدل على انه لم يكن يملك الموارد اللازمة لتوسيع نشاطه الصحفي لكنه كان يرفض أي شكل من اشكال الهبات او التبرعات للصحف التي اصدرها. اما جريدة الفجر الصادق فقد اتخذت منهجاً فكرياً سياسياً يدعو الى تخليص الحياة البرلمانية العراقية من النعرات الطائفية والانتماءات الاقطاعية، والولاءات الحزبية والشخصية.واستمرت جريدته الهاتف زمناً طويلا وكانت تعني بالنقد الاجتماعي والقصة العراقية الواقعية.

وواجه الخليلي في مشواره الصحفي تحديات جمة واجهها بثبات وصبر حيث لاحقه كثير من المهوسين باسم الدين مرة، والادب مرة اخرى، والوطنية ثالثة فأحسن المواجهة وحرص على استمرار صدور صحيفته الهاتف.

والهاتف النجفية هي اول صحيفة حافظت على مواعيد صدورها مدة من السنين ولا أجد سراً لصمود الهاتف الغراء هذه السنين الا صبرها الممض على مكافحة الايام وشعارها خدمة الادب للادب كما يطلب العلم في النجف الاشرف لاجل العلم، فلم تعتمد الا على القراء المعجبين بادبها وقدخلقت من اكثرهم قراء لها مخلصين.وفي الوقت الذي عرف عن الخليلي الشخصية، البساطة والتفاني في حب العمل. واباء النفس عرف عنه ايضاً رفضه وبصورة قاطعة الالقاب، وجمل التفخيم والنعوت الاضافية التي كانت تخلع عليه وعلى كتاب ومحرري صحفه، معللا رفضه وبحكمته المعهودة، ان في ذلك ايهام للكاتب وتضليله ودفعه الى الغرور بدلا من ترصينه الى جانب ما ستتركه جمل التفخيمات من احباط وتهيب لدى النشأ الجديد.ويفتخر الخليلي بانه استطاع ان يمضي بصحيفته الهاتف عشر سنوات دون انقطاع او تلكوء ويعتبر هذه العشرة عمراً طويلاً لا يقاس بعشرات السنين الذي خبر الصحافة الادبية في العراق وعرف ان ليس في العراق صحيفة ادبية استطاعت ان تبلغ عشر سنوات من العمر من دون انقطاع وبلا تريث حتى لقد ظهرت عدة صحف ادبية الى عالم النشر واحتجبت دون ان تبلغ السنة وبعضها دون ذلك بكثير، ويبدو ان الخليلي كان يمتلك العزيمة والاصرار في مواصلة اصدار صحيفته الهاتف مهما كانت الظروف، التي  واجهها، فقد قالفلا نرمي بالقلم الا بعد بري الا نامل.

لايمكن فصل السيرة الادبية لجعفر الخليلي بمعزل عن حياته الصحفية فقد كان المكان الاصلي لمعظم كتابات الخليلي الروائية بما فيها كل مجموعاته القصصية تقريباً، هو الهاتف، ولهذا السبب فان سيرته الادبية كمؤلف مرتبطة ارتباطاًلا فكاك منه بصحيفته الادبية. وعند استعراض الصحف الادبية في العراق نرى ان الهاتف هي اول صحيفة في العراق غرضها الاول معالجة القصة كما ينبغي ان تعالج.

لقد جلب جعفر الخليلي انتباه الرأي العام الى العديد من المؤلفين العراقيين من خلال منبر صحيفته، وقد كان ذلك في الحقيقة من اسباب وجودها بالذات كما حققت صحيفته عدة انجازات ادبية ناجحة بدعمها الحركة الفكرية في العراق.

ويذكر يونس بحري في الصحيفة البغدادية الحوادث ان محبي الادب المثقفين وحدهم الذين اجتذبوا الى الهاتف ولما لم تكن هذه الطبقة في العراق كبيرة العدد بصورة خاصة فان الهاتف لم يتمتع بجمهور كبير من القراء.

ويتبين المرء ان الهاتف تضم عادة اخباراً عن اهل النجف وشؤونهم، وزاد الخليلي من تعلقه بـالهاتف ويبدو انها استحوذت على كل اهتماماته ومن خلالها انصرف الخليلي الى الادب عن طريق الهاتف حتى اصبح لا يجد الوقت لمقابلة الوجوه التي اعتاد ان يراها لا بل لم يعد يستطيع منح محبته لولده الوحيد من الذكور ابنه هاتف الذي مات في سن السابعة، وبمناسبة السنة العاشرة لميلاد الهاتف فقد احتفت بالخليلي الوجوه والشخصيات المرموقة وسط ضغط من اشد الظروف تأزماً، واعترف الخليلي في كلمة شكره انه اضطر الى بيع مكتبته الثمينة التي ورثها من ابيه لتلافي ازمة مالية في السنة الثانية من حياة الهاتف وتضايق في سنتها الثالثة 1938 اكثر فاضطر الى بيع معظم اثاث بيته للغرض ذاته.

واذا كانت الهاتف لم تكن قد اعترف بها من قبل مصنفي الارشيفات الاجنبية والعربية كاحد المصادر التاريخية للادب العراقي الحديث، ولاسيما القصة العراقية، واذا كانت مثل هذه المصادر تشير الى الهاتف كاحدى الوسائل الرئيسة في تكوين وصيانة القصة العراقية خلال حياتها المحدودة غير -المتقطعة- التي امتدت عشرين عاماً، فالخليلي يؤكد بان دورها الادبي والتاريخي الخطير لم يقدر بشكل واضح، وكثيراً  ما لامه المراجعون لمجموعات الخليلي والمعلقون على الهاتف صاحبها لتواضعه واعراضه عن التحدث عن نفسه.

لقد كانت قاعدة الهاتف التي كانت تنجز طباعتها عصر كل يوم اربعاء وتوزع في معظم المدن العراقية الا تنشر الا تلك القطع من الشعر والنثر التي تكون قد كتبت خصيصاً لها اما المقالات والقصائد التي سبق نشرها في مكان اخر فلم تكن لتقبل، وعلى العموم، فان الهاتف لم تكن لتنشر الا كل جديد في الادب وما كتب خصيصاً لهاٍ.وعلى الرغم من ازمة الورق التي حصلت في الحرب العالمية الثانية واضطرار الخليلي فيها الى شراء الورق من السوق السوداء فان الهاتف لم تتوقف في استقبال الكتابات والقصص، وفي سنة 1940 انضم الدكتور صفاء خلوصي الى جماعة الهاتف فنشر ما ينوف على الستين اقصوصة فضلا عن مقالات في تراجم الاعلام والنقد واشعارا مترجمة عن الانكليزية، ويذكر خلوصي ان معظم قصص الهاتف كانت تكتب من قبل رئيس تحريرها.

وفي نيسان 1948 نقل الخليلي صحيفته الى بغداد وفي ايلول من السنة ذاتها اصبحت الهاتف صحيفة يومية سياسية، ويعزي الخليلي سبب انتقاله الى بغداد على ما يقول ولان الناس اداروا ظهورهم للادب .

واستمرت الهاتف  كصحيفة يومية سياسية حتى 17 تشرين الاول 1952وبعد ما يزيد على الشهر من هذا التاريخ بقليل انسحبت من ميدان السياسة، وفي 24تشرين الثاني سنة 1954 اعلن نوري السعيد الاحكام العرفية وحل جميع الاحزاب السياسية واوقف سبعة عشر صحيفة من الصدور بيد انالهاتف استأنفت صدورها لعامين اخرين كمجلة ادبية بحتة ولكن المرسوم الحكومي لسنة 1954 قضى باغلاقها مرة اخرى. وقد تميزت كتابات الخليلي في الهاتف بانها جمعت بين قوة التعبير ومتين العبارة، فجاءت مقالاته وكل ما يكتبه على غاية من الانسجام والتأثير.

لقد ولدت في العراق مجلات ادبية ثم ماتت، والهاتف صادرة كالجبل الاشم تسطر تاريخ الادب العربي في العراق وفي البلاد العربية، تجول فيها اقلام اهل الادب من مصر وسوريا ولبنان والاردن، بل ومن  كل صقع عربي حتى ادباء المحميات والامارات العربية، وشمال افريقيا، يجدون على صفحات الهاتف مجال التعبير عما في نفوسهم، ويقدمون لقرائها نتاج اقلامهم.وكان الخليلي شجاعاً في مواصلة اصدار الهاتف رغم فقر  الامكانيات التي كان يمتلكها في الوقت الذي توقفت فيه العديد من المجلات الادبية في بغداد، رغم توفر كل الامكانيات لها، وقد تمنى الدكتور جون توماس الذي كتب اطروحة دكتوراه عن جعفر الخليلي ودوره في القصة العراقية الحديثة تمنى ان يسافر الى النجف ليرى كيف يصنع الخليلي مادته الصحفية في الهاتف وحالفه الحظ فجاء الخليلي بنفسه الى بغداد ونقل جريدته ومطبعته وعندما دخل  دار الهاتف ليرى بام عينيه مطبعة الخليلي اندهش لرؤيته ماكنة طباعة تدار باليد من قبل ثلاثة عمال لاصدار صحيفة الخليليالفجر الصادق والراعي والهاتف وفي نفس المطبعة طبع الخليلي معظم كتبه في الادب والتاريخ.

شكل توقف الهاتف وصمتها خسارة كبيرة للوسط الادبي العراقية والعربي بعد ان كانت منبعاً يلجأ اليه القصاصون والصحفيون والشعراء والادباء للافصاح عن آراءهم وكتابة ارق الشعر واعذبه واطرف القصص وامتعها لقد كانت الهاتف بحق من ابهج النوادي الادبية والشعرية من نوعها للقارئ العراقي.

ثمار الأدب

وقد وصفها الشاعر الاخطل الصغير الهاتف بانها تحمل الطيب من ثمار الادب في العراق وفي النجف الاشرف خاصة.

ان الجهد الثقافي والادبي والصحفي لجعفر الخليلي استمر حتى اواخر ايامه وبالرغم من اغلاق جريدته الهاتف عام 1954. فقد حولها الى مكتب للاعلان والنشر.

وقد افصح الخليلي في بعض مقالاته عن المتاعب التي واجهها في اصدار صحيفته الهاتف ولم يخفها عن اعين القراء الله وحده العالم بما لاقته هذه الجريدة من ضنك وعسر سبب بعضهما ترفع الهاتف عن ان تكون كلا على الناس، وسبب البعض الاخر غلاء الورق وارتفاع اسعار مواد الطباعة، واذا عرف القراء بان ليس لهذه الجريدة أي مورد غير مورد الاشتراكات التي يرفعها القسم الاصغر من المشتركين وغير بضعة اعلانات تجارية قليلة الاهمية، عرف الصعوبة التي تعانيها هذه الجريدة في اداء رسالتها مع المحافظة على الكرامة الصحفية التي جعلها الهاتف نصب عينيه. لقد كان الخليلي مؤمناً منذ بداية دخوله ميدان الصحافة بان العمل الصحفي هو جزء من مشروع وطني شامل للاهتمام بالعقل العراقي العميق لذا كان يطالب الدولة والجهات المسؤولة بالدعم وتنظيم عمل الصحافة الاجتماعية. كما ان الخليلي حرص على ان تتحلى كتاباته بالروح الاخلاقية والتربية العالية. مثلما ضمن مقالاته ما ينطوي على المتعة ولذة مقرونة بالفائدة وهذا يدل على جودة التفكير وسمو الروح الادبية.

لقد عرف عن الخليلي بانه كان ابي النفس لهذا كان يرفض اية مساعدة خارجية حتى من اخوانه في الداخل، وعندما كان الخليلي يريد ان يبني مركزاً لجريدة الهاتف في النجف باع داره لانشاء هذا المركز وحينما تنادى اصدقائه لمساعدته مالياً رفض رفضاً قاطعاً ان يستلم أي شيء، حتى ان بعض رؤوساء الوزارات حاولوا ان يقدموا  له المساعدة من خلال وزارة الارشاد والثقافة والاعلام الا انه رفض ذلك على اساس انه يخشى ان يتاثر بهذه المساعدات فيمدح هذا ويجامل ذلك وقد كان لكلامه مصداقية ووقعاً صادقاً في نفوس العارفين لشخصه. فاضطر الى مغادرة البلاد واهتم باكمال موسوعة العتبات المقدسة واتخذ من الارض مقراً له فعاش غريباً ومات غريباً ولديه بنتان وهما فريدة وقد تزوجت وعاشت في الاردن وابتسام تزوجت وعاشت في لندن.

جمع الخليلي بين التاريخ والصحافة وكلاهما يقع في دائرة العلوم الاجتماعية وعبر دراستنا لمؤلفات جعفر الخليلي وكتاباته الصحفية والادبية نرى انه كان يسجل الاحداث والكوارث الانسانية والطبيعية… ويناقش ويحلل الظواهر الاجتماعية في المجتمع العراقي..وجسد الخليلي طوال عمله في الصحافة.. صورة الصحفي الشامل والجامع للمواهب الادبية المختلفة…فهو ابحر في القصة.. والرواية وخاض غمار السبق الصحفي عبر الاخبار المثيرة والسريعة التي كان ينشرها في الصحف التي كان يصدرها.. وفتح ابواب صحفه للمواهب الادبية وجادت اقلام الادباء والمفكرين والشعراء في الكتابة على صفحات الراعي والهاتف.وطوال عمله في ميدان الصحافة، كان الخليلي يعبر عن رؤيا عراقية صادقة حاولت الاصلاح في المجتمع- بانبل الطرق- وباقصر المسافات ورغم طول المسيرة التي بدأها يافعاً وانتهى اليها كهلاً فانه لم يكل ولم ييأس من حصول التغيير في المفاهيم الاجتماعية والاخلاقية باتجاه الرقي والتطور والتقدم، فكانت دعواته المستمرة نحو نبذ التقاليد البالية والامساك بتلابيب المستقبل تسير وفق قاعدة علمية ومعرفية مستوحاة من عقيدته الاسلامية وقيم واعراف المجتمع الذي عاش فيه ومتجانسة مع ما جاءت به الاديان السماوية الاخرى من خير للبشرية لذلك كان خطابه الصحفي والادبي انسانياً اولاً.

ان الخليلي من خلال ما تجلى لنا في بحثنا هذا كان ذا شمائل قل نظيرها في الوسط الادبي والصحفي .. فقد عاش عزيزاً كريماً ورغم الضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي واجهته الا انه لم يحد عن مبدئيته وموضوعيته تجاه ما آمن به وتجاه ما كان يعتقد انه الطريق السليم والصحيح.

ورغم العوز المادي الذي احاط بالخليلي ورغم فقر الامكانيات التي كان يمتلكها فقد استطاع الخليلي بشهادة المهتمين بالصحافة والادب ان يخلق صحافة حقيقية متصاعدة الابداع والانتاج عبر صحفه الثلاث التي اصدرها الفجر الصادق والراعي والهاتف والاخيرة كانت بمثابة صالون ادبي يجتمع فيه كل يوم كوكبة من رجالات الفكر والادب والثقافة كما كانت متنفساً لهؤلاء للتعبير عن ارائهم في كل ما يتعلق بالحياة اضافة الى ذلك اخذ الخليلي على عاتقه فتح باب الترجمة للقصص العالمية بشكل جعل من هذا الفن الادبي باباً ثابتاً في الصحف التي كان يصدرها ممن ساهم في تطوير الترجمة ووسع من الامكانيات الادبية والثقافية للمهتمين بشؤون الادب العالمي من خلال عرض تجارب ادباء الغرب على صفحات الصحف العراقية.ولم يختلف الخليلي القاص مع الخليلي الصحفي او الخليلي المؤرخ في التعامل الانساني مع ما يحيط بالخليلي.. واستطاع عبر سلسلة من الفصول التي ارخت لمجموعة من ألمع الشخصيات الاجتماعية والادبية في العراق والوطن العربي ان يخرج الى حيز الوجود موسوعة اجتماعية وتاريخية ما يزال الباحثون والمهتمون بشؤون الثقافة والصحافة والفكر يغتنون منها في دراساتهم وبحوثهم.. واليوم ونحن نستعرض آثار الخليلي في هذه الرسالة العلمية.. نرى ان هذا العالم الصحفي والادبي شكل علامة بارزة من علامات الحركة الفكرية في النجف الاشرف من خلال العطاء الادبي والصحافي الذي قدمه لهذه المدينة ولوطنه العراق وللعالم العربي والاسلامي..لقد اخذ الخليلي على عاتقه بناء قاعدة رصينة لنهضة صحفية في النجف الاشرف شاركه فيها مجموعة من الصحفيين الاعلام في النجف الاشرف في مقدمتهم الشاعر محمد مهدي الجواهري ويوسف رجيب واخرون واستطاع الخليلي والجواهري ان ينقلوا تجربتهم الثرية في مجال الادب والصحافة الى بغداد لينافسوا الصحف البغدادية في ميدان الابداع الصحفي والامل معقود في الاجيال الصحفية الجديدة في الوسط النجفي لان يكملوا هذه المسيرة الخالدة التي ارساها الخليلي وزملائه بالعطاء الزاخر.