بين النجف الأشرف وجبل عامل هاني فحص

 

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!

 

 

 

بين النجف الأشرف وجبل عامل

 

هناك علاقة متعددة المستويات المعرفية والأدبية والعلمية والاجتماعية بين النجف الأشرف وجبل عامل (الجنوب اللبناني). غير ان صورة هذه العلاقة كانت قبل قرن من الزمان أكبر وأشد وضوحاً وأكثر تداولاً، وبقيت تتراجع في الذاكرة والوعي والقول اليومي الى حد أنها أصبحت وكأنها فرضية تبحث عن أدلة تفصيلية لاثباتها، رغم تكرار القول بأنها عميقة جدا ومتشعبة ومتبادلة… ولعل الذي بعث على ترداد الكلام عنها مشفوعاً بالسؤال عن امكانية نهوضها (النجف) بعد محاولة الغائها من قبل النظام العراقي البائد والتي انتهت الى اضعافها مترافقة مع نهوض «قم» في ظل الثورة والدولة وتعاظم الحركة المعرفية العلمية فيها، هو ما حدث من اعادة تأسيس العراق على الحرية وبروز احجام وادوار مكوناته المرتجاة، أي زوال النظام الالغائي الذي ازعجه تاريخ النجف والذي جعلها رقيبة فاعلة على الحكومات المتعاقبة وشريكة في تقويضها من دون ان تكون النتائج لصالحها تماماً أو دواماً… ومن موقع المواطنة لا الوصاية الفقهية على الدولة والمجتمع.

مع اهتمام بالجواب عن التساؤل عما اذا كان في نية قم او طهران تهميش دور النجف فضلا عن قدرتها على ذلك، وعلى اساس ان النجف هي الحوزة الأم الى حد أن اي فقيه ايراني وحتى المراجع كانوا يشعرون بنقص في مرجعيهم ان لم يمروا بالنجف دارسين او مدرسين او باحثين. وفي الذاكرة ان المؤسس لقم في دورتها الجديدة في الربع الاول من القرن الماضي والرواد الكبار الذين عايشوه وثبتوا اسس الحوزة في قم كانوا جميعاً من المجتهدين خريجي النجف، وكان من بينهم قادة الحركة الدستورية في العام 1906 الذين كان لهم متمم قيادي في النجف فاعل ومؤثر ومن كبار المجتهدين ايرانيي الاصل وعراقيين وفي مقدمتهم الملا محمد كاظم الخراسايني (الآخوند)، وقبلهم كانت قيادة حركة التنباك في ايران بقيادة الشيخ محمد حسن الشيرازي الذي اسس فرعاً للنجف في سامراء التي استقبل فيها جمال الدين الافغاني الذي تأسس في النجف علمياً تحت رعاية المرجع المميز الشيخ مرتضى الانصاري، وظهرت مواهبه وشجاعته الفكرية مبكرا واحدثت بلبلة في الحوزة فنصحه الشيخ الانصاري بالمغادرة. وهنا تحسن العودة الى الموسوعات الرجالية واعلام الورى مثلا للشيخ آغا بزرك الطهراني او هكذا عرفتهم للأديب المميز جعفر الخليلي فضلا عن شعراء الغري لعلي الخاقاني، وغير ذلك.

ضمان ثقافي

وعودا على بدء فان الكلام عن العلاقة بين النجف وجبل عامل اصبح على درجة من الاجمال والتعميم بحيث يؤكد الحاجة الى دراسة تفاصيل هذه المسألة، لتحويلها الى معلومات تفصيلية واستنباط دلالاتها، بحثا عن وظيفة متجددة مشتركة للنجف وجبل عامل معاً… انطلاقاً من ان التعرف الى المكوّن النجفي في العقل والوعي والسلوك والادب العاملي، يشكل ضماناً ثقافياً ضرورياً، يشعر العاملي بموقعه ومكونه، ويشعر النجف بضرورة تجديد دورها في اعماقها العربية فضلا عن شبه القارة الهندية وغيرها.

وهنا لا بد من التوفر البحثي المنهجي  المدعم بالأرقام والتفاصيل عن العائلات اللبنانية التي هاجرت الى النجف وعادت او استوطنت على موجبات الشراكة العلمية والادبية، واستكمال ذلك بدراسة العائلات العلمية العراقية التي هاجرت لأسباب ثقافية الى جبل عامل واستوطنت او عادت او تفرقت بين لبنان والعراق. واستطراداً لا بد من قراءة تفصيلية لادوار علمية عاملية في تاريخ النجف ممن كانوا في مقام المرجعية او قريباً منها، وكانت مؤلفاتهم العلمية في اختصاصات مختلفة اساسا في علم الحوزة ودراستها ومعرفتها. ولا بد من دراسة لبنان وجبل عامل في الشعر النجفي والعراقي ودراسة النجف والعراق في الشعر العاملي، ودراسة الموثرات النجفية في الحياة الخاصة للأسر العلمية وترشحاتها الى الحياة العامة من الطعام الى المصطلحات اليومية الى ذكريات الطلبة والعلماء والزوار الخ بالاضافة الى حركة المصاهرة التي تمت بين النجف وجبل عامل… مع ضرورة التركيز على شوامخ ادبية وثقافية نجفية من اصول لبنانية… قد يكون آخرها الدكتور عبد الرزاق محي الدين الذي توفي وهو رئيس للمجمع العلمي العراقي.

 

هناك حقل جميل من شأنه أن يشكل رياً للذاكرة المشتركة النجفية العاملية واللبنانية العراقية هو أدب وشعر الاخوانيات أي الأدب الذي امتاز بالظرف ودقة الملاحظة وأشر على تعدد في السليقة الادبية كان مصرد غنى للأدب العاملي والنجفي بل والعراقي. وتحولت فيه الاختلافات في العادات والتقاليد والمآكل ومصطلحات اللغة اليومية الى مفارقات ادبية وشعرية كشفت الحب العميق المتبادل والاعجاب المشوب بالدهشة، الى ما في الحياة من طرائف وفي الشعر والشعراء من ظرف، وبرز في هذا المجال أمثال الشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد رضا الزين والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والسيد مصطفى جمال الدين في قصيدته الشهيرة «كيفون» وغيرها. وتكاد دواوين كبار الشعراء العامليين من علماء النجف وخريجيها تكون كتباً في العراق والنجف ومعناها العلمي والادبي وموقعها الوجداني… مع اطلالات على موضوعات اخرى.

بالتالي نحن مدعوون الى استكمال ما بدأه الرواد من صدر الدين شرف الدين ومحمد شرارة في الصحافة والادب النجفيين وفي وقت مبكر، الى الجهد المشكور الذي بذله المؤرخ والاديب والناقد الشيخ علي الزين في دراسته للأدب العاملي. في أواسط القرن الماضي مربوطاً بمنابعه ومؤثراته النجفية. ولعل التوفر على تراث الشاعر محمد علي الحوماني في ادبياته العراقية في كتابيه «بين النهرين» و«حديث الرافدين» يشكل مادة للبحث والمعرفة والتذكر ويمهد مع غيره لاعادة بناء العلاقة على اساس التداول والتبادل والتكامل، لأنه لا بديل للنجف في افق الثقافة العاملية مهما بذل المهتمون بغير النجف لأسباب سياسية، من جهود لأن الشراكة التاريخية اساس في هذه المسألة. كما ان اللغة، في هذه الحال، هي اكثر من اداة ايصال، بل هي مقام معرفي جامع للحساسيات المشتركة والاذواق المتصلة. كانت العلاقة عميقة ويجب ان تصبح معرفتنا بها عميقة وتصبح ارادتنا في اعادتها الى سياقها النامي قوية على اساس ان ذلك ضروري جدا لنا وللنجف.

بالنسبة الىاختيار النجف عاصمة ثقافية اتمنى ان يكون معنى النجف في هذا الاختيار ابعد وأوسع من الجغرافيا وأن يكون التاريخ النجفي موضوعا في سياقه الذي يتعدى النجف ثقافياً وعلمياً وجهادياً ليصل الى بغداد ماراً بالضرورة بالكوفة، الحاضرة التي يجب ان تبقى حاضرة، وصولا الى كربلاء التي شكلت مددا مر وبديلا ضروريا مرة في اوقات الشدة للنجف فأسهمت في حفظها… وبغداد، التي ولدت النجف من رحمها العلمية في لحظة مأساوية، طبعا مع ملاحظة تأثير العتبات المقدسة على هذا التواصل… وبعد هذا لا بد من استكشاف العلاقة التبادلية بين البصرة والنجف والكوفة حتى لا تبدو النجف وكأنها بنت لحظتها. الى ذلك… فإني بقدر ما انا فرح باعلان النجف عاصمة ثقافية اسلامية (وعربية ايضاً وعراقية كذلك) فإني اخاف ان لا يكتمل فرحي بانجاز كبير بمستوى النجف يتحقق من خلال الفعاليات المنوي القيام بها احياء لهذه المناسبة العظيمة… وهنا أتساءل عما اذا كانت المناسبة سوف تتحول الى احتفالات مديح بالانشاء الكلاسيكي أم أن هناك ورشاً ومراكز بحث قد انشئت لتقدم صورة مركبة وعلمية عن النجف لا تخاطب القارئ او المشاهد النجفي وحده، بل والعراقي ايضاً، ولا الشيعي وحده بل والاسلامي عامة، ولا المسلم وحده بل العالم  كله خاصة في هذه اللحظة التي تنفتح خلالها أعين العالم على النجف… ولا العراقي وحده بل العربي ايضاً… بمعنى هل ستكون قراءاتنا للنجف مقدمة لنهوض نجفي جديد وحديث موصول بالاصول، يحفظ الثابت والموروث بالمستجد والمتغير ويستوعب المتغير، والمستجد بأصالة عميقة تدرك ان تراثنا هو ما نضيف اليه لا ما نستهلكه.

اتمنى ان نقرأ دراسات مستفيضة غير مشغولة بتبسيط او تجاهل عن تاريخ الاحداث والمنجزات والمتحولات. اتمنى ان يتوفر علماء النجف ومثقفوها الجادون والحاملون للاسئلة والمزودون بقلق معرفي حقيقي، على النجف في محطاتها ومنعطفاتها متذكرين ان اول مواجهة للاستعمار انطلقت من النجف في ثورة التبغ، وان أول حراك فقهي نحو تكييف الدولة الحديثة في الحركة الدستورية (المشروطة والمستبدة) وفي مؤلفات الميرزا النائيني، كان في النجف، وان اجمل حركة تحديث فكرية غير تبسيطية او انفعالية قادها السيد هبة الدين الشهرستاني ابن بيئته. هناك مواهب مرجعية أسهمت في تقديم النجف الى العراق والعمق والمحيط بصورة الحوزة العارفة والمسؤولة، وهنا لا بد من اعادة تظهير حركة المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء واهتماماته بالمستجدات والتحديات، وحضوره المميز في العام 1931 في مؤتمر القدس الى رحلات الشيخ عبد الكريم الزنجاني الغنية… وبعد ذلك الى جمعية منتدى النشر والآفاق التي رسمتها كلية الفقه وطموحها، وحركة الشيخ المظفر العابرة لحدود العراق والنجف الى الآفاق العربية. وبعد وعلى طريقة السيد محمد تقي الحكيم، الى تصدي المرجع السيد محسن الحكيم للقضايا القومية والوطنية بجدارة عالية، الى عناية السيد الخوئي بتخريج المجتهدين واعلاء شأن العلم والعلماء، الى بروز نموذج كالسيد محمد باقر الصدر الذي لن يغيب أثره عن عقل النجف، الى الطلاب العرب واللبنانيين خصوصاً من العلماء والأدباء والمفكرين الذين حملوا النجف الى العالم بعد ما حملتهم ومعهم علماء توغلوا في أقاصي الدنيا موصولين بالنجف علماً وقيماً.

ولا بد من التوقف عند ثورة العشرين وثورة النجف وحصارها ومحطات النجف الأخرى والمميزة والتي، وللأسف، لم نجد في النجف مؤسسة بحثية او دراسية لتعلمنا ذلك، فكان أن تعلمناه ناقصاً عندما خرجنا مرغمين من النجف وندمنا على ما فرطنا او فرطوا في حقها وحقنا، لأننا ويا للأسف اكتشفنا المزيد من أهمية النجف عندما كبرت المسافة بيننا وبينها وكأن الداخل لا يرى إلا من زوايا محدودة سواء كان أصيلاً أو زائراً أو مقيماً على أهبة العودة الى بلده.

هل ننتظر أن تكون المناسبة بشارة بعناية مؤسسية علمية بالتاريخ العام، وتاريخ النجف وأدب النجف، والنسيج الاجتماعي للنجف وأماكن النجف وتفاصيل المكان وذاكرته، ومؤسسة مثيلة لطرح السؤال الفلسفي واللاهوتي امتداداً الى حقول معرفية وعلمية حديثة يمكن ان تدخل ثمراتها في عملية الاستنباط الفقهي؟ هل تتحول النتف عن تاريخ علم الاصول ومنهجياته وتاريخ الفقه الى اختصاص مفيد؟ وهل نقرأ دراسة موضوعية نقدمها للآخرين الباحثين عن علمنا ومعاناتنا لا عن عواطفنا، عن المحنة التي مرت بها النجف على مدى ثلث قرن، وماذا قدمت وخسرت، كيف صمدت وصبرت وماذا ربحت؟ وهنا يحسن أن يقال ما جرى لضيوف النجف من سائر الاقطار، وخصوصا الذين هجروا او عذبوا او قتلوا من اللبنانيين وغيرهم، ومن أين اتت هذه المرجعيات المميزة؟ وكيف عاشت وقرأت وعلّمت تحت القمع والمنع وفي ظل القتل اليومي؟ هل تتحول النجف الى كم ونوع معرفي وعلمي متجدد يستدرج الباحثين من كل مكان، ويتعدى الاحتياجات العابرة للقارئ المحلي؟ هل نكف عن مديح النجف ونبحث عن طرق ووسائل لنهوضها الذي ينتظره الجميع… حتى لا يلتبس المديح بالرثاء. ولم يلاحظوا على مدى ثماني سنوات من التغيير السياسي والحرية، انه قد ابتدأ فعلاً، ولم يسألوا لماذا؟ طبعاً انا لا ادعو الى ثورة، بل ادعو الى عملية تطوير للحوزة من داخلها وبقوانينها لأن التطوير من الخارج ضار ولا يجدي… على ان تبقى هناك مساحة للاعتراض والحوار معا، حتى لا نتحول الى متصارعين او متساجلين فنعطل كل شيء، هذا مع العلم ان هناك اصواتا جادة في النجف بدأت ترتفع باحثة عن منعطف شامل وهادئ، وهي تحذر من الكسل او البطء او الطمأنينة المفرطة التي تقوض دور النجف وتلغي تاريخها. اتمنى ان نعيد تأسيس هذه العاصمة على ما يعصمنا من الخطأ والزلل والقصور والتقصير، وألفت النظر الى ان لبنان بتعدده وتداخل التجارب الاجتماعية والثقافية فيه وتكاملها، قد تحول الى منبر للنجف ومتنفس لها في السراء والضراء، وكان العراق الادب والسياسة والاجتماع والذاكرة والحلم يتسريح في لبنان ويحدد حيوياته ويحمل انطباعاته الى موطنه مسكونة بالحنين والاعجاب. وكثيرا ما كان المصطافون من ادباء العراق وعلمائه يؤثرون الاقامة في قرى الجبل اللبناني التي تكون على صلة ما بجبل عامل وعلمه وعلمائه ومكوناته العراقية والنجفية، وكان الصيف اللبناني يحفل بالسهرات والندوات العلمية والادبية حيث يلتقي العراقيون مع العرب اجمعين في ظل الارز وعلى مهب الرياح وروائح التفاح حيث يشتعل الشوق، شعرا الى دجلة والفرات والنيل والبرحي الحلاوي والزغلولي المصري (زين العصاري) وصياد السمك في الأهوار مشغولاً بطلب حبيبته ان يصطاد لها (بنية). طبعاً، في النهاية، هناك سؤال مشروع: هل يمكن ان نحلم او نتوقع بنهوض نجفي من دون نهوض عراقي عام؟ وهل نتوقع نهوض الحوزة من دون نهوض الدولة؟ أو لا نرى ان الحوزة متعثرة في نهوضها لأن الدولة متعثرة في تكونها وان من تصدوا لبناء الدولة اقرب الى الاعاقة منهم الى العَثَرة!