مقبرة النجف.. شاهدة على تأريخ الأحزان بول سكيم بغداد – ترجمة مرتضى صلاح

 
أكبر مقابر العراق مساحة وأقدمها تأريخاً
مقبرة النجف.. شاهدة على تأريخ الأحزان

تنتصب صورتا الأخوين القتيلين جنبا الى جنب فوق قبريهما في مقبرة النجف. فالأول هو الجندي المشاة رحيم جبر الذي سقط عام 1981 في احدى معارك الخليج الأولى وسط جحيم دموي امتد الى ثماني سنوات، فيما سقط الآخر نعيم جبر عام 2006 ضحية أحد التفجيرات الإرهابية التي ما زالت تعصف بالعراقيين منذ ثمانية اعوام تقريبا.

فقد إلتقى الشقيقان بعد أن كانا منفصلين طيلة ربع قرن؛ ولكن تحت تراب قبريهما في مقبرة النجف، وقد زين الأهل والأقارب الصور والقبرين بالديكور والزهور، تعبيرا عن فجيعتهما بولديها.

فهنا يعتز المسلمون بدفن موتاهم منذ ألف سنة تقريبا؛ قرب مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، أحد أكبر الأئمة الشهداء قداسة لدى المسلمين، فأصبحت المقبرة تمتد مع الأفق بدءا من المرقد المقدس وحتى آلاف الأمتار، فمن النادر أن تعثر على شخص ليس لديه قريب مدفون في تلك المقبرة، خاصة انها أكبر مقابر العراق مساحة وأقدمها تأريخا.

وتمتاز المقبرة بأنها تحوي جزءا مما يمكن تسميته بتأريخ العراق، إذ أن بعض مقابرها الجزئية تضم قبورا لضحايا كوارث طبيعية، وحروب، ومآس، وأحداث سياسية، ولا تخلو من قصص مؤثرة تحكي حياة الناس في تلك الحوادث. وهكذا ترى بعض الرخامات القبرية تتجاوز تأريخ الوفاة وتتحدث عن وقوعه في حادثة مشهورة في ذلك التأريخ.

ويمكن رؤية مقابر شهداء سقطوا منذ 2003، وهي مشيدة وفق حوادث وقوعها في البلاد. إذ يقول احسان شريف أحد متعهدي الدفن أن حجم المقبرة توسع بشكل عام منذ الحرب الأخيرة وتصاعد العنف في البلاد وبنسبة أربعين في المائة تقريبا، حيث أضيفت نحو ثمانية كيلومترات مربعة تقريبا الى المساحة القديمة للمقبرة خلال هذه الفترة. ويقول شريف الذي ينحدر من أسرة تمتهن مراسيم الدفن منذ ثلاثة قرون: ان فترة اشتداد العنف كانت تشهد دخول نحو مائتين وخمسين جنازة، وقد انخفضت حاليا الى ما دون مائة جنازة فقط، خلال مدة العمل اليومي المستمرة ليلا ونهارا.

الستوتة

تنتشر عجلة الدراجة النارية ذات الإطارات الثلاثة والمعروفة بإسم “الستوتة” بين ممرات القبور وهي تحمل أقرباء الموتى الى القبور لزيارتهم في المناسبات، فهذه العجلة هي الأكثر استخداما في المقبرة لسهولة اختراقها للمرات الضيقة بين القبور.

ويقول أحد زوار المقبرة انه نقل عائلته وأقرباءه من السيارة الى الستوتة بعد أن عجزت السيارة التي قدموا بها من مدينتهم الى محافظة النجف من دخول شوارع المقبرة بسبب الزحام الذي تحاول الشرطة المحلية السيطرة عليه فضلا عن شرطة المرور. أما مؤيد حميد، فكان قد رافق جنازة سيدة قريبة له من بغداد، ويقول أنه يحاول العثور على وسيلة لدخول سيارة الجنازة الى المقبرة الخاصة، ولكنه قد ينقلها عبر الستوتة.

ويضيف : ان مقبرتهم الخاصة تضم والديه وبعض أخوته وأقاربه، وتقع وسط المقبرة العامة.

وعندما سئل عن سبب عدم دفن الجنازة في بغداد، أجاب بأن البركة مطروحة في مقبرة الإمام علي (ع) ، وأن المؤمنين يحبون أن يحشروا في الآخرة مع من أحبوهم في الدنيا.

مقبرة للتيار الصدري

تتميز مقابر شهداء التيار الصدري بكثرة الزينة فيها وتسويرها وإحاطتها بالأنوار وصور الشهداء الذين يتميز معظمهم بعمر الشباب المبكر، وهي مقابر موزعة حسب سنوات معاركهم مع القوات الأميركية منذ عام 2004.

وعادة ما يحمل الزائرون أعواد البخور وقطع الكعك والحلوى والفواكه لتوزيعها على الزائرين الآخرين بقصد نيل الثواب الى صاحب القبر وهناك من يعتاش على هذه التجارة، فتراه يبيع البخور وماء الورد لكي يرش على القبر، فيما يغرز الزائر عود بخور متقد بحذاء القبر قبل أن يغادره مرددا بعضا من آيات القرآن.

المقبرة القديمة

تتراصف القبور القديمة قرب مرقد الإمام علي (ع) في المدينة القديمة، وكان بعض أهالي المدينة القدامى يدفنون موتاهم في المقبرة الخاصة بالعائلة جوار المنزل والتي أصبحت الآن جزءا من المدينة القديمة في النجف، ولكنها عادة تركها أهالي المدينة في المرحلة المتأخرة بعد دخول حركة العمران في المحافظة مرحلة جديدة.

وتمتاز القبور القديمة في المقبرة العامة بإرتفاعها الشاهق الذي يصل الى بضعة أمتار وخاصة قبور القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهناك قبور على ارتفاع متر واحد تقريبا، ولكن المرحلة الأخيرة شهدت بناءً واطئا للقبور الحديثة لا يزيد على نصف متر تقريبا. وهناك قبور لغير العراقيين، وخاصة للإيرانيين في بدايات القرن العشرين، كما هو واضح من الرخامة المنسوبة لأحدهم باللغة الفارسية في العام 1914. وكانت المقبرة القديمة قد شهدت قصفا عنيفا من قوات السلطة المبادة في 1991 أثناء انتفاضة آذار من ذلك العام، وفضلا عن الضحايا الذين سقطوا فيها، فقد تم تدمير مساحة واسعة من المقبرة، فيما تحت إزالة مساحات أخرى منها بواسطة البلدوزرات بقصد فتح طرق واسعة لإحكام السيطرة على المدينة. ولا يستطيع أحد وجهاء أسرة أبو إصيبع المعروفة بتوارث مهنة الدفن في المدينة تقدير عدد المدفونين في المقبرة منذ بداية الدفن فيها، ويقول ربما يتجاوز العدد عشرات الملايين، ويؤكد أن أحدا لم يقم بإحصاء المقبرة من قبل.

عن صحيفة واشنطن بوست الأميركية

 

Top of Form

Bottom of Form

مقبرة النجف.. شاهدة على تأريخ الأحزان
أكبر مقابر العراق مساحة وأقدمها تأريخاً
مقبرة النجف.. شاهدة على تأريخ الأحزان
بول سكيم بغداد – ترجمة مرتضى صلاح
تنتصب صورتا الأخوين القتيلين جنبا الى جنب فوق قبريهما في مقبرة النجف. فالأول هو الجندي المشاة رحيم جبر الذي سقط عام 1981 في احدى معارك الخليج الأولى وسط جحيم دموي امتد الى ثماني سنوات، فيما سقط الآخر نعيم جبر عام 2006 ضحية أحد التفجيرات الإرهابية التي ما زالت تعصف بالعراقيين منذ ثمانية اعوام تقريبا.

فقد إلتقى الشقيقان بعد أن كانا منفصلين طيلة ربع قرن؛ ولكن تحت تراب قبريهما في مقبرة النجف، وقد زين الأهل والأقارب الصور والقبرين بالديكور والزهور، تعبيرا عن فجيعتهما بولديها.

فهنا يعتز المسلمون بدفن موتاهم منذ ألف سنة تقريبا؛ قرب مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، أحد أكبر الأئمة الشهداء قداسة لدى المسلمين، فأصبحت المقبرة تمتد مع الأفق بدءا من المرقد المقدس وحتى آلاف الأمتار، فمن النادر أن تعثر على شخص ليس لديه قريب مدفون في تلك المقبرة، خاصة انها أكبر مقابر العراق مساحة وأقدمها تأريخا.

وتمتاز المقبرة بأنها تحوي جزءا مما يمكن تسميته بتأريخ العراق، إذ أن بعض مقابرها الجزئية تضم قبورا لضحايا كوارث طبيعية، وحروب، ومآس، وأحداث سياسية، ولا تخلو من قصص مؤثرة تحكي حياة الناس في تلك الحوادث. وهكذا ترى بعض الرخامات القبرية تتجاوز تأريخ الوفاة وتتحدث عن وقوعه في حادثة مشهورة في ذلك التأريخ.

ويمكن رؤية مقابر شهداء سقطوا منذ 2003، وهي مشيدة وفق حوادث وقوعها في البلاد. إذ يقول احسان شريف أحد متعهدي الدفن أن حجم المقبرة توسع بشكل عام منذ الحرب الأخيرة وتصاعد العنف في البلاد وبنسبة أربعين في المائة تقريبا، حيث أضيفت نحو ثمانية كيلومترات مربعة تقريبا الى المساحة القديمة للمقبرة خلال هذه الفترة. ويقول شريف الذي ينحدر من أسرة تمتهن مراسيم الدفن منذ ثلاثة قرون: ان فترة اشتداد العنف كانت تشهد دخول نحو مائتين وخمسين جنازة، وقد انخفضت حاليا الى ما دون مائة جنازة فقط، خلال مدة العمل اليومي المستمرة ليلا ونهارا.

الستوتة

تنتشر عجلة الدراجة النارية ذات الإطارات الثلاثة والمعروفة بإسم “الستوتة” بين ممرات القبور وهي تحمل أقرباء الموتى الى القبور لزيارتهم في المناسبات، فهذه العجلة هي الأكثر استخداما في المقبرة لسهولة اختراقها للمرات الضيقة بين القبور.

ويقول أحد زوار المقبرة انه نقل عائلته وأقرباءه من السيارة الى الستوتة بعد أن عجزت السيارة التي قدموا بها من مدينتهم الى محافظة النجف من دخول شوارع المقبرة بسبب الزحام الذي تحاول الشرطة المحلية السيطرة عليه فضلا عن شرطة المرور. أما مؤيد حميد، فكان قد رافق جنازة سيدة قريبة له من بغداد، ويقول أنه يحاول العثور على وسيلة لدخول سيارة الجنازة الى المقبرة الخاصة، ولكنه قد ينقلها عبر الستوتة.

ويضيف : ان مقبرتهم الخاصة تضم والديه وبعض أخوته وأقاربه، وتقع وسط المقبرة العامة.

وعندما سئل عن سبب عدم دفن الجنازة في بغداد، أجاب بأن البركة مطروحة في مقبرة الإمام علي (ع) ، وأن المؤمنين يحبون أن يحشروا في الآخرة مع من أحبوهم في الدنيا.

مقبرة للتيار الصدري

تتميز مقابر شهداء التيار الصدري بكثرة الزينة فيها وتسويرها وإحاطتها بالأنوار وصور الشهداء الذين يتميز معظمهم بعمر الشباب المبكر، وهي مقابر موزعة حسب سنوات معاركهم مع القوات الأميركية منذ عام 2004.

وعادة ما يحمل الزائرون أعواد البخور وقطع الكعك والحلوى والفواكه لتوزيعها على الزائرين الآخرين بقصد نيل الثواب الى صاحب القبر وهناك من يعتاش على هذه التجارة، فتراه يبيع البخور وماء الورد لكي يرش على القبر، فيما يغرز الزائر عود بخور متقد بحذاء القبر قبل أن يغادره مرددا بعضا من آيات القرآن.

المقبرة القديمة

تتراصف القبور القديمة قرب مرقد الإمام علي (ع) في المدينة القديمة، وكان بعض أهالي المدينة القدامى يدفنون موتاهم في المقبرة الخاصة بالعائلة جوار المنزل والتي أصبحت الآن جزءا من المدينة القديمة في النجف، ولكنها عادة تركها أهالي المدينة في المرحلة المتأخرة بعد دخول حركة العمران في المحافظة مرحلة جديدة.

وتمتاز القبور القديمة في المقبرة العامة بإرتفاعها الشاهق الذي يصل الى بضعة أمتار وخاصة قبور القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وهناك قبور على ارتفاع متر واحد تقريبا، ولكن المرحلة الأخيرة شهدت بناءً واطئا للقبور الحديثة لا يزيد على نصف متر تقريبا. وهناك قبور لغير العراقيين، وخاصة للإيرانيين في بدايات القرن العشرين، كما هو واضح من الرخامة المنسوبة لأحدهم باللغة الفارسية في العام 1914. وكانت المقبرة القديمة قد شهدت قصفا عنيفا من قوات السلطة المبادة في 1991 أثناء انتفاضة آذار من ذلك العام، وفضلا عن الضحايا الذين سقطوا فيها، فقد تم تدمير مساحة واسعة من المقبرة، فيما تحت إزالة مساحات أخرى منها بواسطة البلدوزرات بقصد فتح طرق واسعة لإحكام السيطرة على المدينة. ولا يستطيع أحد وجهاء أسرة أبو إصيبع المعروفة بتوارث مهنة الدفن في المدينة تقدير عدد المدفونين في المقبرة منذ بداية الدفن فيها، ويقول ربما يتجاوز العدد عشرات الملايين، ويؤكد أن أحدا لم يقم بإحصاء المقبرة من قبل.

عن صحيفة واشنطن بوست الأميركية

 

Top of Form

Bottom of Form