الإبداع في شعر مصطفى جمال الدين الإيقاع يختزل مشاعر أوسع من الألفاظ  زهير غازي زاهد

 

نستطيع أن نرسم خطوطا عامة لأجيال الشعراء الذين تعاقبوا في النجف الاشرف منذ أن امتد ظل النهضة الأدبية في العالم العربي .كان جيل السيد محمد سعيد الحبوبي والسيد حيدر الحلي علامة لنهاية فترة الجمود الشعري الذي شاع في القرون المتأخرة وبداية القرن العشرين في أصوات الجيل الثاني جيل الشيخ جواد الشبيبي ومحمد رضا الشبيبي وعلي الشرقي .هذا الجيل الذي علا في أصواته الصحو الأدبي،وظهرت فيه ملامح النهضة الأدبية.

لقد مثل نضج هذا الامتداد الشعري الناهض الجواهري وصالح الجعفري ومحمود الحبوبي واحمد الصافي وغيرهم.كان تأثير الأجواء الحضارية الجديدة يثير صراعا بين المذاهب الأدبية وبين الأجيال الشعرية كما يثير صراعا منهجيا في العلوم، فما كان يصل من أثار أدبية وفكرية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي من مصر ولبنان يتلاقفها الشباب المتحرر لقراءتها والاطلاع عليها وعلى أمور العالم وأطوار التغيير فيه دفع الى نشوء جيل يؤمن بالتحرر الوطني والثورة من أجل التغيير في الثقافة والمناهج،وهذا ما لمسناه من ظهور مؤسستين في النجف هما :

جمعية الرابطة العلمية الأدبية:أسست لاستقبال الأدباء والمفكرين الذين يزورون النجف ليتبينوا صورتها من خلالها.تأسست سنة 1351هـ=1932م.ورواد مؤسسيها الشيخ محمد علي اليعقوبي وعبد الوهاب الصافي وصالح الجعفري.

اما المؤسسة الثانية فهي جمعية منتدى النشر ومجمعها الثقافي تاسست 1354هـ-1935م ورواد مؤسسيها الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم والسيد موسى بحر العلوم.

كان لكل مؤسسة أدبياتها وأهدافها العلمية والادبية والاجتماعية ومؤيدوها من الادباء والمثقفين،وكان الجيل الثاني من المنتمين الى المنتدى الشيخ احمد الوائلي والسيد مصطفى جمال الدين الذي كان عنصرا فعالا فيها.وكان الجيل الثاني في الرابطة المرحوم صالح الظالمي والسيد محمد بحر العلوم وجميل حيدر ومحمد الهجري ،وكان جميع من ذكرت يشارك في المواسم الثقافية للرابطة لانه لا مقاطعة بين المؤسستين .كان هؤلاء الشباب الشاعر من طلبة العلم في الحوزة العلمية مع عسر الحياة التي يلاقونها ،وكان السيد مصطفى رأس المجموعة  التي ألفت أسرة الادب اليقظ في بداية الخمسينيات ،وأكثرهم حركة واكثرهم انشغالا بين النجف وقرية المؤمنين في سوق الشيوخ في الناصرية ،موطن اسرته ثم استقر أخيرا في النجف الاشرف وكان السيد محمد بحر العلوم يشارك اسرة الادب اليقظ التي تعد نفسها مستقلة في طموحها للتجديد والحداثة،وكان بين افراد هذه الاسرة ملاحظات شعرية في قصائد مشتركة كانوا يتناسون بها ضيق الحياة وعسرها. حبذا لو جمعت تلك الاخوانيات والملاطفات الشعرية ونشرت لانها تمثل مرحلة حياة أسرة الادب اليقظ قبل أن يتفرقوا بعد ثورة تموز 1958وتأسيس كلية الفقه اذ كان السيد مصطفى والشيخ الوائلي من خريجيها في أول دورة وظل السيد مصطفى ملازما الكلية بعد حصوله على الشهادتين العاليتين مدرسا يرفدها بالجديد من افكاره . ومؤلفاته وكتابه “الايقاع في الشعر العربي من البيت الى التفعيلة” كان منهجا لطلبة الكلية وللجامعات العراقية في مادة العروض، كما رفدها مؤسسوها بالجديد في مناهج الفقه والاصول والمنطق..

كان السيد مصطفى حر الفكر متمردا على الجمود. وهي أهم خصائص المبدع يميل الى التجديد في كل شيء،ولم يكن يرى الثبات في الحياة ولكنه التجديد المنطلق من التراث،ليكون الجديد أصيلا لا تقليدا.

لقد كانت مناسبة تكريم عالم أو تأبين مجتهد مجالا يبث الشعراء بها همومهم ،وهذا كان دأب الشعراء انذاك في أفراح النجف وأحزانها،لكن مصطفى جمال الدين الذي تخرج من جامعة النجف وخبر مناهج الدرس الديني فيها شعر بحسه المرهف وذكائه ان هذه المناهج قصرت عن حاجة العصر وما فيه من تطور. أعلن بشعره صراحة وهو شعار منتدى النشر في تجديد المناهج الذي دعا اليه الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم وعلماء اخرون ولا تظنوا ان مثل هذه الدعوة في الوسط النجفي المحافظ مع وجود رجال دين كبار مقتنعين بالمناهج القائمة، لانها خرجت علماء معروفين، دعوة سهلة إلاّ ان جيل الشيخ المظفر ثم جيل جمال الدين سار بجراة يدعو الى اليقظة والسعي الى التطوير في الحياة العلمية والادبية ومناهجها تماشيا مع العصر الذي يتحول ويتقدم في مناهجه العلمية،فكانت دعوته تثير عليه المحافظين الحريصين على ثبات القديم،فكان الصراع بين التجديد والمحافظة بين التحول والثبات.

في اوائل الخمسينيات ألقى السيد مصطفى قصيدة في رثاء المرجع الشيخ محمد رضا ال ياسين خاطب بها رجال الدين:

هلا تكونون من مصـر وازهرها

كما يكون من السلــــــسال منبعه

أم لا،فنحن انــــــاس عمرنا سفة

            ان لم يكن بـ (اتى زيد)نضــــيعه

ثارت عليه ثائرة المحافظين فهاجموه بقصائد ترد عليه أقواله،وفي قصيدة أخرى بمناسبة تابينية كان اكثر عنفا في قوله:

هذي المناهج أطمـــــــار مهلهلة

            مرت على نســـجها الاحداث والعصر

وسوف يأتي زمان لا تــرون بها

            الا خيوطا لهمــــــس الريح تنتـــــــشر

كان شعره لغة جديدة وغرضا جديدا ايضا.كان يخترق الجدار الصلد من المحافظة الذي يحيط بالحياة ومناهجها، لكن هذا الوعي المبكر والفكر النقدي النافذ كانت له اثاره،وكان هذا اللون من الشعر في ثلاثينيات القرن الماضي وما بعدها جديدا في نقد الفكر والمنهج والسياسة كما كان عند الجواهري وصالح الجعفري ثم جمال الدين ومرتضى فرج الله وعبد الصاحب البرقعاوي وغيرهم.

مواكبة التطور

وظل السيد مصطفى مواكبا التطور، وهو مدرس في كلية الفقه وجامعة بغداد لم تبعده الحياة الاكاديمية عن الشعر وسيلته الفضلي في الدعوة والاحتجاج “وكتابه الايقاع في الشعر العربي”نقلة في دراسة العروض ونظرية جديدة في منهجه.

يمثل شعر السيد مصطفى الامتداد الناضج لشعر الجواهري وبدوي الجبل وعمر ابو ريشة ولا يخلو من نزوات بريئة من اثار نزار قباني.لقد كان يميل الى فصاحة التركيب وحركة الصورة الشعرية وتوظيف الكلمة والصيغة توضيفا شعريا مجازيا لكنه كان يبتعد عن التعقيد،فهو يؤمن بان الشاعر ينبغي ان يعبر عن فكرته بوضوح، لانه من شعراء الالتزام،وقد يتخذ الرمز والقناع احيانا وسيلة تعبيرية خصوصا في شعره الغزلي،واهم خصائصه الشعرية استعمال المفارقة سواء في صوره التمثيلية في المقطع او باستخدام الكلمة استخداما مجازيا صادما كما سيأتي الحديث .

كان النقاد القدماء يعدون الشاعر الكبير من استطاع القول والإبداع في مختلف فنون الشعر،وهكذا كان الشاعر مصطفى جمال الدين بل كان مبدعا حتى في إنشاده،اذ كان بارعا في القاء الشعر بصوته الرخيم بنبراته وتقطيعاته التي تجسد الصورة الشعرية،فيشد المتلقين اليه وذلك ما يتصف به نوادر المبدعين من الشعراء بل كان مبدعا حتى في حديثه في مجالسه الأدبية.

لقد عاش صراعاً آخر في الشعر صراعاً بين منهجين وشكلين بعد ظهور”الشعر الحر”في نهاية الاربعينيات وأخذ يتسع في الخمسينيات من القرن الماضي،فهو وان كان يؤمن بالتطور في مجالات الحياة والفن لكنه كانت له نظرة اخرى في تطور فن الشعر،كان يرى التطور ينبغي أن يكون في مضمون القصيدة لغتها صورها خيالها فكرتها، فذلك هو جوهر الفن الشعري أما اطار القصيدة الموسيقي الذي عرفت به القصيدة العربية فكان يرى الابقاء عليه،لأن اللغة العربية تمتلك من المرونة والاتساع في افاق المجاز ما يرد به حجج الداعين للشكل الحديث المستعار من الثقافة الغربية،فنشأته وثقافته وبيئته الدينية وشعوره بان الشكل القديم للقصيدة لم يزل قادرا على استيعاب عطاء الشاعر خصوصا ذوي المواهب. كل ذلك جعله يتمسك بشكل القصيدة الموزونة المقفاة على الرغم من قدرته على العطاء بالشكل الحر لكن عطاءه بالشكل العمودي كان اقرب الى ذوقه وكبريائه الفني،وهذا ما كان سبيل ابداع شعراء كبار قد أعجب بهم في عصر كالجواهري وبدوي الجبل وابو ريشة ونزار قباني.

لقد أبدع في صوره ولغته الشعرية وخياله من خلال الوزن والقافية،اذ كان يحاول ان يثبت فكرة ان الشعر والابداع يتمثل في قدرة الشاعر المبدع سواء جاء في وزن وقافية ام جاء على صورة التفعيلة،لكنه اذا جاء على الوزن والقافية كان أكثر تأثيرا وأكثر سحرا،فالشعر لا يفارق الايقاع المنسجم، فهو موسيقي ترسم بالفاظ وأصوات وهو رسم بالكلمات على رأي نزار قباني،لذلك كان يبذل جهده في كتابة القصيدة لاثبات هذه الفكرة،فلطالما اشتبك في جدل مع شعراء التفعيلة (الحر)لرد مقولة:ان في الوزن والقافية عوائق للتعبير عن عوالم الشاعر،وان كان التخفف من القافية الموحدة يفتح افاق التعبير للشاعر فيكون اكثر سلاسة وسهولة،ولكن للالتزام بالوزن الشعري خصائصه الفنية أيضاً. والعربية لم تعجز عن التعبير عن أي شيء باي شكل بما تحتويه من اسرار ابداعية،ثم ان هذا الهيكل الابداعي للقصيدة العربية لم يبق على جمود لغته انما خضع للتحول والتطور في تاريخنا الادبي منذ امرئ القيس حتى الجواهري وجمال الدين ،كل يبدع فيه على قدر موهبته،فلو قارنا قصيدة موزونة حديثة بقصدة حديثة لا نجدهما يتشابهان الا في الاطار الموسيقي ،اما المضمون والصور واستخدام الكلمة فكانت تتحول بتحول العصور.

لقد ظل السيد مصطفى أمينا على شكل القصيدة العربية،لانه ما كان يرى سببا قاطعا لكسره وانما الشاعر الحر المبدع يمكنه ان يكتب الشعر كما توحيه لحظته الشعرية، فهذه اللحظة الايحائية للشاعر هي التي تختار شكلها للتعبير لا ان يفرض شكل ما عليها ،وقد عبر ذلك شعرا في نقد المتعصبين لقصيدة التفعيلة الحرة دفاعا عن شكل القصيدة العربية واصفا دعوة القائلين بان الشكل التقليدي قيد للشاعر موجها قوله”الى الطليعة الشاعرة”بدأ القصيدة بفعل الطلب (الامر)”اسرجي الشعر في قلوب الشباب”. والشاعر كثيرا ما يبدأ قصائده بهذه الصيغة حينما يكون شديد التوتر وهو كان كذلك،ومن أمثلة ذلك(اصعدي لا يرعك درب عسير)و(لملم جراحك واعصف أيها الثار)و(عودي لامسك ينطلق منك الغد) و(نبئوني يا من برفحاء باتوا) بل حتى في الغزل احيانا(قربى روحك الرقيقة مني)،واذا لم يبدأ بالامر بدأ بتركيب انشائي اخر كالنداء (بغداد ما اشتبكت عليك الاعصر)وإلاّ بدأ بالفعل الماضي وكأنه يعبر عن استرخاء وهدوء أو باخبار حزين.

بدأ قصيدته هنا وهو متاهب لخوض حوار ساخن غاضب من اهمال الشباب والثقافة وعدم الاهتمام بهما واصفا اهمية الشعر وفعله في النفس إنْ اُحْسِنَ الاهتمام به .فكم قلب أناره ضياء الشعر ووميض قوافيه،وكم ضمير خفف خطاياه الحرف وسطور كتاب، فلولا الحرف ما كان يعلم ما يدور في عقول المفكرين والادباء ،فينبغي أن نهتم بالحرف وما ينتج عنه،لكنه ليس كل من نظم الشعر كان شاعرا، فكثير من الناظمين ما لهم غير الوزن والقافية فاهتمامهم بهما لا بجوهر الشعر وطرق أدائه وفنه ثم يتوجه الى رعيل الشباب الذين هاموا ولم يهتدوا الى جوهر الفن فحسبوا القوافي لجما والوزن قيدا فعبثوا ثم لا شيء. لا هم حفظوا فنه القديم ولا استطاعوا أن يبدعوا جديدا مقبولا(1) .

ورعيل لم يبلغوا سرحــــــه الفن

            فهاموا من حولها في ضــــــباب

ثم راحوا يبررون ضلال القصـد

ان الخـــــــيــــول غير عــــراب

فالقوافي لجم  تحـــد من الشوط

            وهذي الاوزان غرثـــــى كوابي

وحلمـــنا انا سنـــــــــــــبني وايا

هم قصــــــــورا مجنحات القباب

يسجد الغيم في مقاصيرها البيض

            ويعنو لها شمـــــــوخ الهضـــاب

فاذا بالتي وصــــــــلنا اليــــــــها

            هي تـــــــلك البيوت بعد خــراب

واذا الســــــرحة التي ظلّـــــــلتنا                       فيؤها كومــــــــة من الاحطــاب

ترتمــي حولها المناقير لا نعرف

منقـــــــار بلبــــــــــل من غراب

فهؤلاء الذين كتبوا هذا الشعر الحديث اختلطوا علينا، فهم يدورون حول الشعر ولا يصلون اليه،ثم يخاطب الشعراء آملا ان يلتفتوا للفن قبل الشكل:

فاملئوا الكأس كيف شئتم ولكن

            حاذروا أن يكون مر الشــــــــــراب

واكتبوا الشعر مترف الروح والجسـ

            ـم وخلوا جدالنا في الثيــــاب

فطراز (الفستان )اخر ما يلـ

            فت انظارنــــــــا لســـــــحر كعــــاب

تناول الموضوع في قصيدة ثانية من قصائد المربد في البصرة جعلها حوارا بين المربدين :المربد القديم في ظاهر البصرة الذين كان الشعراء يتناشدون فيه الشعر ويتفاخرون ،وكذا كان سوق عكاظ الذي كان الشعراء يتبارون فيه ويحكمون فيه من يحكم من هو الاشعر؟وكان الحكم النابغة الذبياني احيانا ،وهذا المربد الشعري البصري الحديث الذي كان فيه منهجان في الشعر يتباريان :المنهج التراثي التقليدي والمنهج الحديث الحر،والنقاد هم الحكم فيه،فالشاعر مصطفى قد ألقى حكمه شعراً اثار اعجاب المستمعين كعادته في الالقاء واكثرهم كان من محبيّ عمود الشعر لكنه هنا كان اكثر هدوء مما هو في سابقتها وأكثر اطمئنانا بان الشعراء الجدد فيهم مبدعون وواعدون بان اثبتوا إبداعا شعريا ملفتا ، فحواره هنا فيه مقارنة.

بدأ القصيدة بجملة خبرية ظامئة طلب الرواء لها بفعل الامر مباشرة (ظمئ الرمل فاهطلي ياسماء)ثم صور ظمأ الافق الشعري بعد غياب اجيال المبدعين (ابي نواس وبشار) وغيرهم ثم اطل العصر فرحب (بالقادمين من رهج الامس).

في هذا المربد الذي انتشى فيه خاطر الفرزدق بعودة نواره، وكان قد طلقها وتلقاهم الخليل الذي كان له عتاب لاختراقهم هياكل أوزانه ولحونه لكنه عتاب عالم لا يغلق الباب في وجه المبدعين الا انه لم يجد في لحونهم ما يقوم مقام لحونه، فالشعر شعر في أي لحن ناسبه:

وتناسى الخلـــــيل في نشوة اللقـ

            يا عتابا طغـــــــــــى عليه الوفاء

فانبرى يوســـــــع الطريق لجيل

عبثوا في عروضــــه كيف شاؤا

ثم أصغــــــى لعله يجــــــد العو

د الذي وقعــــــــت به الابــــــناء

فاذا اللحن نبعــــــــــة في يد الفنـ

            نان والعــــــــــود صخرة صماء

يولد الشعر كيف شــاء وتبقى الـ

            خمر خمرا مهما استجــــد الاناء

فالشعر هو الشعر يعلن عن نفسه ويسحر سامعه أو قارئه بغض النظر عن الاطار أو الشكل للقصيدة،فاذا كان الشاعر بصيرا بجوهر اللغة ابدع بصوره وخياله اكوانا وعوالم وبعكسه ما ينظمه النظامون ضعيفو الموهبة والابداع لذلك:

إن عودا غنى علــــــيه جريــــر

            فانتـــــشت خيمــــــــة وتاه خباء

هو ذاك العود الذي نازعت

(جيكور)في مجد كوخة الابهاء

وتـــر واحد تغـــــــــيّر فيه اللحـ

ن والسحــــــر والرؤى والعطاء

جذور فن

حاول هنا ان يخفف من حدة خطابه للشباب داعيا إياهم أن لا يقطعوا جذور فنهم عن أصولها. فوتر الشعر واحد تغير فيه اللحن .. وسدرة المنتهى بغير جذور حطب من غير ظلال .

ان ذلك الشاعر ذا القامة الفارعة كان يطل على منصة الاحتفال يندمج مع جماهير السامعين في اناشيده وابداع شعره،والمفارقة من خصائص شعره،كان يستخدم المفارقة التي هي ظاهرة فنية يتصف بها نوادر المبدعين،وكانت هذه المفارقة لديه تظهر في الصورة التمثيلية الحوارية كما في ختام المقطعين المذكورين أو تظهر في اسخدامه المجاز استخداما خاصا كما في مطلع قصيدته التي يصف بها مولد حفيده في”رفحاء”المنطقة الصحراوية في السعودية وضع المهجرون العراقيون الهاربون من الموت الذي فرضه النظام سنة 1991م. بعد الانتفاضة الشعبانية.

نبئوني يا من برفحـــــــــاء باتـوا

كيف يغفـــــــوا بليلها “اليقظان”

 فالمقارنة باستخدام التورية الصادمة فاسم الوليد “يقظان”وهذا السؤال الصارم للشعور يرسم صورة المفارقة في التعبير تجعل المتلقي يحلق في عوالم من الدلالة والتفسير ،وكثيرا ما كان يستعملها في ابداعه الشعري.وشاعرنا لم يكن مبدعا في شعره الاجتماعي والسياسي فحسب ،فلربما يفاجأ القارئ بان ذلك السيد الوقور الذي يعتمر العمة كان يحمل روحا شفافة تذوب ظرفا ،وكان له صبوات ومجموعته “عيناك واللحن القديم”فيها تجارب عاطفية مر بها الشاعر فعبر عنها ببراءته التي لم تنزلق في تعبيرها لكنه يأخذك إلى أفاق التجربة حتى يجعلك تقسم انه عاشها وخفق قلبه لبسماتها وبريق عينيها، كما أقسم ذلك البغدادي الذي سمع وصف السيد محمد سعيد الحبوبي للخمرة:

سترتـــــــــها بيدي كي لا تنم بنا

            فاججـــــــت شعلة ما بين آماقي

فأقسم قائلا:هذا وصف من شربها،والحبوبي أعفّ من ذلك،لكنه الابداع في التعبير والقدرة على تصوير الحدث بأصوات الكلمات ،وهكذا غزل السيد مصطفى ،إبداع في التصوير مع صدق العاطفة وعفة النفس،وقد سبق للسيد الحبوبي القول في ذلك:

 (عفة النفس وفسق الالسن).

أهدى واحدة من قصائده”اللحن القديم”قائلا: (الى التي وددت ان تكون كل شيء الا ابنتي”ثم يتغنى فيروزته مداخلا بين فيروز المغنية في غنائها”ياجارة الوادي”قصيدة احمد شوقي ،وانشداد روح الشاعر لرقة النغم وجمال الصوت الذي لا يفي عنده الا ان تلامس روحها روحه “قربي روحك الرقيقة مني”. ويتطاير الشاعر شظايا عواطف وأشواق ولهفة يلونها جمر العاطفة بالوان الورد الملتهب في قلب يكاد يشق حجبه ويرتمي على صدرها.

وفي قصيدة “خيوط النجوم”تساءلت إذ أرادتْ أن تطرز له شيئا :بأي خيط يا ترى تطرز النجوم؟فيناغي ليلاه:

طرز يها بسحــــر عينيك يا ليلى

بما تطويـــــــــــــــان من اسرار

بابتسامـــــــــــــاتك التي علمتني

            كيف تخضـل بالربيع الصحاري

طرزبها بهمــــــــــــــس ليلتنا اذ

            نحن سرّان في ضمــــير (قطار)

اذ أطلّت عيناك تبحــث في عيني                                  عن سر ضيعـــــــتي وانكساري

ثم ذبنا مع الظــــــــــــــلام بلحن

            صهر العمـــــــــر كله في (قرار)

هكذا يكون اللقاء الحبيب وهكذا يذوب الشاعر، روحا بلحن صهر العمر كله،وهو أشد  حالات الشوق حين يصل الحبيبان حالة التواجد والسمو(وربما تمزج روحان).

كان صريحا صراحة البراءة والعفة، وواضحا حتى في أغاريد عواطفه وصور غزله.فاذا طلبت منه صورته أعطاها صورتين، وهذا ما يثير التعجب والاعجاب ما يمكن ان نسميه الغزل الايماني:

هذه يا حبيبتي صــــورتي الاخر

            ى اطل الخريـــــــف منها حزينا

غاض نبع الصبا فجــفت مروجا

            وانطفا سحـــره فشابت غصونا

لكن ذكاء الشاعر في لحظته الشاعرة أثارت فيها خاطرا مفتونا، فأخذ يقرأه قراءة خاصة ويصغي للغة اخرى تنطق بها العيون ونبضات القلب ،فهام بين صورتين في عالمها بين شباب الخمسين ورمز له بالشوك لكنه أسر الورد:

وانا بين صورتـيّ أســــــــير الشوك

حينا وآســــــــــــــــر الورد حينا

هذا شعر يختزن مشاعر أوسع من ألفاظه، فهو ما قيل في مثله:تحيط به المعرفة ولا تحيط به الصفة.

ظل الشاعر ملتزما في حبه الحبيبة وحبه الوطن وحبه الامة،وهو مبدع في التعبير عن كل الوان هذا الحب ،فكانت انطلاقة الشاعر من النجف يغني بغداد غناء شجيا في عيدها الالفي:

بغداد ما اشتبكت عليك الأعـصر                       إلا ذوت ووريــق عودك أخضر

اذ بدأها بنداء يريح النفس ويثيرها في هذا المد بين الدالين،يختزن هذا النداء افاقاً وعوالم تدور في خاطر الشاعر،يذكرنا هذا النداء المختزن بنداء الجواهري في قصيدة(يا مصر تستبق الدهور وتعثر)فكلا الشاعرين ينطلق من افق الاصالة الشعرية،ثم تتابعت صور بغداد التاريخ والحضارة،هذه المدينة التي ظل عودها أخضر بالرغم من العصور وصبحها مشمس ووجه ليلها مقمر.هذه بغداد في عصرها الذهبي،لكن الشاعر ياسى لهذا التاريخ الذي كتب للحكام الجلادين الذين استخدموا الشعراء يتغنون بترفهم وملاذهم،اما البناة الاصلاء من علماء ومهندسين وفلاسفة ومفكرين فهم منسيون.

وظل في قصيدته بين الرضا والغضب يطوف في افاق عصورها حتى ختامها فختمها بشيء من الامل ،لانها احتفت أخيراً بفيلسوفها الكندي أبي يوسف الان وغدا تحتفي بالشريف الرضي(في موكب جمّ السنى يتبختر) وبنهاية حكايتها يستعمل كاف الخطاب في حوار مع التاريخ الذي مر على بغداد بكل وجوهه ثم يتحول اليها مخاطبا (بأنّ قلبك في غد أندى وأحفل بالوفاء وأطهر) ويهنئها بلحن عتاب ونجوى مودة.

والشاعر يتوهج حزنا حين يذكر وطنه الكبير ونكباته في قصيدته (للثأر والفداء)المتوترة التي بدأها بفعل الامر:

لملم جراحك واعصف أيها الثار

ما بعد عار حـــــــزيران لنا عار

ثم توالت أفعال الأمر فيها”وخلّ عنك”وخض لهيب وغى “”دعهم يعبّون في الأقصى””دعهم يحجون للمبكى”..كما كثرت اساليب النداء فيها،وهذه الاساليب دليل ميل الخطاب الغاضب والتوتر الشعري للتحريض واستنهاض الامة،لان جرح فلسطين يدعو عواصم العرب ان لا يطفئ غيظها شعر الشعراء،فالحق لا يؤخذ من المغتصب بغير القوة والعزم.

لقد ظل ملتزما في شعره بقضايا وطنه وامته،فكان نشاطا ً وحيوية داعيا الى ان يسود النظام الاجتماعي العادل،وظل مستمسكا بكرامة الكلمة والموقف ،لم يهادن ولم يفرط بهما. وقد تجاهل الكثير من الإغراءات التي قدمها النظام البائد فزهد ،وباستطاعته الحصول على كل شيء. في سبعينيات القرن الماضي فتح النظام له أبوابا ليهادنه فأبى الا الثبات على موقفه الرافض للظلم والعدوان والحماقات التي ارتكبت بحق الشعب العراقي،وقد سَمعْتُ منه حدثين تحدث عنهما بمرارة :

أحدهما موقف النظام من مسيرة اربعينية الحسين عليه السلام من النجف الى كربلاء ومنع السلطة اياها سنة 977 ولما خرجت المسيرة قابلتها السلطة بأعنف الاجراءات واعتقل المشاركون والقائمون على المواكب الحسينية بالجملة،وصبت السلطة عليهم كل الوان العذاب ،فتداركت المرجعية الامر وذهب وفد من العلماء ومعهم السيد مصطفى الى بغداد ليفهموا رأس السلطة ان هذه عادة لدى محبي الحسين تقام كل سنة.

وهي مسيرة سلمية ،لكن رئيس الجمهورية احمد حسن البكر خرج على الوفد بعد ان تركه ينتظر طويلا، خرج قائلا،لا نقبل الوساطة من أي جهة ولا نفهم أي دفاع عمن يعادي النظام وتركهم..فعاد الوفد حزينا مغلوبا على أمره.. ويبدو أنّ قرار محاربة المرجعية في النجف قد اتخذته قيادة حزب البعث باعتراف أحد قادته انذاك حردان التكريتي في مذكراته.

وأما الحدث الاخر فكان سنة 979. وهو أنّ محافظ النجف استدعاه مع مجموعة من الشعراء الشباب لا قامة احتفال بمناسبة سياسية،وطلب من السيد مصطفى المشاركة معهم بطريقة غير لائقة ،ويبدو لي أنّها كانت مقصودة-فرفض الدعوة باباء وانتفض منزعجا وغادر الاجتماع ثم حاول المحافظ ارضاءه لكن نظرة الشاعر البعيدة ادركت ما تخبئ له الايام في ظل هؤلاء الزبانية ،فغادر النجف بل الوطن  حاملا احزان وطنه واحزان المشردين من ابناء وطنه،ظل يعاني موقفين وكلاهما مؤلم:موقف المعارضة وتشتتها انذاك وصراعات اهوائها،وموقف وطنه الذي يئن تحت وطأة نظام فاشي لا مثيل له في التاريخ بتدمير الاوطان ،ظل حاملا همومه واحلامه وقضية حرية وطنه.

ان شعره في الغربة كان آهات وحرقا في هذه المرحلة حتى وافاه الاجل في 23 -10-1996ودفن في مقبرة السيدة زينب ،وجاوره بعد سنة الشاعر الكبير الجواهري. وقد زرت قبريهما المتجاورين تحت سحابة من الحزن وضباب الامل.

لقد كان في غربته يواسي المشردين من ابناء وطنه،ويبدع الشعر أحزانا متنقلة ملتهبة يجمع بها شظايا الامل ويزرعها في افاق المستقبل ليستظل الاتين بظلالها .

فمرة يناجي أمته في مؤتمرها الاسلامي سنة 991 الذي أقيم في بلد غير اسلامي محرضا ً وداعيا:

عودي لأمسك ينطلق منك الغد

ما شع في دمــــــــك النبي محمد

           واخرى يودع مثقفا مغتربا ويتوهج ألما وطيف العراق لا يغيب عن ذاكرته والوضع الذي يعيشه المغتربون الهاربون من جحيم النظام الى جحيم المنافي- فيبدع في رسم صورة المغتربين وحياتهم الهينة الهائمة بين اقطار الارض،ومع كل هذه الاحزان والاهوال يجد الفرقة وصراع الاهواء قائما حتى في الغربة في ظل تلك الاوضاع،فيتوهج حزنه بين الكلمات والصور الشعرية الشفافة الغاضبة فقصيدته”الفقيدان”(2) ترسم هذا المشهد:

كيف تنســـــــــى دموعها الآماق

            والفقيـــــــــدان نــــــبله والعراق

والثكالى نحـــن الالى غاض منا

رافداه:الفرات والاخــــــــــــلاق

واغتــــــــربنا فلم نجد في منافي

            نا  بديـــــــلا يلذ فيه المــــــــذاق

قد شبعـــــــــنا من الضياع وجعنا

            من فتـــــاة لنا عليـــــــــه استباق

وكرامــــــاتنا نكـــــــــــاد نزكي

ها اختلاســــــا كانــــــــنا سراق

وحصدنا زرع الوعــــــود وذرينا

            فلم يبـــــــــق منه الا النــــــــفاق

فقد بدأ القصيدة بسؤال التعجب (كيف تنسى..)والفقيدان هنا رمزان لعظم المفقود وفداحة الفقد ،كان هذا السؤال مفتاح القصيدة للعوالم التي ستكشف عنها،وهو المركز الذي تفرعت منه كل الاسئلة الظاهرة والمضمرة،فاذا كان الفقيدان هذين الرمزين فالخاسرون (نحن)قد فقدنا كل شيء في هذا الاغتراب الخاسر، فلم نصل به الى الغاية التي نرجو ولم نحظ بالبديل عن الوطن ،ففي المنافي شبعنا من الضياع وضاعت كرامتنا في وسط غائم. فمن نحن يا ترى أسراب؟ فكنا نعيش على الامل فاذا به وهم من الاوهام كان حصيدنا منه السراب.

ضمير حي

هذه صرخات ضمير حي في وجه مرحلة لجا اليها ذوو كرامات ونفوس عزيزة، فهي لا ترى الحياة غنيمة يغنمها فرد على حساب عذاب اهله في وطنه من جهة ثم هي حياة منفى يشعر فيها العزيز بالذل في غير وطنه يعيش حياة الضياع،فالامان وحده لا يخفف من التفكير الحزين بالاهل والوطن.

ثم يستعرض الشاعر حياة الفقيد ولطائف شيمه مداخلا بينها وبين تاريخ العراق

 ماضيه وحاضره وما لقيه الوطن في تاريخه ثم يعود الى الفقيد ،فهو رمز الشهامة العراقية التي ضيعها عنف الحاكمين وتسلطهم ثم يطوف في افاق المنافي:

لم يمت يا عراق بل مــــات جيل

انت في قلــــــــــبه الدم المهراق

نسيــــــــــتك القلوب دارا وحنت

            بمنا في (الفرنـــــــج) تلك النياق

دارنا في (الســـــويد)والحقل في

الدانوب و(الشيخ)عنـــدنا اسحاق

ولنا القبعــــــات زيا عروبــــــياً

            وخل العــــــــقال فهـــــــو رباق

أيها المدلجـــــون في ظلم المنفى

وزاد المسيـــــــرة الارهــــــــاق

القريـــــــــبون والوفـــــــاء بعيد

والطليـــــــــقون والخـلاف وثاق

يعاتب المغتربين في قناعتهم بأمن حياتهم وأهلهم قد سلب خوف النظام امنهم والاهل هنا بمعناه العام،فهم في ذل الغربة وأهلهم في خطر قذائف النظام كيف ينام الانسان على هذه الحال؟هي مأساة العراقي في مرحلة شاذة .

هذا الخطاب الحزين (ايها المدلجون..) (ارجعوا أو توحدوا..)وقصارى امانيكم تصاريح يمنون بها عليكم ،وجوازات سفر تمضي وتأتي حتى يصل الى الحزن اليائس:

ثم لا شيء غـــــــير أنا قطـــــيع

            باعه المتــــــــــرفون منا وساقوا

وسلاما على العـــــــــراق وأهلا

            بالمنافي إن ضــــــاع منا العراق

بعد أن وقف الشاعر من النظام وجها لوجه بجرأة متمردا لا يخشى بطشه،فكان قويا بالرغم من حزنه والمواقف المفجعة كان يسخر في مجالسه من تقدير الاعلام للسلطة وقائدها الرمز ، لكنه والد يسمع بابنته وهو في غربته تضع وليدها في صحراء السعودية مع الهاربين من بطش النظام وقد مر ذكر قصيدة(يقظان)وظل يشعر بعلوه وقوة أمله يسخر من قائد نظام كان اطفال العراق كأهلهم مشردين حتى في ولادتهم ،كما يسخر من حاضني هذا النظام المتوحش من الانظمة العربية القمعية:

وهنيئا لحاضـــني (القائد الرمز)

وما يحضــــــــــنون هذا الرهان

نام اطفــــــــــــالهم لديه وغصت

 أطفــــــــــــــالنا الوديــــان

غير أنا على الصحارى وما هنـّا

وهم في ذرى القصــــور وهانوا

وجدنا الشاعر هنا يعلو على جرحه الذي احس بجمرة المه عند سماعه بموضع ميلاد حفيده،لكننا نشعر بحزنه اليائس من تعب الغربة في قصيدة (الفقيدان)ورأينا قصيدته تفيض صورا مأساوية،تحشد فيها صور المنافي وحياة العراقيين فيها وتنتهي بنفس متعب بعد حوارات وصراعات وأسفار واجتماعات لم يصل إلى غاية يسعى إليها حتى أثقله المرض أخيرا. لقد استمر إبداع الشاعر الفني بالرغم من أن الشعر كان هوايته ووسيلته في الاحتجاج ولم يتفرغ له أو يحترفه،لكنه استمر على كتابته. ففي تاريخنا الأدبي من يدعون”الشعراء الكتاب”(3) وندر أن يستطيع الشاعر العالم التوفيق بين شخصيتين ويبدع في أفقيهما ،فكان مصطفى جمال الدين مبدعا في أفق العلم أستاذا جامعيا ،وفي أفق الشعر شاعرا شاطر كبار شعراء عصره الجواهري وبدوي الجبل وعمر ابو ريشة في فن الشعر ،وامتاز عليهم بجهوده الأكاديمية (4)  .

الهوامش

( 1) القيت هذه القصيدة في الموسم الثقافي للرابطة في النجف الاشرف في نهاية ستينيات القرن الماضي وكان الصراع محتدما بين الشعراء حول الشكل التقليدي والشكل الحديث للشعر.

( 2) الفقيد هو السيد عبد الزهرة الحسيني مؤلف كتاب(مصادر نهج البلاغة واسانيده)

(3 ) من هذا القبيل في عصرنا جملة من العلماء الشعراء ومنهم اساتذة جامعون مثل الاستاذ هلال ناجي ومحمد حسين ال ياسين وغيرهم.

( 4) لم يزل شعره فيه مجال لدراسات أكاديمية وخصوصا الاسلوب في شعره فهو موضوع لاطروحة دكتوراه يقوم بها باحث مؤهل لذلك ان شاء الله.