نوادر وطرائف الشيخ حسين قسام النجفي بقلم: صلاح مهدي الحمامي

 

لا يمكن عدّ مقالب ونوادر حسين قسام، لأنه لا يمر يوم من أيامه بدون نكتة ومقلب فكانت النكات والمواقف الفكاهية في البيت وفي الشارع وفي السوق وفي المقهى في السيارة في القطار في كل مكان حتى في الحمام فكان عندما يذهب إلى السوق الذي يبعد عن بيته مائة متر يستغرق من الوقت ساعة أو أكثر بسبب الهزل وتلطيف الأجواء مع كل من يصادفه بالطريق حتى كان ابنه الصغير الذي يحمل (علاكة السواك) ويمشي خلف والده يتعب ويتململ من كثرة وقوف والده في الطريق فترى حسين قسام عند العطار ويطلب منه كيلو (تمن شوي) ونجده يوقف سيارة الأجرة لا ليركب بها بل ليسأله: (عمي الساعة بيش)؟ أو (هل عندك خردة ربع دينار)؟.

لقد ورث حسين قسام روحية الهزل وخلق النكتة وعدم الجدية في الأمور من أبيه المرحوم عبود قسام بل فاق والده وغيره من الظرفاء بقابليته على تمثيل المقالب وصنع النكتة في الطرق والأسواق وكأنه يمثل على المسرح فتراه يغير ملابسه مرتين أو ثلاثة وهو في المطعم وفي المقهى بخفة فائقة وعدم صدور الضحك منه فتراه كل وقار فتستبعد أن يصدر منه شيئاً غير جدي.

لقد كان حسين قسام منذ الصغر يهوى الهزل واللعب.

ومن مقالبه وهو بذاك العمر أكله للدجاجة التي جلبها أبوه وأعطاها إلى والدته لكي تطبخها وفعلاً وضعت الدجاجة في القدر وطبختها للغداء. جاء حسين قسام من خارج البيت وكان جائعاً، فتح القدر فوجد فيه دجاجة طلب من والدته أن تعطيه منها فرفضت الوالدة. وقالت له: تنتظر إلى أن يأتي أبوك. وهكذا كانت عادات وتقاليد الأسرة فالأبناء تنتظر رب الأسرة إلى أن يأتي من العمل ويجتمعون على مائدة الطعام. لكن حسين قسام لا يحتمل ذلك ويرى الدجاجة تتقلب في القدر فقال لوالدته إذا لم تعطيني من الدجاجة سوف أقرأ عليها شيئاً من السحر وأقلبها إلى طابوقة وجلس أمام القدر وهو يقرأ وينفخ ويحرك يداه إلى أن غافل أمه فأخرج الدجاجة ووضع مكانها طابوقة، لقد جاء الوالد من العمل وأرادت الزوجة المسكينة أن تحضر الغداء ففتحت القدر وإذا بها تجد طابوقة بدل الدجاجة وعلى بساطتها صاحت لزوجها “إلحق لقد قلب حسين الدجاجة إلى طابوقة”!.

لكن هل تخفى اللعبة على الأستاذ؟ المهم أكل حسين قسام الدجاجة.

والآن نذكر مجموعة من تلك المقالب والنكت بمقدار ما سمعناه وإلا كما قلنا لا يمكن إحصاء تلك المقالب ثم هناك مقالب لا يمكن ذكرها، الله يعين الذين وقعوا فيها وهناك مقالب تؤول إلى الشتم والضرب والشكوى في مراكز الشرطة. لكن هل يكف ويمتنع حسين قسام على مقالبه؟!.

هذا أمر لا يمكن، لأنه لا يمكن أن يكون حسين قسام غير حسين قسام.

يسرق الذي لا يسرق:

من مقاهي بغداد القديمة (مقهى البرلمان) كان يرتاد هذا المقهى رجل ثقيل على النفس كثير الكلام وصادف أن جلس حسين قسام قرب هذا الرجل وسمعه يتحدث وينتقد الذي الذي يتعرض إلى السرقة فكان يقول: “أتعجب من الواحد شلون يُسرق؟” أي لا يسرق إلا المغفل. انتبه حسين قسام إلى كلامه وظل يراقبه فسمع منه أثناء كلامه وقد قلنا أنه كثير الكلام. أنه يريد أن يمر على أحد الصفارين ليأخذ القدور من بيته لكي يجليها (يبيضها) فقد كانت الأواني في السابق مصنوعة من الصفر وبين فترة وأخرى يأخذونها إلى الصفارين لكي يزيلوا عنها الطبقة السوداء، عندما سمع حسين قسام ذلك خرج من المقهى يسأل عن بيت هذا الرجل وعندما وصل إلى بيته طرق الباب فخرجت له زوجته، فقال لها: بعثني (أبو فلان) لكي آخذ القدور والأواني إلى الصفار، فأخرجتها له وأخذها حسين قسام ووضعها في مكان قريب من البيت وظل ينتظر قدوم (أبو فلان) إلى بيته وبعد فترة جاء (أبو فلان) ودخل البيت ووقف حسين قسام وراء البيت يتنصت. وإذا به يسمع صياح الرجل على زوجته وكان ذلك بعد أن غسل ونزع صايته وجلس على مائدة الطعام فسأل زوجته أين (الصينية) التي نتغدى بها يومياً؟ فأجابته الزوجة: لقد بعثتها مع القدور بيد الشخص الذي أرسلته، فصاح بها: إني لم أرسل شخصاً لقد كان الصفار غالقاً محله. وخرج (أبو فلان) مسرعاً دون أن يلبس ثيابه، يبحث عن الحرامي الذي سرق القدور.

وبعد دقائق طرق حسين قسام الباب مرة ثانية ليقول للزوجة: لقد وجدنا الذي سرق الأواني والقدور وقد بعثني عمي (أبو فلان) يريد ملابسه، فأعطته الزوجة (الصاية) وملحقاتها فأخذه حسين قسام وعلقها في المقهى. وعندما علم ذلك الرجل بأن (الصاية) معلقة في المقهى وقد صار في ألسنة الناس ترك المقهى ولم يرتادها أبداً.

يأخذ الناس للزيارة بسيارة دون عجلات:

كانت النجف وكربلاء ولا زالت تزدحم في أيام الزيارات والمناسبات الدينية، وفي إحدى الزيارات التي يذهب بها الناس إلى كربلاء وفي وسط الإزدحام وشحة السيارات وقف حسين قسام بباب إحدى السيارات (الباص) الواقفة في باب أحد محلات التصليح وكانت محلات التصليح في وسط المدينة في شارع السدير وكان الباص بدون عجلات وبدون محرك وقف حسين قسام ينادي: (كربلاء، كربلاء، كربلاء). ركض الزوار إلى باب السيارة وركبوا في السيارة حتى امتلأت بسرعة وذلك لقلة السيارات انخدعوا بسيارة لا عجلات فيها ولا محرك، صعد حسين قسام وأخذ الأجرة من الركاب ونزل بسرعة ثم عاد بسرة بزي رجل الدين يلبس العمامة. صعد السيارة بصفته قارىء التعزية وكانت العادة في السابق قبل أن تتحرك السيارة وتذهب من محافظة إلى أخرى يصعد أحد القراء ويقرأ للتبرك وبذلك يحصل على رزقه من الركاب. بدأ حسين قسام يقرأ وحصل على النقود للمرة الثانية وعندما أكمل القراءة نزل مسرعاً وعاد مرة ثالثة لكن بزي أفندي يلبس (السدارة) وجلس في السيارة ينتظر مع الركاب أن يأتي السائق ويذهب بهم إلى كربلاء بسيارة بدون محرك وبدون عجلات وصدفة جاء شرطي يتمشى قرب السيارة فاستغرب من الموقف وقبل أن يتكلم باشره حسين قسام بالسؤال (عمي هل رأيت السائق) فقال له الشرطي: اذهب إلى مركز الشرطة وقدم دعوة على السائق الذي أركبكم بسيارة غير صالحة للذهاب. ولا ندري هل ذهب حسين قسام إلى مركز الشرطة أم لا. وإذا كان قد ذهب إلى مركز الشرطة فهل اشتكى على نفسه؟!.

حسين قسام يبكي الناس:

هل تتوقع أن حسين قسام يبكي الناس؟!.

هذا ما حصل في أحد مجالس التعزية في أحد بيروت مدينة الكوفة وكان الخطيب الذي يقرأ لهم هو الشيخ جعفر قسام ابن عم حسين قسام الذي كان دائماً يتجنب حسين قسام ويبعده عن مجالسه. كان الشيخ جعفر يقرأ والناس تستمع إليه وعندما يصل إلى ذكر المصيبة يبدأ الناس بالبكاء وكانت العادة في هذه المجالس عندما يصل الخطيب إلى ذكر المصيبة تطفأ الإنارة لكي لا تتقيد الناس في التعبير عن حزنهم ومشاعرهم بالبكاء والنحيب.

وفعلاً أطفأ النور في البيت وبدأ الناس بالبكاء وكان البيت ممتلىء بالناس في الطابق الأرضي وفي الطابق العلوي الذي يشرف على صحن البيت وإذا بحسين قسام ينهض من مكانه رغم الظلام فقد أحس بتصرفات غير لائقة تصدر من أحد الجالسين، فقام إليه وضربه على رأسه ضرباً قوياً حتى ازداد عويل وبكاء الرجل، ولا يعرف من أين تأتيه الضربات وازداد انفعال وبكاء الجالسين معه، حتى أن الخطيب الشيخ جعفر قسام استغرب من ذلك، فأحس بأن البكاء من الجالسين في الطابق الأرضي أكثر وأعلى من الجالسين في الطابق العلوي فقال الشيخ جعفر: إن الجالسين في الأسفل قد أدّوا واجبهم، فقد وفوا بالبكاء بعد نريد أن نسمع أهل (الفوق). وإذا بالخطيب يفاجأ بجواب حسين قسام: أني صاعد لهم. لكن هل صعيد حسين قسام إلى الطابق العلوي بعد أن كشفه الشيخ جعفر أن هرب، هذا ما لا نعلمه.

فقد نقوده في مرقد هود وصالح(عليهما السلام):

وقف حسين قسام يوماً قرب باب مرقد الأمير(عليه السلام) يبحث في الأرض ويدور حول نفسه كأنه فقد شيئاً في الأرض وفي الأثناء جاء رجل يريد أن يزور فرأى حسين قسام بحالة يرثى لها فسأله ما بك؟.

فقال له: لقد ضاعت مني أربعة دراهم. بدأ الزائر يبحث معه في الأرض، لكنهما لم يجدا شيئاً. فاستغرب الزائر وقال له: أنت متأكد أن النقود سقطت هنا؟

فأجابه حسين قسام: لا إنها سقطت في مرقد هود وصالح. فقال له الزائر: ولماذا تبحث عنها هنا؟ فقال له: هناك المكان مظلم، وهنا يوجد ضوء وأستطيع أن أرى هنا فيه.

ازداد استغراب الزائر ولا يدري ماذا يجيب حسين قسام بل رأى من الأفضل أن يتركه ويبتعد عنه: أما كيف ضاعت من حسين قسام نقوده فربما كان بدون فكر ومشدوه البال بسبب انقطاع مرتبه الذي كان يتقاضاه من الحكومة كسادن لمرقد هو وصالح(عليهما السلام).

يتغدى بواحد وعشرين نقطة:

وفي الكاظمية دخل حسين قسام هو أصدقائه بعد أن أدّى مراسيم الزيارة إلى أحد المطاعم وكان الوقت ظهراً والجو حار جداً. جلس في المطعم الذي يمتلأ بالزوار عرف صاحب المطعم حسين قسام وخاف أن تحدث كارثة في المطعم وتخرج الزبائن من المطعم بدأ يتوسل ويترجى حسين قسام أن لا يفعل أي شيء مقابل ذلك يأكل ما يريد وبدون ثمن، وافق حسين قسام على ذلك الشرط. فجلس بشكل اعتيادي بدون أن يصدر منه أي شيء أو موقف أو مقلب.

نادى حسين قسام أحد المعاملين في المطعم، فقال له: اجلب لي غذاء بواحد وعشرين نقطة.

لم يفهم هذا العامل ماذا يجلب لحسين قسام من طعام فذهب إلى صاحب المطعم، وقال له: إن ذلك الزبون، وأشار إلى حسين قسام، قد طلب طعام بواحد وعشرين نقطة.

ذهب صاحب المطعم إلى حسين قسام مسرعاً وقال له: ماذا اتفقنا، أرجوك؟!

فقال له حسين قسام: على اتفاقنا لم يصدر مني شيئاً وأنت قلت لي أطلب ما تشاء. فقال له صاحب المطعم ومن أين آتي إليك بواحد وعشرين نقطة؟!

لم يفهم صاحب المطعم ولا العامل، ماذا طلب حسين قسام، وهل تعلم ماذا طلب حسين قسام؟ إنه طلب (شيشين فشافيش)!!

حسين قسام في القطار:

“وقيل لحسين قسام وهو يصعد إحدى عربات الدرجة الثالثة في القطار العامل بين كربلاء وبغداد، لقد قيل له أن هناك مفتش بطاقات أرمنياً لا يشبهه أحد في الشراسة وسوء الخلق ويعمل على هذا الخط منذ زمن طويل وقد ضج الركاب من شراسته فما تقول لو اتخذت منه موضوع سخرية في هذه الليلة ولم تكن عربات هذا الخط مضيئة في الليل يومذاك. فما كاد القطار يتحرك ويسود الظلام ويحس حسين قسام بالمفتش المذكور يصعد العربة وبيده مصباح صغير حتى ألقى بنفسه في وسط العربة والتف بعباءته وتظاهر بالنوم وراح يغط غطيطاً مسموعاً وبشيء من تلك الشراسة التي يتحدث فيها ركاب هذا الخط قام المفتش بتفتيش بطاقات الركاب وحتى دنا من حسين قسام ركله برجله وصاح به في لجهة خشنة نابية.

– يا الله.. تذكرتك؟ أعطني بطاقتك…

وهب حسين من نومه متظاهراً بالفزع كما لو كان في حلم مزعج وقبض على رقبة المفتش بيده اليسرى وباليد اليمنى راح ينزل على رأسه الصفعات تلو الصفعات مصحوبة بصرخات متوالية: حرامي. حرامي. ثم يبص في وجه المفتش بصورة متمادية ولا ينفك يصرخ حرامي حرامي كل ذلك والمفتش يصرخ بصوت مبحوح مخنوق ويقول أنا لست حرامياً وإنما قارض التذاكر…

ولكن حسين قسام يستمر في التضييق على رقبة المفتش وفي إنزال الضربات على رأسه وفي ملىء وجهه بالبصاق حتى يقوم رفاقه في العربة فيخلصوا المفتش من بين يديه ويفهموه بأن الرجل ليس حرامياً كما توهم بسبب نومه وإنه ليس إلا قارض التذاكر فيعتذر حسين للمفتش ويضحك المتفش من هذه المصادفة على الرغم من الضرب المبرح والإهانة”[1].

حسين قسام ضد الإنكليز:

كان حسين قسام “يحسن تكييف نفسه وقلب لكنته كما يشاء دون أن تبدر منه بادرة تفسد عمله أو تشكك من لا يعرفه فيه ولقد سيق في أثناء الإحتلال الإنكليزي ليعمل في (السخرة) على حد اصطلاح المصطلحين في تلك الأيام فيحمل الناس الرمل على ظهورهم إلى خان يقع على النهر وحمل حسين قسام أول كيس إلى المحل المقصود وحين خرج من الخان مع الخارجين لحمل كيس آخر تحت مراقبة الجنود انطوى على نفسه وعود إحدى رجليه وصعد أحد حاجبيه إلى الأعلى وأنزل الثاني وأطلق لأعضائه العنان لتهتز وترتجف فلم يعرفه أحد وظنه المراقب أنه من المشلولين المشوهين ولم يزل هذا شأنه حتى تجاوز حدود المراقبة وأطلق هنالك ساقيه للريح…”[2]. وكان حسين قسام يكره الإنكليز ويرى أن مساعدتهم خيانة للوطن.

حسين قسام إلى السينما:

سمع حسين قسام عن السينما. فذهب مع أصدقائه إلى بغداد ليشاهدون ما يعرض في السينما. وقف حسين قسام في الطابور على شباك التذاكر وعندما وصل إلى الشباك ودفع الأجرة رفع حسين قسام ملابسه وأخرج ساقيه ثم مدّ إحدى رجليه من الشباك يريد الدخول إلى السينما من الشباك حتى لاح قدمه الموظف الذي يقطع البطاقات فاجتمع الناس حول حسين قسام وسادت الفوضى إلى أن أُخرج حسين قسام من شباك التذاكر وأُدخل إلى السينما من بابها وعندما دخل حسين قسام إلى الداخل ورأى المكان تنتشر فيه الكراسي (المساطب) جلس وقد أعطى وجهه إلى المشاهدين وظهره إلى الشاشة فتدخل جماعة من المشاهدين وأجسلوا حسين قسام بالشكل الصحيح. وبدأ عرض الفيلم لكن هل يستطيع حسين قسام أن يبقى جالساً بدون أي حركة ومشاغبة وهو ينظر إلى الفيلم؟.

لقد جلس أمام  حسين قسام رجل ضخم يلبس (الجراوية) فكان يحجب النظر عن حسين قسام فلم ير الشاشة بشكل واضح فقام إليه حسين قسام وصفعه صفعاً قوياً وقال له (حسن) من الذي جاء بك إلى هنا؟! فادعى حسين أنه صديقه وأنه يعرفه. فقال الرجل لحسين قسام: أنا لست حسن فاعتذر منه حسين قسام، لكن الرجل انزعج وتأذى فغير مكانه بعيداً عنه لكن حسين قاسم لم يتركه فتبعه رغم الظلام في داخل صالة السينما. وعندما جلس واستقر الرجل جاء حسين قسام وصفعه مرة أخرى وقال له: حسن أنت جالس هنا وأنا ضربت ذلك الرجل الذي يجلس هناك فظننته أنت؟! فقال له الرجل أنا الذي كنت أجلس هناك فهربت منك فلحقتني إلى هنا. وارتفعت الأصوات وبدأ الشجار بينهم وترك المشاهدون الفيلم ليشاهدوا المشاجرة وأخيراً خرج المسكين من السينما بعد أن أشبع ضرباً ولم يشاهد الفيلم.

حسين قسام يلتقي بصديق لا يعرفه:

وهذا المقلب ينقله لنا حسين بنفسه فلا نضيف عليه شيئاً:

لقد شاهد حسين قسام رجلاً ليس من أهل النجف (أعرابي) في السوق فركض إليه وقال له:

“حسين قسام: أهلاً وسهلاً بحسن أشلون أحوالك كيفك.

– الأعرابي: بويه آنه مانش حسن.

– حسين قسام: أنسيت يوم العزمتني على غده وعشه وذبحتلي دجاجة أمشي وياي أريد أغديك.

– الأعرابي: توني عرفتك شلون أحوالك هله ومرحبه.

– حسين قسام: يا حسن شعندك جاي للنجف؟

– الأعرابي: جبتلي طلي وبعته أبربيه.

– حسين قسام: أمشي وياي أتغده خبز وكباب.

– الأعرابي: هسا عرفتك أثاري ما تنساش الفضل أسطه؟

– حسين قسام: نعم. حطلنه قرانين كباب وقران خبز ونصف قران تمر ونصف قران لبن.

– صاحب المطعم: ممنون أغاتي تفضلوا.

– حسين قسام: بعد شلون أحوالك حسن، أكل زين من كل خاطرك آنه شبعت راح أستناك عند القهوجي من تخلص تجي تشرب جاي لا تقوم.

قام حسين قسام وقال لصاحب المطعم بصوت منخفض خذ منه ربيه. أي لا تصيح أحجي بهداي وإذا طلع كله خل يجي يشرب شاي.

– صاحب المطعم: يابه جيب ربيه كواد.

– الأعرابي: بويه آنه معزوم وشلون أنطيك ربيه؟

– صاحب المطعم: تجيب ربيه لو أضربك راشدي.

– الأعرابي: أطيك لا تضرب لا جن أكلك وحق مذهبك ودينك بلاني على عمري أكله مانش حسن يكلي لاله أنت حسن، يا الله فلوس أطيه مهله أرد أفل الصره دخذها نعلت أمه وأبوه عله هالنكتة بعت التطلي أبربيه ردت أشتري جدريه وكرمكات وجفيه وفلفلات ومخده وتتنات وطيحنة وجسبات وثياب للبنات أجاني أبن البابوج كونه يكلي أنته حسن أكله مانش حسن أعرفه يعرفني شايف وجهه قبل أبساعه.

– صاحب المطعم: يابه أيكول أرفيجك خل يجي يشرب شاي.

– الأعرابي: خل يولي نعلت أمه وأبوه اليروحله بعد هالنوب أبيع عباتي وأنطي الجايجي بعد عندي بول باره بيزه بويه أجمع خل يردون وياي!.

حسين قسام ينقلب طنطل:

كانت الكوفة في السابق مركزاً تجارياً ضخماً وذلك بعد أن جف بحر النجف وذلك في سنة 1887م ففي أوائل القرن العشرين أصبحت الكوفة سوقاً تجارياً وميناء نهري كبير فكانت السفن التجارية تأتي من الشمال ومن الجنوب وكانت واسطة النقل بني النجف ولكوفة هي الحيوانات إلى أن أنشأت شركة الترامواي الحديدية وهي شركة أسسها الوجيه عبد المحسن شلاش والسيد جواد الرفيعي والسيد ناصر كمونه وغيرهم تأسست هذه الشركة سنة 1907 فمدة سكة حديدية بين النجف والكوفة تسير عليها عربات خشبية تسحبها الخيول وكان الوقت الذي تستغرقه ساعتين وتقف في منتصف الطريق (بئر النص) عنده (كري سعده) لغرض الإستراحة وتبديل الخيول فكانت هذه العربات عندما تصل إلى النجف ومحل وقوفها ساحة الميدن كان الحمالون ينتظرون المسافرين لينقلوا بضاعتهم فكانت عاداتهم أن يفرشوا في الأرض قطعة القماش (الكونية) فيأتي المسافر ويضع بضاعته في وسط القماش فيقوم الحمال بلمّها وحملها على ظهره، لقد كان حسين قسام مسافراً إلى الكوفة وعندما رجع ونزل من الترامواي وكان متعباً فجاء وجلس في وسط قماش أحد الحمالين وقال له احملني إلى بيتي فقال له الحمال: أرجوك قم ولا تقطع رزقي.

فقال له حسين قسام: خذ أجرتك واحملني إلى بيتي.

حمل الحمال حسين قسام على ظهره ولم يخرج منه سوى رجلاه. وعندما وصل إلى البيت رفض أن ينزل وقال للحمال أطرق الباب، طرق الحمال الباب فخرجت له أخت حسين قسام (سعدية) وكانت تحب حسين قسام حباً شديداً وعندما قال لها الحمّال هذا حسين قسام على ظهري تفاجأت واعتقدت أنه أصيب بشيء فأغمي عليها وسقطت على الأرض وبالطبع حسين قسام قد عالج الموقف لكن أخته أرادت أن تعمل به مقلباً نتيجة ما صنع معها فعندما خرج حسين قسام وعاد في الليل طرق الباب فخرجت له أخته سعدية وقالت ماذا تريد فقال لها: أنا حسين أريد أن أدخل فقالت له: حسين موجود نائم في البيت ونحن لا نعرفك وحاول معها لكن لم تفتح له الباب. فذهب إلى أحد أقاربه وقال له: خذني إلى البيت وعندما تصل احملني على ظهرك لكي تدخلني سعدية إلى البيت وقل لها لقد وجدته ساقطاً على الأرض وحملته على ظهري. وفعلاً جاء به قريبه إلى البيت وطرق الباب وهو يحمل حسين قسام على ظهره لكي تعطف عليه أخته وتدخله وعندما فتحت وسلّم عليها أقاربها قال لها: هذا حسين لقد (تخربط) فحملته على ظهري، فقالت له: حسين نائم في البيت وهذا الذي تحمله على ظهرك طنطل فارتبك الرجل ورمى حسين قسام على الأرض وفر هارباً وبعد ذلك أدخلت سعدية (الطنطل) إلى البيت بعد أن تنعنعت عظامه.

يبيع الدواء لقتل الذباب والبرغوث في الحلة:

ذهب حسين قسام إلى الحلة يطلب الرزق فأخذ معه أوراق السدرة بعد أن طحنها ووضعها في أكياس وجلس في مدينة الحلة يبيع الدواء لقتل الذباب والبرغوث والقارص وكل الحشرات التي تزعج الناس خاصة في وقت الليل فتحرمهم من النوم ولكي تستريح الناس أقبلت على حسين قسام تشتري منه ذلك الدواء العجيب وفي اليوم الثاني جاءه رجل قد اشترى ذلك الدواء العجيب وفي اليوم الثاني جاءه رجل قد اشترى بالأمس من هذا الدواء ونشره في أركان البيت لكي يستريح فلم يجد أي استجابة لمفعول هذا الدواء فلم يقتل أي ذبابة أو حشرة جاء هذا الرجل يسأل حسين قسام لماذا لم يؤثر بالذباب ولا بالبق أو الكارص ولا بالنمل..؟ وإذا بحسين قسام يفاجىء الرجل بهذا الجواب؛ حسبتك رجلاً مثقفاً ولا تحتاج إلى من يعلمك طريقة استعمال هذا الدواء فقال له الرجل: وكيف أستخدمه؟..

فقال حسين قسام: أولاً تصيد ذبابة وهي حية غير ميتة ثم تقوم بقطع جناحيها لكي لا تهرب ثم بعد ذلك تخرج لسانها وتضع حبيبات من هذا المسحوق العجيب وسوف ترى مفعوله بعد دقائق!!

ولا ندري هل اقتنع هذا الرجل بكلام حسين قسام أم لا. على كل حال فحسين قسام نفسه كان يبحث عن دواء للبرغوث وللحشرات الضارة التي تملأ بيته كما في قصيدته التي ذكرها في كتابه محراث الكلام.

حسين قسام في المقهى:

“وقد يتفق لحسين أن ينادي القهواتي في المقهى فيسأله عما إذا كان شاي المقهى شاياً جيداً؟

فيجيب الرجل على العادة بأن شايه في غاية الجودة وقد ابتاع منه عشرة صناديق خوفاً من أن ينفد.

فيسأله: وهل هو جيد (التخدير) لم تأخذ منه النار أكثر مما ينبغي. فيقسم القهواتي بأنه لم يصب منه ولا فنجاناً بعد ويعود فيسأل: وماذا تظن في ناحية الطعم في المذاق؟ معطر الرائحة فمن الشام؟ فيجيبه بأن يسأل جميع الزبائن عنه. وهنا يقول له حسين: إذن جيب فرد حامض.. أي ائتني بقدح من الشراب الحامض”[3].

ومن المقاهي التي يرتادها حسين قسام مقهى (السيد جاسم) وكان عندما يأتيها أو يمر من أمامها يقف في باب المقهى ويصيح (الفاتحة) ويرفع يداه ويقرأ سورة الفاتحة وقد يصادف أن أولاده معه فيفعلون ما يفعل أبوهم وصادف مرة كان شيخ يمشي في الشارع وشاهد حسين قسام يقرأ الفاتحة فوقف وقرأ سورة الفاتحة فخرج له صاحب المقهى وصاح بوجه الشيخ: “أبوك مدفون هنا وجاء تقرأ له الفاتحة”؟!!

يجلس في المقهى ويطلب الشاي في مقهى آخر:

وأكثر من ذلك أن يدخل حسين قسام المقهى فينزع بعض ملابسه ويذهب إلى المغاسل لكي يتوضأ ثم يقوم بجمع كراسي المقهى في جهة معينة ويقف ويصلي في وسط المقهى وصاحب المقهى واضعاً يده على قلبه خوفاً من أن تحصل مشكلة وتذهب الزبائن.

ومن مواقفه المحرجة لأصحاب المقاهي كان حسين قسام يجلس في المقهى وينادي على صاحب المقهى المجاورة للمقهى التي يجلس لها. فيطلب منه أن يجلب له الشاي وبذلك يحرج صاحب المقهى فلا يدري ماذا يفعل. فإذا جاء بالشاي لحسين قسام سوف يخلق مشكلة مع صاحب المقهى التي يجلس بها حسين قسام وإذا لم يأت بالشاي سوف يخلق له حسين قسام مشكلة!!

حسين قسام يأخذ ابنته إلى الطبيب:

في زمن حسين قسام كان الأطباء في النجف لا يتجاوز عددهم الإثنين أو الثلاثة فكان قلّة وعي صحي والأمراض منتشرة في المدينة مثل الطاعون والجدري والحصبة والتيفو وغيرها من الأمراض وكان التداوي فيها يعتمد على طب الأعشاب فيرجعون إلى الحكيم وهو العطار الذي يبيع الأعشاب فيأخذون العلاج منه أما الجراحة فكان يقوم ببعضها الحلاق فهو يقوم بالحجامة وختان الأطفال ويقوم بقلع الأسنان ومن الأطباء الأوائل في النجف: الطبيب أمين قاسم زهر والطبيب محمد العبد والطبيب إحسان رشيد الحسن والطبيب محمد صفوت الذي قدم خدمات جليلة لأهل النجف وكون علاقات طيبة مع عوائلها فكان يدخل بيوتهم ويشرف على مرضاتهم وكان له علاقة خاصة بحسين قسام وقد كتب عنه حسين قسام قصائد عديدة منها في مناسبة زواجه ومنها عند ذهابه إلى الحج ومن مواقف حسين قسام معه أخذ ابنته الصغيرة إلى العيادة فقال له الطبيب ماذا بها؟ فقال له حسين قسام أريد منك أن تحولها إلى ولد يعينني على الدهر ويخفف عني الحمل.

ضحك الطبيب ودعا الله أن يرزقه بالبنين. وفعلاً رزقه الله الأولاد.

ولم يكتف حسين قسام بولديه راضي وولدان بل رزقه الله بولدين آخرين مالك وكوثر وكان الدكتور صفوت هو الذي يشرف على علاجهم عندما يتمرضون.

قصة حسين قسام مع العقرب:

ومن أعمال الشغب والمكائد التي قام بها حسين قسام في إحدى المناسبات التي يحتفل بها أهل النجف. صنع عقرباً من الطين الإصطناعي ووضع في داخله مواد قابلة للإنفجار كالبارود أو الكبريت ووضع العقرب في وسط الشارع وجلس حسين قسام في أحد المحلات التي كانت مبنية في جدار الصحن الشريف وقد مدّ خيطاً رفيعاً من العقرب يصل إليه حتى يستطيع أن يحرك العقرب في وسط الشارع، ظل حسين قسام جالساً في المحل ينتظر من يقتل العقرب وكان صاحب الحظ السيىء أحد طلبة العلوم الدينية الذين يسكنون النجف فعندما قرب الرجل من العقرب ولاحظه يتحرك ولم يلاحظ الخيط فقد كانت الإنارة قليلة في ذلك الوقت والشوارع غير مبلطة فيتغطى الخيط في التراب أراد الرجل أن يقتل العقرب فنزع حذاءه بسرعة لكي لا يفلت منه وضربه ضربة قوية فانفجرت المفرقعات وأحدثت صوتاً عالياً أدّت إلى سقوط الرجل المسكين على الأرض ولم ينته الموقف بالبهذلة التي تعرض لها الرجل فقد جاء رجال الشرطة مسرعين وبدل من أن يساعدوا الرجل ألقوا القبض عليه لأنه أطلق المفرقعات وخالف القانون وأخذ الرجل إلى مركز الشرطة ولم يخرج إلا بعد أن أقنعهم بصعوبة أن الموقف قد دُبّر له.

كان ذلك في يوم التاسع من ربيع الأول وكان العوام يحتفلون في هذا اليوم ويعتبر من الأعياد فتضرب المفرقعات العالية الأصوات والتي تؤدي إلى الأذى والضرر فمنعت السلطات في ذلك الوقت من ضرب المفرقعات لكن أعمال الشغب لم تنته إلا بعد أن تدخل رجال الدين فقاموا بتوعية الناس وإرشادهم وخاصة المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، يقول صاحب كتاب ماضي النجف وحاضرها “ومن مآثره الجليلة وإصلاحاته أنه حينما اتسعت الأعمال المنكرة من العوام في (تاسع ربيع الأول) حتى صار لا يمر أحد في الصحن الشريف أو في الأسواق من شريف أو وضيع إلا ويهان ويضرب وتلوث ثيابه مضافاً إلى ضرب المفرقعات الهائلة الأصوات في الصحن الشريف ولا رادع ولا مانع ولا آمر بمعروف ولا ناهي عن منكر وأصبح الأعلام يخافون العوام فصعد المنبر في الصحن الشريف وبقي يعظ الناس زهاء ساعتين بمواعظ كان لها أعظم الأثر وزالت تلك الأعمال السيئة والبدعة الخبيثة بالمرة ولم يبق لها أي أثر واستراحت الناس وخاصة أهل العلم ببركاته وكم له من أمثال هذه الإصلاحات”.

حسين قسام يلبس العمامة:

عاد حسين قسام من زيارة الإمام الرضا(عليه السلام) وهو يلبس العمامة وقد قرر أن يبقى في النجف الأشرف بهذا اللباس لباس رجال العلم والدين لكن عمامة حسين قسام أصبحت حديث الناس.

كان حسين قسام يجلس في الصحن الشريف مع طلبة العلوم الدينية يشكلون حلقات من مجموعة من الطلبة ويجلسون في الصحن الشريف بعد أو قبل كل صلاة ويتناقشون في مسألة فقهية أو يبحثون ما جرى في الدرس وغير ذلك من أمور الدين فكان حسين قسام يتنقل من حلقة إلى أخرى ويتكلم بكلام لا يفهمونه ويفلت بسرعة خوفاً من أن يتعرض للضرب وقد سأل أحد الشيوخ الجالسين في الصحن الشريف عن عدد الأنبياء الذين بعثهم الله فقال له الشيخ مائة وأربعة وعشرين ألف نبي أولهم آدم(عليه السلام) وآخرهم النبي(ص) فقال حسين قسام للشيخ من فضلك لحظة. وأخرج من جيبه ورقة وقلم وقال للشيخ اذكر لي أسمائهم واحداً بعد الآخر وأسماء أولادهم حسب التسلسل، فصاح به الشيخ: قم تريدني أن أحفظ مائة وأربعة وعشرين ألف إسم قد أكل عليهم الدهر وشرب!. وجلس مرة في الصحن الشريف فجاءته امرأة وقالت له شيخنا خذ لي استخارة. فأجابها ولأول مرة بصدق: لا أعرف.

فاستغربت المرأة وقالت رجل معمم لا يعرف كيفية الإستخارة؟! فرفع حسين قسام العمامة من رأسه ووضعها على رأس المرأة وقال لها: خذي لي استخارة؟ فرفعت المرأة العمامة من رأسها وهربت من حسين قسام الذي لبس العمامة لأمور ذكرها في قصيدة خاطب بها السيد عبد الحسين الشرع.

حسين قسام مع البغدادي:

دخل حسين قسام في إحدى مقاهي بغداد يريد أن يشرب النرجيله فجاء رجل بغدادي يلبس (الجراوية) وجلس أمام حسين قسام، وأول ما جلس بدأ حسين قسام يمثل حركاته وشكله وصوته، فأخرج البغدادي التتن وصاح العامل الذي يعمل النرجيله فقال: تعال أخذ التتن وقال البغدادي: سويها ناديه زينة. فقال له حسين قسام: خذ التتن وسويها ناديه زينة. ثم جلس البغدادي متربعاً، فجلس حسين قسام متربعاً، ثم مد رجليه، فمد حسين قسام رجليه، عطس الرجل، فعطس حسين قسام، ثم بدأ البغدادي يخوط الشاي، وينظر إلى حسين قسام. ففعل حسين مثله تماماً، ثم جاء العامل بالنرجيله ووضعها أمام البغدادي، فقال نقّص من ماءها، وعندما جاءوا بالنرجيلة لحسين قسام أيضاً قال نقص من ماءها، وهكذا استمر حسين قسام يقلد كل أفعاله حتى تضايق البغدادي وقام يريد الخروج من المقهى وما إن مشى خطوات حتى زلق وسقط على الأرض وتسوخت ملابسه بالماء الذي يسكبه القهوجي على الأرض، فالتفت إلى حسين قسام وقال: ملعون الوالدين لماذا لا تقلدني هذه المرة؟!

حسين قسام مع ابن الميت:

كان حسين قسام يمشي في السوق فشاهد رجلاً من أهل الريف واقفاً وسط السوق بيده التتن وورق السجائر يريد أن يلف سيجارة وكانت آثار التعب والعناء ظاهرة عليه فوقف حسين قسام بقربه ورمى بالنقود بين رجليه دون أن يلاحظ ذلك ثم رفع حسين النقود وقال له: عمي هذه لك؟ فقال نعم أنها نقودي فقال له حسين قسام أنا أعطيها لك لكن (نعلت أبوه الجاذب)؟! فقال له الرجل عمي (ستوني دفنته) خذها لا أريدها.

حسين قسام يلبس (الكشيدة):

“لقد خرج حسين قسام ذات مرة من الحمام في الكاظمية ولم يجد ملابسه فظن أن هناك (مقلباً) قد دبر له للضحك منه فمد يده إلى كاره من الثياب فلبسها ووجد هنالك عمامة من العمائم المعروفة بالكشيدة التي يلبسها (الجلبيه) والتجار فاعتم به ووضع قدميه في الحذاء فلم يجده ملائماً فأثنى طرفيه من الكعب وأدخل قدميه فيه ولبس عباءة لم يلبس حسين قسام نظيرها طول عمره فقد كانت البذلة بذلة تاجر محترم على أغلب الظن وخرج حسين من الحمام وهو ينتظر أن يباغته أهل (المقلب) ليعيدوا إليه ألبسته ويأخذوا منه ألبسة الناس ولكن لم يأتيه أحد وظل نحو سنة أو أكثر وهو يلبس الكشيدة والعباءة الفاخرة وتلك البذلة الشائعة ولم يعرف ما الذي تم بعد خروجه من الحمام”.

لقد ذكر المرحوم الخليلي كيف لبس حسين قسام (الكشيدة) لمدة سنة أو أكثر ولم يذكر كيف نزعها. دخل حسين إلى مقهى (البرلمان) وقد سمع صديقه صاحب المقهى يتبرم من رجل يتواجد بالقرب من المقهى ويكثر الدخول إلى المقهى فمرة يريد أن يشرب الماء ومرة يغسل يداه ومرة يشعل السيكارة ففكر حسين قسام يخطة لإزاحته فخرج مسرعاً ثم بعد فترة عادة يحمل بيديه شيئاً مغطى وهو يترقب دخول هذا الرجل إلى المقهى وعندما دخل حسين إلى مكان وقوفه وتواجده ووضع ما كان يحمله على الأرض ورفع عنه الغطاء وغطاه بالكشيدة ووضع يده على الكشيدة وهو ينتظر رجوع الرجل من المقهى وعندما عاد طلب منه حسين قسام أن يضع يده على الكشيدة مكانه وقال له: لقد أمسكت بهذا (البلبل) وأخاف أن يطير وسوف أذهب بسرعة أجلب قفصاً فأرجو منك أن لا ترفع يدك من الكشيدة لكي لا يهرب. ترك حسين قسام الرجل ووقف بعيداً يراقبه ماذا يصنع بعد أن تأخر عليه، وظهر عليه الملل ففكر أن يأخذ (البلبل) فرفع طرف الكشيدة وخطف يده بسرعة تحت الكشيدة وماذا كان تحت الكشيدة؟ كان تحتها غائط لوث يد الرجل وتلوثت ملابسه فذهب مسرعاً إلى المقهى لكي ينظف نفسه وعندما شاهده صاحب المقهى والجالسون صاحوا جميعاً بوجهه فخرج ولم يعد ثانية إلى المقهى.

حسين قسام مع راعي الأغنام:

كان والد حسين يشتغل في القصابة وربيع وشراء الأغنام وكان يبعث حسين قسام لاستقبال أصحاب الأغنام عندما يدخلون المدينة ويأتي بهم إلى البيت وفي إحدى المرات ذهب حسين لاستقبال راعي الأغنام وقبل أن يذهب إليه مرّ بالعطار وأخذ منه (مسهل) وذهب إلى صاحب الغنم وبطرق حسين الخاصة أعطاه المسهل وبدأ يمشي أمامه وفي منتصف الطريق أحس صاحب الغنم بألم في بطنه فسأل حسين قسام هل البيت قريب؟ فقال له: نعم وبدأ يسلك به الطريق البعيد والملتوي، والمسكين يبحث عن بيت الخلاء في الشوارع والحيوانات تركض خلفه وعندما ازداد الألم سأل حسين قسام هل وصلنا؟ فأجابه حسين بعد قليل. حتى جزع الشخص من الألم ولم يطيقه وحسين يمهله ويدور به بين الأزقة فقال لحسين قسام: قل ليس لنا بيت وأرحني وأخيراً وصل المسكين إلى بيت والد حسين قسام واستراح من الألم وقد له الغداء وكان حسين قسام يقوم بخدمة الضيف وبعد أن تناول الغداء جاء حسين بعدّة الغسل فلم يكن في ذلك الوقت مغاسل بل يوضع بين يدي الضيف (السلبجة) وهي عبارة عن إناء كبير ثم يصب الماء على يديه بواسطة الإبريق ثم تقدم له المناشف لكن حسين قسام لم يكتف بما صنعه مع صاحب الأغنام فبدل أن يجلب (السلبجه) جاء بالمصفاة ووضعها في حضن الرجل وبدأ يصب الماء على يديه ونزل كل الماء الوسخ على ثياب المسكين الذي باع غنمه إلى والد حسين قسام ولم يخلص من حسين قسام حتى الذي لم يتفق معهم ويشتري منهم.

حسين قسام مع القائمقام:

سمع أحد جيران حسين قسام أن الحكومة توزع الأراضي للمواطنين وكان تقديم الطلبات لمن يريد قطعة أرض عند القائمقام وذهب ذلك الرجل البسيط واسمه الشيخ صالح لكنه يلقب بالمحلة بـ (كجه) ذهب فوجد ازدحاماً في باب القائمقام فما استطاع أن يقدم طلبه لكن الفرّاش الذي يشتغل عند القائمقام لاحظ هذا المسكين فسأله: من أي محلة أنت؟.

فقال له: من محلة المشراق. فقال له: هل تعرف حسين قسام؟ فقال له: إنه جار لي. فقال له: القائمقام صديق حسين قسام فاذهب إليه وهو يساعدك في الحصول على قطعة الأرض ذهب الشيخ صالح إلى حسين قسام وطلب منه أن يتوسط له عند القائمقام فقال حسين قسام له: بسبيطة أريد منك خشبة طولها وفعلاً جاء (كجه) بما طلب منه حسين قسام، فثبت حسين قسام اللوحة بواسطة المسامير على الخشبة وكتب عليها بخط كبير (مقابلة السيد قائمقام) وكتب أسفلها المدعو (كجي) ذهب الشيخ صالح وهو يحمل طلبه بعد أن علمه حسين قسام كيف يقف في وسط الطابور ويرفع اللوحة إلى الأعلى وعندما جاء القائمقام ولاحظ اللوحة مرتفعة في وسط الناس قال أدخلوا صاحب اللوحة بسرعة فدخل الشيخ صالح إلى غرفة القائمقام، فقال له القائمقام: ضع لوحتك على الحائط وقل ما تريد. قال أريد قطعة أرض. فقال له: أعطيك قطعة الأرض لكن بشرط أن تقول لي من علمك أن تصنع هكذا؟ قال له: علمني حسين قسام. قال له أخرج وخذ اللوحة بسرعة.

حصل الشيخ صالح على قطعة الأرض وحصل حسين قسام على قطعة أرض مساحتها 1000 متر مربع عندما جاء بأمر من بغداد لكنه رفضها لبعدها عن مركز المدينة وكانت تقع في منطقة حي السعد وفي زمنه كانت صحراء وهي اليوم أقرب المناطق إلى مركز المدينة فأعطاه القائمقام عرصة غيرها قريبة وفرح بها حسين قسام وبدأ بشراء موارد البناء لكي يبنيها لكنه وجد معارضة ولوم من قبل رجال الدين باعتبار الأرض كانت مقبرة فتركها وضاعت منه قطعة الأرض.

حسين قسام مع المرجع الديني:

وقد شملت مقالب حسين قسام حتى المرجع الديني الأعلى وكان في وقته سماحة السيد أبو الحسن الموسوي(رحمه الله) فقد اعترضه حسين قسام في الطريق وهو خارج في بيته ذاهباً إلى الصحن الشريف ليقيم صلاة الجماعة فسلم عليه سلاماً حاراً وتركه بعد أن أوقفه لعدة دقائق وبعد مسافة قصيرة خرج إليه حسين قسام من زقاق آخر وبهيئة رجل آخر فقد غير ملابسه وسلم عليه بعد أن قبل يده بنفس السلام السابق ونفس الحركات وهكذا كرر حسين قسام السلام خمس مرات قبل أن يصل السيد أبو الحسن إلى الصحن الشريف وفي المرة الخامسة استغرب السيد وأحس أن هناك شيئاً مدبراً له فخمسة أشخاص يسلمون عليه بنفس الألفاظ ويوقفونه في الطريق لعدة دقائق لهذا أمر غير طبيعي؟! وعندما أمسك الخدم بالرجل الخامس تبين أنه حسين قسام فضحك السيد أبو الحسن الذي عرف بالكرم ونال حسين الهدية ولم يكن هذا الموقف الوحيد مع السيد. فهناك موقف آخر في الحمام فقد كان السيد يأتي إلى الحمام في الأسبوع مرتين وعندما شاهد حسين قسام السيد أبو الحسن يدخل مع الخدم إلى الحمام اختبأ حسين قسام بعد أن خلع ملابسه في (الخزانة) ثم خرج ووقف بالقرب من السيد وبدأ يؤدي أفعال غسل الجنابة وبدأ بأفعال غريبة فمره يصب الماء على رأسه ومرة يصب الماء على ظهره وهو يردد عبارات تصل إلى مسامع السيد وبصوت عال: أغسل غسل الجنابة عن الرأس والجعابة أغسل غسل الرأس عن الظهر و… وأغسل غسل البطن عن الفرج وال…، فلما سمع السيد قال: ماذا يفعل هذا الرجل وهو بهذا العمر يأتي بأفعال ما نزل بها من سلطان. فركض الخدم وجيء بحسين قسام إلى السيد فعرفه السيد وضحك بالطبع حصل حسين قسام على هدية السيد الذي كان لا يرضى من حسين قسام شيئاً واحداً فقط وهو الأذى الناتج عن مقالبه مع الناس.

كان حسين قسام يحب السيد وقد تألم عندما توفي في سنة 1946م وقد كتب حسين قسام قصيدة في حياة السيد عندما قتل ولده (السيد حسن) بكسين غدر وهو يصلي خلف والده في الصحن الشريف لكن السيد لم يغادر محراب الصلاة وكان يرسل اللبن إلى قاتل ابنه وهو في السجن هذه هي أخلاق علمائنا وآدابهم.

حسين قسام في الحمام

لم تكن هناك حمامات في البيوت فيذهب الناس إلى حمامات السوق وهناك حمامات خاصة بالرجال وحمامات خاصة بالنساء وحتى الزوار عندما يأتون إلى المدينة لغرض الزيارة أو لدفن أمواتهم كانوا يدخلون هذه الحمامات ولحسين قسام مواقف كثيرة في الحمام ومنها:

استقبل حسين قسام مجموعة من الرجال يريدون أن يدخلوا الحمام بعد أن دفنوا ميتهم وهم غرباء عن المدينة فأدخلهم حسين قسام الحمام وقال لهم: افعلوا مثل ما أفعل فأخذهم إلى المنزع فخلعوا ملابسهم ونزع حسين معهم واستعانوا عنها بالوزر وهي عبارة عن قطعة قماش كبيرة حمراء اللون يلفها الرجل على بطنه لستر عورته وأخذهم حسين إلى الخزانة وهي عبارة عن حوض كبير فيه ماء حار يدخله عامة الناس لأجل الغسل وإزالة الأوساخ عن الجسم وبعد الإنتهاء من التنظيف يدق المستحم بالطاسة على حافة الحوض أو يصفق بيديه فيأتيه العامل بالمناشف وفعلاً صفق حسين قسام بيديه وصفق معه الجماعة فجاء لهم العامل بالمناشف فلفها حسين قسام على رأسه وفعل الجماعة مثلما فعل حسين ثم خرج حسين بدون ملابس (ربي كما خلقتني) والجماعة وراءه فخرج مسرعاً ودخل أحد دهاليز الحمام وتركهم في الساحة وهم بدون ملابس فجاء صاحب الحمام وهو يصيح ماذا تفعلون؟! أما حسين قسام فأخذ ملابسه وهرب.

ومن مواقفه الأخرى في الحمام كان حسين قسام جالساً في الحمام يريد أن يستحم فجاء ثلاثة أشخاص من أهل البادية يريدون الزيارة فدخلوا الحمام فسألهم حسين قسام. فقالوا نريد أن نستحم لغرض الزيارة لمرقد الإمام(عليه السلام) فقال لهم حسين إذا كنتم تريدون الزيارة فيستحب قبل الغسل أن تدهنوا وجوهكم ورؤوسكم بهذا وأعطاهم النوره (دواء الحمام) الذي يستعم لتساقط الشعر والمساكين سمعوا نصيحة حسين قسام فوضعوا النورة على وجوههم ورؤوسهم ثم دخلوا الخزانة وعندما انتهوا من الغسل وخرجوا من الخزانة ونشفوا أجسامهم كان أحدهم ينظر إلى الآخر فيرى شكل صاحبه قد تغير فقد سقط شعر الوجه والرأس أما حسين قسام فبالتأكيد قد هرب.

كان حسين قسام يريد الدخول إلى الحمام فسمع صياح وشاهد الناس تركض خارجة من الحمام بسرعة، فسألهم ماذا جرى فقيل له أن مجنوناً دخل الحمام فدخل حسين قسام له، وعبد دقائق خرج المجنون يركض وهو يصيح: مجنون في الحمام ولا نعلم ماذا فعل له حسين قسام!!

قصة حسين قسام مع السماور:

كان حسين قسام مع صديقيه حسين ترياك وباقر الدجيلي فوصلوا قرب مسجد جمال الذي كان يقع في محلة المشراق وكان قرب المسجد عطار اسمه (روح الله) يلبس عمامة صغيرة بيضاء ويملك محلاً بسيطاً، فقال حسين سوف أذهب إلى العطار وأنتما قفا هنا قرب المسجد وشاهدا ما أفعل فذهب إلى محل (روح الله) ووجده يقرأ القرآن فقال حسين له أعطيني السماور فقام الرجل وأعطاه السماور، أخذه حسين فنظر إليه ثم بدأ يشمه ثم دق عليه بيده ثم عظه ثم رفعه إلى فوق بجهة الشمس ثم أرجعه إلى صاحب المحل وتركه ورجع إلى أصدقائه ثم قال لحسين ترياك اذهب له أنت وافعل مثل ما فعلت. وفعلاً وقف حسين ترياك على محل العطار وقال له أعطني السماور وفعل كما أوصاه حسين ثم أرجع السماور فقال (روح الله) ماذا جرى في هذا الصباح ثم ذهب إليه باقر الدجيلي وأول ما وصل إلى المحل قال (روح الله) أعطيك السماور قبل أن يسأله باقر عن السماور فقال نعم وصنع كما صنع صاحبيه وأرجع السماور ثم عاد إلى أصدقائه ووقف الثلاثة يلاحظون رد فعل (روح الله) الذي هو الآخر أخذ السماور فشمه ثم دق عليه ثم عظه ثم رفع السماور إلى جهة الشمس يريد أن يعرف سر هذا السماور ولم يعرف أن السر هو حسين قسام!!

حسين قسام في التشييع:

في إحدى ليالي الصيف الحارة كان أحد أصحاب الغنم ضيفاً عند والد حسين قسام وكانوا يتعشون في السطح وفي الأثناء علت أصوات الصياح في فضوة المشراق فقد مات أحد أهل المحلة فنزل والد حسين وقال لابنه أفرش لضيفك لكي ينام فأنا ذاهب إلى (المغسّل) معهم ولم يترك حسين ضيفه أن ينام فسأله أنتم إذا مات عندكم شخص ما تفعلون معه؟!

فأجابه الغنام عن ذلك.

فقال حسين قسام: هنا نحن نختلف عنكم، فالميت لا يموت هنا مباشرة فنحن نزوره ثم نأخذه إلى الدفن وهو يمشي معنا في التشييع ونأخذه نغسله وهو حي يمشي معنا.

فقال الغنام: كيف يحصل هذا؟!

فقال له حسين قسام: هذه أرض أمير المؤمنين.

فقال الغنام: لننزل ونرى الميت.

فأخذه حسين قسام والتحقوا بأهل المشراق، وكان الوقت ليلاً ولم تكن هناك كهرباء فالظلام يسود المنطقة.

فقال حسين قسام للغنام ذلك هو الميت وأشار إلى (ناجي كعويل) وكان يمشي بين مجموعة من أصدقائه ويتكلم معهم.

فذهب الغنام مسرعاً وسط الناس ووقف أمام ناجي ينظر إليه من الأسفل إلى الأعلى وهو يمشي إلى الخلف فصاح به ماذا بك؟!

فقال له الغنام: (حقك حقك أنت ميت).

فصاح به مرة أخرى هل أنت مجنون؟

فقال له الغنام: حقك حقك بعد دقائق يدفنونك وانقلب التشييع إلى هرج ومرج بسبب حسين قسام!

حسين قسام لديه استفتاء:

ذهب حسين قسام إلى بيت أحد رجال الدين وهو العالم الفاضل الشيخ موسى دعيبل. وقال له حسين قسام: شيخنا عندي مسألة. فقال له الشيخ: تفضل.

قال حسين قسام: كنت راكباً في السيارة وكان بجانبي رجل معه حقيقة (جنطه) وعندما وصلنا نزل الرجل ونسي الجنطه وأنا أنظر إليه ولم أخبره وعندما ابتعد مسافة بحيث لم يسمعني نزلت وصحت بأعلى صوتي وفي وسط الناس (رحم الله والديه الضايعتله جنطه) ثم ذهبت خلفه أركض فدخل أحد الأزقة وعندما وصلت قربه شاهدته دخل زقاقاً من جهة اليسار فدخلت أنا في الزقاق المقابل له من جهة اليمين ولا أدري أين ذهب؟ فهل أجلب لك الجنطه؟

فقال له الشيخ موسى دعيبل: وماذا في الجنطه؟ فقال له حسين قسام كان بها (شيش كباب وكرصة خبز) وقد أكلتهما فضحك الشيخ موسى دعيبل.

كان هذه النكات والطرائف مع رجال الدين في المناسبات الدينية كمواليد الأئمة وكثيراً ما كان الطلاب يحضرون إلى الدرس وعندما يباشر الأستاذ بالدرس فيقول بسم الله الرحمن الرحيم يغلق الطلبة كتبهم ويخرجون ويتركون الأستاذ وحده وما أنت تنتهي المزحة أو النكتة يعودون إلى الدرس ولم يضيعوا أوقاتهم فيستغلون الفرص لنيل أعلى المراتب ولحسين قسام قصيدة تحث الشباب على الدراسة سواء دراسة العلوم الدينية أو غيرها مما يؤدي إلى خدمة الوطن والناس.

حسين قسام في مجلس السيد صالح الحلي:

كان السيد صالح الحلي(رحمه الله) من الخطباء المشهورين فكان يستهوي النفوس بمواهبه فيشدهم إلى مجلسه ويؤثر بمواعظه وأسلوبه الساحر الذي يتخلله النكتة والقصة على كل المستويات فكان يحظر مجلسه آلاف الناس وقد حضر حسين قسام مجلساً من مجالس السيد صالح في الميدان هو وصديق له وقال لصديقه نجلس في نهاية المجلس حتى نتمكن من القيام والخروج إذا طالت محاضرة السيد صالح الحلي، جلس حسين قسام وصديقه يستمعان للمحاضرة وعندما أراد أن ينسحب من المجلس نظر إلى خلفه فرأى مجموعة كبيرة من الجالسين لاستماع المحاضرة وقد أصبح هو في وسط المجلس وليس من المناسب أن يقوم ويمشي في وسط تلك الجموع فبقي جالساً يفكر كيف يخرج وفي الأثناء تعرض السيد صالح الحلي إلى أبي لهب عم النبي(ص) وقال عنه إنه كافر، فندس حسين قسام أحد الجالسين قربه وكان رجلاً كبيراً في السن.

قال له حسين قسام: اسمع ماذا يقول السيد ولا أدري ماذا جرى له!! فقد تكلم علينا وقبلنا وتكلم على علمائنا وقبلنا أيضاً. والآن يتكلم على عم النبي!! (وقد عرف عن السيد صالح الحلي أنه كان ينتقد بعض العلماء على المنبر وبلهجة حادة مثل المرحوم السيد كاظم اليزدي بوقوفه مع المستبدة ضد المشروطة في الحركة المشهورة وتكلم على السيد محسن الأمين عندما حرم (التطبير) فنسب إليه طعم العلماء وشهد جماعة عند السيد أبو الحسن بذلك فحرم الإستماع إلى قراءته وذلك في جمادى الأول سنة 1344هـ) على كل حال، فقد قال الرجل المسن إلى حسين قسام (صدك تحجي) ونهض من وسط المجلس يصيح بأعلى صوته (سيد. سيد حجيت علينا قبلنا، حجيت على علمائنا قبلنا، هالنوب على عم النبي، واإسلاماه، وإإسلاماه) فنهض رجل آخر وقال للرجل المسن؛ عمي أبو لهب  كافر فقامت الناس وأصبحت ضجة فقال السيد صالح (الصوج مو منه لكن انظروا يا نغل حركه) بالتأكيد لا يجدون الذي أشعل الفتنة فقد هرب حسين وصديقه من المجلس.

قصة حسين قسام مع سم الفأر:

وهذه القصة ينقلها لنا المرحوم جعفر الخليلي أيضاً: “في مقام هود وصالح(عليهما السلام) حيث يجلس حسين قسام لاستقبال زائري هذا المقام كثيراً ما يسأم من وضعه الجدي فيلتمس الهزل في كل شيء وكيفما اتفق وذات مرة رأى جمعاً من القرويين متحلقين عند إيوان المقام فقام إليهم وفي غفلة وضع بالقرب منهم رغيف من الخبز وشيئاً من الحلوى الذي يأتي به الزوار نذراً لمقام هود وصالح ثم وقف عن بعد يراقب هذه الحلقة وما قد يكون من أمرهم، لو التفتوا إلى الرغيف وإلى الحلوى، وصدقت فراسته إذ لم تمضِ بضع دقائق حتى التفت أحد القرويين إلى جانبه فوجد الرغيف والحلوى فجرهما إليه بقصد الإستثابة التي ينشدها آكلي النذور في هذا المقام المقدس، وعلى رغم حرص هذا القروي والسعي للظفر بالرغيف وحده فقد استطاع قرويان آخران في تلك الحلقة أن يختطفا منه بعض اللقم ويقاسماه هذه الأكلة الشهية كل هذا وحسين قسام يختلس النظر منهم حتى إذا علم بأنه لم يبق من الخبز والحلوى شيء نادى بمسمع من تلك الحلقة لقد نادى رفيقاً له كان ينتظر نجاح خطة حسين الهزلية وهو يتظاهر بالبحث عن شيء، لقد ناداه حسين قائلاً: هل رأيت يا حاكم رغيف خبز وحلوى كان هنا إلى ما قبل دقائق؟ لقد قال حسين ذلك بشيء كثير من الإهتمام والإضطراب. فنفى (حاكم) أن يكون قد رأى شيئاً. قال حسين: إذن قم معي نبحث عن الرغيف خشية أن يكون قد حمله أحد أو أكله أحد.

قال حاكم: ولكن لم كل هذا الإهتمام فليأكله من يعثر عليه؟

قال حسين: وهو يتعمد إيصال صوته واضطرابه ووجله إلى أولئك القرويين – يا ويلي إذا وقعت الواقعة.

قال حاكم: لم لا توضح؟!

قال حسين: أي إيضاح وأي سخام بل وأي لطام؟ فإني وقد لخت الخبز والحلوى (بسم الفأر) وكنت أريد أن أضع لقمة منه في فم من جحر من هذه الجحور التي تنطلق منها الفئران والجرذان العابثة بالمقام…

ولم يتم بعد حسين الكلام حتى علت أصوات القرويين الثلاثة وبدءوا بالقيء والإستفراغ ووضع الأيدي على بطونهم والشروع بالإستغاثة والنجدة. وساءة حال أحدهم فاصفر لونه وانقلبت سحنته وشعر حسين بأن هؤلاء الثلاثة الذين أكلوا الحلوى والخبز سيموتون أو سيموت هذا القروي منهم على الأقل إن لم يبادروا إلى كشف خطته وتكذيب خبره ولم يزل هو وحاكم يسعيان ويقسمان بأوثق الإيمان بأنهما كانا هازلين وإن القرص والحلوى لم تشبهما أي شائبة ولم يضع أي سم أو غير السم وأن حكاية الفئران ما هي إلا مقدمة مصطنعة لطلي الخدعة والضحك.

حسين قسام يناظر العلماء:

كان الشيخ علي القسام يقيم في صباح كل جمعة مجلس عزاء في بيت والده الشيخ قاسم القسام الذي يقع في محلة المشراق وكان يحضر المجلس مجموعة من المراجع والعلماء أمثال السيد محسن الحكيم والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والشيخ علي القسام(رحمهم الله) وأراد حسين قسام أن يحضر هذا المجلس فوضع على رأسه عمامة كبيرة وصنع له لحية طويلة وتزين بزي العلماء الكبار وطرق باب الشيخ علي قبل موعد التعزية بساعة أو أكثر فاستغرب الشيخ علي منه فقال له: أريد أن أحضر مجلس التعزية فقال له الشيخ إن مجيئك مبكراً. ولكن على كل حال تفضل إصعد. فصعد حسين قسام ينتظر قدوم العلماء وفعلاً حضروا في الوقت المقرر وأقيم مجلس العزاء دون أن يصدر من حسين قسام شيئاً إلى أن انتهى الخطيب من القراءة فبدأ العلماء يتناقشون في مسألة فقهية أو أصولية – وهذه هي عادة المجالس في النجف وهنا تظهر فائدتها فهي ملتقى العلماء ومنتدى الآراء وعرض الأفكار -. فعندما بدأ النقاش فإذا بحسين قسام يدخل في النقاش ويذكر رأياً لا أساس له لا بالفقه ولا بالدين فيتوقفون عن المناقشة وينظرون إلى هذا الشيخ الذي يتكلم، واللطيفة أن حسين قسام يستعرض آراءه الغريبة الفريدة ويذكر لهم مصادراً وكتباً لا أساس لها ولا وجود لها أصلاً. أمثال الأسماء التي يذكرها في دواوينه مثل “هبوط الكفاجي من عشيرة الشباهنة بن خرطوش الزمان وذكر ذلك أبا طفيل الطلياني الفرطماني في كتاب مجموع الإفتكار”. تعجب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء من ذلك الكلام وكان (رحمه الله) حاد المزاج فنظر إلى الشيخ علي وقال له: من أين لك هذا؟ فأجابه الشيخ علي: والله لا أعرفه. وإذا بالشيخ محمد حسين يرفع عصاه بوجه هذا العالم الغريب ولكن باللحظة المناسبة عرفه أحد الحاضرين، إن هذا العالم العبقري هو حسين قسام، فقال له الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: حسين إذا لم تكف عن هذا سوف أصدر فتوى وأحرمك من سدانة مرقد هو وصالح(عليهما السلام). لكن هل يستطيع حسين قسام أن يترك مقالبه، هذا أمر مستحيل، وقد رثاه حسين قسام عندما وافاه الأجل. علماً أن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء توفي أثر مرض البروستات ودخل مستشفى الكرخ في بغداد وبقي شهراً فيها ثم سافر إلى كرند ليغير الجو ولكن بعد وصوله بثلاثة أيام توفي (رحمه الله) بتاريخ 18 ذي القعدة سنة 1373هـ ونقل جثمانه إلى بغداد وأقيم له تشييع حضره الوزراء والوجهاء ودفن في مقبرته في النجف من جهة مقام المهدي(عليه السلام).

حسين قسام في سامراء

ذهب حسين قسام لزيارة العتبات المقدسة في سامراء هو وأصدقائه وفي الليل نزل في البيوت التي ينزلها الزائرون حيث لم تكن هناك في ذلك الوقت الفنادق ولا المراكز السياحية وصعد حسين قسام إلى سطح الدار وتمدد على الفراش وكان سطح البيت ممتلىء بالزائرين لكن عين حسين قسام لم تغمض وظل إلى منتصف الليل وهو يرى الزوار يغطون في نوم عميق فنهض حسين قسام وبدأ يصيح أعلى صوته (يا زوار يا زوار يا زوار) فانتبه أغلب النائمين يريدون أن يعرفوا ماذا جرى ولما لاحظ حسين قاسم أنهم استيقظوا صاح مرة أخرى (يا زوار يا زوار يا زوار الساعة بيش) فهو يريد من هذا الإزعاج معرفة الوقت فقط فأجابه صديقه السيد عبد الحسين الشرع لقد زعزعت الناس لكي تعرف كم الساعة؟! فقال له حسين قسام عيني لا تغمض ولا أستطيع أن أتركهم ينامون وأنا لا أنام!!.

فقد ظل حسين قسام بدون ساعة فهو لا يحتاج إليها إلى أن بعث إليه صديقه ناجي جواد التاجر المعروف في بغداد وكيل شركة (أولما) ساعة (أولما) لكن حسين قسام لم يلبسها وأعطاها إلى ابنه وقد كتب قصيدة يمدح فيها ساعة (أولما) ووكيل الشركة ناجي جواد الذي علق القصيدة في محله في بغداد.

حسين قسام يكلم (العتوي):

وهذه القصة ينقلها لنا صديق حسين قسام شاعرنا الشعبي الحاج عبد الرسول محي الدين، يقول كنا جالسين في الميدان في المقهى ومعنا حسين قسام ونحن جالسون في المقهى تعدى أمامنا (عتوي) فكلمه حسين قسام بلغة لم نفهمها، لكن القط فهمها فرجع إلينا ووقف أمامنا ثم نفخ نفسه ورفع ذيله إلى الأعلى وهو ينظر إلينا بنظرات حادة فقال السيد عبد الحسين الشرع وكان من الجالسين سوف يهجم علينا قل له اذهب فكلمه حسين قسام فذهب (العتوي) وقد ألح أحد أصدقاء حسين قسام أن يقول له ماذا قال للعتوي. فقال له حسين قسام: هذا حجي الملائكة تريدني أن أعلمك به؟!

ولحسين قسام قصائد كثيرة حول العتوي والبزون ومحاربتهم للجرذية.

حسين قسام في السجن:

كان حسين قسام جالساً في إحدى مقاهي بغداد وقد حصل في المقهى عراك وجدال وصل إلى حد الضرب فجاءت الشرطة وألقت القبض على كل الجالسين في المقهى ومن ضمنهم حسين قسام وكان عددهم أكثر من عشرة وعندما وصلوا إلى مركز الشرطة وضعوهم في ساحة المركز قبل أن تسجل أسمائهم أو يعرضون على ضابط المركز فركض حسين قسام إلى غرفة المعاون بعد أن عدل نفسه، دخل على المعاون وهو يبكي ويتوسل.

فقال له المعاون: ما بك تبكي؟

فقال له: إبني أخذوه مع تلك المجموعة من المقهى وأرجوك أن تخرجه.

فقال له المعاون: لم يكن لدخولهم المركز سوى دقائق ولم نعرف قضيتهم بعد وحتى لم نسجل أسمائهم، سوف نحقق معهم ويخرج ابنك إنشاء الله.

فقال له حسين قسام: أرجوك، إذا لم يخرج إبني معي فإن أمه سوف تموت وهي مريضة وواقفة بباب المركز.

فقال له المعاون: لا يمكن قبل التحقيق. وظل حسين قسام يلح على المعاون حتى تضايق منه ونادى على الشرطي وقال له: أخرجه بسرعة من المركز. فسحب الشرطي حسين قسام إلى خارج المركز وعندما وصل حسين إلى الباب فرّ بنفسه.

كان هذا في بغداد، أما في النجف فلو دخل حسين قسام السجن فإنه يخرج بسرعة لأن ذنبه وجريمته معروفة وهي (المقالب).

نذر لحسين قسام:

النذر من الشعائر الدينية القديمة وقد ورد ذكر النذر في قصة إبراهيم(عليه السلام) عندما ألقي في النار فكان قومه يحملون ويجمعون الحطب حتى أن النساء كانت تنذر إن حصلت على مرادها أن احطب للنار التي يحرق بها إبراهيم(عليه السلام)، والنذر في الشريعة الإسلامية له شروطه وآدابه لكن للنساء عادات غريبة في النذورات وصور مختلفة وخاصة للعتبات المقدسة مثل رمي الحلويات (الملبس) و(الجكليت) على رؤوس الناس (واهليه) أو لف الخيط حول شباك الضريح ثم تلفه المرأة على زندها أو رقبتها أو قفل الثوب في الحضرة المقدسة بقفل صغير وغير ذلك مثل جلب الطعام إلى المراقد المقدسة (السفرة) والمستفيد الأول هو سان المرقد. ومنهم حسين قسام سادن مرقد هود وصالح(عليهما السلام)، فقد جاءته امرأة معها ابنتها وقالت لحسين قسام الذي كان جالساً وأمامه صندوق خشبي صغير قالت له على بساطتها أريد ولداً لابنتي. فنهض حسين قسام وأخذها إلى شباك الضريح وقال لها: حكي بطنك في الشباك ففعلت المرأة كما أمرها فقال لها اذهبي وسوف تحصلين على ولد وبعد سنة جاءت المرأة وهي تحمل النذر (الذبيحة) لحسين قسام وقالت له لقد رزق الله ابنتي ولداً، ارتاح حسين قسام لهذا.

لكن هناك نذراً أزعج حسني قسام فقد نذرت له امرأة فلسطين وهي تريد منه (شمعة) وعندما لم يعطها حسين قسام الشمعة مزقت السدارة (البردة) وأخذت قطعة منها للتبرك.

حسين قسام مع الزوار:

في مرقد نبي الله هود وصالح(عليهما السلام) كان حسين قسام يجلس بهدوء وراء منضدته المتواضعة التي تحتوي على أوراق مبعثرة كلها أشعار وقصائد وكانت آثار الإنزعاج والضجر ظاهرة عليه وهو الذي يزيل عن قلوب الناس الضجر والكآبة مهما كانت مكانتهم وخاصة الزوار فكان يمزح معهم ويصنع لهم المقالب وقصته مع الزائرين الهنود مشهورة عندما كان يزوّرهم وهم يرددون خلفه (السلام على الحنانة والمنانة يابو الجابكم لهنانه). في ذلك الجو الهادىء دخل عليه زائراً إيرانياً وأعطى حسين قسام عشرين فلساً، فارتاح حسين قسام لذلك، دخل الزائر وجلس لأداء مراسيم الزيارة والصلاة وبعد أن أكمل زيارته سأل حسين قسام: هل نبي الله هود وصالح موجودان هنا؟.

فأجابه حسين قسام: نعم نبي الله هود(عليه السلام) موجود هنا أما صالح(عليه السلام) فقد ركب الناقة ولم يرجع لحد الآن.

سكت الزائر، ولم يتكلم بشيء وعندما أراد أن يخرج وقف قرب حسين قسام وقال له: من فضلك (أعطني عشرة فلوس) ناوله حسين قسام (العشر فلوس) فأخذها الزائر ووضعها في جيبه.

فقال له حسين قسام: لماذا أخذتها؟

فقال له: أنا أعطيتك عشرين فلساً، عشرة لهود(عليه السلام) وعشرة لصالح(عليه السلام) وأنت تقول أن صالحاً(عليه السلام) قد ذهب، فأخذتها وسوف أرجعها إليك عندما يرجع.

لقد غلب هذا الزائر حسين قسام وربما هي المرة الأولى التي يغلب بها، أخذ حسين قسام (العشرة فلوس) وذهب مسرعاً إلى البيت فقد كان ينتظر مصلح الأنابيب بعد أن انقطع الماء عن البيت فقد انكسرت الحنفية الموجودة في بيت حسين قسام فكانت البيوت القديمة عندما يصلها الماء يمد أنبوب واحد في وسط البيت يصب الماء في حوض صغير أو كبير حسب حجم البيت. لقد انكسرت حنفية حسين قسام حتى تمنى أن يرجع إلى إبريق الطين وقد نكث مصلح الأنابيب بحسين قسام وتعطل في تصليحها.

حسين قسام في التابوت:

كان حسين قسام في سفرة إلى بغداد هو وأصدقائه وقد نفدت كل النقود التي معهم حتى لم يبق عندهم أجرة العودة إلى النجف فاقترح لهم حسين قسام أن يموت ويوضع في التابوت ويجلس أصحابه حوله يبكون وينادون بأن الميت غريب ولم يكن له أهل هنا ولا نملك المال لغرض تغسيله وتكفينه فتتصدق عليه الناس ويحصلون على مبلغ من المال يكفيهم للعودة إلى النجف وفعلاً وضع حسين قسام في التابوت وبدأ أصدقائه يبكون ويصيحون (كفن غريب، كفن غريب) وعندما سمعهم أحد الأشخاص المتمكنين وقف وقال لهم أصعدوا التابوت للسيارة فأنا أتكفل بغسله وتكفيه ودفنه قربة إلى الله تعالى وعندما وصل الرجل قبل (المغيسل) وأنزلوا الجنازة ظن حسين قسام أن جماعته أنزلوه فقام يضرب على التابوت من الداخل فتعجب الرجل وعندما فتح التابوت نهض حسين قسام بوجهه فهرب الرجل بعد أن شاهد الميت تعود له الحياة وهرب حسين قسام أيضاً دون أن يكتشف أحد المقلب.

حسين قسام في المستشفى:

كان حسين قسام يشكو من صدره فقد لازمه مرض الربو إلى أن مات وكان كثير السعال (الكحة) وفي أحد المجالس التي كان يقيمها أسبوعياً حضر الدكتور صفوت وتألم عندما رأى حسين قسام (يكح) بصوت عالي فنهض وذهب إلى بيته وجلب الحبوب والدواء لهذا الغرض وأعطاها لحسين قسام وعندما حضر في الأسبوع الثاني شاهد حسين قسام على وضعه السابق لم يتحسن فسأله: هل استخدمت الحبوب؟ فقال: (كل أعقلك أشوف الناس تكح وآني ما أكح) فقد كان حسين قسام يرى أن علاج مرضه هو أن يفرح ويجتمع مع أصدقائه ويحصل على دعائهم له بالشفاء.

لكن في السنوات الأخيرة ازداد مرض الصدر على حسين قسام فاضطر الدكتور صفوت أن يدخله المستشفى وقد عين ممرضة اسمها (دنياره) تقوم بخدمة حسين قسام وقد ارتاح لها وكتب بذلك قصيدة.

حسين قسام في المطعم:

لحسين قسام مواقف كثيرة في مطاعم بغداد نذكر منها:

ذهب هو وسبعة من أصدقائه إلى أحد المطاعم، فقال لهم أدخلكم إلى المطعم وكلوا ما تريدون وعندما تخرجون قولوا الحساب على (المؤمن) يعني حسين قسام وكان يلبس العمامة وفعلاً أكل الجميع وبدأ يخرج واحد بعد الآخر ويقول الحساب على المؤمن وبقي حسين قسام فقام إلى المغاسل وهناك غيّر ملابسه ولبس العقال وعندما خرج قال له صاحب المطعم، أين الحساب؟ فقال حسين قسام: على المؤمن، فقال صاحب المطعم: لا يوجد (مؤمن) فقام حسين قسام يلطم ويبكي ويقول: أين أخفيت أخي؟ فقال صاحب المطعم لعماله بسرعة أغلقوا المطعم قبل أن نبتلي.

ودخل حسين قسام مرة إلى أحد المطاعم وطلب (كبة) وبعد أن أكل الكبة تظاهر بالتسمم وأوقع نفسه كأنه ميت فخاف صاحب المطعم وقال لأصدقاء حسين قسام انقلوه إلى المستشفى بسرعة، وحمله أصدقائه إلى خارج المطعم وعندما ابتعد عن المطعم عادة الحياة إلى حسين قسام وقام يمشي مع أصدقائه.

وينقل حسين قسام إلى أصدقائه دخوله إلى أحد المطاعم فيقول قبل أن أدخل الباب جاء أحد الحرامية (السراق) يلبس السدارة والنظارات فرفع سدارته يريد بذلك السلام والتحية فعرفته أنه من الحرامية فدخل وجلس على إحدى الطاولات وجلست أمامه وهو ينظر إلي من خلف النظارات وبعد أن أكملت الطعام ذهبت إلى المغاسل فقام وذهب إلى صاحب المطعم ويقول له أعطني باقي ربع الدينار.

فقال صاحب المطعم: إنك لم تعطني أي مبلغ، فقال له: أسأل ذلك الرجل وأشار علي وأنا أنظر إليهما في المرآة وبعد أن أكملت الغسل ذهبت إلى صاحب المطعم فبادرني بالسؤال: هل شاهدت هذا الرجل أعطاني ربع دينار؟ فقلت له: لا علاقة لي بالموضوع، أعطني باقي النصف دينار لكي أذهب. فقام صاحب المطعم يصيح: حراميه، حراميه وأمسك بصاحب السدارة أما حسين قسام فقد هرب.

في كل هذه المواقف وغيرها لم يكن هروب حسين قسام هروباً حقيقياً فهو بعد فترة يعود ويعطي الأجرة لصاحب المطعم ويبني معه علاقة وبالتأكيد تكون علاقة قوية بينهما ويصبح من أصدقائه.

حسين قسام في كربلاء:

وهذه القصة ينقلها لنا ابنه الحاج مالك قسام يقول: كنت صغيراً فأخذني والدي إلى كربلاء لغرض الزيارة وذهب معنا السيد عبد الحسين الشرع والشيخ هادي القصاب وعندما دخلنا الحرم الشريف وكان مزدحماً بالزوار سلّمني والدي بيد هادي القصاب وقال له: أمسكه بيدك وإذا ضاع منك أريد ولداً مثله. يقول عندما وصلنا إلى شباك ضريح حبيب بن مظاهر الأسدي ووقفنا لزيارته، جاء رجل ضخم الجثة أسود فدفع والدي ودفع السيد عبد الحسين الشرع فسقطا على الأرض ودفع الشيخ هادي القصاب حتى افترقت عنه وقام يبحث عني ويقول: من أين أجلب لأبيك ولداً مثلك؟ وقف الرجل الأسود واحتضن الشباك وهو يصيح: السلام عليك يا ابن العم. فنهض حسين قسام بعد أن عدل نفسه ووقف قربه وقال له: أظن أن الأخ (أسدي) فقال له: نعم. فقال سمعت حبيب يرد عن كلامك فماذا قلت له؟ فقال: قلت له السلام عليك يا ابن العم. فأرجوك ماذا سمعت؟ فقال سمعته يقول: لا السلام عليك ولا رحمة الله ولا بركاته فخاف الرجل وفرّ هارباً من الصحن الشريف وبذلك تمكن حسين قسام من أن يزور بدون مضايقة.

حسين قسام في السوق:

ذهب حسين قسام مع أصدقائه إلى سوق الاسترابادي وقد تكفل حسين قسام بشراء الأكل والفواكه لكن الدفع على أصدقائه، فوقف على بائع الفواكه وسأله عن سعر العنب ثم قال لصاحب المحل هل يمكن أن أتذوق من الفاكهة فقال له صاحب المحل: تفضل. فترك حسين قسام كل الفواكه وأخذ بطيخة وثقبها بإصبعه لكي يتذوق طعمها.

فقال صاحب المحل: لماذا يا عمي فعلت ذلك هل تقبل أن يفعل بك مثل ما فعلت بالبطيخ؟ فقال له حسين قسام: إذا كان لغرض التذوق فلا بأس!! تدارك أصحاب حسين قسام الموقف ودفعوا ثمن البطيخة وأخذوها. ثم وقف حسين قسام على محل آخر وكان صاحبه من أهل بغداد القدامى ضخم الجثة ويلبس (الجراوية) فسأله حسين قسام عن سعر إحدى المواد المعروضة، فقال له صاحب المحل: بست مائة فلس فقال له حسين: تبيعها بثلاثة فلس؟ فقال له: ما يصير. فابتعد حسين قسام خطوات ورجع له فقال: تصير بأربعين فلس؟ فأجابه: ما يصير. فابتعد حسين قسام خطوات ورجع مرة أخرى وقال له: تصير بخمسين فلس؟ فصاح البغدادي بغضب: ما يصير.

وابتعد أصدقاء حسين قسام عنه وخافوا أن يتعرض حسين للضرب، لكن حسين ظل يلح على الرجل فنزل صاحب المحل من محله ومسك حسين قسام من يده وأخذه معه وحسين قسام لم ينطق بأي كلمة، فاعتقد أصدقائه أنه أخذه إلى مركز الشرطة فاتبعوه وإذا بالرجل يأخذه إلى أحد المساجد وقال لحسين قسام: أنظر إلى منارة المسجد كم هي عالية. فقال حسين قسام: نعم إنها عالية. فقال له (لو دخلت كلها ببطن أمي التي طلعت منها فلا أبيعك). الحمد لله لم يتعرض حسين قسام للأذى وذهب مع أصدقائه وفي نهاية السوق وجد حسين قسام صخرة في الأرض، رفعها ووضعها على رأسه وكان في نهاية السوق رجل بسيط يبيع اللبن، فوقف حسين قسام عنده وقال له: أعطيني لبن بفلسين وأحنى رأسه فسقطت الصخرة في نجانة الرجل وتناثر كل ما فيها حتى الصخرة انكسرت، فقامحسين قسام يلطم ويصيح (جدمايتي، جدمايتي تكسرت) تدخل أصدقاء حسين قسام وأعطوا صاحب اللبن ثمن اللبن لكن لم يحصل حسين قسام على ثمن (الجدماية).

في هذه المرة دخل حسين قسام السوق وكان الدفع على أصدقائه لكنه دخل السوق مرة ثانية وكان في جيبه فلوس فظن أنه سيشتري السوق بكامله.

حسين قسام يأخذ استخاره:

كان حسين قسام في الصحن الشريف وبيده (المسبحة)، فجاء رجل وقال له: عمي خذ لي استخارة.

فقال له حسين قسام: أجلس. فجلس الرجل.

ثم قال له: انوي (أقصد النية).

فقال الرجل: نويت.

وبدأ حسني قسام يقرأ عباراته المطلسمة وبصوت عال:

“الحمد لله الذي زين لنا سماء الصحون بمدحرجات الكبي للعيون ولينه لنا أكل الرطب وشوقنا إلى أكل التين والعنب، أشكره شكر من أكل لحم الضان المبذول في البلدان الذي حسنه السماك والباذنجان ذو الكرب أوله صاحب التاج المنهاج بقول تحرمه أمامنا أفواج سيدنا ومولانا الذي تناهدت عليه العيون النائمون واليقظون سيدنا ومولانا الفائز بالسمك المقلي واليخني المفلفل والشلغم المقشر والحليب الطيب الذي في أكلها عجباً عجباً، عباد الله اتقي الله أوصيكم ونفسي معكم إذا دعيتم إلى وليمة فاجلسوا على أقدامكم وقدموا أكبر الألوان بين يدكم وتمسكوا بالحديث الصحيح الذي لا عن الله ولا عن رسوله، عن سيد الآكلين ورئيس المفلسين قال: عند البطون تعمه العيون وإياكم تفضلون كما قال الشاعر نخل الواني أن قلت وأن كثرت وليس تتركوا رزقاً للبزازين والعظم نطحنه كطحين الدقيق يخشى فيها من طحن قاب الصغرى والصنيني ألا ألا ومن أطعمه خطيه لحم الدجاج يفوج بالجنة أفواجا أفواجا…”. لقد ظل المسكين يستمع إلى حسين قسام حتى نسي الإستخارة وإذا بحسين قسام يصرخ بوجهه: أنوي. فينهض الرجل ويهرب وهو يقول: لا أريد استخارة ويركض وراءه حسين قاسم وهو يصيح: أنوي فيحتمي الرجل خلف جماعة وهو يقول خلصوني، خلصوني وتتدخل الناس فيقولون لحسين قسام: ماذا تريد منه فيقول لهم “شوفوه نوي أم بعد”؟!!

حسين قسام يكتب رسالة:

ذهب حسين قسام لعيادة أحد أصدقائه الذي كان مريضاً ويرقد في مستشفى الكوفة وعندما وصل حسين قسام إلى المستشفى وجد صديقه في حديقة المستشفى هو ومجموعة من المرضى لغرض تغيير الجو فلسّم عليه حسين قسام وسأل عن حاله فقال أنا بخير لكن أشعر باحتضار فقال له حسين قسام تعال نخرج نتمشى خارج المستشفى وبعد أن ابتعداً قليلاً عن المستشفى شاهد حسين قسام ثلاثة من (كتاب العرائض) يجلسون على الكراسي وأمامهم منضدة عليها الورق والحبر فوقف على واحد منهم وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال وقال أريد أن تكتب لي رسالة فانتبه الرجل بعد أن كان يتثاءب ولبس نظارته ورفع القلم وقال لحسين قاسم تفضل قل ما عندك. فقال حسين قسام أكتب: إلى جناب الأجل الأكرم الأحشم الأشيم الصلغم الأفخم الأطرم كمتى ابن سناسيل المحترم. فقال له كاتب العرائض على مهلك كلمة كلمة. فأعاد حسين قسام عبارته بسرعة فلم يستطع كاتب العرائض أن يكتب إلا كلمة واحدة فقال له بعد أن رمى القلم: لا تستعجل. فقال حسين قسام: أنا مستعجل. فقال كاتب العرائض: لا يهم لكن تكلم بكلام واضح فأعاد حسين قسام عبارته بأسرع من المرة الأولى فقال له: أنا لا أستطيع أن أكتب الرسالة. فقال له حسين قسام: كمتي بن سناسيل مكتوب في الرسالة أم لا. فقال: لا. فقال له حسين قسام: قل من البداية لا أعرف أن أكتب رسالة. وأخذ منه النقود وذهب إلى الكاتب الثاني الذي كان ينتظر الموقف مع صديقه فقال له حسين قسام هل تكتب رسالة؟ فقال له: أرجع إلى صاحبك الأول رزق من وراءك لا أريده. التفت حسين قسام إلى صديقه المريض يريد أن يخبره بأن هذا (ميتحاجه) فوجد صديقه ماسكاً بطنه ولا يستطيع أن يتمالك نفسه من الضحك فقال لحسين قسام أرجعني بسرعة إلى المستشفى. وعلى كل حال فقد كتب حسين قسام الرسالة بنفسه ونشرها في كتابه سنجاف الكلام وإليك الرسالة:

“إلى جناب الأجل الأكرم الأحشم الأشيم الصلغم الأفخم الأطرم كمتى ابن سناسيل المحترم عزيزي الإحترام ومنهج الأحكام ومنبع الكلام ومدير الافتهام من الحلال إلى الحرام وردنا مكتوبكم اللطيف الظريف الرصيف العريف الشريف وصلنا في الشهر الخامس من خامس حزيران وسابع من أيلول على ثلاثة من شعبان سنة تسعاً واثنين هجرية عزيزي كمتي أريد عرفك يتوسل يدهن فكرك وتحشم لي ابنك يرسل لنا أثاث بيته على طراز شيش وبنج وتجعلنا ممنونين ونحن ما نقصر عنك وكل حاجة نجعل لك ربح من الخمسة تسعة على ما قلت عزيزي أو ما ترسل لي بلوعه أبرنج مصبوغة بدهن ماي حدادي وحواشيها لاستيك خمايسي أنريد أنركبها على تشاريف السطوح حتى تنخل جميع دخان الصيف وترسل لنا ألف كيلو خام جبناوي مطحون أعلى ماي باجه يكون إله وجهين وجه مجروش أوجه الثاني أمهبش أنريد أنسوي مرك ونصبه أبسامير قندرجيه وترسل لنا خمسين طول باسورك بلوري أنريد منهن أمخاديد وقسم انسوي طرشي وترسل معاهن نداف أعتيك نريده يندف خشب أبو الحز حتى انسوي استكانات وترسل ألف فروة يكون جينكو صفر العال نريد انسويهن قواري لأجل الطبخ وأرسل لنا ألف كربة خواشيك الطماطه حتى نعصر البيذنجان على كموع باجه وترسل لنا أربعين صندوق دهن جاي يكون منجور نريد أنموعه ونسوي زوالي للبنيان وترسل خمسين كيس محلبي من العال يكون جويتي من طراز الأعشم على أسود نجاري لأجل لتكه حتى الكباب يستوي وترسل لنا سرداب سيلاني خمسين كيلو وعرضه ربع طن ويكون منقوش سماكي مشكل بألوان ومشيرز بريحان ومخيط بكشور رمان مبني بكموع بيذنجان أبو الغزال عنتيكه شغل أمريكه أنريد أنسويهن أمعاجن وثم السفرجل لا دزه ناعم هبشه وموعه وشره ويبسه ودزهن بيد أبويه من أهل هندستان ساكن بعبادان راكب على حصان والجنس لفه بأربعة حصران حتى يوصل كبل نيسان ويسوي طريقه على إيران خلي طريقه على همدان حتى يطب خلاف مازندان ويسلم على أصفهان وسمنان ودمغان على ياهو الجان من بيت الأخوان”.

 

[1]. هكذا عرفتهم، جعفر الخليلي.

[2]. هكذا عرفتهم.

[3]. هكذا عرفتهم، جعفر الخليلي.