الجهد المنهجي في نقد الرواية التاريخية عند السيد محمد تقي الحكيم          د.علي عبد الحسين المظفر          

 

الخلاصة:

ينطلق السيد الحكيم في رؤيته النقدية للنص التاريخي ،بعد دراسة مسببات الاضطراب والتضعضع عن التاريخ الصحيح في كتاباتهم، القائم على ثنائية (أنا وأنت – زاوية الشعب) ، وهذه الرواية قائمة على المؤرخ الناقِل للحدث (أنا) والشعب المكون الحادثة (أنت) ، مع عدم إغفال الرواي أو المؤرخ لأهمية الشعب؛ حتى يتخلص من تأثير الحكام أو السلطة في تصور الأحداث وفق إرادتهم، بل بالتحرر وكتابة الأحداث بصورتها المضيئة مع عدم الفصل بين الماضي والحاضر،وهنا يحدد السيد إرادة المؤرخ في ضوء مستجدات تطور الزمن ليواكب الأحداث حتى تُنقَل إلى الأمة بالشكل الصحيح والمقبول؛ لأن مسؤولية بناء الأجيال القادمة تقع على عاتقهم ،بعد أن أصبح القارئ على درجة من الوعي والفهم بحيث لم يُعد يرضى بغير المبادئ الصحيحة.

المقدمة

ان البحث عن الحركة الإصلاحية في مدرسة النجف الاشرف التي ظهرت بوادرها في النصف الأول من القرن الماضي يتطلب منا دراسة معمقة لجذورها، ومسبباتها، وأهدافها، ومدى الحاجة لها، والوقوف عند رجالاتها، وماهية مؤسساتها التي أنشئت لتحقيق أهدافها، ونحن اليوم نقف على أعتاب الاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيس أول صرح علمي أكاديمي تشهده الساحة العلمية لمدينة النجف الاشرف وأول ثمرة لحركة الإصلاح في مدرستها بتأسيس (جمعية منتدى النشر) وكليتها عام 1944م ومن ثم تحولها إلى (كلية الفقه) عام 1958م والاعتراف بها في العام نفسه كمؤسسة علمية تمنح شهادة أكاديمية معترف بها رسمياً من قبل وزارة المعارف آنذاك. لتمثل تحولاً كبيراً في مسار الدراسات الحوزوية والأكاديمية، كل هذا الجهد المثمر ما كان ليتحقق لولا وجود ثلة من الرجال المؤمنين الصادقين المخلصين وعلى رأسهم العلامة المجدد الشيخ محمد رضا المظفر وبمساعدة ثلة من أفاضل علماء الحوزة ممن نظروا إلى التطور والحداثة ومواكبتهما بعين فاحصة مستشرفين للحقيقة، وكان في مقدمتهم سماحة السيد محمد تقي الحكيم المولود في هذه المدينة المقدسة (عام 1341هـ/1922م) والمتربي في أجوائها العلمية في أسرة عُرفت بالتقوى والعلم وعلى رأسهم والده (السيد محمد سعيد) فتلقى علومه الأولى عليه ثم في حوزتها، ليدرس آنذاك على علمائها أمثال المرحوم السيد يوسف الحكيم والميرزا حسن البُنجُوردي (ت1395هـ) والشيخ محمد رضا المظفر (ت1383هـ) ولتكن له المكانة المرموقة في حوزتها العلمية ومحط أنظار أساتذته وتهافت الطلبة عليه للتحصيل من منهله وبمختلف العلوم من الفقه والأصول والحديث واللغة …(1)، فكان هذا التنوع العلمي في التحصيل أو التدريس السمة المميزة لحركة الإصلاح والهدف المراد منها، لذا جاء إسهام السيد الحكيم  فعالاً في تأسيس (جمعية منتدى النشر) ولأجل دفع هذه الحركة الفكرية التي تَبّنى أفكارها بقناعة تامة، نهض بمسؤولية التدريس في (كلية منتدى النشر) في مواضيع متنوعة كالفقه والأصول والأدب والنحو والنقد الأدبي والتاريخ وتاريخ التشريع … وغيرها(2)، وقد وصف ا لسيد بحر العلوم هذا التحرك من السيد الحكيم  بقوله: ((كان السيد المتشح بعمامته السوداء المعروف بالفضل المبكر، والأدب الرفيع، هو الساعد للمرحوم الشيخ محمد رضا المظفر، إن لم يكن شريكه في هذا التوجه الهام))(3)، وكان هذا الإسهام فعالاً نابعاً من إيمان عميق بالدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات التربية والتعليم في إصلاح ونهوض الأمة الإسلامية، وهذا يتطلب مجموعة من الوسائل الجديدة المتطورة القادرة على إصلاح الحوزة العلمية وأولها (المناهج العلمية)، ومن هذا المنطلق كان إسهام السيد الحكيم  متمثلاً فيما يأتي:

أولاً: القيام بمهام التدريس بنفسه منذ التأسيس الأول لـكلية منتدى النشر عام 1944م ،مروراً بعام 1958م حتى توليه عمادة كلية الفقه 1970م، لينهي هذه الرحلة العلمية الطويلة التي امتدت قرابة أربعة عقود في عام 1979م، ويتفرع لإتمام مشاريعه العلمية في جانب آخر من التأليف والكتابة التي أثمرت عن عشرات الكتب الفريدة في بابها، منها على سبيل المثال لا الحصر:(الفقه المقارن)، (عبد الله بن عباس) (والسيد الحميري) وغيرها.

ثانياً: الأخذ على عاتقه تدريس موضوعات علمية أضيفت إلى منهج الكلية، لم يسبق للحوزة العلمية أن عرفتها من قبل كمنهج دراسي، مثل مادة النقد الأدبي، والتاريخ، والأدب، وتأريخ التشريع وهذه الدروس أسهمت في مزج القديم بالحديث؛ بغية تهيئة جيل حوزوي قادر على حمل رسالة الإسلام في العالم ،بما ينسجم ومتطلبات الحداثة والتطور المعرفي(4).

إن هذا التفرغ من السيد الحكيم  لهذا المشروع الإصلاحي، لم يمنعه من أن يحتل موقعه الرسالي كسفير لحوزة النجف العلمية في المحافل الإسلامية، وتمثيلها على أفضل وجه في القاهرة والمغرب العربي وغيرها ،ليكون أول عالِم شيعي مبرّز في جامعة النجف الاشرف يحاضر في معهد الدراسات العليا في جامعة بغداد … بعد أن عادلَ مجلس جامعة بغداد عام 1964م درجته العلمية بدرجة الأستاذية)(5)، وانتخب لعضوية المجامع العلمية في العراق عام 1964م والقاهرة عام 1967م، ودمشق عام 1973م، والأردن عام 1980م وغيرها من المحافل والمؤتمرات العلمية، وناقشَ وأشرفَ على عشرات الرسائل والأطاريح العلمية. إن هذه المسيرة المعطاء الحافلة بالإنجازات المعرفية المخلصة لحوزة النجف العلمية، تستحق كل الثناء والوقوف بين يديها فخراً لواقفها، لذا خصّصنا هذه ا لدراسة الجهد المنهجي في نقد الرواية التاريخية  عند السيد الحكيم ، لعلّنا نوفق في الوصول إلى ما هدف إليه من نتائج ابتغاها من دراسة التاريخ بشكل عام – والإسلامي – بالأخص.

المبحث الأول : دراسة التاريخ (التصورات – والمنهج )

وضع السيد مجموعة من المحددات والتصورات في بداية تدريسه لمادة (التاريخ)، فقد أقر بصعوبة هذه المهمة الموكلة إليه بقوله: ((ورأيتُ مهمتي من أشق المهمات وأعسرها- مبيناً لأسباب ذلك- متى ما أردت الإخلاص لنفسي في أدائها على أفضل وجوهها))(6)، وهذه المسببات يرجعها السيد لذات الموضوع والحاصلة من وجود حشود الروايات والنصوص التاريخية المتناقضة، وما فيها من مفارقات لا يمكن اجتيازها بسهولة(7)، والتاريخ عند السيد الحكيم  يمثل حالة من الإضطراب نتيجة تسجيل أحداثه أو تفسيرها أو بما صدر من أحكام عن المؤرخين تجاهها(8) ،ونتيجة لذلك لابد من تحديد مهمة من يُدرّس (المحاضر) لمادة التاريخ وهو بذلك يرسم الخطة التي يجب أن يتبعها من يُدرّس التاريخ وينقل أحداثه، وهي مجموعة من المحددات ابتناها السيد

 في تدريس (المنهج التاريخي- الإسلامي بالأخص- )القائم على مرتكزات معرفية ومُسّلمات نقدية أسماها (التاريخ المضعضع- أو المضطرب-) بقوله: ((أفترض وجود تاريخ مضعضع أو: ان التاريخ الإسلامي مضطرب فعلياً))(9). وقُبيل الدخول في صُلب الفكرة يحدد السيد  ثلاثة محاور يرى أنها أكثر أهمية عنده لدراسة التاريخ متمحوراً بالاتجاهات الآتية(10):

1- بلوغ واقع التاريخ واستخلاصه من هذه الحشود المتضاربة بدراسة مسبباتها(11).

2- تحديد المنهج الذي يسلكه المؤرخ لاستخراج الواقع التاريخي من بينها – الروايات التاريخية – بتحقيق النص أو التأكد من صحته، ثم تفسير أحداثه وفق المنهج المحدد سلفاً(12).

3- الحكم عليه بما يستحقهُ حكما متحرراً من رواسب و مسبقات صاحبه جهد الإمكان(13)؛ للوصول بدارس التاريخ الى الحقائق التاريخية التي تمثل واقع التاريخ.

ولقد اعتبرت هذه المحاور من مهمة الباحث التي يجب أن يتبناها في دراسته للتاريخ، ومعالجة النصوص والروايات وإصدار الأحكام عليها. وفي ضوء هذه المحددات وضع السيد الحكيم منهجيته العامة في دراسته للتاريخ والقائمة على أساسين، هما :

أ– الدراسة الموضوعية للأحداث التاريخية بعيدا عن الأهواء والإنتماءات الفكرية والمذهبية للمؤرخ والدارس للتاريخ على حدٍ سواء .

ب– الاستفادة الاجتماعية المتحققة من معطيات هذه الدراسة .

المبحث الثاني: أسباب الاضطراب – أو التضعضع –

ولمعالجة هذه الصفة في التاريخ العام والإسلامي بالأخص وبما أطلق عليه بـ”الفهم الصحيح” للتأريخ المبتني على دراسة الباحث لهذين العاملين المتقدمين المتعلقين بالباعث النفسي للباحث وتأثيره عليه قسمهما إلى:

 أولا : العامل الشعوري

وعرفه بقوله: “أن يعمد المُحدّث أو الراوي إلى تشويه الحادثة أو خلقها وهو يشعر بواقع ما يقدم عليه من استجابة لبعض العوامل والأسباب”(14)، وحدد أهم العوامل المؤثرة بالمؤرخ في هذا الباعث بما يأتي:

  1. العامل الاقتصادي، أو الباعث الاقتصادي:

 وهو: الباعث المادي الذي يبعث بصاحبه على المتاجرة بضميره في سبيل تحصيل ما يسد به حاجاته المعيشية (15)، وهذا العامل تختلف موضوعاته باختلاف الأفراد المساومين له، فقد تكون سياسية فتدخل السياسة طرفاً في التحريف والتشويه للأحداث والوضع في التاريخ قديماً وحديثاً وخاصة الإسلامي منه، وشواهده في التاريخ كثيرة(16)، وقد تكون دوافعه عنصرية أو قبلية أو غيرهما(17)، ويدخل الأدب في هذا العامل ليلعب دوراً مهما في الوضع على فرض من يضعه ضمن مصادر التاريخ، فهو دائماً يسير في رِكاب الدولة ويتولى لها وظيفة الدعاية، ضارباً لنا مجموعة من الشواهد التاريخية التي تدلل على هذا الجانب، مثل حادثة أبان بن عبد الحميد وتحولاته العقائدية ثم تشويهه للأحداث بخدمته للرشيد(18).

  1. العامل النفسي:

 وحدده بقوله: “أن يدفع الإنسان إلى خلق الحادثة أو تحويرها ليستر جانباً من جوانب النفس فيه أو يشيع إحدى دوافعه واستعداداته الفطرية بما ينشأ عنها من عواطف خاصة”(19)، ويتصل هذا العامل بمنافذ كثيرة يرتبط بعضها:- بـ:السياسة- بدفع الحكام أو السياسيين للمحدّث أو المؤرخ- الرواي- إلى وضع الأحاديث أو القصص، التي تعزز من مكانتهم وتركز مقامهم وسلطتهم واستمرارهم بالحكم من جهة ومن جهة،أخرى توضع الأحاديث وتُخلق لإبعاد خصومهم ونفرة الرأي العام عنهم(20)، أمثال حديث ابن العاص إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء(21)، ويعلل السيد سبب ميول هؤلاء إلى الوضع والتزييف؛ بالتقرب إلى الحكام لإشباع ميولهم ورغباتهم النفسية بالمشاركة في إدارة الحكم(22).

ومن المنافذ النفسية في هذا العامل التي يشخصها السيد الحكيم، المنفذ المرتبط بالدعوة العنصرية(23) (القبلية)، التي شاعت وارتبطت بالجاهلية وتبناها الأمويون، وظهرت بالشكل الجلي في  العصر العباسي بالدعوة إلى تفضيل عنصر على آخر، مما استلزم ظهور ما يعرف بـ:الحركة الشعوبية(24)، وظهور النِزاع والتفاضل بين القبائل العربية كالنزاع بين اليمانية والمضرية(25).

ولهذا العامل منفذ آخر يستطيع من خلاله إرضاء شهوته وهو: (حب الشهرة)(26) ،وهذا يستلزم من صاحبه محاولة التعويض لما يشعر به صاحبه من نقص فيلجأ إلى الوضع(27)، ويظهر ذلك بشكل واضح في التاريخ الإسلامي خاصة في صدر الإسلام؛ بسبب اتساع الفتوحات الإسلامية ودخول خلق كثير في الإسلام، من الذين كانوا في دورهم يتطلعون إلى معرفة أخبار النبي وسيرته وخصوصيات مبادئه، مما يضطرهم إلى اللجوء للعارفين أو ممن يدعون المعرفة أو المتظاهرين من المسلمين “وليس من السهل أن يسأل فلا يجيب”(28) مما يضطره إلى نسبة القول إلى أحد الصحابة أو يدعي المشاهدة بنفسه، مما أشاعَ الكذب على رسول الله  حتى روي عن ابن عباس قوله: “إنا كنا نحدث عن رسول الله  إذ لم يكن يُكذب عليه فلما ركب الناس الصعب الذلول تركنا الحديث عنه”(29) ومن الأمثلة التي أوردها الباحث في هذا المنفذ ما استكثرهُ الخليفة عمر بن الخطاب على أبي هريرة من كثرة رواياته مع قِصر الفترة التي عاشها مع النبي ، وكَذّب عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب مروياته عن رسول الله (30)، ويسحب السيد الحكيم هذا الجانب على العصر الحالي فيضرب لنا مثالاً من الواقع المعاصر ((عندما يسأل غير المتورع عن الفُتيا لا يعلمها فيُجبِن على إعلان جهله ثم يرسل جوابه إرسالاً لا تورّع فيه))(31)، ويعزز هذا المثال بالمشاهدة الحية من قبل السيد لأمثال هؤلاء من يجوبون القرى والبلدان فيسألون ويجيبون على حسب ما يخطر بأذهانهم وإن خالفَ فتوى من يسألون عن فتواه(32)، والسيد الحكيم هنا لا يضرب الكل ببعض هذا النفر من المبلغين والمرشدين، وإنما هو في محل المِثال والمشاهدَة للحوادث، دون المسَاس بمن لهم الدور الكبير عبر التاريخ في سدّ النقص وإصلاح النفس والورع في الدين لخدمة الآخرين(33).

  1. العامل العقائدي:

عرّفه السيد بقوله: “أن يعمد الواضع إلى الدّس والتشويه خدمة لمبادئه التي يؤمن بها وهو يعتقد أن خدمة مبادئه تبرر التجني والكذب على حساب التاريخ”(34) وصّور لنا السيد الحكيم  هذا العامل بالصراعات المختلفة بين المادية والروحية، بل بين أرباب المبادئ الواحدة أنفسهم كالمسيحية واليهودية والإسلام ثم بين مذاهب كل فرقة منها في الجانب الروحي(35)، على أن لعامل الصراع هذا طابعين:

أ- الصراع السافِر: وهو الذي يبدو في صور مختلفة من أمثلتها أصحاب الدعوة التبشيرية(36)، والنزاع العقيدي بين أرباب المذاهب الاجتماعية كالشيوعية والديمقراطية، والمستشرقين على اختلاف نزعاتهم ومبادئهم(37).

ب- الصراع المُقّنَع: وشبههم السيد الحكيم بالأرتال الخامسة أو الطابور الخامس(38)، التي تقوم بين الحين والآخر لتندس في صفوف خصومها وتتظاهر باعتناق مبادئهم ،ثم تعمل على إشاعة الخرافة بين صفوفهم وكأنها من حقائق تلك العقيدة؛ ليتسنى لدعاتهم الانقضاض عليها عند الحاجة من طريقها(39)، ومن الأمثلة التي تُطرح في هذا المقام ولا تُعد ،منها :ما يخص التاريخ الإسلامي، ففي صدر الإسلام وبعد كثرة الفتوحات واعتناق اليهود والمسيحيين للإسلام وما أدخلوا فيه من الخرافة والتشويه طبقاً لما في كتبهم ودسها في كتب الحديث والتفسير ليُعرف هذا فيما بعد بـ:دور الإسرائيليات(40)، وكان واضحاً ما شاع بين الزُهاد والقديسين في العصور الإسلامية الأولى، وما نُقل عن يحيى بن سعيد قوله في وصف ذلك: ((ما رأيتُ الصالحين في شيء أكذبُ منهم في الحديث))(41)، ويعللون فعلهم بالتقرب إلى الله وبحرص المدعي على مصلحة الدين، ولتكثر الموضوعات فيصف بعضهم وللمُبالغ قوله: ((كتبا عن الكذابين وسجرنا له التنور وأخرجنا به خبزاً ناضجاً))(42)، ومما ينقل عن البخاري قوله أحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح(43)، ومن صورة ما أتبعه أصحاب المذاهب لتدعيم مذهبه وما أُلف من كتب الفضائل ونقيضها من كتب المثالب في ذلك كثير(44)، وكان لأئمة أهل البيت دور في التصدي لهذا الإشكال في تحريف الحقائق، فقد وقف الإمام الصادق(ع)موقفاً عنيفاً من هؤلاء الوُضاع والغلاة ،أمثال موقفه من المغيرة بن سعيد؛ ولعنه لكذبه عليه وعلى آبائه ،ومن صورهِ – أي الكذب في الرواية – ما أدخله الصوفية من الرؤى والأطياف، ويتساءل هنا السيد الحكيم عن مخرج لهذه بقوله: ((ما أدري مدى اعتراف فرويد وجماعته من السيكولوجيين معه ؟))(46)، ويطرح لنا السيد  مجموعة من النماذج لهذا الوضع والدس الممزوج بالدين والتمذهب والتصوف المُدّعم بالرؤى(47) ،ومن خلال إشكاليات الباعث الشعوري وعوامله المتعددة ينطلق السيد  بوضع إصبعه على إحدى أسباب التشويه والتضعضع الذي أصاب التاريخ الإسلامي سواء باجتماع الأسباب أو بـ(انفراد العوامل)(48).

المبحث الثالث : العامل اللاشعوري

عّرفه السيد الحكيم بأنه: ((الباعث الذي يبعث ببعض المؤرخين على التشويه للحادثة بالتزيد أو التنقيص، لا عن قصد أو اختيار منه، وإنما يندفع إلى ذلك اندفاعاً تنبع عوامله من أعماقه دون أن يشعر بها، فتتلون الحادثة باللون الذي تريده هي لملائمة مواضع العقدة منها))(49)، وهذا العامل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية اللاشعورية للمؤرخ أو المحدث من دون الاندفاع الشعوري  بها، وحدد السيد لهذا العامل مسببين أساسيين هما :

1- عامل الزمن – وأراد به :عامل الكِبَر(السِن)،وما يصاحبه من ضعف الذاكرة وكثرة السهو والغفلة والنسيان(50).

2- تقادُم الزمن – في نقل الأحداث والوقائع والقصص وما تقتضيه طبيعة نقلها بين الرواة، من نقيصة وزيادة والتي قد تبعد مضمون الحادثة عن واقعها(51)، وهذا ما تعرض له التاريخ الإسلامي فعلاً، خاصة في عصر صدر الإسلام؛ لعدم تدوين الحديث حتى نهاية القرن الأول الهجري ثم ما انسحب على تاريخنا من آدم إلى الوقت الحاضر(52).

إن استقراء السيد الحكيم  للسببين المتقدمين  ومدى تأثيرهما على حالة التشويه الواقع على الحدث التاريخي نفسه، وبتشخيصه للعوامل المؤثرة في كلا العاملين – الشعوري , و اللاشعوري – أوصلهُ من خلالهما إلى مسببات (الإضطراب والتضعضع) التي يوصف بها التاريخ العام والإسلامي بالأخص، مع الوقوف على جهود العلماء ودورهم في تدوين الأحداث ووضع القواعد العامة لنا في كتب الرجال والرواة؛ لمعرفة الصحيح في فهم النصوص ودراسة الأحداث التاريخية، وما سلكه المحدثون في مناهجهم كدَليل على صدق دعواهم في بلوغ واقع التاريخ الصحيح(53).

الهوامش:

  • ظ: القرشي: السيد محمد تقي وجهوده العلمية، تناول فيه حياة السيد الحكيم H بالتفصيل ص13 – 32.
  • بحر العلوم: السيد محمد تقي نافذة النجف ذات الأبعاد الفكرية ص22.
  • ظ: م, ن ص22، الطريحي: تطور دراسات الحوزة العلمية في النجف الاشرف ص77.
  • ظ: م، ن ص22.
  • ظ: القرشي: السيد محمد تقي وجهوده العلمية ص12.
  • الحكيم: مناهج البحث التاريخي ص5.
  • م، ن ص5.
  • م، ن ص5.
  • التاريخ الإسلامي كيف نفهمه فهماً صحيحاً ص19.
  • م، ن ص21.
  • الحكيم: مناهج البحث في التاريخ ص5، الحكيم تأريخ التشريع ص11.
  • هذا المحور يتعلق بالمادة التاريخية المتوافرة بين يدي الباحث أو المؤرخ.
  • يحدد في هذا المحور المنهج العام الذي يتخذه الباحث في الوقائع التاريخي والروايات المتضاربة والذي يجب عليه أن يسلكه لقراءة تلك النصوص.
  • في هذا المحور يجمع بين المحوريين المتقدمين مع تخلص الباحث من تأثير المؤرخ النفسي عليه في إصدار حكمه على الوقائع التاريخية – القضية التاريخية –.
  • الحكيم: التاريخ الإسلامي كيف نفهمه ص19، وأراد بالفهم الصحيح دراسة التاريخ دراسة فعلية واقعية وفق الخطة التي أعدها المؤرخ في فكره.
  • الحكيم: مناهج البحث في التاريخ ص8، الحكيم: تأريخ التشريع ص13.
  • الحكيم: تأريخ التشريع ص13.
  • م، ن ص13 وما بعدها وقد ساق لذلك أمثلة كثيرة من واقع التاريخ الإسلامي.
  • م، ن ص19، وما بعدها.
  • م، ن ص17.
  • الحكيم: مناهج البحث ص16.
  • م، ن ص16.
  • م، ن ص16، نقلاً عن: أحمد أمين. فجر الإسلام ص261.
  • م، ن ص16، تاريخ التشريع ص21.
  • م، ن ص16- ص17.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص21.
  • م، ن ص21.
  • م، ن ص21.
  • م، ن ص21- ص22.
  • م، ن ص22 نقلاً عن سنن الدارمي 1/124، التمهيد ابن عبد البر 1/43.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص22 نقلاً عن الحسني: دراسات في الحديث والمحدثين ص95.
  • م، ن ص22.
  • الحكيم: مناهج البحث ص18، تاريخ التشريع ص23.
  • م، ن ص19، 23.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص23- ص24.
  • م، ن ص24، مناهج البحث ص19.
  • الحكيم: مناهج البحث ص20.
  • م، ن ص20، وما بعدها.
  • الحكيم: مناهج البحث ص25، تاريخ التشريع ص29.
  • الحكيم: مناهج البحث ص25، تاريخ التشريع ص25.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص25.
  • م، ن ص28.
  • الحكيم: مناهج البحث ص24.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص29 ،نقلاً عن القسطلاني : إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 1/33.
  • م، ن ص26.
  • م، ن ص26- 27 ،نقلاً عن: الأمين. الغدير 5/283، نقلاً عن: الخطيب البغدادي. تاريخ بغداد 1/366.
  • الحكيم: مناهج البحث ص22.
  • الحكيم: تاريخ التشريع ص29.
  • م، ن ص12، مناهج البحث ص6- 7.
  • م، ن ص13.
  • م، ن ص13.
  • م، ن 12.
  • م، ن ص12.

مصادر البحث ومراجعه:

* أحمد أمين

1- فجر الإسلام، لجنة التأليف، القاهرة، 1374هـ.

* الأمين: الشيخ عبد الحسين أحمد الأمين النجفي.

2- الغدير في الكتاب والسُنة، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف 1371هـ.

* بحر العلوم: السيد محمد بحر ا لعلوم (الدكتور).

3- السيد الحكيم نافذة النجف ذات الأبعاد الفكرية، يحث منشور ضمن كتاب (السيد محمد تقي الحكيم وحركته الإصلاحية في النجف) ، معهد الدراسات العربية، لندن 1424هـ.

* الحسني: هاشم معروف.

4- دراسات في الحديث والمحدثون، دار التعارف، بيروت ط2, 1398هـ.

* الحكيم: السيد محمد تقي الحكيم (ت1423هـ)

5- التاريخ الإسلامي كيف نفهمه فهماً صحيحاً، حوار منشور في مجلة النجف السنة (2)، العدد (22) لسنة 1968م.

6- تاريخ التشريع الإسلامي، معهد الدراسات العربية والإسلامية، لندن 1418هـ.

7- مناهج البحث في التاريخ، ط1، 1398هـ-1978م.

* الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي (ت:463هـ).

8- تاريخ بغداد أو (مدينة السلام)، دار الكتاب العربي، بيروت.

* الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (ت: 255هـ).

9- سنن الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، فواز أحمد.

* الطريحي: محمد جواد.

10- السيد محمد تقي الحكيم وحركته الإصلاحية في النجف الاشرف، بحث منشور ضمن كتاب: (السيد محمد تقي الحكيم وحركته الإصلاحية) ،معهد الدراسات العربية، لندن، 1424هـ.

* القريشي: صالح جبار عبود.

11- السيد محمد تقي الحكيم وجهوده العلمية، رسالة ماجستير، كلية الفقه/النجف الاشرف، 2006م.

* القسطلاني: أحمد بن محمد.

12- إرشاد الساري لشرح صحيح  البخاري، المطبعة الميرية، القاهرة، 1304هـ.

* القشيري: مسلم بن الحجاج (ت:261 هـ).

13- صحيح مسلم (الجامع الصحيح), بيروت.

Abstract

Sayid Al-Hakeem sets his critical view to the Historical text after astudy for the causes of turmoil and instability of the correct history in their writings which rests upon the binarity ( I and you – the people corner ) .

This novel depends on the historian who reports the events ( I ) and the people who create the events  ( you ) without negligence of the novelist or the historian for the importance of the people in order to get rid of the influence of the ruler or the an thority in their conveption of the events according to their will they should be free and write the events with their shiny image without distinction between the past and the present.

Here , the writer specify the will of the historian in the light of the new things of time development in order to cope the events so as to be conveyed to the people correctly and acceptably , this is because the responsibility of constructing the next generation is theirs after the reader has a great awareness of refusing but correct principles.