النجف قديماً بقلم الراحل  الدكتور مصطفى جواد

 

 

النجف قديماً

النجف اسم عربي ومعناه «المنجوف» كالعدد بمعنى المعدود، قال ابن فارس؟ «النون والجيم والفاء: أصلان صحيحان أحدهما يدل على تبسط في شيء مكان أو غيره، والآخر يدل على استخراج شيء، فالأول النجف: مكان مستطيل منقاد ولا يعلوه الماء والجمع نجاف، ويقال: هي بطون من الأرض في أسافلها سهولة تنقاد في الأرض لها أودية تنصب إلى لين من الأرض، ويقال لابط الكثيب نجفة الأرض.

ومن الباب النجيف من السهام: العريض، ونجفت السهم: بريته، كذلك وأصلحته، وسهم منجوف ونجيف وغار منجوف واسع(1)…». وقال الجوهري في الصحاح: «النجف والنجفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد والجمع نجاف…» وأورد بعد ذلك كبعض ما نقلنا آنفاً، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: «وفي بطن الوادي نجفة ونجف وهي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء»، وجاء في لسان العرب «النجفة أرض مستديرة مشرفة والجمع نجف ونجاف… ابن سيده: النجف والنجاف شيء يكون في بطن الوادي، شبيه بنجاف الغبيط جنداً وليس بجد عريض، له طول منقاد من بين معوج ومستقيم الماء، وقد يكون في بطن الأرض… والنجفة شبه التل… وقال الليث: النجفة تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بعريض… ابن الأعرابي النجفة: المسناة، والنجف التل. قال الأزهري: والنجفة التي يظهر الكوفة وهي كالمسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها»، وقال الفيروز آبادي في القاموس: «النجف محركة، وبهاء (النجفة) مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض جمعه نجاف أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، والنجف محركة: التل.. والمسناة ومسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها ومنازلها». وقال المطرّزي في المغرب: النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة على فرسخين منها يمنع ماء السيل أن يعلو منازلها ومقابرها(1)، ومنه قول القدوري: كان الأسود إذا حج قصر من النجف وعلقمة من القادسية».

وقال ياقوت في معجم البلدان: «النجف بالتحريك… وهو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء أن يعلو الكوفة ومقابرها، وبالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقد ذكرته الشعراء في أشعارها… «وقال أبو الفداء في وصف الحيرة: «والحيرة مدينة جاهلية كثيرة الأنهار وهي عن الكوفة على نحو فرسخ.. والحيرة على موضع يقال له النجف زعم الأوائل أن بحر فارس كان يتصل به، وبينها اليوم مسافة بعيدة»(1).

وفذلكة الأقوال أن النجف إنما سمي بهذا الاسم لأنه يعني أرضاً عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها وينجفها الماء من جوانبها أيام السيول ولكنه لا يعلوها فهي كالنجد والسد، وتغلب على شكلها الاستطالة دون الاستدارة التي أشار إليها بعض اللغويين، لأنها ضد الاستطالة، ولأن صفة النجف الحالية في استطالة أرضه تؤيد ذلك، وأما الاستدارة التي ظنها بعض اللغويين في «النجف» فهي مستندة إلى استدارة قطعة تكون في النجف اتفاقاً لا دوماً وتسمى «الرحا» جاء في لسان العرب «والرحا: قطعة من النجفة مشرفة على ما حولها تعظم نحو ميل والجمع أرحاء، وقيل: الأرحاء قطع من الأرض غلاظ دون الجبال تستدير وترتفع عما حولها، ابن الأعرابي: الرحا من الأرض مكان مستدير غليظ يكون بين رمال. قال ابن شميل: الرحا القارة الضخمة الغليظة وإنما رحَّاها استدارتها وغلظها وإشرافها على ما حولها وأنها أكمة مستديرة مشرفة ولا تنقاد على وجه الأرض ولا تنبت بقلاً ولا شجراً، وقال الكميت:

إذا ما القف ذو الرحيين أبدى  محاسنه وأفرخت الوكور»  وقال الفيروز أبادي في القاموس: «الرحا: الصدر… وقطعة من النجفة مشرفة تعظم نحو ميل».

ومما يؤيد ارتفاع أرض النجف ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني أن حنيناً الحيري المغني القائل:

أنا حنين ومنزلي النجف  وما نديمي إلا الفتى القصف  لما حج هشام بن عبدالملك سلك طريق الفرات ـ وأحسبه جاء من الرصافة ـ فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عود وزامر له وعليه قلنسوة طويلة، فقال هشام: من هذا؟ فقيل: هذا حنين الحيري. فأمر به فحمل في محمل على جمل وعديله زامره وسير به أمامه وهو يتغنى، فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف فأمر له بمائتي دينار(1). فقوله: «حتى نزل من النجف» يدل على أنه نزل من أرض عالية كائناً ارتفاعها ما كان(1).

وسميت هذه الأرض المتعادية(1) التي منها النجف «النجاف» وكأنه جمع النجفة، وهي التي تلي الصحراء ويقابلها مما يلي الفرات «الملطاط» قال ابن قتيبة: «وكانت العرب تقول: ادلع البر لسانه في الريف فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن منه فهو النجاف» وقال ياقوت: «اللسان من أرض العراق في كتابه الفتوح.. واللسان لسان البر الذي أدلعه في الريف عليه الكوفة اليوم والحيرة قبل اليوم، قالوا: ما أراد سعد تمصير الكوفة أشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان. وظهر الكوفة يقال له اللسان وهو فيما بين النهرين إلى العين: عين بني الجرَّاء، وكانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط وما كان يلي البطن منه فهو النجاف قال عديّ بن زيد:

ويح أمِّ دار حللنا بها  بين الثوية والمردمه  بريّة غرست في السَّوادِ  كغرس المضيغة في اللهزمهْ(1)  لسان لعربة ذو ولفة  تولغ في الريف بالهندمهْ»  وقال السهيليُّ في وصف دومة الحيرة: «ودُومة بضمّ الدال… ودومة بالضمّ أخرى وهي عند الحيرة ويقال لما حولها النجف(1)». وقال القعقاع بن عمرو:

سقى الله قتلى بالفرات مقيمة  وأخرى بأثباج النجاف الكوائن  وقيل أن النجف كان قريباً من البحر وذكر ابن الدبيثي في تاريخه أن عبدالجبار بن معيّة العلويَّ قال: «خرج قوم من أهل الكوفة يطلبون الأحجار الغرويه يجمعونها لأيام الزيارات والمعيشة بها، وبالكوفة من يعمل ذلك إلى اليوم وأبعدوا في الطلب إلى النجف وساروا فيه حتى خافوا التيه فوجدوا ساجة كأنها سكان مركب عتيقة وإذا عليها كتابة، فجاؤوا بها إلى الكوفة، فقرأناها فإذا عليها مكتوب: سبحان مجري القوارب، وخالق الكواكب، المبتلي بالشدة امتحاناً، والمجازي بالإحسان إحساناً، ركبت في البحر في طلب الغنى ففاتني الغنى وكسر بي، فأفلتّ على هذه الساجة، وقاسيت أهوال البحر وأمواجه، ومكثت عليها سبعة أيام ثم ضعفت عن مسكها فكتبت قصتي بمدية كانت معي في خريطتي فرحم الله عبداً وقعت هذه الساجة إليه فبكى لي، وامتنع عن مثل حالي(1)».

وعلى ذكر قرب النجف من البحر ودعوى صحة قصة الفريق المذكور ينبغي توجيه ذلك أو نفيه، فكيف كان البحر يبلغ النجف، أو يتصل بأرضه المطمئنة وفي أخبار الحيرة في صدر الإسلام ما يؤيد وجود البحر هناك، فقد ذكر الشريف المرتضى التاحاور بن خالد بن الوليد وعبد المسيح بن بقيلة الغساني، قال له خالد فيما قال: «كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع مكتلها على رأسها لا تزوّد إلا رغيفاً حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت خراباً يباباً وذلك دأب الله في العباد والبلاد»(1).

قال ابن واضح في كتابه البلدان في الكلام على الكوفة: «والحيرة منها على ثلاثة أميال، والحيرة على النجف والنجف كان ساحل بحر الملح وكان في قديم الدهر يبلغ الحيرة وهي منازل آل بقيلة وغيرهم»(1).

وأريد بالبحر أحياناً الفرات نفسه، جاء في لسان العرب في مادة ب ح ر وقال عدي بن زيد:

وتذكر رب الخورنق إذا أشـ  رف يوماً وللهوى تذكير  سره ماله وكثرة ما يمـ  لك والبحر معرضاً والسدير  أراد بالبحر ههنا الفرات لأن رب الخورنق كان يشرف على الفرات».

وقال ياقوت في كلامه على الحيرة: «زعموا أن بحر فارس كان يتصل بالنجف»(1).

وقال المسعودي: «وقد كان الفرات لأكثر من مائة ينتهي إلى بلاد الحيرة ونهرها بيِّن إلى هذا الوقت فيصب في البحر الحبشي في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت، وكانت تتقدم هناك سفن الصين والهند ترد إلى ملوك الحيرة، وقد ذكر ما قلنا عبدالمسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني حين خاطب خاله بن الوليد في أيام أبي بكر بن أبي قحافة ـ رضي الله عنه ـ حين قال له: ما تذكر؟ قال: «أذكر سفن الصين وراء هذه الحصون، فلما انقطع الماء عن ذلك الموضع انتقل البحر براً فصار من البحر في هذا الوقت على مسيرة أيام كثيرة ومن رأى النجف وأشرف عليه تبين له ما وصفنا(1).

وسيأتي قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

حُفَّت ببر وبحر من جوانبها  فالبرُّ في طرف والبحر في طرف(1)  ولكننا لا نعد ذلك تصديقاً لوجود بحر حقيقي، وإنما نفهم أن الفرات كان يسيح ماؤه في تلك البطاح ويرفده الخندق الذي شقه سابور ذو الأكتاف «310 ـ 380م» في غربي الفرات بين أعالي العراق الغربية وأسافله، وترفده كذلك الأودية التي تأتي من النجاد الغربية من صحراء السماوة القديمة من شمالي جزيرة العرب، فتكون بطائح واسعة ترى كأنها البحر وكان من بقاياها «بحر الشنافية» و«بحر النجف» المعروف الاسم حتى اليوم(1)، ولا يبعد اتصال هذه البطائح ببحر فارس، كما نقل ياقوت من زعم الناس في مادة الحيرة من معجم البلدان، قال: «الحيرة بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل به» فخندق سابور كان واسعاً وعميقاً ويتصل ببحر فارس في الخليج المعروف اليوم بخور عبدالله، لأنه إنما حفره ووسّعه ليحمي بلاده من هجمات العرب الخاطفة ولا خصاب الأرض للأعراب الموالين له.

وهذا الماء المختلط المتبطح مذكور الحبر في السيرة، فقد جاء في أخبار عرض النبي(ص) نفسه على القبائل أن المثنى بن حارثة الشيباني قال له(ص): «قد سمعت مقالتك يا أخا قريش.. وإنا إنما نزلنا بين صريين اليمامة والسماوة» فقال النبي(ص): «ما هذان الصريان؟» فقال: «أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وإما ما كان مياه العرب فذنبه مغفور وعذره مقبول»(1) وجاء في الفائق الزمخشري «لما أحضر (النبي) بني شيبان وكلم سراتهم قال له المثنى بن حارثة: إنا نزلنا بين صيرتين اليمامة والشمامة، فقال(ص): «وما هاتان الصيرتان؟» فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، نزلنا بينها»(1) فقال الزمخشري: «الصيرة: فعلة من صار يصير وهي الماء الذي يصير إليه الناس ويحضرونه، ويقال للحاضرة مسيرة وقد صاروا إذا حضروا الماء(1)، وقال ابن الأثير المبارك: «في حديث عرض نفسه(ص) على القبائل: وإنما نزلنا الصريين: اليمامة والسمامة. هما تثنية صرى وهو الماء المجتمع، ويروى الصيرين وسيجيء في موضعه». ثم قال: «وفي حديث عرضه على القبائل، قال له المثنى: إنا نزلنا بين صيرين اليمامة والسمامة، فقال رسول الله(ص): «ما هذان الصيران؟ فقال: مياه العرب وأنهار كسرى» قال المبارك: «الصير: الماء الذي يحضره الناس وقد صار القوم يصيون إذا حضروا الماء، ويروي بن صيرتين وهي فعلة منه…».

وإذ ذكرنا السبب في حفر سابور ذي الأكتاف الخندق العظيم المنسوب إليه نذكر ما يؤيده من تاريخ الطبري من أخبار هجوم العرب على أطراف المملكة الساسانية وتوغلهم فيها وإمعانهم في أقطارها.

قال أبو جعفر الطبري في أخبار ملوك الفرس الساسانيين تحت عنوان «سابور ذو الأكتاف»: «ثم ولد سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام.. مملكاً بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق وكتبوا الكتب ووجهوا به البُرُد إلى الآفاق والأطراف، وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه، ولم يزالوا على ذلك حتى فشا خبرهم وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم (كذا) وأن أهلها إنما يتلومون صبياً في المهد لا يدرون ما هو كائن من أمره، فطمعت في مملكتهم الترك والروم، وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم لسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية عبدالقيس والبحرين وكاظمة حتى أناخوا على إيرانشهر وسواحل أردشير خره وأسياف فارس وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعنايشهم وأكثروا الفساد في تلك البلاد، فمكثوا على ذلك من أمرهم حيناً لا يغزوهم أحد من الفرس لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال وقلة هيبة الناس له حتى تحرَّك سابور وترعرع… حتى تمَّت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل واشتد عظمه.. ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم وتقدم إليهم في المضي لأمره ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون وقتل منهم أبرح القتل وأسر أعنف الأسر وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط واستقرى بلا البحرين يقتل أهلها ولا يقبل فداءاً ولا يعرّج على غنيمة ثم مضى على وجهه فورد هجر وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبدالقيس فأفشى فيهم القتل وسفك فيهم من الدماء سفكاً سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار ولا جبل ولا جزيرة في بحر ثم عطف إلى بلاد عبدالقيس فأباد أهلها إلا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة، ولم يمر بماء من مياه العرب إلاَّ غوَّره ولا جبّ من جبابهم، إلاَّ طمَّة ثم أتى قرب المدينة فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطم مياههم وأنه أسكن من بني تغلب من البحرين دارين واسمهما هيج والخط، ومن كان عبدالقيس وطوائف من بني تميم هجر ومن كان من بكر بن وائل كرمان وهم الذين يدعون بكر أبان، ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز وأنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة فسماها بزرج سابور وهي الأنبار…»(1).

وذكر الطبري بعد ذلك تملك لليانوس (يوليانس) في المملكة الرومية وحشده جموعاً من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب ليقاتل بهم سابور وجنود فارس، وقال: «وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور وما كان من قتله العرب، واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل، فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس… وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور، فأجابهم إلى ما سألوه، فزحفوا إلى سابور فقاتلوه ففضوا جمعه وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب سابور فيمن بقي من جنده واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون (المدائن) محلة سابور، وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها، وذكر بعد ذلك استرداد سابور مدينة طيسبون وهزمه لجيوش ملك الروم ثم قال: وإن سابور ضري بقتل العرب ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف، وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامة ثم هبط إلى الشام»(1).

وقال الطبري: ثم استصلح (سابور) العرب وأسكن بعض قبائل تغلب وعبدالقيس وبكر بن وائل كرمان وتوِّج والأهواز.. وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدِّي بن ربيعة بن نصر فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرىء القيس»(1).

خندق سابور ذي الأكتاف «كري سعدة»

قال ياقوت الحموي: وخنق سابور في برية الكوفة، حفره سابور بينه وبين العرب خوفاً من شرهم، قالوا: كانت هيت وعانات مضافة إلى طسُّوج الأنبار، فلما ملك أنو شروان (531 ـ 579م) بلغه أن طوائف من الأعراب يغيرون على ما قرب من السواد إلى البادية، فأمر بتجديد سور مدينة تعرف بالنسر كان سابور ذو الأكتاف بناها وجعلها مسلحة تحفظ ما قرب البادية وأمر بحفر خندق من هيت يشق طفَّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة وينفذ إلى البحر وبنى عليه المناظر والجواسق ونظمه بالمسالح ليكون ذلك مانعاً لأهل البادية من السواد، فخرجت هيت وعانات بسبب ذلك الخندق، من طسوج شاه فيروز لأن عانات كانت قرى مضمومة إلى هيت(1)»، وقال في المشترك: «وخنق سابورفي برية الكوفة، كان سابور ذو الأكتاف أمر بحفره ليكون مانعاً للعرب من العيث في أرض السواد(1)».

وقال صفي الدين بن عبدالحق في مراصد الاطلاع: «وخندق سابور في برية الكوفة، حفره سابور ملك الفرس بينه وبين العرب من هيئة(1) يشق طف البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة إلى البحر وبنى عليه المناظر والجواسق ونظمه بالمسالح(1)». وهذا يعنيأنه كان متصلاً بما يسمى خور عبدالله.

وقال ياقوت أيضا»: «والطف أرض من صاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ وهي أرض بادية قريبة من الريف، فيها عدة عيون ماء جارية منها الصيد والقطقطانة والرهيمة وعين جمل وذواتها وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم، وذلك أن سابور أقطعهم أرضاً يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجاً، فلما كان يوم ذي قار ونصر الله العرب بنبيه(ص) غلبت العرب على طائفة من تلك العيون، وبقي بعضها في أيدي الأعاجم(1)».

وقال البلاذري: «قالوا: كانت عيون الطف من عين الصيد والقطقطانة وعين جمل وذواتها للموكلين بالمسالح التي وراء السواد وهي عيون خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب الموكلين بمسالح الخندق وغيرهم، وذلك أن سابور أقطعهم أرضاً فاعتملوها من غير أن يلزمهم لها خراجاً، فلما كان يوم ذي قار ونصرالله العرب بنبيه(ص) غلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي في أيدي الأعاجم بعضها ثم لما قدم المسلمون الحيرة هربت الأعاجم بعد أن طمست عامة ما في أيديهم منها وبقي الذي في أيدي العرب فأسلموا عليه وصار ما عمروه من الأرضين عشرياً(1).

ولا يزال تحقيق خندق سابور واضحاً في غربي النجف وموضع الحيرة وكربلا ويعرف «بكري سعدة»(1) ولا تزال قائمة من مسالح سابور ذي الأكتاف مسلحة عظيمة تعرف (بحصن الأخيضر) وهو مشيد في أرض بسيطة بين تلال وأطلال متعادية، وكأن الأرض التي أنشىء فيها كانت السهل الوحيد المؤدي إلى بلاد السواد لمن يقصدها من الفرسان، وكان الحصن هذا هو الذي حاصر خالد بن الوليد جنوده وحاميته، قال البلاذري: «قالوا وأتى خالد بن الوليد رجل دلَّه على سوقة يجتمع فيها كلب وبكر بن وائل وطوائف من قضاعة فوق الأنبار فوجه إليها المثنى بن حارثة فأغار عليها فأصاب ما فيها وقتل وسبى ثم أتى خالد عين التمر فألصق بحصنها وكانت مسلحة للأعاجم عظيمة، فخرج أهل الحصن فقاتلوا ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد والمسلمون حتى سألوا الأمان، فأبى أن يؤمنهم وافتتح الحصن عنوة وقتل وسبى، ووجد في كنيسة هناك جماعة سماهم…»(1).

النجف

مصحة قديمة

وكان النجف ولا يزال كذلك طيب المناخ، عذي الأرض والهواء مصحة للأجسام العليلة، ومنجاة من الأمراض الوبيلة، وقد أيد ذلك الاختبار والأخبار والأشعار، ومن ذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف  نحي داراً لسعدى ثم ننصرف  لم ينزل الناس من سهل ولا جبل  أصفى هواءاً ولا أعذى من النجف  حفت ببرّ وبحر من جوانبها  فالبرّ في طرف والبحر في طرف  وما يزال نسيم من يمانية  يأتيك منها بريّا روضة أنف  كأن تربته مسك يفوح به  أو عنبر دافه العطار في صدف(1)  وقال الجاحظ: «هرب رجل من الطاعون إلى النجف أيام شرح، فكتب إليه شريح: أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلاً ولن يكثر رزقاً وإن المقام لن يقرب أجلاً ولن يقلل رزقاً وإن النجف من ذي قدرة لقريب»(1).

وكان هذا فضولاً من شريح ـ رحمه الله ـ فلو أتبع قوله لم يستشف مريض ولا استوصف الأطباء، ولا شرب الدواء لدفع الأدواء، ولا أحسن السكن والغذاء، ومن أجل صفاء الماء والهواء وعذاوة الأرض بنى المناذرة قصرهم المشهور «الخورنق» قرب النجف، قال ياقوت الحموي: «الخورنق». الذي عليه أهل الأثر والأخبار أن الخورنق قصر كان بطهر الحيرة وقد اختلفوا في بانيه فقال الهيثم بن عدي: الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرىء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الحارث بن لخم… ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستين سنة بناه له رجل من الروم يقال له سنمار.. وكان النعمان هذا قد غزا الشام مراراً وكان من أشد الملوك بأساً، فبينما هو ذات يوم جالس في مجلسه في الخورنق فأشرف على (النجف) وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي المشرق والخورنق مقابل الفرات يدور عليه على عاقول كالخندق فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار فقال لوزيره: أرأيت مثل هذا المنظر وحسنه؟ فقال: لا والله أيها الملك ما رأيت مثله لو كان يدوم، فقال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذلك؟ قال: بترك هذه الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده. فترك ملكه في ليلة ولبس المسوح وخرج مختفياً هارباً لا يعلم به أحد ولم يقف الناس على خبره إلى الآن». ثم ظهر تخليه من الملك ولحاقه بالنساك في الجبال والفلوات فما رؤي بعد ذلك ويقال إن وزيره صحبه ومضى معه، وفي ذلك يقول عدي بن زيد:

وتبيّنْ رب الخورنق إذ أشـ  رفَ يوماً وللهدى تفكير  سرّه ما رأى وكثرة ما يمـ  لك والبحر معرضاً والسدير  فارعوى قلبه وقال فما غبـ  طة حيّ إلى الممات يصير؟  ثم بعد الفلاح والملك والإمر  ة وارتهم هناك القبور  ثم صاروا كأنهم ورق جف  فألوت به الصبا والدبور  وقال ابن الكلبي: صاحب الخورنق والذي أمر ببنائه بهرام جور بن يزد جرد بن سابور ذي الأكتاف وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد وكان لحق ابنه بهرام جور في صغره علة تشبه الاستسقاء فسأل عن منزل مريء، صحيح من الأدواء والأسقام ليبعث بهرام إليه خوفاً عليه من العلة فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده إلى أرض العرب ويسقى أبوال الإبل وألبانها فأنفذه إلى النعمان وأمره أن يبني له قصراً مثله على شك بناء الخورنق فبناه له وأنزله إياه وعالجه حتى برأ من مرضه ثم استأذن أباه في المقام عند النعمان فأذن له فلم يزل عنده نازلاً قصره الخورنق حتى صار رجلاً ومات أبوه فكان من أمره في طلب الملك حتى ظفر بما هو متعارف مشهور».

وذكر كريستنسن في كتابه (إيران في عه الساسانيين) في كلامه على سيرة يزدجرد وأبنائه، قال: «والمؤكد أن بهرام كان يعيش في قصر الخورنق بالحيرة وهو القصر الذي ينسب بناؤه إلى النعمان اللخمي ولكن تاريخه يرجع بغير شك إلى تاريخ أقدم زماناً»(1). وتطرق هذا المؤلف في الصفحة 442 إلى بناء سنمار للخورنق.

وذكر أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، بسنده عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: «دخلت على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد. فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيباً وأنت تفعل بنفسك هذا؟ فقال: إني والله لا أرزأ من أموالكم شيئاً وهذه القطيفة التي أخرجتها من بيتي (أو قال) من المدينة(1).

النجف والحيرة

الحيرة المدينة العربية المشهورة في تاريخ العرب وجغرافية بلادهم أنشئت في منطقة النجف وكان ينبغي أن تضاف إليه فيقال «حيرة النجف» إلا أن العادة جرت بتعريف الغامر بالعامر فأضيف النجف إلى الحيرة فقيل «النجف الحاري» أي انجف الحيري، قال ياقوت: ولبعض أهل الكوفة:

وبا(النجف الحاري) أن زرت أهله  مهاً مهملات ما عليهن بائس  خرجن بحب اللهو في غير ريبة  عفائف باغي اللهو منهن آيس  يردن إذا ما المس لم يخش حرَّها  ظلال بساتين جناهن يابس  إذا الحر آذاهن لذن بفيئه  كما لا بالظل الظباء الكوانس  لهن إذا ما استعرضتهن عشية  على ضفة النهر المليح مجالس  يفوح عليك المسك منه وأن تقف  تحدث وليست بينهن وساوس  ولكن نقيات من اللؤم والخنا  إذا ابتزعن أبشارهن الملابس(1)  ويؤيد ذلك أن ياقوتاً الحموي قال في ذكر الحيرة «.. مدينة كانت على ثلاثة أيمال من الكوفة على موضع يقال له النجف»، وأن حنيناً الحيري المغني الذي ذكرناه آنفاً افتخر بأن منزله «النجف» في بيته المقدم ذكره:

أنا حنين ومنزلي النجف  وما نيمي إلا الفتى القصف  وقال بعده:

أقرع بالكأس ثغر باطية  مترعة تارة وأغترف  والعيش غصن ومنزلي خصب  لم تغذني شقوة ولا عنف(1)  أما قول البحتري:

آمق الكوفة أرضاً وأرى  (نجف الحيرة) أرضاها وطن  فقد جرى فيه على العادة التي ذكرنا آنفاً، والحقيقة أن الحيرة هي (حيرة النجف) كما ألمعنا إليه من قبل.

مباني منطقة النجف ومآثرها

1 ـ الأكيراح. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «أكيراح: بالضم ثم الفتح وياء ساكنة وراء وألف مهملة… وهي في الأصل القباب الصغار، قال الخالدي: الأكيراح وستاق نزه بأرض الكوفة، والأكيراح بيوت صغار تسكنها الرهبان الذين لا قلالي لهم، يقال لواحدها (كرح) بالقرب منها ديران يقال لأحدهما (دير مر عبدا) وللآخر (دير حنة) وهو وضع بظهر الكوفة…» وقال أبو عبيدالبكري: في معجم ما استعجم: «الأكيراح: بضم أوله تصغير أكراح بالراء والحاء: موضع بالحيرة، وموضع أيضاً آخر بالبليغ يقال له الأكيراح ـ وإياه يعني ـ الأول ـ عن الحكمي بقوله: (يا دير حنة من ذات الأكيراح) وسيأتي ذكره في باب الديارات».

2 ـ الغريان، قال ياقوت الحموي: «الغريان: تثنية الغري وهو المطلي بالغراء… والغري نصب كان يذبح عليه العتائر، والغريان طربالان وهما بناآن كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ .. بناهما المنذر بن امرىء القيس بن ماء السماء وكان السبب في ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نضلة والآخر عمر بن سعو فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فأمر وهو سكران فحفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة ودفنهما حييَّن، فلما أصبح استدعاهما، فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك وقصد حرفتهما وأمر ببناء طربالين عليها وهما صومعتان، فقال المنذر: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري: لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل ما يلقاه، ويغري بدمه الطربالين، فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ما يعن ويطليان بدمه. ولبث بذلك برهة من دهره وسمى أحد اليومين (يوم البؤس) وهو اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسان وغيره، وسمى الآخر (يوم النعيم) يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم(1) وجدت بخط أبي بكر السراج.. مر معن بن زائدة بالغريين فرأى أحدهما وقد شعثٌ وهدم فأنأ يقول:

لو كان شيء له أن لا يبيد على  طول الزمان لما باد الغريان  ففرق الهر والأيام بينهما  وكل إلف إلى بين وهجران(1)  3 ـ دير الحرق، قال ياقوت: «سمي بذلك لأنه أحرق في موضعه قوم ثم دفن فيه قوم من أهل من أحرقه هناك وعمل ديراً… ووجدته بخط ابن حمدون بالخاء المعجم ـ في الشعر والترجمة… وهو بالحيرة قديم وفيه يقول الثرواني(1):

دير الحريق فبيعة المزعوق  بين الغدير فقبة الشنيق  أشهر إلي من الصراة ودورها  عند الصباح ومن رحى البطريق(1)  فاغدوا بناكر من ذخائر عتبة  الخمار من صافي الدنان رحيق  يا صاح واجتنب الملام أما ترى  سمجاً ملامك لي وأنت صديقي(1)  وقال ابن فضل الله العمري: «دير الحريق قديم، هو بالحيرة، بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عدي عليه وأحرقه فيه، وإلى جانبه قبة تعرف بقبة السنيق وتعرف بقبة غصين وهما راهبان نسبتا إليهما وهما بديعتا البناء، وفي الدير وفيها يقول الثرواني:

دير الحريق وقبة السَّنيق  مغنى لحِلف مدامة وفسوق  وطن لفرقته شرقت بدمعتي  ولرحلتي عنه غصصت بريقي  حكى حمزة بن أبي سلامة قال: كان الثرواني جاري بالكوفة وكان كثير الإلمام بالديرة فباكرني في يوم شعانين(1) وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق لأنه يوم سيقصده فيه خلق ولي به صدي من رهبانه ظريف، مليح القلاية جيد الشراب فهلم ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان ثم نعدل إلى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض، فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحلي والحلل ما لم أر مثله قط، فلم يزل يعبث ويتعرض ويقبل ويعانق ـ وكان معروفاً بذلك فما أحد ينكر عليه فعله إلى بعد الظهر، ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب، فدخلنا قلايته فما رأينا أنظف من آلاتها ولا أنضر من بستانها، ثم قدم لنا شيئاً من طعامه، فأصبنا منه ثم صعدنا سطحها وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسناً وجمالاً من رياض وغدران وطير تصفر، ونحن نشرب حتى ثملنا ونما هناك، وغدونا على الكوفة، فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه عاطلاً من حلي شعرك؟ فقال: لا والله ولقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات ثم أنشدني:

خرجنا في شعانين النصارى  وشيعنا صليب الجاثليق  فلم أر منظراً أحلى بعيني  من المتقيّنات على الطريق  حملنا الخوص والزيتون حتى  بلغن به إلى (دير الحريق)  أكلناهن باللحظات عشقاً  وأضمرنا لهن على الفوسق(1)  4 ـ دير الأسكون(1)، قال ياقوت: «هو بالحيرة ـ راكب على النجف وفيه قلالي وهياكل وفيه رهبان يضيفون من ورد عليهم وعليه سور عال حصين وعليه باب حديد ومنه يهبط إلى غدير بالحيرة، أرضه رضراض ورمل أبيض وله مشرعة تقابل الحيرة لها ماء إذا انقطع النهر كان منها شرب أهل الحيرة..».

ونقل ابن فضل الله العمري وصفه من كتاب «ديارات الحيرة» وظهر أن ياقوتاً الحموي نقل من المرجع نفسه وزاد العمري قوله: «قال ـ يعني مصنف ديارات الحيرة ـ: وإليه تجتمع النصارى في أعيادهم وفي كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة فإذا كان يوم الشعانين أتوه من كل ناحية مع شماميسهم بصلبهم وأعلامهم فإذا استتموا فيه وفي القصر الأبيض والعلالي المدانيَّة خرج أسقفهم بهم إلى مكان يعرف بقبيبات الشعانين (وهي قباب على ميل من ناحية طريق الشام) فأقام بهم فيها يومهم ذلك إلى آخره ولكل منهم يومئذٍ شأن يغنيه».

5 ـ دير حنة، قال ياقوت الحموي: «هو دير قديم بالحيرة منذ أيام بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع، تقابله منارة عالية كالمرقب تسمى القائم لبني أوس بن عمرو بن عامر، وفيه يقول الثرواني:

يا دير حنة عند القائم الساقي  إلى الخورن من دير ابن براق  ليس السلو وإن أصبحت ممتنعاً  من بغيتي فيك من شكي وأخلاقي  سقياً لعافيك من عاف معالمه  قفر وما فيك مثل الوشم من باق  ودير حنة بالأكيراح الذي قيل فيه: «يا دير حنة من ذات الأكيراح» هذا أيضاً بظاهر الكوفة والحيرة، لا أدري أهو هذا المذكور هنا أم غيره وقد ذكر شاهده في الأكيراح». وقد كان قال في الأكيراح: … بالقرب منها ديران يقال لأحدهما (دير مرعبدا) وللآخر (دير حنة) وهو موضع بظاهر الكوفة كثير البساتين والرياض، وفيه يقول أبو نواس:

يا دير حنة من ذات الأكيراح  من يصح عنك فإني لست بالصاحي  يعتاده كل مجفو مفارقه  من الدهان عليه سحق أمساح  في فتية لم يدع منهم تخوفهم  وقوع ما حذروه غير أشباح  لا يدلفون إلى ماء بباطية(1)  إلا اغترافاً من الغدران بالراح  قرت بخط أبي سعيد السكري (حدثني أبو جعفر أحمد بن أبي الهيثم البجلي قال رأيت الأكيراح وهو على سبعة فراسخ من الحيرة مما يلي مغرب المس من الحيرة وفيه ديارات فيها عيون وآبار محفورة يدخلها الماء)… وقال بكر بن خارجة:

دع البساتين من آس وتفاح  واقصد إلى الشيخ من ذات الأكيراح  إلى الدساكر فالدير المقابلها  لدى الأكيراح أو دير ابن وضاح  منازل لم أزل حيناً ألازمها  لزوم عاد إلى اللذات روّاح»  وقال ابن فضل الله العمري: «دير حنة بالحيرة من بناء نوح، هكذا نقلته ولا أعرف من هو، وإلى جانبه قائم، حكى أحمد بن عمر الكوفي، قال: كان بالكوفة رجل أديب ضعيف الحال مهما وقع في يده من شيء أتى به إلى دير حنة فيشرب فيه حتى يسكر، ثم ينصرف إلى أهله ويقول: يعجبني من الغراب بكوره في طلب الرزق وربما بات به ويقول:

تطاول ليلك بالزاويه  وكان البيت بها عافيه  ومن تحت رأسك آجرّة  وجنبك ملقىً على باريه  وذلك خير من الانصراف  فتحكم فيك بنو الزانيه  وتصبح إمّا رهين السجون  وإما قتيلاً على ساقيه  قال: فوجد والله بعد أيام قتيلاً على ساقية وهو القائل:

ما لذة العيش عندي غير واحدة  هي البكور إلى بعض المواخير  لخامل الذكر مأمون بوائقه  سهل القياد من الفره المدابير  حتى يحل على دير ابن كافرة  من النصارى ببيع الخمر مشهور  كأنما عقد الزنَّار فوق نقاً  واعتمّ فوق دجى الظلماء بالنور  وفيه قال الثرواني:

يومي بهيكل دير حنة لم يزل  غرُّ السحاب تجود فيه وتمرع  متجوش طوراً وطوراً شاهراً  بيض السيوف ودارة يتدرع  وكذلك قال فيه بكر بن خارجة الكوفي:

ألا سقي الخورنق من محل  طريف الروض معشوق أنيق!  أقمت بدير حنّته زماناً  بسكر في الصبوح وفي الغبوق  ومنا لابس إكليل زهر  ومختضب السوالف بالخلوق  كأن رياضه حسناً ونوراً  سحائب ذهّبت بسنا البروق  كأن تقاطر الأشجار فيه  إذا غسق الظلام قطار نوق  وماذا شئت من در الأقاحي  هناك ومن يواقيت الشقيق  وقد ذكر دير حنة أبو الفرج الأصفهاني وقال: «ذكره أبو نواس في شعره يعني في قوله: يا دير حنة من ذات الأكيراح.. قال: والأكيراح بلد نزه كثير البساتين والرياض والمياه، قال وبالحيرة أيضاً موضع يقال له الأكيراح فيه دير، والأكيراح قباب صغار يسكنها الرهبان، يقال للواحد منها الكرح»(1).

6 ـ دير ابن مزعوق، قال الشابشتي: «وهذا الدير بالحيرة في وسطها وهو دير كثير الرهبان، حسن العمارة، أحد المتنزهات المقصودة والأماكن الموصوفة، ولمحمد بن عبدالرحمن الثرواني فيه:

هل لك في مار فايثون وفي  دير ابن مزعوق غير مختصر  ونسأل الأرض عن منابتها  وعهدها بالربيع والمطر  يا لك طيباً وشم رائحة  كالمسك يأتي بنفحة السحر  في شرب خمر وسمع محسنة  تلهيك بين اللسان والوتر  والثرواني هذا كوفيّ من المطبوعين في الشعر والمنهمكين في الباطلات والمتطرحين في الحانات والمدمنين لشرب الخمر، والمغرقين في أتباع المرد، لا يعرف شيئاً غير ذلك، ولا يوجد شيء من الدنيا إلا فيه وكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمَّار بين زقيّ خمر وهو ميت(1)…

وقال ياقوت في معجم البلدان: «دير المزعوق ويقال دير ابن المزعوق، وهو قديم بظاهر الحيرة، قال محمد بن عبدالرحمن الثرواني:

قلت له والنجوم طالعة  في ليلة الفصح أول السحر  هل لك في مار فاثيون وفي  دير ابن مزعوق غير مقتصر؟  يفيض منه النسيم عن طرق الشام  وريح الندى عن المدر(1)  ونسأل الأرض عن بشاشتها  وعهدها بالربيع والمطر  في شرب خمر وصدع محسنة  تلهيك بين اللسان والوتر»  وأورد ابن فضل الله العمري ذكره قال: «دير ابن مزعوق هو بالحيرة قريب دير الحريق، في أنزه البقاع زهراً، ورقيق هواء وتدفق ماء، وتشوق إليه الثرواني من بغداد فقال:

دير الحريق وبيعة المزعوق  بين الغدير وقبة الشنيق  أشهى إلي من الصراة(1) وطيبها  عند الصباح من رحى البطريق(1)  يا صاح فاجتنب الملام أما ترى  سمجاً ملامك لي وأنت صديقي  وقد ذكره أبو الفرج وأنشد للثرواني فيه وفي (دير فاثيون) قوله: قلت له والنجوم جانحة…» وذكر الأبيات المكتوبة آنفاً ثم قال: ودير فاثيون أسفل النجف ودير ابن مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح بأعلى النجف وفيه يقول الثرواني:

تقرّ بفضل عينك لي بوصل  وفعلك لي مقرّ بالجحود  تشككني وأعلم أنّ هذا  هوىً بين التعطف والصدود  وقال يضاً:

كرّ الشراب على نشوان مصطبح  قد هب يشربُها والديك لم يصح  والليل في عسكر جمّ بوارقه  من النجوم وضوء الصُّبح لم يلحُ  والعيش لا عيش إلا أن تباكرها  صهباء تقتل هم النفس بالفرح  حتى يظل الذي قد بات يشربها  ولا براح به يختال كالمرح(1)  7 ـ دير مارت مريم، قال ياقوت في معجم البلدان: «دير مارت مريم: دير قديم من بناء آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق والسدير وبين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف وفيه يقول الثرواني:

بمارت مريم الكبرى  وظلِّ فِنائها فقف  فقصر أبي الخصيب المشـ  رف المرخي على النجف  فأكناف الخورنق والسـ  دير ملاعب السلف  إلى النخل المكمم والحـ  مائم فوقه الهتف  وقال ابن فضل الله العمري: «دير مارت مريم: هو بالحيرة من بناء المنذر وهما ديران متقابلان وبينهما مدرجة الحاج وطريق السابلة إلى القادسية وهما مشرفان على النجف ومن أراد الخورنق عدل عن جادتها ذات اليسار ومن شعر الثرواني فيها:

دع الأيام تفعل ما أرادت  إذا جادت بندمان وكأس  ومارت مريم والصحن فيه  حدِّ يقتان من ورد وآس  وظبي في لواحظ مقلتيه  نعاس من فتور لا نعاس  وخِل لا يحول عن التصابي  ذكور للمودة غير ناسي  ومحتضن لطنبور فصيح  يغنيني بشعر أبي نواس  وقد ذكره أبو الفرج وقال: كان قس يقال له يحيى بن حماد ويقال له يوشع(1)، تألفه الفتيان ويشربون على سطحه وفي قلايته على قراءة النصارى وضرب النواقيس وفيه قال بكر بن خارجة أو غيره:

بتنا بمارت مريم  سقياً لمارت مريم  ولقسها يحيى المهيـ  نم بعد نوم النوم  وليوشع ولخمره  حمراء مثل العدم  ولفتية حفُّوا به  يعصون لوم اللّوم  يسقيهم ظبي أغن  لطيف غلق المعصم  يرمي بعينيه القلوب  كمثل رمي الأسهم»  وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: «لما خرجت مع الواثق إلى النجف درنا بالحيرة ومررنا بدياراتها فرأيت دير مريم بالحيرة فأعجبني موقعه وحسن بنائه فقلت:

نعم المحل لمن يسعى للذته  دير لمريم فوق الظهر معمور  ظل ظليل وماء غير ذي أسن  وقاصرات كأمثال الدمى حور  فقال الواثق: لا نصطبح والله غداً إلا فيه، وأمر أن يعدَّ فيه ما يصلح من الليل، وباكرناه فاصطبحت فيه على هذا الصوت، وأمر بمال ففرقه على أهل ذلك الدير، وأمر لي بجائزة(1).

8 ـ دير حنة الكبير، قال ياقوت وقد نقلنا قوله آنفاً: «ودير حنة بالأكيراح الذي قيل فيه: يا دير حنة من ذات الأكيراح. هذا أيضاً بظاهر الكوفة والحيرة ولا أدري أهو هذا المذكور هنا أم غيره، وقد ذكر شاهده في الأكيراح». قلنا: ذكره ابن فضل الله باسم (دير خنة الكبير) قال: «قال الخالدي هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير حنة الذي قدمنا ذكره، يقال إنه بني حين بنيت الحيرة، وكان من أنزه الديرة لكثرة بساتينه، وتدفق مياهه، حتى جحظة من بعض أهل الحيرة قال: اجتاز عمر بن الفرج الرخجي منصرفاً من الحج فتلقيناه وأعظمناه وسرنا معه فلما اجتاز بدير حنة سألنا عنه، فعرفناه به، فقال: من ذا الذي يقول: يا دير حنة من ذات الأكيراح!! فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس أفتحب أن أنشدك لشاعرنا الثرواني شيئاً يقرب من هذا المعنى في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده:

على الريحان والراح  وأيام الأكيراح  وإبريق كطير الماء  في لجّة ضحضاح  سلام يسكر الصاحي  وما فيه فتى صاحي  ومن لي فيه بالسكرة  عن وجه ابن وضاح  غزال صيغ من فتنة  أبدان وأرواح  إذا راح إلى البيعة  في أثواب أمسح  ففي كفيه إفسادي  وفي كفيه إصلاحي  قال: «فاستحسن الأبيات وأمر كاتباً معه يكتبها وخلع على الحسين بن هشام وأجازه».

«وحكى جحظة قال: زرت إبراهيم بن المدبر ـ وكان بالكوفة ـ فأكرمني وأنس لي وأقمت عنده ثلاثة أشهر، فجرى يوماً ذكر دير حنة، فقال ابن المدبر، والله إني لأحب أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حسنه، فأين هو من الحيرة؟ فدلّه إسحاق بن الحسين العلوي عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يقصد لأنها أيام ربيع ورياض معتّمة بالزهر والغدران والبادية بقربه فلن نعدم إعرابياً فصيحاً يطير إلينا ونحن فيه فيهدي إلينا بيض نعام ويجني لنا الكمأة. فتقدم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يحتاج إليه، وخرج وخرجت حتى وافيناه، فإذا هو حسن البناء والرياض محدقة به ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه، فضربت لنا خيام عنده وخرج إلينا رهبانه وحملوا إلينا مما عندهم من التحف واللطف، فأكلنا وجلسنا نشرب، وغنيته بشعر أبي نواس المتقدم، فبينا نحن كذلك إذ اجتاز بنا غلام حسن عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل ساحر اللحظ واللفظ، فشرب ابن المدبر على وجهه رطلاً وسقاه قدحاً واستأذنه الغلام في النهوض وقال: معي مصحف لا تتم للرهبان صلاة إلا بحضوره وهذا وقت صلاتهم وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه وأمر له بمائة دينار وعملت شعراً صنعت فيه صوتاً فما زال صوته طول مقامه وهو…» وذكر الأبيات ثم قال: «وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه:

وبالحيرة لي يوم  ويوم بالأكيراح  إذا عزَّ بنا الماء  مزجنا الراح بالراح  وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنة خمار يقال له مر عبداً موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة، فحكى مرعبدا قال: ما شعرت يوماً وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السماوة في البر، حتى وقفوا علي وهم متلثمون بعمائم الخز وعليهم حلل من القصب، فسلموا علي وأسفر أحدهم وقال: أنت مرعبدا وهذا دير حنة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة فاسقني رطلاً. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدنان ونظت أصفاها فبزلته، فشرب ومسح يده وفمه بالمنديل ثم قال اسقني آخر. فغسلت يدي وتركت ذلك الدن وذلك القدح والمنديل ونقرت دنا آخر. فلما رضيت صفاره بزلت منه رطلاً في قدح وأخذت منديلاً جديداً فناولته إياه فشرب كالأول، ثم قال: اسقني رطلاً آخر فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل، فشرب ومسح يده وفمه وقال لي: بارك الله فيك فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك، وما كان رأيي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع فهاته. فناولته إياه على تلك السبيل، فشرب وقال: ولولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيباً إلي جلوسي يومي هذا فيه، وولى منصرفاً في الطريق الذي بدا منه ورمى إلي أحد الراكبين اللذين كان معه بكيس، فقلت: وحق النصرانية لا قبلته حتى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبدالملك وصفت له فأقبل من دمشق حتى شرب شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار»(1).

9 ـ دير هند الصغرى، قال الشابشتي: «بنت هند هذا الدير بالحيرة وترهبت فيه وسكنته دهراً طويلاً ثم عميت. وهذا الدير من أعظم ديارات الحيرة وأعمرها وهو بين الخندق وخضراء بكر، ولما قدم الحجاج الكوفة سنة أربع وسبعين قيل له: أن بين الحيرة والكوفة ديراً لهند بنت النعمان وهي فيه ومن رأيها وعقلها، فانظر إليها فإنها بقية، فركب والناس معه حتى أتى الدير. فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب، فاطّلعت من ناحية الدير. فقال لها، يا هند ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك فلا تغتر يا حجاج بالدنيا، فأنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة:

رأيتك من تعقد له جل ذمة  من الناس يا من سرحه حيث أربعا  ولم تمس إلا ونحن أذل الناس وقل ما أناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضباً وبعث إليها من يخرجها من الدير ويستأديها الخراج فأخرجت مع ثلاث جوار من أهلها، فقالت إحداهن في خروجها:

خارجات يسقن من دير هند  مذعنات بذلة وهوان  ليت شعري أأول الحشر هذا  أم محا الدهر غيرة الفتيان؟  فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه فاستنقذهن من أشراط الحجاج وتغيب فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى، فقال: إن أتاني فهو آمن وإن ظفر نابه قتلناه، فأتاه الفتى. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال! الغيرة. فوصله وخلاه وكان سع بن أبي وقاص حين فتح العراق أتى هنداً إلى ديرها، فخرجت إليه، فأكرمها وعرض عليها نفسه في حوائجها، فقالت: سأحييك بتحية كانت أملاكنا تحيَّا بها… ثم جاءها المغيرة بن شعبة لما ولاه معاوية الكوفة فاستأذن عليها. فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا. قالت فمن ولد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت فمن أنت؟ قال المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطباً. قالت: لو جئتني لجمال أو حال لأجبتك ولكن أردت أن تتشرف بي في محاف العرب فتقول: نكحت بنت النعمان بن المنذر وإلا فأي خمر في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها قال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب: أمسينا مساء وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا ثم أصبحنا وليس أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف. قالت اختصم إليه رجلان منهم في شيء أحدهما ينتمي إلى أياد والآخر إلى بكر بن هوازن فقضى به للأيادي وقال:

إن ثقيفاً لم تكن هوازنا  ولم تناسب عامراً ومازنا  فقال المغيرة: أما نحن فمن يكر بن هوازن فليقل أبوك ما شاء»(1).

وقال ياقوت؛ «بالحيرة يقارب خطة بني عبدالله بن دارم بالكوفة مما يلي الخندق في موضع نزه وهو دير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالحرقة. قال هشام الكلبي: كان كسرى قد غضب على النعمان بن المنذر فحبسه فأعطت بنته هند عهداً لله إنرده الله إلى ملكه أن تبني ديراً تسكنه حتى تموت فخلى كسرى عن أبيها النعمان فبنت الدير وأقامت به إلى أن ماتت ودفنت فيه، وهي التي دخل عليها خالد بن الوليد لما فتح الحيرة، فسلمت عليه، فقال لها لما عرفها: اسلمي حتى أزوجك رجلاً شريفاً مسلماً. فقالت: أما الدين فلا رغبة لي في غير دين أبائي، وأما التزويج فلو كانت في بقية لما رغبت فيه فكيف وأنا عجوز هرمة أترقب المنية بين اليوم والغد. فقال: سليني حاجة، فقالت: هؤلاء النصارى الذين في ذمتكم تحفظونهم. قال: هذا فرض علينا أوصانا به نبينا محمد(ص) قالت: مالي حاجة غير هذا فإني ساكنة في هذا الدير الذي بنيته ملاصقاً لهذه الأعظم البالية من أهلي حتى الحق بهم. فأمر لها بمعونة ومال وكسوة. قالت: أنا في غنى عنه، لي عبدان يزرعان مزرعة لي أتقوت بما يخرج منها ويمسك الرمق وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقداً. فقال لها: أخبريني بشيء أدركت. قالت: ما طلعت الشمس بين الخورنق والسدير إلا على ما هو تحت حكمنا، فما أمسى المساء حتى صرنا خولاً لغيرنا. ثم أنشأت تقول:

فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا  إذا نحن فيهم سوقة نتنصف  فتباً لدنيا لا يدوم نعيمها  تقلب تارات بنا وتصرف  ثم قالت: اسمع مني دعاء كنا ندعو به لأملاكنا (شكرتك يد افتقرت بعد غنى ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه ولا أزال عن كريم نعمة إلا جعلك سبباً لردها إليه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة). فتركها وخرج، فجاء النصارى وقالوا: ما صنع بك الأمير؟ فقالت:

صان لي ذمتي وأكرم وجهي  إنما يكرم الكريم الكريم  وقد أكثر الشعراء من ذكر هذا الدير فقال الأمير معن بن زائدة الشيباني وكان منزله قريباً منه:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة  لدى دير هند والحبيب قريب  فنقضي لبانات ونلقى أحبة  ويورق غصن للسرور رطيب  وهند هذه صاحبة القصة مع المغيرة بن شعبة». قال ابن فضل الله العمري: «دير هند وهي بنت النعمان بن المنذر، بناه أبوها له لتتعبد فيه فلما فرغ خرجت من قصر أبيها تريده فأقامت في الطريق سنة تضرب المضارب في نزه وصيد والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ، وشق لها بشربن مروان نهراً من الفرات ولم يزل النهر يجري حتى خرب الدير، وحكي أن النعمان كان يصلي ويتقرب فيه وأنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة، وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلهما من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهندي والعنبر شيئاً يحل عن الوصف. وفيما حكى الكلبي أن النعمان دخله في بعض أعياده فرأى امرأة تأخذ قرباناً أخذت بقلبه، فدعا الراهب الذي قربها وسأله عنها، فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللخمي، فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد كاتبه وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غد وحضر الناس الباب فابدأه في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون وانصرفوا، فقال النعمان لعدي بن زيد: قد فعلت ما أشرت به فمه؟. قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله ففعل ثم قال اجعل حوائج العرب إليه. ففعل ثم قال النعمان لعدي بن زيد: قد طال هذا. قال: إذا أصبحت فإن عندك عشر نسوة فطلّق أبغضهن إليك، ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد ولا أخ. وقد طلقت لك فلانة فتزوجها. ففعل ذلك وخرج وهو لابس من حلل النعمان ولديه ما حمله عليه. فجلس وحكم بين العرب وعدي بن زيد بالباب جالس: فقال له اللخمي: ما أدري ما أكافىء به الملك. فعل معي وفعل؟ فقال عدي: ما أقدرك على مكافأته. قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته قال: قد فعلت. فانفذها إلى النعمان وفي ذلك يقول:

علقتها حرة حوراء ناعمة  كأنها البدر في داج من الظلم  ما في البرية من أنثى تعادلها  إلا التي أخذ النعمان من حكم  وقد ذكره أبو الفرج وقال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير هي الحرقة وهي التي دخلت على خالد بن الوليد». وذكر مختصر الخبر ثم قال: «وهذا الدير يقارب دير(1) بني عبدالله بن دارم بالكوفة مما يلي الخندق». وذكر بعد ذلك ما ذكره الشابشتي في كتابه الديارات.

10 ـ دير هند الكبرى، قال ياقوت: «وهو أيضاً بالحيرة، بنته هند أم عمرو بن هند وهي هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي وكان في صدره مكتوباً: بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو بن المنذر، أمة المسيح وأم عبده وبنت عبيده وفي ملك ملك الأملاك خسرو أنوشروان في زمن مار أفريم الأسقف، فالإله الذي بنت له هذا الدير يغفر خطيئتها ويترحم عليها وعلى ولدها ويقبل بها وبقومها إلى أمانة الحق ويكون الله معها ومع ولدها الدهر الداهر، حدث عبدالله بن مالك الخزاعي قال: «دخلت مع يحيى بن خالد لما خرجنا مع الرشيد إلى الحيرة وقد قصدناها لنتنزه بها ونرى آثار المنذر، فدخل دير هند الأصغر فرأى آثار قبر النعمان وقبرها إلى جنبه ثم خرج إلى دير هند الكبرى وهو على طرف النجف، فرأى في جانب حائطه شيئاً مكتوباً فدعا بسلم وأمره بقرائته وكان فيه مكتوباً(1):

إن بني المنذر عام انقضوا  بحيث شاد البيعة الراهب  تنفح بالمسك ذفارّيهم  وعنبر يقطبه القاطب  والقز والكتان أثوابهم  لم يجب الصوف لهم جائب  والعز والملك لهم راهن  وقهوة ناجورها ساكب  أضحوا وما يرجوهم طالب  خيراً ولا يرهبهم راهب  كأنهم كانوا به لعبة  سار إلى أين بها الراكب؟  فأصبحوا في طبقات الثرى  بعد نعيم لهم راتب  شر البقايا من بقي بعدهم  قل وذل جده خائب  قال: «فبكى حتى جرت دموعه على لحيته وقال: نعم هذه سبيل الدنيا».

11 ـ دير اللج قال ياقوت: «هو بالحيرة بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس في أيام مملكته ولم يكن في ديارات الحيرة أحسن بناءاً منه ولا أنزه موضعاً وفيه قيل:

سقى الله دير اللج غيثاً فإنه  على بعده مني إلي حبيب  قريب إلى قلبي بعيد محله  وكم من بعيد الدار وهو قريب  يهيج ذكراه غزال يحله  أغن سحور المقلتين ربيب  إذا رجّع الإنجيل واهتز مائداً  تذكر محزون وحنّ غريب  وهاج لقلبي عند ترجيع صوته  بلابل أسقام به ووجيب  وفيه يقول إسماعيل بن عمار الأسدي:

ما أنس سعدة والزرقاء يومهما  باللج شرقية فوق الدكاكين  وذكره جرير فقال ـ نقلته من خط ابن أخي الشافعي وقال هو بظاهر الحيرة ـ:

يا رب عائدة بالغور لو شهدت  عزَّت عليها بدير اللج شكوانا  إن العيون التي في طرفها مرض  قتلننا ثم لم يحيين قتلانا  يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به  وهن أضعف خلق الله أركانا  يا رب غابطنا لو كان يطلبكم  لاقى مباعدة منكم وحرمانا»  وقال ابن فضل الله العمري: «دير اللج هو بالحيرة مما بناه النعمان بن المنذر وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناءاً، لما يطيف به من البساتين، وكان النعمان يأتيه يتعبد فيه ويستشفي به في مرضه وفيه قيل:

يا ليلتي أطيب بها ليلة  لو لم يكن قصّرها الطيب  بتنا (بدير اللج) في حانة  شرابها في الكأس مكبوب  يديرها ظبي هضيم الحشا  يحبه الشبان والشيب  حتى إذا ما الخمر مالت بنا  جرتْ أمور وأعاجيب  فما ترى ظنك في شادن  بات إلى جانبه ذيب  وقد ذكره أبو الفرج فقال: كان النعمان يركب كل أحد إليه وفي كل عيد معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه عليه حلل الديباج المذهبة وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصَّصة بالجوهر وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان الذهب فإذا قضوا صلاتهم انصرف إلى مستشرفه على النجب فيشرب بقية يومه إلى أن يمسي، وخلع ووصل وحمل، وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه وأنشد فيه قول الشاعر: سقى الله دير اللج خيراً فإنه(1)…» وذكر بيتين مما ذكره ياقوت من الشعر فيه:

12 ـ دير بني علقمة أو دير علقمة، قال ياقوت: «دير علقمة بالحيرة، منسوب إلى علقمة بن عدي بن الرميك بن ثوب بن أسس بن ربى(1) بن نمارة بن لخم، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي:

نادمت في الدير بني علقما  عاطيتهم مشمولة عندما  كأن ريح المسك من كأسها  إذا مزجناها بماء السما  علقم ما بالك لم تأتنا  أما اشتهيت اليوم أن تنعما  من سرَّه العيش ولذاته  فليجعل الراح له سلَّما»  وذكره ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار بأخصر مما ذكره ياقوت.

13 ـ دير حنظلة، قال ياقوت: «دير حنظلة آخر وهو بالحيرة منسوب إلى حنظلة بن عبدالمسيح بن علقمة بن مالك بن ربى بن نمارة بن لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، وفيه يقول الشاعر:

بساحة الحيرة دير حنظلة  عليه أذيال السرور مسبله  أحييت فيه ليلة مقتبله  وكأسنا بين الندامى معمله  والراح فيها مثل نار مشعله  وكلنا منتقد ما خُوّله  فما يزال عاصياً من عذله  مبادراً قبل تلاقي أجله»!  وذكره ابن فضل الله العمري قال: «دير حنظلة هو بالحيرة على نحو فرسخ منها إلى المشرقة وموضعه حسن لما فيه من جنينات رهبانه وأشجارهم وما يلبسه الربيع من الرياض، وأنشد الخالدي فيه لغيره شعراً منه.

طرقتك سعدى بين شطي بارق  نفسي الفداء لطيفها من طارق  يا دير حنظلة المهيج في الهوى  هل تستطيع صلاح قلب العاشق  وقد ذكره أبو الفرج الأصفهاني وأنشد لبعض الشعراء فيه رجزاً منه: بساحة الحيرة دير حنظلة»(1) وذكر بيتين من الأبيات التي ذكرها ياقوت.

14 ـ ديارات الأساقف، قال الشابشتي: «هذه الديارات بالنجف بظاهر الكوفة وهو أول الحيرة وهو إما قباب أو قصور تسمى ديارات الأساقف وبحفرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخصيب مولى أبي جعفر وعن شماله السدير وبين ذلك الديارات. وقصر أبي الخصيب هذا أحد متنزهات الدنيا وهو مشرف على النجف وعلى ذلك الظهر، ويصعد من أسفله على درجة طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن ومجلس فيشرف الناظر على النجف والحيرة من ذلك الموضع ثم يصعد منه على درجة أخرى طولها خمسون مرقاة إلى سطح فسيح ومجلس عجيب. وأبو الخصيب هذا مولى أبي جعفر المنصور وحاجبه. والسدير قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان وما بقي الآن منه فهو ديارات وبيع للنصارى، ولعلي بن محمد الحماني العلوي يذكر هذه المواضع(1):

كم وقفة(1) لك بالخورنق  لا توازى بالمواقف؟!  بين الغدير إلى السدير  إلى ديارات الأساقف  فمدارج(1) الرهبان في  أطمار خائفة وخائف  دِمن كان رياضها  يكسين أعلام المطارف  وكأنما غدرانها  فيها عشور في مصاحف  وكأنما أنوارها (*)  تهتز بالريح العواصف  طرر الوصائف يلتقين

[بها](1) إلى طرر الوصائف  تلقى أوائلها أواخرها  بألوان الزخارف(1)  بحرية شتواتها  برية فيها المصايف  وردية(1) الحصباء كا  فورية فيها المشارف  ثم انبرت سحّا (كباكية)(1)  بأربعة ذوارف(1)»  باتت سواريها تمخض  في رواعدها القواصف(1)  فكأن لمع بروقها  في الجو أسياف المثاقف  فكأنما أنوارها تهتز  في الدرج العواصف(1)  طرر الوصائف يلتقين  بها إلى طرر الوصائف  دافعتها عن دجنها  بالغلب والبيض الغطارف  يعبق يوم البأ شرّاً  بين في يوم المعارف(1)  سُمح بحر المال وقا  فون في يوم المتالف  واهاً لأيام الشباب  وما لبسن من الزخارف  وزوالِهنَّ بما عرفت  من المناكر والمعارف  أيام ذكرك في دوا  وين الصبا صدر الصحائف  واهاً لأيامي وأيام  النقيات المراشف  والغارسات البان قصـ  باناً على كثب الروادف  والجاعلات البدر ما  بين الحواجب والسوالف  أيام يظهرن الخلافَ  بغير نيات المخالف  وقف النعيم على الصِّبا  وزللت عن تلك المواقف  15 ـ قبة الشنيق، قال الشابشتي: وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج وبإزائها قباب يقال لها السكورة(1)، جميعها للنصارى، فيخرجون يوم عيدهم من السكورة إلى القبة في أحسن زي عليهم الصلبان، بأيديهم المجامر والشمامسة والقسان معهم يقدسون (على نغم واحد متفق من الألحان(1) ويتبعهم خلق كثير من متطربي المسلمين وأهل البطالة إلى أن يبلغوا قبة الشنيق فيتقربون ويتعمدون ثم يعودون بمثل تلك الحال فهو منظر مليح، ولبعض الشعراء فيه:

والنصارى مشددين(1) الزنا  نير عليهن كل حلي وثيق  يتمشين من قباب الشعانيـ  ن إلى صحن قبة الشنيق  يا خليلي فلا تعنفني يوم  ترى اللهو فيه بالتحقيق(1)  ولبكر بن خارجة:

يا خليلي عرجا بي إلى الحيرة  كم كم تراقبان النجوما؟!  واسقياني من بيت بيجوم(1) را  حاً قهوة لا تماكسا بيجوما  حانة حشوها ظباء ملاح  هيجوا بالدلال قلباً سقيما  وإذا ما سقيتماني شراباً  خندريساً معتقاً مختوما  فاقصدوا(1) قبة الشنيق وظبياً  سكن الدير قد سباني رخيما  عقد زناره توصل بالقلب  وأمسى بين الحشا مخزوما(1)»  وقال ابن فضل الله العمري: «قبة الشنيق(1) وهي من الأبنية القديمة بالحيرة على طريق الحاج وبإزائها قباب يقال لها السكورة جميعها للنصارى وعيد الشعانين بها نزه يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زي، عليهم الصلبان وبأيديهم…» وذكر ما يشبه قول الشابشتي ما عدا الشعر فلم يذكر منه شيئاً. وقد قدمنا ذكر هذه القبة في الكلام على دير الحريق ودير ابن مزعوق.

16 ـ دير عبدالمسيح، قال ياقوت في معجم البلدان: «دير عبدالمسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني، وسمي بقيلة لأنه خرج على قومه في حلتين خضراوين فقالوا: ما هذا إلا بقيلة، وكان أحد المعمرين، يقال إنه عمر ثلاثمائة وخمسين سنة (كذا) وهذا الدير بظاهر الحيرة بموضع يقال له الجزعة، وعبدالمسيح هو الذي لقي خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ لما غزا الحيرة وقاتل الفرس فرموه من حصونهم الثلاثة: حصون آل بقيلة، بالخزف المدور، وكان يخرج قدام الخيل فتفر منه، فقال له ضرار بن الأزور: هذا من كيدهم، فبعث خالد رجلاً يستدعى رجلاً منهم عاقلاً، فجاءه عبدالمسيح بن عمرو وجرى له معه ما هو مذكور مشهور. قال: وبقي عبدالمسيح في ذلك الدير بعد ما صالح المسلمين على مائة ألف حتى مات وخرب الدير مدة فظهر فيه أزج معقود من حجارة، فظنوه كنزاً ففتحوه فإذا فيه سرير رخام عليه رجل ميت وعند رأسه لوح فيه مكتوب «أنا عبدالمسيح بن عمرو بن بقيلة:

حلبت الدهر أشطره حياتي  ونلت من المنى فوق المزيد  فكافحت الأمور وكافحتني  فلم أخضع لمعضلة كؤود  وكدت أنال في الشرف الثريا  ولكن لا سبيل إلى الخلود»  وذكره ابن فضل الله العمري، قال: دير عبدالمسيح وهو بالحيرة بناه عبدالمسيح بن عمرو بن بقيلة، ويقال إنه عمر دهراً طويلاً ولحق خالد بن الوليد حين فتح الحيرة وله معه خبر طويل، وحكى بعض أهل الكلام قال: قرأت على حائطه مكتوباً.

رأيت الدهر للإنسان ضداً  ولا ينجي من الدهر الخلود  ولا تنجي من الآجال أرض  يحل بها ولا قصر مشيد  وحكى آخر قال: قرأت على حائطه أيضاً:

هذي منازل أقوام عهدتهم  في خفض عيش خصيب ماله خطر  دارت عليهم صروف الدهر فانتقلوا  إلى القبور فلا عين ولا بصر  وقد ذكره الأصفهاني في أخبار لا حاجة فيها(1)… وذكر عنه ما يشبه الذي في معجم البلدان فدل ذلك على أن ياقوتاً نقل كلام أبي الفرج الأصفهاني ولم ينسبه إليه إلا أن ابن فضل الله لم يذكر البيت الثاني.

17 ـ حانة عون بالحيرة، قال ابن فضل الله العمري: «حانات الحيرة وهي أربع حانات، حانة عون. وكان عون ظريفاً طيب الشراب نظيف الثياب، وكان فتيان الكوفة يشربون في حانوته ولا يختارون عليه أحداً وشرب عنده ليلة أبو الهندي الشاعر حتى طلع الفجر وصاحت الديوك على أنه يصبح يوم شك، فقيل إنه من رمضان، فقال:

شربت الخمر في رمضان حتى  رأيت البدر للشعرى شريكا  فقال أخي: الديوك مناديات  فقلت له: وما يدري الديوكا(1)  19 ـ حافة دومة، قال ابن فضل الله: «حانة دومة وعن أبي عبيدة قال: مرّ الأقيشر بخمارة في الحيرة يقال لها دومة فنزل عندها واشترى منها شراباً ثم قال لها: جوّدي لي الشراب حتى أجود لك المديح ففعلت فأنشأ يقول:

ألا يا دوم دام لك النعيم  وأسمر ملء كفك مستقيم  شديد الأسر ينبض حالباه  يحمَّ كأنه رجل سقيم  يرويه الراب فيزدهيه  وينفخ فيه شيطان رجيم  قال: فظنت الخمارة أن هذا مدح. فسرت به وزادت في الشراب وقالت: ما قال أحد فيَّ أحسن من هذا»(1).

20 ـ حانة جابر، قال ابن الصلصال: كان أبو نواس يأتي الكوفة يزورني وكان يأتي بيت خمار بالحيرة يقال له جابر، لطيف الخلقة نظيف الآلة، يعتق الشراب سنين، فقدم علينا مرة وقد نهاه الأمين عن الشراب، فسأل عني فقيل: هو بالحيرة، فوافاني وفي يدي شيء من شراب جابر عجيب الحسن والرائحة، فقال لي: يا أبا جعفر لا يجتمع هذا والهم في صدر واحد، وكان شديد العجب بضرب الطنبور، وكان إذا جاءني جمعت له ضراب الطنابير، وكانت الكوفة معدنهم، وكان يسكر في الليلة الواحدة سكرات، فوجهت فجمعت له منهم جماعة وأحضرته شيئاً من ذلك الشراب، فقال لي: ألم تعلم ما حدث علي؟ قلت: وما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب وتوعدني عليه. ثم أنشدني قصيدته التي فيها:

أيها الرائحان باللوم لوما  لا أذوق المدام إلا شميما  إلى أن انتهى إلى قوله:

فكأني وما أحسّن منها  قعديّ يحسّن التحكيما  كلّ عن حمله السلاح إلى الحر  ب فأوصى المطيق أن لا يقيما  فقلت له: أقم معنا كما حكيت من نقل القعدية. قال: أفعل. وصرنا إلى حابة جابر، فقلت شعراً ذكرت فيه ما قاله لي وأنشدته إياه وهو قولي:

غبيت(1) عليك محاسن الخمر  أم غيّرتك نوائب الدهر؟  فصرفت وجهك عن معتقة  تفتر عن درر وعن شذر  يسعى بها ذو غنة غنج  منكحل اللحظات بالسحر  ونسيت قولك حين تمزجها  فتريك مثل كواكب النسر  «لا تحسبن عقار خابية  والهم يجتمعان في صدر».  فقال: هاتها في كذا وكذا من أم الأمين. ومد يده فأخذ القدح وشرب معنا ثم شخص إلى الأمين فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي الكوفي، وحدثه الحديث. قال: فما صنعت حين أنشدك الشعر؟ قال: شربت والله يا أمير المؤمنين. قال: أحسنت وأجملت، فاشخص حتى تحمل إلي صديقك هذا. فقدم إلي فحملني إليه، فلم أزل معه حتى قتل»(1).

21 ـ حانة شهلاء، وكانت يهودية من أهل الحيرة وحكي أن الأقيشر كان يألفها وكان يشرب في دارها، فجاءه شرطي فدق الباب. فقال: اسقني وأنت آمن. فقال: والله ما آمنك، وهذا النقب بالباب فأنا أسقيك منه، فوضع له أنبوب قصب في النقب فصب فيه النبيذ من داخل والشرطي يشرب من خارج فقال الأقيشر:

سأل الشرطي أن نسقيه  فسقيناه بأنبوب القصب  إنما لحقتنا خابية  فإذا ما مزجت كان العجب  لبن أصفر صاف طعمه  ينزع الباسور من عجب الذنب  إنما نشرب من أموالنا  فاسألوا الشرطي ما هذا الغضب(1)  والذي رواه صاحب الأغاني الأصفهاني فيه خلاف، قال: «شرب الأقيشر في بيت خمار بالحيرة فجاءه الشرط ليأخذوه فتحرز منهم وأغلق بابه وقال: لست أشرب فما سبيلكم علي؟ قالوا: قد رأينا العس في كفك وأنت تشرب. قال: إنما شربت من لبن لقحة لصاحب الدار، فلم يبرحوا حتى أخذوا منه درهمين، فقال: إنما لقحتنا باطية»(1)… الأبيات.

أشهر القصور المحيطة بالنجف

1 ـ العذيب والصنبر.

ومن قصور الحيرة العذيب والصنبر بناهما امرؤ القيس بن النعمان بقرب الفرات للنزهة وقد ذهب حمزة الأصفهاني إلى أن البنَّاء الذي عمر الصنبر هو سنمار وروى قتله على يد الملك امرىء القيس خلافاً لما هو مشهور عن قتل ستمار الحورنق. وذكر البيت الآتي:

ليت شعري متى تخب به النا  قة نحو العذيب والصنبر  ولم يذكر ياقوت هذين القصرين بل قال في مادة عذيب: «هو ماء بين القادسية والمغيثة وقيل: هو وادٍ لبني تميم وهو من منازل حاج الكوفة وقيل هو حد السواد، وكان بين العذيب والقادسية مسلحة للفرس وقد أكثر الشعراء من ذكرها(1).

2 ـ القصر الأبيض، قال ياقوت: «هو من قصور الحيرة، وفي مادة لحيان من معجم البلدان: هو أبيض النعمان. وذكر قول حاتم الطائي:

وما زلت أسعى بين خص ودارة  ولحيان حتى خفت أن أتنصرا  فعلى رواية ياقوت يكون القصر الأبيض وأبيض النعمان ولحيان قصراً واحداً بعينه، وجاء في رواية مؤلف كتاب الأغاني أن صاحب القصر الأبيض هو جابر بن شمعون أسقف الحيرة أحد بني أوس بن قلام وقد أتاه الملك النعمان مع عدي بن زيد وطلب منه مالاً يستعين به على أمره عند كسرى فأضافهما ثلاثة أيام وأعطى النعمان ثمانين ألف درهم. فقال النعمان للأسقف. لا جرم لا جرى لي درهم إلا على يديك إن ملكت(1).

3 ـ قصر الغرس، قال عنه ياقوت هو أحد قصور الحيرة الأربعة ولم يزد على ذلك.

4 ـ قصر الزوراء أو الزوراء. دار بناها النعمان بن المنذر بالحيرة، ونسب بعضهم بناءها إلى المنذر الثالث ابن امرىء قيس الثالث وفيها يقول النابغة الذبياني.

وأنت ربيع ينعش الناس سيبه  وسيف أعيرته المنية قاطع  وتسقى إذا ما شئت غير مصرد  بزوراء في أكنافها المسك كارع  وقال بعضهم إن أبا جعفر المنصور هدم الزوراء.

5 ـ قصر العدسيين: كان بالكوفة ـ قبل تأسيسها ـ في طرف الحيرة وهو لبني عماد بن عبدالمسيح بن قيس الكلبي وقد سموا العدسيين نسبة إلى أمهم عدسة بنت مالك بن عامر بن عرف الكلبي، وهذا القصر أول ما فتح المسلمون لما غزوا العراق. على ما قاله ابن الكلبي في جمهرة النسب.

6 ـ قصر ابن مازن وقصر الطين وقصر بني بقيلة وذكر أن عبدالمسيح بن بقيلة لما بنى قصره بالحيرة قال:

لقد بنيت للحدثان قصراً  لو أن المرء تنفعه الحصون  طويل الرأس أقعس مشمخراً  لأنواع الرياح به أنين  ***

7 ـ قصر مقاتل أو قصر بني مقاتل، كان من قصور تلك النواحي، وفيه يقول ابن طخماء الأسدي:

كان لم يكن بالقصر قصر مقاتل  وزورة ظل ناعم وصديق  وإني وإن كانوا نصارى أحبهم  ويشتاق قلبي نحوهم ويتوق  ***

8 ـ القصور الحمر: ألمع إليها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني، قال: أتى أبو زيد الطائي إلى الوليد بن عقبة في سنة مجدبة فأعطاه ما بين القصور الحمر من الشأم إلى القصور الحمر من الحيرة وجعله له حمى»(1).

9 ـ دومة الحيرة، كان فيها حصن وهو حصن الأكيدر السكوني الكندي صاحب دومة الجندل القريبة من المدينة، أجلاه عمر الخطاب ـ رضي الله عنه ـ من دومة فيمن أجلاهم من غير المسلمين إلى الحيرة فنزل في موضع منها قرب عين التمر وبنى به منازل سماها (دومة) وقيل دوماء باسم حصنه بوادي القرى وعرفت بدومة الحيرة(1).

النجف في الشعر العربي القديم

قال القعقاع بن عمر في ذكر حرب العرب أيام الحيرة بقيادة خالد بن الوليد وغير ذلك من الحروب:

سقر الله قتلى بالفرات مقيمة  وأخرى بأثباج النجاف الكوانف  فنحن وطئنا بالكواظم هرمزاً  وبالثني قرني قارن بالجوارف  ويوم احطنا بالقصور تتابعت  على الحيرة الروحاء إحدى المصارف  حططناهم منها وقد كاد عرشهم  يميل بهم فعل الجبان المخالف  رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا  غبوق المنايا حول تلك المخارف  صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا إلى  الريف من أرض العذيب المضائف  فقوله: «النجاف» يريد به جمع النجفة وهي أرض النجف بعينها، وقد ذكرنا أبيات حنين الحيري المغني التي، قالها يصف الحيرة ومنزله بها وبعض حاناتها ولعلها حانة شهلاء اليهودية وكان هو نصرانياً، ويذكر النجف ويعتبره منزلاً له لطيب هوائه وفضل روائه، ووفارة غذائه وغزارة مائه.

وذكر أبو الفرج الأصفهاني بروايته وسنده عن حمَّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه إسحاق قال: ما وصلني أحد من الخلفاء قط بمثل ما وصلني به الواثق ولقد انحدرت معه إلى (النجف) فقلت له: يا أمير المؤمنين قد قلت في النجف قصيدة. فقال: هاتها. فأنشدته(1):

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف  نحي داراً لسعدى ثم ننصرف  حتى أتيت على قولي:

لم ينزل الناس في سهل ولا جبل  أصفى هواء ولا أعذى من (النجف)  حفت ببر وبحر من جوانبها  فالبر في طرف والبحر في طرف  وما يزال نسيم من يمانية  يأتيك منها بريا روضة أنف  فقال: صدقت يا إسحاق هي كذلك ثم أنشدته حتى أتيت على قولي في مدحه:

لا يحسب الجود يفني ما له أبداً  ولا يرى بذل ما يحوي من السرف  ومضيت حتى أتممتها، فطرب وقال أحسنت والله يا أبا محمد وكنَّاني يومئذٍ، وأمر لي بمائة ألف درهم وانحدر إلى الصالحية(1) وذكر ياقوت القصيدة التي نقل منها، وهي:

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف  نحي داراً لسعدى ثم ننصرف  وابك المعاهد من سعدى وجارتها  ففي البكاء شفاء الهائم الدنف  أشكو إلى الله يا سعدى هوى كبد  حرى عليك متى ما تذكري تجف  أهيم وجداً بسعدى وهي تصرمني  هذا لعمرك شكل غير مؤتلف  دع عنك سعدى فسعدى عنك نازحة  واكفف هواك وعد القول في لطف  ما إن رأى الناس في سهل ولا جبل  أصفى هواء ولا أعذى من النجف  كأن ثربته مسك يفوح به  أو عنبر دافه العطار في صدف  حفت ببر وبحر من جوانبها  فالبر في طرف والبحر في طرف  وبين ذاك بساتين تسيح بها  نهر يجيش مجاري سيله القصف  وما يزال نسيم من أيامنا  يأتيك منه بريا روضة أنف  تلقاك منه قبيل الصبح رائحة  تشفي السقيم إذا أشفى على التلف  لو حله مدنف يرجو الشفاء به  إذاً شفاه من الأسقام والدنف  يؤتى الخليفة منه كلما طلعت  شمس النهار بأنواع من التحف  والصيد منه قريب إن هممت به  يأتيك مؤتلفاً في زي مختلف  فيا له منزلاً طابت مساكنه  بخير من حاز بيت العز والشرف  خليفة واثق بالله همته  تقوى الإله بحق الله معترف  وقد قدمنا نقل أبيات بعض أهل الكوفة التي مطلعها:

وبالنجف الحاري إن زرت أهله  مهاً مهملات ما عليهن سائس  وقال علي بن محمد العلوي الحمائي الكوفي وقد ذكرنا شعره في أسفه على أيام ديارات الأساقف آنفاً، وهذه الأبيات مما ذكره ياقوت الحموي:

فيا أسفي على (النجف) المعرى  وأودية منورة الأقاحي  وما بسط الخورنق من رياض  مفجرة بافنية فساح  ووا أسفا على القناص تغدو  خرائطها على مجرى الوشاح  ومما حبره أبو دلامة من الشعر للعباس بن محمد عم المنصور وأنشده إياه:

قف بالديار وأي الدهر لم تقف  على المنازل بين الظهر و(النجف)  وما وقوفك في إطلال منزلة  لولا الذي استدرجت من قلبك الكلف  إن كنت أصبحت مشغوفاً بساكنها  فلا وربك لا تشفيك من شغف  دع ذا وقل في الذي قد فاز من مضر  بالمكرمات وعز غير مقترف(1)