. المقاهي الأدبية في النجف وذاكرة الستينيات                                دحسن عيسى الحكيم 

شهدت المدة الواقعة بين 1960 – 1970م في مدينة النجف الاشرف اتجاهين  أدبيين، احدهما يمثل الشيوخ، والآخر يمثل الشباب، وكان الاتجاه الثاني قد  تأثر بالمتغيرات الأدبية والاتجاهات الحديثة وقصيدة الشعر الحر، وكان نتاج  هذا الاتجاه يأخذ طريقه إلى مجلات (الكلمة) و(عبقر) و(جيلي).

 

 تلك المجلات التي كانت تساير مجلات الاتجاه الأول من أدباء النجف كمجلة (الإيمان) و(النجف) و(الأضواء) و(المعارف)، وكان أدباء هذا الاتجاه ينتظمون إلى جمعيات أدبية معروفة في مستواها الأدبي والعلمي كجمعية الرابطة الأدبية وجمعية منتدى النشر، وجمعية التحرير الثقافي. 
وقد انحصرت نشاطات هذه الجمعيات بالأدباء والكتاب الذين تصدوا للمناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، وحظيت المجلات بنتاجاتها العلمية والأدبية، وهذا مما حرم الأدباء الشباب من هذه الفرص والمناسبات، وإزاء هذا الحرمان ولد شعراء داخليا في كيفية الوصول إلى الساحة الأدبية، ولابد أن تكون لهم مقرات وصحف ومهرجانات وندوات، فكانت الخطوة الأولى اتخاذ المقاهي مقرا لاجتماعاتهم وتحقيق أماسيهم، وكانت الخطوة الاولى في مقهى (ابو المسامير) الواقعة بالغرب من جمعية الرابطة الأدبية ونادي الغري للموظفين فأصبح المقهى مقرا لنخبة من الشباب الأدبي المؤمن بالحداثة والتحرر من القيود الأدبية، وكان يساندهم بعض الشيوخ كالاستاذ مرتضى فرج الله. والشيخ عبد الصاحب البرقعاوي، ومن الجدير الذكر ان الشيخ البرقعاوي لم يكن في اغلب الأحيان من الرعيل الذي ينتمي إليه جماعة المقهى، فانه كان يميل إلى الامتداد الأدبي التاريخي لمدينة النجف الاشرف أكثر من انتمائه لجماعة الحداثة، ذلك الامتداد الذي كان يمثله الجواهري والشرقي والشبيبي والحبوبي، وان كان الشيخ البرقعاوي يطالب بخروج الشاعر من الدوائر المحدودة والأغراض القديمة إلى الاهتمام بقضايا المجتمع والجماهير (ينظر بحث الأستاذ محمد حسين علاوي غيبي: الشاعر عبد الصاحب البرقعاوي بين الأصالة والتجديد ص2). فقد عاصر البرقعاوي شعراء النجف المعروفين في الساحة الأدبية من امثال الشيخ محمد علي اليعقوبي والشيخ عبد المنعم الفرطوسي، والشيخ عبد المهدي مطر، والأستاذ صالح الجعفري، والسيد محمد جمال الهاشمي، والسيد محمود الحبوبي، وغيرهم من شعراء النجف الذين كانوا في اغلب الأحيان يوظفون قصائدهم للمناسبات الدينية والاجتماعية، وان انفرد الشاعران الهاشمي والجعفري عن غيرهم من الشعراء. وقدموا تجارب شعرية متميزة ذات خصائص فنية، ولكن بقيت المحافظة تلازمهم دون الأخذ بالمتغيرات في الشعر العربي الحديث التي أخذت طريقها في الشعراء الشباب أو الذين تجاوزوا هذه المرحلة كالأستاذ مرتضى فرج الله، والأستاذ إبراهيم الوائلي، والسيد محمود الحبوبي، والسيد حسين بحر العلوم، ويأتي بعد هؤلاء الشعراء رعيل جديد في الوقت الذي شهدت الساحة الأدبية بروز قصيدة الشعر الحر، وتصاعد الاهتمام بها، وازدياد الانفتاح على الثقافات العالمية، وقد جمع هذا الرعيل بين الموروث الشعري العربي وبين الافادة من تيار الشعر الحديث ومنهم: الشيخ عبد الصاحب البرقعاوي، والسيد مصطفى جمال الدين، والاستاذ صالح الظالمي، والاستاذ جميل حيدر، والاستاذ محمد حسين المحتصر، والدكتور محمود البستاني، والشيخ محمد الهجري، والاستاذ عبد الامير الحصيري، وقد وجد هؤلاء الشعراء عدم إمكانية الخروج على الموروث الشعري الذي حافظت عليه مدينة النجف الاشرف، ولكنهم في الوقت نفسه وجدوا الإفادة من وسائل التعبير غير المباشر في الشعر الحديث تلائم روح العصر، وقد حافظ هذا الرعيل من الشعراء على اللغة العربية وقواعدها ومفرداتها بما يتناسب مع واقع مدينة النجف العلمي والأدبي، ذلك الواقع الذي عرف الكلمة وقوتها وسحر تأثيرها في النفوس. هذا في الوقت الذي كان الشعراء الشباب يجتمعون في مقهى (أبو المسامير) وفي الزاوية المعروفة في المقهى باسم (زاوية الشعراء) ومنهم: والأستاذ عبد الإله الصائغ، والأستاذ زهير غازي زاهد، والاستاذ موسى كريدي، والاستاذ حميد المطبعي، والأستاذ موفق خضر، وغيرهم وقد شهدت (زاوية الشعراء) ميلاد (ندوة الآداب والفنون) وقد أضاف اليها الأستاذ عبد الامير معلة كلمة (المعاصرة) ومنذ ذلك الوقت اخذت تسمى (ندوة الاداب والفنون المعاصرة) واخذت تقوم بنشاط ادبي ملحوظ في هذه الزاوية من مقهى (ابو المسامير) او في بيت من بيوت الأدباء الشباب، ولما أجيزت الندوة رسميا اتخذت من إعدادية النجف للبنين مقرا لها، وقد خطط الاستاذ زهير غازي زاهد، الى اقامة ندوات ادبية على قاعة الاعدادية شتاء، وعلى حدائق نادي الغري للموظفين صيفا. وشارك الاستاذ عبد الامير معلة في الامسية الاولى بتاريخ 11/11/1966 يبحث عنوانه (حول الادب) وفي الامسية الثانية بتاريخ 25/11 بقصيدة شعرية. وقد ساهم في امامس (ندوة الآداب والفنون المعاصرة) جمع من الأدباء والشعراء، من النجف وبغداد وغيرهما من محافظات القطر، واصبح للندوة موقع ادبي جديد في النجف قد اضيف الى نشاطات الجمعيات الادبية المعروفة. 
اما الخطوة الثانية التي حققها الادباء الشباب هي اصدار مجلة (الكلمة) للاستاذ حميد المطبعي عام 1997، لتكون لسان حال الادباء الشباب، وقد وجد هؤلاء في مجلة الكلمة متنفسا ادبيا ضم نتاجهم الادبي من قصيدة وقصة ومقالة، وقد عبر عنها الاستاذ مالك المطلبي بالقول: (لنقف بموازاة الاداب السبيروتية في تطلبها للجديد، واحتضان الاصوات وتبنيها للادب الحديث) . وفي الوقت نفسه اخذت (مجلة الكلمة) تنافس المجلات الادبية التي تصدرها الجمعيات النجفية التي تستقطب كتابا وباحثين من الجامعات الراقية والعربية وغيرهم من الادباء والشعراء والمفكرين ويبدو ان الشيخ عبد الصاحب البرقعاوي قد تمحور حول جماعة من الادباء الشباب، واتخذ من احد البيوت القريبة من مقهى (ابو المسامير) و (الرابطة الادبية) مقرا له ولجماعته. 
وتشير الذاكرة في ما قبل ثلاثة عقود من الزمن الى مقهى (ابن حجي) الواقعة في بداية شارع الامام الصادق، وعلى امتداد شارع الخورنق المؤدي الى (مقهى ابو المسامير) وقد اتخذ بعض الادباء من مقهى (ابن حجي) منتدى ادبيا، وانطلقت من ارائكها الخشبية اصوات شابة ارادت ان يكون لها في النجف موقع أدبي جديد. وكان الاساتذة عبد الأمير معلة، وموسى كريدي، وعبد الاله الصائغ، وزهير غازي زاهد وغيرهم من جماعة مقهى (ابو المسامير) يترددون على (مقهى المحافظات) فيها كالاستاذ حميد سعيد الذي كان وثيق الصلة بالاستاذ عبد الأمير معلة، وعن طريقه يلتقي ادباء النجف وشعراؤها بالاستاذ حميد سعيد، وقد شهد (مقهى ابن حجي) القاص يوسف الحيدري، والشاعر فوزي كريم. وفي الستينيات كانت (مقهى عيدان) الواقعة في منتصف شارع الامام زين العابدين ملتقى مجموعة من الادباء والشعراء النجفيين وفي مقدمتهم، عبد الأمير معلة، وموسى كريدي، وحميد المطبعي، وكامل الشرقي، ومحمد حسين الاعرجي، ورضا الاعرجي، ومحمد حسن الاعرجي، ومحمد حسين غيبي، وناظم السماوي، وكاظم البياتي، ورزاق ابراهيم حسن، وحمد القابجي، وامين الحلفي، وكان هؤلاء ينشدون التجديد بالأدب، والانفتاح علي الثقافات العالمية، والإفادة من المنجزات الفنية والأدبية لهذه الثقافات ف الوقت الذي شهد بروز وتصاعد الاهتمام بقصيدة الشعر الحر، وكان كثير من الأدباء المحافظات يلتقون بهم في الرأي والفكرة إذا جاءوا إلى مدينة النجف الاشرف لزيارة مرقد الإمام علي عليه السلام، او مراجعة المطابع ودور النشر. فيحتضن (الكهف الاخضر) من (مقهى عيدان) هؤلاء الشعراء والأدباء، وقد التقت هذه النخبة بالشاعر العربي (ادونيس) في الكهف الأخضر، ودارت مناقشات ومحاورات حول المتغيرات الأدبية على الساحة العربية. وقد نشرت جريدة (كل شيء) قصيدة للشاعر محمد حسين علاوي غيبي، وقصيدة للشاعر محمد حسين عيسى الأعرجي باسم (جماعة الكهف الأخضر). 
وكان الاستاذان حسن الحكيم وهاشم الطالقاني صاحب (مجلة عبقر) يترددان على مقهى عيدان، وان لم يكونا على وفاق مع جماعة الكهف الاخضر، وكان النقاش الادبي في كثير من الاحيان يحتدم بين الادباء، ويمتزج مع ضخب المقهى ورواده من الكسبة والعمال الذين يقضون وقتا في المقهى يشربون خلاله الشاي ثم يعودون لاعمالهم، وفي مقهى عيدان تبلورت لدى الاديب رضا الاعرجي والاديب حسون باقر فكرة اصدار مجلة (جيلي) للادب الحديث. 
وكانت (مقهى عبود) الواقعة في سوق المشراق ملتقى الادباء والشعراء (جماعة الفحصى الشعبي) ومن ابرزهم: السيد يحيى الصافي، والسيد يحيى السلطاني، وعبد الزهرة تركي والشيخ عبد الحسين ابو شبع، وكانوا يحتلون جناحا من المقهى ويحتل فريق الجمهور الرياضي جناحا آخر، وكانت المطاردات الشعرية تطغى على رواد المقهى من الادباء والشعراء، وكانت تكتب على قصاصات صغيرة او على اغلفة علب السكائر، وقد انشد السيد يحيى السلطاني هذا البيت: 
سمعنا عن جدار البيت يحكى فيه اذان 
فكيف الناس اهل البيت عابوا وان خانوا
وتتابع الحضور على الانشاد، ولم ينفض الجمع عن قصيدة طويلة.
وتستمر الذاكرة في عرض النشاطات الادبية في النجف خلال فترة الستينيات يوم كنا على ملاك التعليم الثانوي فنتخذ من حدائق (نادي الغري) للموظفين. عصر كل يوم مكانا للراحة لتبادل الاحاديث الادبية والتاريخية والفلسفية وكان الادباء والشعراء والكتاب ينقلون نتاجهم في حدائق النادي فيتحلقون حلقات حلقات وتدور فيما بينهم الاحاديث حول الشعر والقصة والأدب.