سراديب النجف حكايا وأسرار.. وتاريخ عريق تحقيق ثابت السراي

                                        
أخذت سراديب النجف مأخذها من الحكايات، ورُسمت لها صور كثيرة جدا ونسجت حولها حكايا وصل بعضها إلى مرتبة الخيال، كحكايات الذين قضوا حياتهم يعيشون في تلك السراديب . حجمها وامتداداتها الجغرافية ، وهل هي شبكة كبيرة تنتظم تحت المدينة القديمة ، مدينة علي ابن أبي طالب (ع) ،هذه التساؤلات وغيرها سنسعى  للإجابة عليها.

البحث عن دليل السراديب
تنتهي رحلتنا من بغداد إلى النجف في المدينة القديمة ، وتبدأ قصتنا التي جئنا من اجلها وهي (السراديب) ،سراديب النجف لنقرن الحقيقة بالانطباعات التي استوحيناها من القصص والحكايات الكثيرة عن هذه المنازل الأرضية أو الممرات وقيل أنها مدن عامرة تحت المدينة الحالية لا يعرفها ألا أهل المدينة وليسوا كلهم بل القلة منهم يعرفون حقيقتها وخرائطها .وما أن تصل ضريح الإمام حتى تتساءل في نفسك أين هي سراديب النجف هل هي تحت أقدامنا وسط الشارع، وهل ترتبط بأنفاق وممرات كما يقال، وهل وهل … وتكثر الأسئلة وتنشغل النفس بالبحث عمن تستعين به ليفتح ملفات الأسرار الكثيرة والكبيرة أمام تحرز أصحاب تلك السراديب وحرصهم على ألا يبوحوا بكل ما يعرفونه إن قبلوا بالكلام أصلا .
ونبدأ البحث عن شخص يسمى(دليل السراديب ) وهو اعلم بأمور هذه المدينة (تحت الأرضية) ذات الطوابق الكثيرة ، ونلتقي بالرجل ،انه دليل السراديب لكنه بحاجة إلى استحصال موافقات الجهات الدينية في المدينة لكي ننزل إلى تلك السراديب ،وان كنا نبحث عن سرداب أو سردابين فان القضية سهلة لان أصحاب المنازل في المدينة القديمة بمقدورهم ان ينزلون بنا إلى سراديب منازلهم ،لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد لان هذه السراديب قد أغلقت بفعل فاعل كما يؤكد الدليل، ونحن بحاجة إلى تفحص الممرات التي تربط بين تلك الأنفاق لنرى إن كانت تمثل مدينة تحت مدينة أم لا.

سرداب الوهابية
المهمة الأولى هي الحصول على ترخيص من آل كاشف الغطاء لندخل اكبر سرداب في النجف وهو سرداب الوهابية الذي يعجز دليلنا عن تحديد تاريخ واضح ومحدد لنشأته وتأسيسه فهو يحمل في داخله أقدم باب لضريح الإمام علي (ع) الذي استبدل قبل أكثر من 200 عام، ونقل مباشرة الى سرداب الشيخ جعفر الكبير الجد الأكبر لآل كاشف الغطاء .
حصلنا على الرخصة ومعها دليل آخر وهو من العائلة ،انه ابن بنت آل كاشف الغطاء (علي) الذي يملك معلومات كثيرة عن سرداب أجداده ،وسبب تسميته بسرداب الوهابية ،يقول علي جاءت التسمية من دور السرداب في رد الحملة الوهابية التي شنت لاحتلال النجف وهد ضريح الإمام علي ابن أبي طالب ،وكان دور السرداب كبيرا في الالتفاف على المهاجمين وردعهم فسمي بسرداب الوهابية .
دخلنا الدار الكبيرة التي تقع على مقربة من ضريح الإمام في النجف ،وفتح لنا باب صغيرة مخفية في إحدى جنبات الدار، دخلنا السرداب المهجور منذ سنوات طويلة ، وكان الظلام يلف المكان بأكمله والرطوبة التي اجتاحت جدران السرداب جراء المياه الجوفية ، فنزلنا طبقة أخرى حتى وصلنا إلى الطبقة الرابعة تحت الأرض ، وهناك ثلاث طبقات فوقها في كل طبقة دار مشيدة بغرفها وبنائها وزخارفها مع نظام تهوية دقيق ومحكم لا يمكن الوصول إليه  الا من قبل المعمار الذي أسسه كما علمنا من قبل أصحاب السراديب .

الخارطة الثمينة لمدينة السراديب
إنها منازل بطوابق عدة تحت الأرض ونظام تنقل وممرات تقودك إلى داخل المدينة ترتبط هذه السراديب بعضها بالبعض الآخر لتؤسس مدينة تحت الأرض بمنازل مترابطة في ما بينها، ولها طرقات وان كانت تتسع لشخص واحد إلا أنها تؤمن التحرك والتنقل بين نواحي المدينة .
الدليل الذي رافقنا يؤكد أن الجهة الوحيدة التي تمتلك الخارطة القديمة للمدينة (تحت الأرضية) تلك ،هم جماعة من مشايخ التيار الصدري حيث يحفظون النسخة الوحيدة من خارطة السراديب والممرات التي تربط في ما بينها، وتخرجك من المدينة إلى بحر النجف او إلى الكوفة و مقبرة وادي السلام وبالتالي فان تلك الخريطة وأمر الاطلاع عليها أشبه بالمستحيل .
توقفنا عند مسافة لا تزيد على 10 أمتار بعد بوابة ممر سرداب الوهابية الذي قطعناه بظلامه الدامس على نور المصابيح اليدوية ،ووصلنا لدربونة ضيقة تتسع لشخص واحد تلتف بشكلها الحلزوني متجهة الى الأسفل باتجاه قبر ضريح الإمام (ع) ،وعدنا أدراجنا لكن رغبة النفاذ ولو من سرداب الى آخر لا يزال يعتمل في صدورنا.

وننتقل إلى سرداب آخر
علي حفيد آل كاشف الغطاء قادنا إلى بيت كبير مجاور لدار جده وهي دار تعود للعائلة ، مهجورة هي الأخرى ومظلمة نزلنا إلى سردابها حيث  يظن علي أنها قد تقودنا الى ما بعد النفق المسدود ، المكان مظلم والباب السرية مفتوحة، أسفل الباب سلم لولبي أتقنت فيه الصنعة المعمارية فتساوت كل قياساته وتناسقت مع دورانه بشكل رائع وجميل ،نزلنا في السرداب وتكونت لدينا قناعة لأول وهلة بأنه الأكبر من بين سراديب النجف لاسيما وإنها المرة الأولى التي نرى فيها سرداب وبهذه الهيئة المعمارية
يسرد لنا علي تاريخ هذا السرداب الذي هو جزء من سرداب الوهابية ايضا ،يقول “أنشأه المرجع الديني الشيخ جعفر كاشف الغطاء عام 1156- 1228 هجرية، وقد استخدم إبان الحملة الوهابية في مقاومة الغزو القادم من صحراء نجد، وكانت الجولة في هذا السرداب طويلة جدا وخطيرة، لاسيما ان الزمن قد اخذ مأخذه من السرداب وزواياه وأركانه القديمة وتهرأت مسانده الحديدية وما أن تمسك جزءا منه حتى تنهال  عليك كميات من الأتربة، والأرض من تحتنا تهتز فيما يضغط الهواء الرطب على الرئتين فيضيق النفس وتشعر بالبرودة الرطبة  المختمرة بعبق التراب وطين باطن الأرض وهو شعور غريب وجميل في الوقت ذاته .

السن والنيم سن والجان
كان ذلك الطابق الأول من السرداب ،المنظر فيه  غير مألوف‘ غرف وقاعة وممرات جانبية وفتحة تهوية كبيرة ينزل منها النور، والجدران صنعت فيها رفوف جانبية وأقواس وخزانات وكان (علي) يفتح لنا باب فندخل منه لنجد أنفسنا في غرف أخرى غير التي دخلناها ثم نلف إلى جانب آخر فيقول: إننا قد عبرنا الشارع العام وصرنا في الجهة المقابلة تحت الطريق العام، ومن بعد يأخذنا إلى سلم آخر في غرفة أخرى من طراز آخر وننزل إلى طابق ثاني تحت الأرض ونجد شيئا يختلف، ممرات كبيرة وغرف اكبر، انه (النيم سن) وهو سرداب متوسط يعتبر مجازا بين السرداب الأول وسرداب (السن) ، والسن عند أهل النجف هو الصخر او السرداب المحفور بالصخور التي تنتهي بها طبقات الأتربة تحت الأرض لتصل الى مسافات يزيد عمقها على 10 أمتار تحت الارض ،ويطلق هذا الاسم على الطابق الثاني من السرداب، ثم نهبط إلى طابق ثالث يكون أقدم وأكثر تضررا والأغراض مبعثرة فيه وبداخله بئرا مملوءة بالماء ،ويقول دليلنا: إن في هذه البئر خزنة من النقود الذهبية كما تقول جدته لأمه وقد أخفيت على زمن العثمانيين وتوفي الشخص الذي أخفاها قبل أن يدل اهله على مكانها فبقيت مخفية حتى اليوم، ويذكر لنا علي: هنالك أرواح أو جان أو مشابه تسكن المكان  كما تبين الروايات وما يتناقله سكان النجف ،وعلينا التطبع والتكيف مع الوضع إذا ما سمعنا أصوات أو رأينا  أشياء أخرى
لم نستطع الخروج من السرداب وطوابقه، وكان الأمر أشبه بالمغامرة واكتشاف معالم حياة غريبة لطالما سمعنا عنها ونسجت حولها حكايات كثيرة، وإنها قد هزت امن الأنظمة التعسفية في العقود المنصرمة، الشاب يروي لنا ما سمعه عن أهله عن الأسلحة التي كانت موجودة إلى وقت قريب ونقلت عن طريق أخواله من آل كاشف الغطاء إلى أماكن أخرى ،ويعود تاريخ هذه الأسلحة إلى زمن الحملة الوهابية أو ثورة العشرين أو ما تلاها من أحداث مر بها العراق وكان اغلبها ينطلق من النجف وسراديبها ، دليلنا والشاب علي يؤكدان أن هذه السراديب كانت مجالس للدرس والعلم وحلقات دراسية لمشايخ وعلماء النجف في أزمان متعاقبة كان الضغط فيها يطبق بوسائله على أهالي النجف ومنابرها العلمية، فالشيخ الكبير استخدمها لحماية النجف من الغزوات، واستخدمها لتكون ملجأ وحصنا يحتمي به المراجع والشيوخ والثوار ،وأحصى لنا قرابة الـ300 كتاب ومؤلف، قد الفت ولحقبة لا تتجاوز الثلاثين عاما، في هذا السرداب حينما كان العلماء يعكفون على الكتابة والبحث والتحقيق في السراديب هاربين من بطش السلطات بينما يوفر لهم مراجع الدين كفايتهم من مؤن الحياة .

الفن المعماري للسراديب
السراديب تبنى بنظام القباب فيكون سقف كل غرفة في السرداب عبارة عن قبة لها أضلع مثمنة ومربعة تسند الثقل المتراكم على السقف إذا ما علمنا أن الطابق الأرضي للدار والطابق الثاني والثالث إن وجد يستند أو يرتكز على هذه السقوف وهي سقوف مقوسة بلا أي أعمدة أو جسور حديدية ساندة، وبين انحناءات قباب سقوف السراديب توجد مثلثات مجوفة تتشكل طبيعيا بين انحناءات القباب، هذه التجاويف الكبيرة تكون مخابئ سرية لا يمكن لأي مخلوق الوصول إليها سوى صاحب السرداب ، وحتى أولادهم لا يعرفون لها طريق لكن هنالك من أباح بسر ثم لجم لسانه فهو يعرف شخصا يمكنه إن يطلعنا على أسرار هذه المخابئ السرية وهو ذو دراية بكل قفشات وإستراتيجيات السراديب ،الاسم الذي ذكر أمامنا هو (الدامرجي) .

سراديب الدامرجي وقصة البئر العباسية
بحثنا عن هشام الدامرجي ووجدنا من يقودنا له فهو أتقن فن الاختباء لأنه كان من باعة الكتب الدينية المحظورة ومطلوب لسنوات طويلة لمخابرات النظام السابق ومهرب من الطراز الأول للكتب النجفية، إلى سوريا ولبنان تطبع وتنشر للعالم وتعود مطبوعة إلى العراق مع الاحتفاظ بالأصول، فيراه المشايخ في النجف صاحب فضل كبير عليهم لأنه وفر لهم ما كانوا يبحثون عنه طويلا ،وجدناه بعد يوم بليلته من البحث والتقصي وقد وافق على أن يقودنا في اليوم التالي في جولة بدارهم التي تضم اكبر سرداب وأقدم سرداب في النجف ولديه ما يثبت كلامه وهو البئر العباسية.       بيت الدامرجي والسارق الذي فقد طريقه فيه! بتنا على جمر مستعر وصحونا منذ الصباح الباكر لننطلق بوجهتنا نحو سراديب الدامرجي ، قابلنا هشام الدامرجي في (دولان) دار أبيه القديمة وسط الحويش ، والدولان هو ممر بمترين عرضا، وعشرة أمتار طولا، ودخلنا الدار،

ويا لها من دار جميلة لا تزال تحمل كل معالم التاريخ فلم تطلها أيدي التغيير وحافظت على ما هي عليه، أنها دار اشتراها أباهم من احد مشايخ قبيلة بني مالك أبان منتصف القرن المنصرم والدار يعود تحديثها وإعادة توسعتها إلى عام 1223 هجري، وكان مكانها لدار عباسية قديمة بنيت على أطلالها هذه الدار في ذلك التاريخ بمساحة كبيرة جدا، تتوسط ساحة الدار سدرة كبيرة وتحيط الدار غرف بطابقين ذات زخارف وأبواب جميلة بطابعها القديم ، يستذكر أصحاب الدار حادثة طريفة؛ يقال أن سارق دخل الدار وبعد أن سرق ما يريد حاول الخروج من الدار فلم يعرف، وتاه في هذه الدار فجلس حتى الصباح منتظرا أهل الدار أن يصحوا ويدلوه على الطريق…. وبالفعل بعد جولة في الدار  قال لنا هل تعرفون من أين دخلتم؟ أجبنا بـ لا، لان جميع أركان الدار وأبوابها متشابهة فلا يمكن تمييز بعضها عن الآخر .  الدخلاني والطمة والكنجينة فتح لنا باب سري من (الدخلاني)كما يسمونه والباب مموهة في داخل (الطمه) وهي باب الحمام  تستخدم للدخول السري والخروج من السرداب ، ودخلنا إلى منزلق ذا سلالم حلزونية مستديرة لنقف ويمتد المدخل والممر تحت الأرض مسافة عشرين مترا مؤديا إلى (كنجينة تحتاني)  سرداب الأمان  بسعة خمسة عرضا ،وعشرة أمتار طولا بعد دورتين في وسط خان كبير جدا بأعمدته واواوينه الكبيرة ، والكنجينة تحتاني هي سرداب الأمان كما يسمونها .  ما يشد ويدعو للاحترام والتقدير هو تحفة الإتقان الهندسي للسرداب فهو كالقصر من الداخل رغم كثرة الأنقاض والأغراض القديمة المتروكة فيه، ويقول هشام أن السرداب هو الأكبر من بين سراديب النجف وهو بأربعة طوابق وطابق أخير لم يدخلوه قط وفيه أربع آبار كبيرة من بينها أقدم بئر في النجف هي البئر العباسي.  يذكر أن والده كان يقول أنها تستخدم للهروب الاضطراري، وكان والده يسمح لأهالي المدينة بالتزود من مياه الشرب من آبار سردابه أيام شحة المياه وفي الأزمات أيضا.  كثرة المداخل والمخارج في السراديب سرداب الدامرجي ضخم وكبير وكثير المسالك والمداخل وفيه أقبية سرية يقول أنها تكون في منتصف المسند الداعم الرئيسي للسرداب يمكنها ن تخبئ رجلا ينحني ويدخل ويليه آخرون فينامون فيه على وضع واحد ويبين أن هنالك مخابئ أخرى في المثلثات الطبيعية بين القباب الداخلية لم يقبل إن يرينا أبوابها وعندما وافق وجدنا أن أخاه الأكبر قد بنى الأبواب السرية ، ما يثير الغرابة في هندسة العمارة النجفية السردابية أن كل غرفة في الدار لها ثلاثة أبواب؛ الأول باب الدخول الرئيسي، والآخر باب يمر بين الغرف نفسها ، والباب الثالث والاهم هو الباب الذي يقود بممر يفضي إلى السرداب والى السطح في آن واحد ومن الغريب أن السرداب لا ينتهي عند حدود الدار بل يتسع ليكون في اغلب الأحيان تحت بيوت أخرى، وهنالك أربع مخارج تقع في الأركان الأربعة للدار تفضي هذه المخارج إلى آخر طابق في السرداب وتؤدي أيضا إلى سطح الدار العلوية.  هبطنا مجددا بالسلالم التي يفوق عددها خمسين سلماً إلى أخر طابق في السرداب وكان عبارة عن اقنية وأنفاق متعددة ومياه تملأ الأرض وهي المياه الجوفية وبئر ارتفعت عليها مناسيب المياه الجوفية ، والعنكبوت كان قد بنى بيوتا له في المكان قد لا تكون مبالغة إن قلنا أنها قديمة جدا وهذا الطابق من السراديب يسمى (السن) لأنه يقف على الحجر أو الطبقات الصخرية للأرض في هذه المنطقة .  الطارات ومهارب السراديب عدنا مسرعين إلى الأعلى وبدأ يروي لنا الشاب كيف أن أباه المرحوم قد خبأ ثلث موجودات مكتبة الضريح ومخطوطاتها وخبأ مقتنيات وتحفاً للضريح في السرداب وتحول السرداب أيام الانتفاضة الشعبانية إلى مخبأ لرجال الدين والسياسة وأقاربهم وأصدقائهم، فضم أكثر من مئة فرد ، ويقول أن إباءهم قد كانوا على دراية بكل تفاصيل السراديب وممراتها وكانوا يخرجون منها إلى الضريح والى خارج المدينة حيث بحر النجف أو إلى محلة العمارة لكنهم لم يطلعوا أولادهم على هذه الإسرار وشمعوا أبوابها واخفوا بعضها ، مع ذلك فان هشام يعلم أين تبدأ المخابئ وأين تنتهي وكيف يخرج من منطقته إلى منطقة أخرى حتى إن هنالك مسالك تقود إلى الحيرة وابعد منها والى المناذرة وقد كان يعرف كيف يهرب من بطش السلطات ويخرج الكتب المهمة إلى دول مجاورة يطبعها ويعيدها إلى النجف من جديد من خلال السراديب والطارات ، ويعرف (الطارات) بأنها سراديب عامة تجمع المتسولين ومن لا ملجأ لهم وتستخدم لأغراض متعددة وهي خارج البيوتات على أشكال كهوف ومغارات طبيعية تشكلت مع الزمن بسبب عوامل التعرية والتآكل أو بصنع صانع وهي مظلمة وواسع ويقال أنها توصل المهربين إلى سوريا ! وهي مدن تحت الأرض وقد أتعبت الطارات كل الحكومات المحتلة والوطنية وقد شكل فريق مختص إبان حكم النظام السابق استطاع أن يسمم أجواءها بالكيماوي وفجر مناطق كاملة فيها كانت تخبئ عددا من المهربين والجنود بل عدد من معارضي النظام السابق ثم زرعت عن بكرة أبيها بالألغام وهكذا أصبحت الطارات أثرا بعد عين، ويبدو أنها وردت كاسم في التوراة (ارارات) بمعنى المرتفع الذي رست عليه سفينة نوح .  البئر العباسية أقدم آبار النجف المخفية البئر العباسي كان الأهم في الجولة وكيفية الوصول إليه لاسيما ان الأرض كانت مملوءة بالمياه ولا يعرف ما العمق الذي تخبئه تلك المياه والأخطر انه قد تكون هنالك انهيارات لذا تمسك بي زميلي حيدر محمد وتنقلت بخطوات حذرة وبيدي الكاميرا لكي أصل إلى فوهة البئر والتقط صورة قد تكون نادرة فهذه البئر رميت فيها خلال ليلة واحدة مئات الكتب الممنوعة عندما داهمت قوات الأمن والمخابرات للنظام السابق دور النجف وبعض السراديب . البئر العباسية يقال إنها أنشئت في زمن العباسيين وهذا ثابت تاريخيا وما يثبت ايضا ان فن عمارة السراديب يعود لعصر العمارة العباسية وهو فن امتازت به مدينة النجف التي ترتفع على هضبة تطل على بحر النجف ومع صعوبة الوصول إليها إلا أننا استطعنا التقاط صورة حصرية لها…  البئر العباسية كما بدت على أضواء فلاش الكاميرا وسط الظلام الدامس قديمة جدا والمياه فيها راكدة وقد تكونت على سطحها رغوة أو مشابه ، يذكر الشاب أن والده المتوفى منذ سنوات عديدة كان قد نظر لها مرة واحدة ومنعه جده من الاقتراب منها ومن ثم اقفل المدخل المؤدي إليها بالبناء خوفا على أولاده من هذه البئر.  السراديب الصخرية وتاريخ تيزناباذ الأجمل في السن هو النحت بالحجر بناءً، وكيفية شق جيوب وأنفاق في الحجر فالأرض بعد كل تلك الطوابق تكون حجرية ، فكيف تم شق هذه الحجارة والصخور؟ وعليه فان ما يقال بان هذه الإنفاق والسراديب قد أنشئت خلال الغزو الوهابي للنجف أمر غير صحيح لكن قد تكون هنالك سراديب أنشئت في فترات لاحقة لكن النظام مما بدا عليه شكل السرداب وتكوينه قديم وليس جديدا ومصداقا ذلك ما يؤكده المؤرخون والجيولوجيون من أن النجف مدينة كانت بحرية ثم تحولت إلى مدينة صحراوية فتغير مناخها بسبب إحاطتها بالصحارى الشاسعة مثل صحراء الأنبار وصحراء الحجاز مناخاً لاهب الحر صيفا، مثلج القر شتاء ، وفي الصيف ثمة رياح محرقة تهب على النجف من صحارى الجزيرة مثل ريح السموم وريح اللاهوف وريح الغبرة  مع شحة مهلكة في مياه الشرب، وقد حصلت موجات هجرة  مثل هجرة التيزنابيذيون مدينتهم عقب جفاف آبارها وشحة المطر ! وتيزنابيذ (جيران النجف الأقربين 2 كم ) وهي اليوم خرائب وتقع تيزناباذ شرقي النجف وقد زحف عليها البناء ويسمونها أهالي النجف  عريسات  وقد هدم النعمان المدينة التي كانت قبلها وبناها، وعريسات كانت مسلحة (ثكنة عسكرية)  لجند النعمان بن المنذر وفيها سرداب عميق يسمى ديماس، اتخذه سجنا للمحكومين مدى الحياة  وفيها حانات ومعاصر خمر وخانات للهو  وقد جددها العباسيون وجعلوها وكنائسها أمكنة للهو ووردت في الشعر وبخاصة كتب الديارات أو الأديرة، يقول فيها أبو نواس (قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم    أخشى الإله وأغشى تيزناباذا).  السراديب في التاريخ وجاء ذكر السراديب تاريخيا في (الأغاني للأصفهاني) في خبر زيارة الأعشى والملك النعمان للنجف ، ويذكر تاريخيا أن السراديب في البدء كانت محاكاة للمرابض والمهاجع في القيلولة، ثم تطورت لتحاكي الدياميس البابلية المبنية تحت المسالح كسجون أرضية ، وتاريخ نشأة السراديب في النجف أقدم منها في إيران لذا لا يمكن القول أنها انتقلت من إيران إلى النجف كعمارة أو فن هندسي ،وهي تنشأ في الدول والأماكن الحارة على الأغلب ومنها في السعودية سراديب الكعب ومنها سراديب الحارة اليهودية وسراديب الاخيضر وسراديب القصر في اليمن وسراديب كثيرة في المناطق الصحراوية العربية، الغاية منها التكيف مع الظروف البيئية القاسية ، وفي خانات النخلية والنصف والربع ثمة سراديب بعضها أغرقته المياه الجوفية الطارئة بسبب الكثافة السكانية ، وسراديب الموصل المعروفة كسرداب البيت الموصلي الكبير الذي ضمته دار الآثار إلى جامعة الموصل كتراث تتم حمايته وصيانته بشكل دوري للحفاظ عليه، وفي حارات سوريا ولبنان وفلسطين والأردن توجد السراديب، وفي صحراء سيناء سراديب تصل إلى فلسطين مما يبين إن النجف ليست صاحبة السراديب الوحيدة في العالم العربي، وثمة سراديب بابل المشهورة وفي الأساطير إن الساحرين هاروت وماروت مسجونان في واحدة من سراديب بابل ولعل أشهر سرداب في بابل هو سرداب بريسفون ابنة العالم السفلي التي خطفت دموزي واستأثرت به حسب الأساطير القديمة المتوارثة . أما ما يقال عن بداية نشوء السراديب عقب وفاة الإمام علي (ع) ودفنه في النجف فإنها ليست موضوعية بل يمكن القول أن كثرة السكن والتقرب من الإمام ونشوء مدينة كبيرة أوجدت الحاجة إلى بناء سراديب جديدة أخرى وتطويرها  قد تكون هي الحقيقة الموضوعية الأقرب للتصديق .  السراديب والثورات العراقية وعلى أية حال فان سراديب النجف كانت الراعي الأول لعدد من الثورات في العصر الحديث والحركات الثقافية والفكرية والسياسية منها ثورة 1914 في العراق ومقاومة الغزو البريطاني وقبلها كانت مصدر قلق للعثمانيين وسلطاتهم التي يئست من الوصول إلى مركز الفكر والثقافة في النجف ، ثم ثورة 1920 الشهيرة وبعدها انتفاضة 1935 وبعدها الثورات التي تلت والحركات السياسية، وإضافة إلى النتاج السياسي كان النتاج الديني الذي أثرى العالم الشيعي وخرجت من هذه السراديب شخصيات كبيرة وبارزة في العالم الإسلامي وكانت مدارس تحت الأرض تكفل تدعيم الدين ومد المجتمعات بالمرشدين والناصحين واستمرت على المنوال نفسه إلى أن حاصرتها الحكومات الحديثة بعد تأسيس الجمهورية وما تلاها ولم تستلم هذه السراديب ولم تنجح السلطات التي تحدت تلك المعالم فبقيت سراديب النجف شاخصة بينما انهارت الرموز التي عادتها ،واليوم وللأسف تناست الحكومة العراقية الجديدة هذه الرموز التي رعتها عندما كانت هذه الحركات والأحزاب في العراق والآن نسبة الخطر والتهديد الذي يحيق بهذه السراديب يفوق الـ70% بسبب رداءة وسائل الصرف الصحي وتصريف مياه الاستخدام السكاني للمدينة، إضافة إلى أن الزمن يمر مسرعا على السراديب أو المعالم التاريخية، آخذا بيده ومن دون رحمة قوة صمودها وقد شاهدنا مدى الضرر الذي لحق بها، فاغلب السراديب التي دخلناها كانت مهددة بالاندثار ، فيا ترى أين النظرة الاستثمارية والرؤى الفكرية التخطيطية للحكومة والقائمين على الآثار والسياحة والثروات العراقية من هذه الكنوز؟