الدراسة وتاريخها في النجف بقلم الراحل  الدكتور السيد السيد محمد بحر العلوم

 

 

تمهيد

«أنا مدينة العلم وعلي بابها»

«الحديث الشريف»

تشرفت النجف بمرقد مثال العلم والمعرفة الإمام أمير المؤمنين علي(ع) الإنسان الذي قال فيه رسول الله(ص) الحديث الشريف: «أنا مدينة العلم، وعلي بابها».

وكان الحري بهذه المدينة المقدسة أن تصبح بعد زمان محطاً لأنظار العالم الإسلامي يهاجر إليها المئات من طلاب الفضيثلة للتفقه، والاشتغال العلمي، وتتوجه إليها نفوس الملايين من المسلمين في أقطار العالم الإسلامي كافة، ينظرون إليها بعين ملؤها التعظيم، والإجلال، والتقديس، وتكون يوماً ما مقراً للافتاء، والتقليد، ومركزاً للمرجعية الكبرى التي تدير شؤون الشيعة في العالم الإسلامي.

وبرزت النجف الأشرف على مسرح التاريخ كجامعة علمية دينية لها جذورها القديمة، ولها تراثها الأصيل الخاص، والذي يمثل الفقه والأصول، وإن لم تعدم جوانب المعرفة الأخرى، والثقافة العامة، وخاصة الأدب العربي فلقد أسهمت فيه هذه المدينة إسهاماً كبيراً يتجلى ذلك في الكتب الكثيرة التي أصدرتها في ميدان النثر والشعر.

وحتى أصبحت النجف الأشرف بثروتها الأدبية مصدراً ثراً في دنيا الأدب يفرض نفسه على التراث الأدبي الأصيل بكل فخر واعتزاز.

ومن أجل أن نصل إلى تحديد تاريخي للبنة الأولى لحياة هذه الجامعة العلمية، لا بد أن نستعرض تاريخ هذه المدينة المقدسة العلمي، لننتهي إلى ما نصبو إليه.

النجف قبل الشيخ الطوسي

يدور سؤال على الشفاه: ماذا كانت النجف الأشرف قبل هجرة الشيخ الطوسي إليها من الناحية العلمية؟

ويبدو هنا اتجاهان:

أحدهما: يذهب إلى وجود حركة علمية في هذه المدينة المقدسة.

وثانيهما: أن النجف كانت قاحلة علمياً، وعند هجرة الشيخ الطوسي إليها أوجد فيها حركة علمية.

وعند استعراضنا لمثبتات الذاهبين إلى القول بوجود حركة علمية قبل الشيخ الطوسي نراها تتلخص بما يلي:

1 ـ أورد السيد ابن طاووس (1) ـ وهو من المختصين بتاريخ النجف ـ بأن عضد الدولة (1) زار المشهد العلوي الطاهر عام 371هـ، وتصدق، وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان نصيب الفقراء والفقهاء ثلاثة آلاف درهم (1).

2 ـ صدور إجازات علمية من النجف الأشرف قبل ورود الشيخ الطوسي إليها.

منها: «ما نقلته المصادر بأن من مشائخ الشيخ الصدوق (1)، محمد بن علي بن الفضل الكوفي (1)، سمع منه سنة 354هـ، عند وروده إلى الكوفة وهو في طريقه إلى الحج، وكان سماعه بمشهد أمير المؤمنين» (1).

ومنها: ما ذكره النجاشي (1) في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة أبي عبدالله البوشنجي ما نصه:

«كان عراقياً مضطرب المذهب، وكان ثقة فيما يرويه، له كتاب (عمل السلطان) أجازنا بروايته أبو عبدالله (الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف) بابن الخمري الشيخ الصالح بمشهد مولانا أمير المؤمنين(ع) سنة أربعمائة» (1).

3 ـ ورد ذكر لبعض البيوت العلمية التي لمعت في النجف في القرن الرابع الخامس كآل شهريار (1)، وآل الطحال (1)، وغيرهما. وقد جمعت هذه البيوت بين الفضيلة وخدمة الروضة الحيدرية.

4 ـ النقابة في النجف: (وهذا المركز أقرب إلى الروحي من غيره، ولقد ذكرت الكتب المختصة أن عدداً من الأعلام تولوا نقابة المشهد. منهم السيد شريف الدين محمد المعروف بابن السدة (1)، أقام في النجف عام 308هـ، حتى توفي فيه، وكذلك ناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمد بن الحسين (1)، وقد تولى نقابة المشهدين العلوي والحسيني) بالإضافة إلى الكوفة أشهراً.

5 ـ علماء نسبوا إلى النجف قبل عهد الشيخ الطوسي. منهم:

أ ـ أحمد بن عبدالله الغروي، يروي عن أبان بن عثمان من أصحاب الإمام الصادق(ع) (1).

ب ـ شرف الدين بن علي النجفي، وصفه الشيخ الطوسي بقوله: «كان صالحاً فاضلاً» (1).

جـ  عبدالله بن أحمد بن شهريار، أبو طاهر: كان معاصراً للشيخ المفيد، يروي عنه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، والنجاشي في كتاب الإمامة (1).

د ـ أحمد بن شهريار، أبو نصر الخازن للحضرة الغروية، كان من رجال العلم وحملة الحديث، معاصراً للشيخ الطوسي (1).

وغير هؤلاء كثيرون لو حاولنا تتبع تراجمهم.

6 ـ وذهب البعض بأن الشاعر الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج (1) أراد بهذا البيت:

وقل سلام من الله السلام على  أهل السلام؛ وأهل العلم والشرف  الإشارة لأهل العلم الساكنين في النجف الأشرف، والمجاورين لقبر الإمام علي(ع) (1) وذلك عند زيارته للنجف في أواخر القرن الرابع الهجري، وأنشد قصيدته المشهورة:

يا صاحب القبة البيضا على النجف  من زار قبرك واستشفى لديك شفي  هذه هي أهم مقومات الذاهبين إلى القول بأن الهيئة العلمية في النجف كانت قبل هجرة الشيخ الطوسي.

ومن هذه المقومات انسابت الأفكار في التحديد التاريخي لتأسيس الجامعة النجفية، وتكاد تنحصر في اتجاهين:

الأول: أنها تأسست على يد الشيخ المفيد (1) ـ أستاذ الشيخ الطوسي ـ وذلك عندما انتقل إليها من بغداد، أو (عند نفيه منها على حد تعبير بعض المترجمين) من قبل السلطة المسؤولة، وذلك بسبب ما حصل هناك من الاختلافات والثورات الطائفية، فاختار الشيخ النجف الأشرف.

ويرى البعض أن انتقال الشيخ المفيد إلى النجف كان برغبة من البويهيين الذين يؤيدون المذهب الشيعي، ولقد حدثتنا المصادر: بأن في أيام عضد الدولة نشطت الحركة العلمية في بغداد وغيرها، وكان نصيب النجف الأشرف كبيراً، فقد كان يرغب في تأسيس حركة مناهضة للحركة العلمية في بغداد، بدافع العقيدة، ولذا أخذ يبذل الأموال الطائلة في تشييد مرقد الإمام علي(ع)، والاهتمام بالعلماء الذين فيها (1).

ونقلت المصادر: بأن عضد الدولة كان يحترم الشيخ المفيد إلى حد كان يحمله على زيارته في داره (1). ولعل هذا الاحترام للشيخ، والاتصال الأكيد به من قبل الوزير عضد الدولة هو الذي دفع بأصحاب هذا الاحتمال إلى نسبة تأسيس الجامعة النجفية إلى الشيخ المفيد (1).

وهذا الرأي، وهو نسبة تأسيس الجامعة النجفية إلى الشيخ المفيد، يبقى مفتقراً إلى الدعم التاريخي، فالذي نقرأه في ثنايا التاريخ لم يشعرنا من قريب أو بعيد بأن الشيخ المفيد انتقل إلى النجف كمهاجر إليها سواء بمحض اختياره، أو بطلب من عضد الدولة، أو بنفي من قبل الدولة.

والقول الأخير خاصة ـ وهو موضوع النفي ـ بعيد كل البعد، لأن الشيخ المفيد عاش في عهد البويهيين، محترماً كل الاحترام، ومقدراً كل التقدير. ولقد نقلت لنا الروايات بأن «يوم وفاته كان مشهوراً، وشيعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة» (1).

أما في حياته فقد كانت ملوك الأطراف تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان، وكان يحضر مجلسه خلق عظيم من العلماء من جميع الطوائف والملل» (1).

وقال اليافعي: «وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية» (1).

وإذا كان الأمر بهذه المثابة من الاحترام والتقدير فكيف تحتمل أن الشيخ المفيد نفي من بغداد؟ بالإضافة إلى أننا لم نعثر على مصدر تاريخي يدعم هذا القول، ولهذا فليس بالإمكان أخذه بنظر الاعتبار.

الثاني: أن تأسيس الجامعة ينتهي إلى أبعد من هذا. فهناك من يعتقد أن النجف في واقعها امتداد إلى معهد الكوفة العلمي، والذي شيد أركانه الإمام علي(ع)، وبلغ أوجه في عهد الإمام الصادق(ع).

فلقد اعتبرت مدرسته من أبرز المدارس العلمية في الكوفة، وكان رواة أبي عبدالله(ع) أربعة آلاف أو يزيدون (1).

يقول الحسن الوشاء (1): «إني أدركت في هذا المسج ـ ويعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد(ع)» (1).

وكان في طليعة أولئك الذين أخذوا عنه العلم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت (1)، ومالك بن أنس (1)، وسفيان الثوري (1)، وأيوب السجستاني (1)، ومحمد بن إسحاق بن يسار (1)، ـ صاحب المغازي والسير ـ، وإبان بن تغلب (1)، وزرارة بن أعين (1)، والمفضل بن عمر (1)، وهشام بن الحكم (1)، وجابر الجعفي (1)،………….. وجابر بن حيان (1)، وغيرهم (1).

ولما كانت الكوفة مركزاً كبيراً لتلامذة أهل البيت(ع)، فلا بد لهم أن يتخذوا من مرقد الإمام، وهو العتبة المقدسة مقراً لهم، خاصة عندما تبدلت ظروف الكوفة. فلقد تفرق على أثرها علماء الكوفة، وانتقل بعضهم إلى بغداد، وانتقل البعض الآخر إلى النجف الأشرف متخذاً من جوار هذا المرقد الطاهر مركزاً له للعبادة، والتحصيل العلمي.

وهذا الرأي الذاهب إلى القول بأن الجامعة النجفية امتداد إلى مدرسة الكوفة مستبعد لأمرين:

الأول: أن مرقد الإمام علي(ع) لم ينكشف أمره إلا في عهد هارون الرشيد ـ الخليفة العباسي ـ في حدود سنة 170هـ، وجاء في بعض المصادر؛ وبعد سنة 180هـ جاوره الناس (1). وهناك رواية تقول: إن داود بن علي العباسي (1) المتوفى عام 133هـ اكتشف قبر الإمام، وعمل له صندوقاً، وعندما وقف العباسيون ضد العلويين هجر القبر الشريف، وعفي أثر ذلك الصندوق، وانطمس رسمه، حتى جاء عصر الرشيد فأظهره.

وفي هذه الحالة، لم يظهر لنا من ثنايا التاريخ بأن النجف قد سكنت من قبل أحد، اللهم إلا أن ندعي بأن النجف والكوفة واحدة، وهذا ما يكذبه الوجدان، فليس ـ على ما نعتقد ـ من يوحد بين هذين البلدين.

الثاني: أن هذا الافتراض بأن النجف ضمت بعض الأعلام بعد انتقالهم من الكوفة يبقى محتاجاً إلى دليل يدعمه، ولا دليل لدينا لذلك.

***

بعد هذا كله: فإنّا لا نستطيع أن نخفي كل هذا، كما لا نقبل كل ذاك، وإنما المرجح أن نذهب إلى حد وسط، وهو أن النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي في عام 449هـ كانت فيها جذور علمية، وتضم بعض رجالات الفضل والعلم، اتخذوا من النجف الأشرف بعد ظهور القبر فيه مقراً لهم.

ويدعم رأينا هذا شيخنا أغابزرك الطهراني إذ يقول: إنني أذهب إلى القول بأن النجف كانت مأوى للعلماء، ونادياً للمعارف، قبل هجرة الشيخ إليها وأن هذا الموضع المقدس أصبح ملجأ للشيعة منذ أنشئت فيه العمارة الأولى على مرقد الإمام أمير المؤمنين(ع)، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الأمويين والعباسيين، ولم يستطيعوا بث علومهم، ورواياتهم كان الفقهاء والمحدثون لا يتجاهرون بشيء مما عندهم، وكانوا متبددين حتى عصر الشيخ الطوسي، وإلى أيامه، وبعد هجرته، انتظم الوضع الدراسي، وتشكلت الحلقات، كما لا يخفى على من راجع (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته» (1).

وكذلك يرى الدكتور مصطفى جواد: بأن في النجف إعلاماً بثوا العلم قبل الشيخ الطوسي، ويصعب التصديق، بأن الشيخ أول من جعل النجف مركزاً علمياً» (1).

وكيفما كان فوجود بعض الإعلام لم ينهض دليلاً على حركة علمية في النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي.

من هو الطوسي؟

هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي. ـ نسبة إلى طوس من مدن خراسان ـ المعروف بشيخ الطائفة. من رجالات العلم وجهابذته المبرزين.

ولقد في طوس في شهر رمضان عام 385هـ، وهاجر إلى العراق، وحط رحله ببغداد عام 408، وهو في الثالثة والعشرين من عمره.

وكان الأستاذ المبرز، والشيخ المطلق للشيعة يومذاك محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، كما عرف ببعض المصادر (بابن المعلم).

وعند وصول الشيخ الطوسي إلى بغداد لازم الشيخ المفيد، وتلمذ عليه، وبقي معه حتى سنة 413، حيث لبّى علم الطائفة الشيخ المفيد نداء ربه، فانتقلت الزعامة المطلقة إلى أجل تلامذته علم الهدى الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (1)، وبطبيعة الاستمرارية لازم الشيخ الطوسي أستاذه علم الهدى السيد المرتضى، واستفاد من علمه وملازمته. وكان موضع عناية واهتمام كبير لدى أستاذه الشريف بحيث تميز عن سائر تلامذته، وبقي ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة.

قال السيد علي خان (1): «وكان (السيد المرتضى) يدرس في علوم كثيرة ويجري على تلامذته رزقاً، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر ديناراً، وللقاضي ابن البراج (1) كل شهر ثمانية نانير» (1).

وفي عام 436هـ استجاب السيد المعظم إلى دعوة ربه، وعند ذاك كان المرشح الوحيد لمركز الزعامة الدينية الشيخ الطوسي، فأصبح علماً للشيعة، وكانت داره في كرخ بغداد مأوى الأمة، يقصدونها للاستفادة من هذا الزعيم العلمي الكبير. والتف حوله عدد كبير من أهل الفضل والعلم للتلمذة عليه، والانتهال من نمير فضله، حتى حددت المصادر بأن عدد تلاميذه بلغ ثلاثمائة مجتهد من أعلام الشيعة، ومن أهل السنة ما لا يحصى كثرة (1).

وباتساع أفق هذه الشخصية العلمية، وما بلغ به من العظمة والمنزلة جعل له القائم بأمر الله العباسي (1)، كرسياً للكلام، والإفادة.

وهذا التقدير من الخليفة العباسي يومذاك كان له كبير الأهمية، إذ لم يسمح به إلا لمن بلغ في العلم مرتبة سامية يتميز بها على أقرانه، ولم يكن في بغداد في عهده من يفوقه قدراً، ويعلوه مكانة، ويفضل عليه علماً. لذا كان هو المتعين لهذا الشرف (1).

ولعلنا في سبيل الاستشهاد على عظمة الشيخ نذكر نصين بعكسان لنا مدى ما يتمتع به من المكانة والمنزلة عند الأمة.

1 ـ قال ابن تغري بردى (1): «أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية الرافضة وعالمهم، وهو صاحب التفسير الكبير، وهو عشرون مجلداً، وله تصانيف أخر. مات بمشهد علي… كان رافضياً، قوي التشيع» (1).

2 ـ وقال الدكتور محمود محمد الخضيري: «… رجل واحد يقال له (الشيخ الطوسي) مع أن مدينة (طوس) التي ينتسب إليها لا تعتمد في شهرتها ومجدها على غيره ـ على كثرة من أنبجت على طول تأريخها المديد ـ من مشاهير الرجال، في عالم العلوم والآداب والسياسة والحرب، ووفرة من ينتسب إليها قبل الشيخ وبعده من الشيوخ والعلماء ذلك لأنه ـ في الحقيقة ـ رجل فذ بين علماء الإسلام، رفعته مؤلفاته الكثيرة العدد وجهوده العلمية المثمرة إلى مرتبة عالية ممتازة، لا ينافسه فيها أحد، فاستحق بذلك أن يمنحه مواطنوه هذا اللقب تشريفاً له بين جميع من ينتسبون إلى مدينتهم ـ ذات المجد التليد ـ واستحق الشيخ عند الشيعة لقباً آخر يزيد عن اللقب الأول في مغزاه، ويعبر بفصاحة ـ لا مثيل لها ـ عن جميل تقديرهم إياه، ويعيّن منزلته بين جميع الطائفة الاثني عشرية، وذلك إذ يلقبونه (شيخ الطائفة)، وإذا أطلق أحد هذين اللقبين أو كلاهما على شخص لم ينصرف ذهن العارفين إلى شخص سواه…» (1).

هذان النصان القديم والحديث يمكن أن نعرف منهما المنزلة الرفيعة التي يتمتع بها شيخنا العظيم عند المسلمين.

لقد بلغت منزلة الشيخ في بغداد أوجها بين علماء العصر من جميع الطوائف وبلغ قبول أهل السنة له أن اعتبره بعض مؤرخيهم من أعلام السنة على نحو ما فعل السبكي (1)، إذ عده من علماء الشافعية فقال:

«… أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة، ومصنفهم، كان ينتمي إلى المذهب الشافعي…» (1).

وحذا حذو السبكي الحاج خليفة (1)، فقد نقل في كتابه (كشف الظنون) (1) عبارة السبكي.

وهذه النسبة إذ أبعدنا السبكي عن الاشتباه والغلط فما نفسرها إلا بمدى المكانة التي يتمتع بها الشيخ الطوسي في نفوس الإعلام من المسلمين، حتى ذهب الظن بالبعض أنه شافعي، أو معتزلي، أو أي شيء آخر.

والحقيقة التي لا غبار فيها أن الشيخ من أركان المذهب الجعفري، وأنه حاز الثقة التامة من طبقات الشيعة جمعاء في رواية الحديث وتحليله (1).

العاصفة الطائفية وتأثيرها على الشيخ:

وما كادت السنة 449هـ تشرف على الانتهاء، حتى هبت عاصفة هوجاء خطيرة المغزى، عميقة الجذور، هددت بغداد بالفناء. تلك هي حوادث الطائفية الرعناء الدامية.

ولم تكن هذه العاصفة وليدة تلك الأيام وإنما بلغت ذروتها في هذا العهد، وخاصة عندما قطعت الخطبة للقائم العباسي ببغداد، وخطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد والعراق كله، فكتب القائم بأمر الله إلى طغرلبك السلجوقي (1) في الباطن يستنهضه إلى المسير إلى العراق، وكان بنواحي خراسان، فدخلها سنة 447هـ (1). وتقوض حكم البويهيين بدخوله، وتوليه الحكم من قبل القائم العباسي.

فمنذ وروده إلى بغداد أخذ يشن حملة شعواء على الشيعة، ويقسو عليهم وقد عزّ على هذا السفاح الأهوج أن يزدهر المذهب الجعفري، وينتشر فقرر أن يعمل جاداً في بعث التفرقة الطائفية بين المسلمين، أو في الحقيقة يؤجج لهيبها من جديد، فالمصادر التاريخية تؤكد وقوع الحوادث الدامية بين الشيعة والسنة، وقد استمرت من عام 441هـ إلى دخول طغرلبك 447هـ فهي مثلاً بين شدة وضعف.

حتى إذا بلغت سنة 448هـ قال ابن تغري بردى «وفيها أقيم الأذان» في مشهد موسى بن جعفر. ومساجد الكرخ بـ«الصلاة خير من النوم» على رغم أنف الشيعة وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من «حي على خير العمل» (1).

واشتد هذا الجو المتأزم بالطائفية على مرور الأيام، وانقلب إلى حوادث دامية، فقد ذكر لنا ابن الجوزي (1) صورة من هذه الحوادث في سنة 448هـ فيقول:

«وفي هذه السنة أقيم الأذان في المشهد بمقابر قريش، ومشهد العقبة ومساجد الكرخ بـ«الصلاة خير من النوم» وأزيل ما كانوا يستعملونه في الأذان «حي على خير العمل» ودخل إلى الكرخ (وهو معقل الشيعة) منشدو أهل السنة من باب البصرة فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدم رئيس الرؤساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبدالله الجلاب (شيخ البزازين) بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض فقتل وصلب على باب دكانه» (1).

وإذاً فالفتنة الطائفية بلغت ذروتها، ولم يسلم منها كل شيعي سكن بغداد وكان نصيب الشيخ الطوسي منها كبيراً باعتباره الشخصية الشيعية الأولى، وعلمهم المبرز، فقد «كبست دار أبي جعفر الطوسي (ويصفه ابن الجوزي) بـ(متكلم الشيعة). بالكرخ. وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وأضيف إليه ثلاث سناجق بيض ـ وهو اللواء ـ، كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم، إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأحرق الجميع. وهرب أبو جعفر الطوسي، ونهبت داره…» (1).

أما ابن حجر العسقلاني (1): فيوضح السبب الذي دعا إلى هذا الهجوم المعاكس على شيخ الطائفة بعد أن كان معززاً مكرماً، بحيث يبلغ الأمر به أن تحرق كتبه، وتنهب داره، ويحدث ما حدث، ويقول: «قال ابن النجار (1): أحرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، واستتر هو خوفاً على نفسه، بسبب ما يظهر من (انتقاص السلف)…» (1).

ولعلنا وضعنا أصابعنا على الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث الدامية من خلال ما عرضناه من نصوص تاريخية توضح لنا معالم المشكلة، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين. بفعل تلك الطائفية الرعناء، والتعصب المخزي الأعمى الفظيع.

الشيخ الطوسي يهاجر إلى النجف:

ومن جراء هذه الحوادث المؤلمة، والخطر المحدق، اختار الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ النجف مقراً له، ومركزاً لحركته العلمية.

فالنجف الأشرف تمتعت بميزات خاصة فُضلت على بقية المدن العراقية، فهي تضم مرقد أمام العلم والفضيلة، أمير المؤمنين(ع)، وفيها تربة قابلة للنمو العلمي وذلك لوجود بعض الإعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد من اتخاذ النجف مركزاً لهم.

بالإضافة إلى أن النجف تتكىء على الكوفة، وهذه المدينة علويَّة في ذاتها وهي وإن وقفت في فترة ضد آل البيت(ع)، إلا أنها عادت إلى رشدها بعد زمان، وأصبحت موئلاً للشيعة، ومركزاً للتوابين، ومنطلقاً للثورات العلوية.

وإذا كان هذا الجانب متوفراً في مدينة الإمام علي(ع)، فلا بد أن يكون هو المفضل لدى الشيخ الجليل، الذي اضطرته المشاكل الطائفية، وحوادثها الدامية إلى أن يصمم على ترك بغداد.

وانتقل إلى النجف الأشرف عام 449هـ. وحط رحله فيها، ومن الطبيعي أن يظهر دور جديد في حياته العلمية. خاصة إذا لاحظنا أنه عند هجرته إلى مدينة النجف قد انصرف عن كثير من المشاغل، وانصرافه انصرافاً كاملاً إلى البحث الأمر الذي ساعده كل المساعدة على إنجاز دوره العلمي العظيم، الذي ارتفع به إلى مستوى المؤسسين (1).

ودبت في النجف حركة علمية نشيطة بفضل شيخنا الرائد، وتوطدت أركانها بمرور الزمن، حتى برزت مظاهر الحياة العلمية المرتبة واضحة للعيان. وأصبحت الجامعة تضم عدداً من طلاب المعرفة لا يستهان بهم، وأخذت تتكاثر يوماً بعد يوم.

بين حوزتين علميتين:

ولقد ذكرت كتب الرجال أن تلامذة الشيخ الطوسي بلغوا من الشيعة فقط ثلاثمائة. أما من السنة فلا يحصى (1).

وهذا العدد الذي تكاد المصادر تجمع عليه نراها عند تعداد أسمائهم لا تصل بهم إلى أكثر من ستة وثلاثين اسماً.

ولا بد أن نتساءل عن هذا العدد من الطلاب والمحصلين، هل هم من أركان حوزته العلمية في بغداد، وقد انتقلوا معه إلى النجف، أو أنهم نشأوا في النجف، ونمت الحوزة بهم على عهده بالتدريج، بحيث برز فيها العنصر المشهدي ـ نسبة إلى المشهد العلوي ـ (1).

ورجحت بعض المصادر الأصولية: أن الشيخ عند هجرته إلى النجف انفصل عن حوزته التي أسسها ببغداد، وأنشأ في مهجره النجف حوزة جديدة. وتستند في دعواها إلى عدة مبررات. نلخصها بما يلي:

أولاً: أن مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لم يشيروا إطلاقاً إلى أنّ تلامذة الشيخ في بغداد رافقوه، أو التحقوا به فور هجرته إلى النجف.

ثانياً: أن قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد أنهم لم يشيروا إلى مكان التلمذة إلا بالنسبة إلى شخصين جاء النص على أنهما تلمذا على الشيخ في النجف، وهما الحسين بن المظفر بن علي الحمداني (1)، والحسن ابن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي (1).

ثالثاً: ومما يعزز احتمال حداثة الحوزة الدور الذي أداه ابن الشيخ المعروف بأبي علي (1)، فقد تزعم الحوزة بعد أبيه. ومن المظنون أنه كان في دور الطفولة أو أوائل الشباب حين هجرة والده، ذلك لانعدام تأريخ ولادته، ووفاته، ولكن الثابت تاريخياً أنه كان حياً في سنة 515هـ، أي أنه عاش بعد هجرة الشيخ قرابة سبعين عاماً، ويذكر عن تحصيله أنه كان شريكاً في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمي، الذي أرجح كونه من الطبقة المتأخرة، كما يقال عنه أن أباه أجازه سنة 455هـ، أي قبل وفاته بخمسين سنة، وهو يتفق مع حداثة تحصيله.

فإذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس والزعامة العلمية للحوزة في النجف، بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في أغلب الظن استطعنا أن نقدر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة، ويتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكون.

والصورة التي تكتمل لدينا على هذا الأساس هي: أن الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد، وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم (1).

وإذا عدنا فألقينا نظرة على هذا النص الذي يذكره المؤرخون بأن تلامذة الشيخ من الشيعة بلغوا ثلاثمائة، ومن السنة ما لا يحصى كثرة، فمن المؤسف جداً أن هذا العدد الكبير من التلاميذ لم يصل لنا من أسمائهم إلا ما يربو على الثلاثين وأن الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي (1) والمتوفى بعد عصر الشيخ بقليل، لم يستطع الوقوف على أسمائهم، فلم يذكر منهم في كتابه الفهرست، المطبوع في آخر البحار إلا ستة وعشرين اسماً، وزاد عليهم العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم (1) في (الفوائد الرجالية) أربعة. فتمت عدتهم 30، وهؤلاء معروفون ذكرتهم مقدمات كتب الشيخ المطبوعة.

وأضاف شيخنا أغابزرك الطهراني لهذا الثبت أسماء ستة، فأصبح العدد ستة وثلاثين، وقال بعد ذلك: «وهؤلاء ستة وثلاثون عالماً من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين».

وإن كنا لا نستطيع القطع بأن هذه المجموعة من التلاميذ تمثل بحق الحوزة النجفية أو البغدادية.

ولا شك أن الحوزة العلمية التي أسسها الشيخ الطوسي في النجف الأشرف كانت فتحاً كبيراً، وفي الوقت نفسه كانت نواة للجامعة العلمية التي عاشت الأجيال.

ولكنها في الوقت نفسه لم تتمكن أن ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي، وذلك لحداثة هذه الحوزة. وإن كانت هذه الهجرة إلى النجف قد هيأت له الفرصة للقيام بدوره العلمي العظيم لما أتاحت له من تفرغ تام لهذه الناحية المهمة.

وكان لا بد لهذه الحوزة الفتية أن يمر عليها زمان حتى تصل إلى مستوى من التفاعل العلمي والنضج الفكري لقبول أفكار الشيخ وآرائه العلمية، وتواكب إبداعه بوعي وتفتح (1).

ومن هذا التاريخ تدخل النجف المرحلة العلمية المنتظمة، وتستمر بين شدة وضعف، فتقطع أشواطاً بعيدة في مسيرتها الجامعية، وهي تسجل لمؤسسها دور القيادة والزعامة بكل تقدير وإكبار.

أدوار الجامعة النجفية

خلال مسيرتها العلمية

في خلال هذه المسيرة الطويلة ـ والتي تكاد تدق أبواب الألف عام ـ تمر هذه الجامعة بأدوار يمكننا أن نحصرها بثلاثة أدوار مهمة نعرضها بإيجاز.

 

الدور الأول لجامعة النجف

ويبدأ هذا الدور بانتقال الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ إلى النجف، حيث وجد في هذه التربة الطيبة قابلية تامة للغرس والاستثمار، فأسس هيئة علمية منظمة ذات حلقات، ونظمنا خاصة من حيث التدريس، وقد ظهر أثر ذلك في كتابه المسمى (أمالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته (1).

وكان من ألمع ما يذكر في هذا الصدد تنسيقه للدراسة العلمية في أقسامها الثلاثة: الفقه، والحديث، والأصول. فقد وضع في هذه العلوم مؤلفات كانت موضع اهتمام الإعلام المبرزين من الفقهاء والأصوليين.

ففي نطاق الفقه كان كتاب (المبسوط) (1) يمثل مدى «التطور العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الذي يوازي التطور الأصولي على صعيد النظريات».

وكانت «مساهمة الشيخ في الأصول ـ مثلاً ـ مجرد استمرار للخط وإنما كانت تعبر عن تطور جديد كجزء من تطور شامل في التفكير الفقهي العلمي له. أتيح لهذا الفقيه الرائد أن يحققه. فكان كتاب (العدة) (1) تعبيراً عن الجانب الأصولي من التطور» (1).

وإلى جانب هذين العملين، قام الشيخ الطوسي بعمل مهم وعلى مستوى واسع النطاق في جمع الأحاديث المنقولة عن أئمة أهل البيت(ع)، وذلك بـ«دمج المجاميع الصغيرة في موسوعات كبيرة، فما انتهى ذلك حتى حصل الفكر العلمي الأمامي على مصادر أربعة موسعة للحديث» (1).

وكان نصيب الشيخ الطوسي من هذه الأصول أصلين كبيرين هما: كتاب (التهذيب)، وكتاب (الاستبصار) في ثلاثة مجلدات (1).

ولم يكن هذا كل تراث الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ فإلى جانب التراث الأصولي والفقهي الضخم خلف تراثاً رائعاً في التفسير، فقد وضع (التبيان) (1) في عشرة مجلدات، وكان هذا النتاج الكبير يعرب عن مستوى واسع وعميق كما يدل على إحاطة وشمول في آفاق المعرفة. وقد كانت الحاجة ملحة هذا الجانب لافتقار المكتبة الإمامية إليه، ولذا اعتبر ظهور هذه الموسوعة التفسيرية إلى حيز الإمكان فتحاً كبيراً.

وفي علم الرجال، وتحقيق درجاتهم العلمية، وجمع الشتات عنهم وتميز طبقاتهم من عهد الرسول الأعظم(ص) إلى ما بعد عهد الأئمة(ع) وضع كتاب الرجال) (1). وقد سد هذا الكتاب فراغاً في مجال الجرح والتعديل وتميز طبقات الإعلام والمحدثين، وأصبح مصدراً أولاً للمشتغلين في هذا الحقل.

وفي ذكر أصحاب الكتب والأصول، خلف للمكتبة الإسلامية كتابه (الفهرست) (1) وهو يحتوي على تسعمائة اسم من أسماء المصنفين وهو ـ في الحقيقة ـ من الآثار الثمينة الخالدة، وقد أصبح موضع اعتماد علماء الإمامية وغيرهم في هذا المضمار، لأنه ضبط لتاريخ العلوم عند الشيعة حتى تاريخ تأليفه.

وإلى هذا الصف العلمي أضاف في مجموعة مؤلفاته القيمة ما كتبه في أصول العقائد، ومعرفة الله تعالى، وصفاته، وتوحيده، وعدله، والنبوة، والإمامة وكل ما يعود الإخلال به بالضرر على ما حصل له من المعرفة. مثل كتاب (الاقتصاد) (1) في أصول العقائد، وكتاب (تلخيص الشافي) (1) و(المفصح في الإمامة) (1) وكتاب (الغيبة) (1) في إمامة الحجة المهدي محمد بن الحسن العسكري(ع).

بالإضافة إلى المؤلفات الأخرى، وفي مواضيع مختلفة، كلها تدل على اطلاع شيخنا الرائد في آفاق المعرفة، ولقد أحصتها بعض المصادر فبلغت 47 مؤلفاً في جوانب متعددة (1).

وإذا اعتبر الشيخ الطوسي ـ رحمه الله ـ في مجموع مؤلفاته المتنوعة موسوعياً، فهو من جانب آخر يعتبر مختصاً بالفقه والأصول. ولم يكن تصنيفه في الفقه المتمثل في كتابه (المبسوط) ثم، في الحديث (التهذيب والاستبصار)، ثم في الفقه المقارن ككتاب (الخلاف) (1) إلى غيرها من مؤلفاته الفقهية، إلا مثلاً للتطور العظيم الذي نهجه الشيخ في بحثه الفقهي.

ولقد عرض في بحوثه الفقهية منهج الفقهاء من الشيعة القدماء الذين مثلوا المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، وهو ما يمكن أن نطلق عليها بمنهج الأخباريين، الذين يجمدون على أخذ الأحكام من الأحاديث، والروايات، واتباع النصوص، وانصرافهم عن التفريع، والتوسع في التطبيق، كما في كتابي (التهذيب والاستبصار).

كما عرض منهج الفقهاء الشيعة الأصوليين الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع، وذلك في كتاب ـ (المبسوط).

والحقيقة أن «الفارق الكيفي بين اتجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطور الجديد واتجاهاته قبل ذلك يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حداً فاصلاً بين عصرين من عصور العلم، بين العصر العلمي التمهيدي، والعصر العلمي الكامل. فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدّاً للعصر التمهيدي، وبدأ به عصر العلم الذي أصبح فيه الفقه والأصول علماً له دقته، وصناعته، وذهنيته العلمية الخاصة» (1).

وبعذ هذا فقد استمر شيخنا الرائد في جهاده العلمي، والعمل الدائب في تنظيم الوضع الدراسي، حتى خطا على عهده الشريف خطوات سريعة بحيث أصبحت الحوزة العلمية الفتية في النجف تربو على المئات من رواد الفضيلة والعلم، والطلبة الناشئين، والمؤلفة ـ على حد رأي بعض المصادر (1) ـ من أولاده، وبعض أصحابه، ومجاوري القبر الشريف، وأبناء البلاد القريبة منها كالحلة ونحوها، ونمت الحوزة على عهده بالتدريج، وبرز فيها العنصر المشهدي ـ نسبة إلى المشهد العلوي ـ والعنصر الحلي، وتسرب التيار العلمي منها إلى الحلة.

بعض الشيخ الطوسي:

وفي عام 461هـ لبى الشيخ الطوسي ـ باني مجد الجامعة النجفية ـ نداء ربه، وقد منيت الجامعة بخسارة كبيرة، ولكن نموها العلمي لم يقف بوفاة الرائد الكبير بل تحدثنا المصادر: بأن ولده الحسن بن محمد بن الحسن المعروف بأبي علي الطوسي قام بدور كبير في إدارة دفة الجامعة، وزعامة حوزتها.

وكان أبو علي من أبرز تلامذة والده شيخ الطائفة، وأكثر قابلية من سائر تلامذة الشيخ لتحمل أعباء المسؤولية لإدارة شؤون الجامعة، واستمرار الحركة العلمية فيها زماناً ليس بالقصير، وهي تؤدي عملها العلمي بصورة امتدادية للشيخ الرائد.

وقد وصفته المصادر بعبارات الأجلال والتكريم، مما تدل على مكانته الكبيرة في الجامعة النجفية، فمثلاً يقول ابن حجر: «ثم صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي رضي الله عنه، وهو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة، وكان متديناً، كافاً عن السب» (1).

وتحدث عنه الشيخ أغابزرك فقال: «وقد خلف أباه على العلم والعمل وتقدم على العلماء في النجف، وكانت الرحلة إليه والمعول عليه في التدريس والفتيا، وإلقاء الحديث وغير ذلك، وكان من مشاهير رجال العلم، وكبار رواة الحديث، وثقاتهم، وقد بلغ من علو الشأن، وسمو المكانة أن لقب بـ«المفيد الثاني» (1).

وإلى جانب ما أفاد من والده شيخ الطائفة من الناحية العلمية كذلك عدّ من مشائخه: أبو الحسن محمد بن الحسين المعروف بابن الصقال. وحمزة أبو يعلى سلار بن عبدالعزيز، وغيرهم.

كما أنه كان شريكاً في الدرس مع الشيخ أبي الوفاء عبدالجبار بن عبدالله بن علي الرازي، والشيخ أبي محمد الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، والشيخ أبي عبدالله محمد بن هبة الله الوراق الطرابلسي، عند قراءة كتاب «التبيان» على والده الشيخ الطوسي.

وقد تخرج عليه كثير من حملة العلم والحديث من الفريقين، وحاز المرجعية عند الطائفتين، لذلك كثرت الروايات عنه، وانتهت الطرق إليه، وقد ذكر مترجموه كثيراً من تلامذته، فقد ذكر الشيخ منتجب الدين بن بابويه أربعة عشر رجلاً، وأضاف الشيخ أغابزرك الطهراني ستة عشر شخصاً، كما ذكر ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ثلاثة أشخاص من العامة، فيكون المجموع أربعة وثلاثين شخصاً (1).

وفي طليعة هذه المجموعة:

1 ـ علي بن شهرآشوب المازندراني السروي، والد صاحب (المناقب) و(المعالم).

2 ـ الشيخ الفقيه الصالح أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن محمد بن علي بن طحال المقدادي.

3 ـ المؤلف الفقيه الثقة عماد الدين محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري الأملي الكحي.

4 ـ الشيخ الفاضل أبو طالب حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن.

5 ـ أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان).

6 ـ الشيخ محمد بن منصور الحلي الشهير بابن أدريس، قال في (الرياض): على المشهور من أن ابن أدريس يروي عن أبي علي هذا تارة بلا واسطة، وتارة مع الواسطة.

7 ـ أبو علي محمد بن الفضل الطبرسي.

والذين ذكرهم ابن حجر العسقلاني هم:

8 ـ أبو الفضل بن عطاف.

9 ـ محمد بن محمد النسفي.

10 ـ هبة الله السقطي.

ولم يكن ذكر هؤلاء من بين المجموعة الكبيرة من تلامذة أبي علي الطوسي إلا لغرض إعطاء نماذج عن المستوى الفكري لطلاب هذه الشخصية.

وقد ترك أثراً قيماً علمياً هو (شرح النهاية) وهو شرح لكتاب والده النهاية في الفقه.

وتوفي الشيخ أبو علي بعد سنة 515هـ، فقد كان حياً في هذا التاريخ كما يظهر في مواضع من أسانيد كتاب (بشارة المصطفى).

وما إن انتقل الشيخ أبو علي إلى رحمة ربه، حتى تقدم ولده أبو نصر محمد بن أبي علي الحسن بن أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. إلى تزعم الجامعة النجفية، وكان أهلاً لهذا التزعم. فقد نقل عنه الشيخ أغابزرك الطهراني قائلاً: «كان الشيخ أبو نصر محمد من أعاظم العلماء، وأكابر الفقهاء، وأفاضل الحجج وإثبات الرواة وثقاتهم، فقد قام مقام والده في النجف، وانتقلت إليه الرياسة والمرجعية، وتقاطر عليه طلاب العلم من شتى النواحي» (1).

وقال ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة: 540 «.. وفيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن أبي علي بن أبي جعفر الطوسي، شيخ الشيعة، وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق، وحملوا إليه، وكان ورعاً عالماً كثير الزهد، وأثنى عليه السمعاني، وقال العماد الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه» (1).

ثم في هذه الفترة قام الإعلام من أسرة آل الخازن في دعم الجامعة النجفية، حتى انتهى الدور إلى الموفق الخازن، علي بن حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار، ووصفته المصادر بأنه «أشهر خزنة الحرم العلوي، ضم إلى سدانة الحرم السبق في العلوم الدينية وكانت الرحلة إليه سنة 572 حين كثر أهل العلم، ورواد الحديث، وكان المعول عليه في إدارة رحى العلم بعد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي ـ قدس سره ـ وهو العاقد لحلقات الحديث والمتكفل بإلقائه، وكان عالماً فاضلاً وكان من رجال القرن السادس» (1).

واستمرت الجامعة النجفية في حركتها العلمية من بعد الشيخ الرائد شيخ الطائفة حتى أطل عهد ابن أدريس، وقد موج الحركة العلمية في الحلة ونشطت إلى حد كبير.

وكان عهد هذا المجدد إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة، وقد تكاملت عناصر هذا الانتقال في أوائل القرن السابع الهجري.

بين الطوسي وابن أدريس

ومحمد بن أحمد بن أدريس الحلي، من مشائخ الفقهاء في الحلة، وسبط الشيخ الطوسي، توفي سنة 598هـ.

وصفه ابن داود (1): «بأنه شيخ الفقهاء بالحلة متقناً في العلوم» (1). كما وصفه الحر العاملي (1): «وقد أثنى عليه علماؤنا المتأخرون، واعتمدوا على كتابه، وعلى ما رواه في آخره من كتب المتقدمين وأصولهم» (1).

وقالت بعض المصادر: «… وكان فقيهاً أصولياً بحتاً، ومجتهداً صرفاً، وهو أول من فتح باب الطعن على الشيخ (الطوسي)، وإلا فكل من كان في عصر الشيخ أو من بعده، إنما كان يحذو حذوه غالباً إلى أن انتهت النوبة إليه» (1).

وهذه الفقرة تلقي لنا ضوءاً على ما قام به هذا الشيخ المجدد بالنسبة لآراء الشيخ الطوسي وأفكاره، التي كادت تسيطر على الجامعة العلمية في النجف طيلة مائة عام أو أكثر، وتعيقها عن التجديد، والتفاعل الفكري.

فإننا نجد بعض المصادر ترى أن المائة عام التي عاشتها الحوزة العلمية بعد الشيخ المؤسس، وإلى حد ما كان عامل التقليد فيها واضحاً جلياً ومن جراء ذلك تحملت الجامعة أعباء الوراثة العلمية، وفي خلالها كانت هالة من التقديس والاحترام تحوط آراء وأفكار الشيخ الطوسي الرائد. بحيث كان من الصعب على أحد أن ينالها بالاعتراض والنقاش، أو يخضعها للتمحيص والتدقيق. وحتى إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به (1).

وقد وضح الحمصي (1) ـ وهو ممن عاصر تلك الفترة ـ هذه الحقيقة بقوله: «ولم يبق للإمامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك» (1).

والحقيقة أننا على رغم ما نجده في بعض المصادر بأن الفترة التي تلت وفاة الشيخ الطوسي من أنشط العهود بالنسبة للحركة العلمية في الجامعة النجفية، وأن الوضع الدراسي قد بلغ أوجه وشدة عنفوانه في عصر أبي علي الطوسي، وولده أبي نصر، وابن شهريار.

ولكن في الوقت نفسه لم تتمكن المصادر من إعطائنا صورة واضحة من ملامح هذه الفترة بما يتعلق بازدهار الحركة الفكرية في الجامعة النجفية، وتكاد تكون مظلمة، والركود العلمي فيها أقرب إلى الواقع من غيره.

بالإضافة إلى أن المصادر تحجم عن ذكر وضعية الحركة العلمية في النجف بعد ابن شهريار الخازن، وفي نفس الوقت نرى نجم ابن أدريس قد لمع في الحلة وبرز بعنف على مسرح النقد لآراء الشيخ الرائد، وكان هذا البروز الدفعي الجريء قد حول الأنظار إلى الحركة العلمية التي تدور رحاها في الحلة، وحتى تكاملت عناصر الانتقال في عهد المحقق الحلي (1)، وذلك في أوائل القرن السابع.

«وهذه الحقيقة بالرغم من تأكيد جملة من علمائنا لها تدعو إلى التساؤل والاستغراب، لأن الحركة الثورية التي قام بها الشيخ في دنيا الفقه والأصول، والمنجزات العظيمة التي حققها في هذه المجالات كان من المفروض والمترقب أن تكون قوة دافعة للعلم، وأن تفتح لمن يخلف الشيخ من العلماء آفاقاً رحيبة للإبداع والتجديد ومواصلة السير في الطريق الذي بدأه الشيخ. فكيف ولم تأخذ أفكاره وتجديداته مفعولها الطبيعي في الدفع والإغراء بمواصلة السير!» (1).

وتشير بعض المصادر الأصولية إلى عدة أسباب من المحتمل أن تفسر الموقف، نلخصها بما يلي:

1 ـ أن الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الأساسية وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، وتفرغ في مهجره للبحث وتنمية العلم، وكان من الطبيعي أن لا ترقى الحوزة العلمية إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي لحداثتها، ولهذا لم يتسرب الإبداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيداً عنها، ولكي يتحقق ذلك التفاعل الفكري الخلاق كان لا بد أن يشتد ساعد الحوزة الفتية حتى تصل إلى المستوى من التفاعل من الناحية العلمية فسادت فترة ركود ظاهري بانتظار بلوغ الحوزة الفتية إلى ذلك المستوى.

2 ـ أسند جماعة من العلماء ذلك الركود إلى ما حظي به الشيخ من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، وجعل من آرائه ونظرياته شيئاً مقدساً لا يمكن أن ينال باعتراض، أو يخضع لتمحيص.

وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنَّا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين(ع) شهد فيها الإمام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهاية»!! وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري الروحي للشيخ في أعماق نفوسهم.

3 ـ والسبب الأخير يمكن أن يستنتج من حقيقتين تاريخيتين:

إحداهما: أن نمو الفكر العلمي والأصولي لدى الشيعة لم يكن منفصلاً عن العوامل الخارجية التي كانت تساعد على تنمية الفكر والبحث العلمي، ومن تلك العوامل عامل الفكر السني، لأن البحث الأصولي في النطاق السني، ونمو هذا البحث وفقاً لأصول المذهب السني كان حافزاً باستمرار للمفكرين من فقهاء الإمامية لدراسة تلك البحوث في الإطار الإمامي، ووضع النظريات التي تتفق معه في كل ما يثيره البحث السني من مسائل ومشاكل، والاعتراض على الحلول المقترحة لها من قبل الآخرين.

ثانيتهما: أن التفكير الأصولي السني كان قد بدأ ينضب في القرن الخامس والسادس ويستنفد قدرته على التجديد، ويتجه إلى التقليد والاجترار حتى أدى ذلك إلى سد باب الاجتهاد رسمياً.

وإذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين، وعرفنا أن التفكير الأصولي السني الذي يشكل عامل إثارة للتفكير الأصولي الشيعي، كان قد أخذ بالانكماش، ومني بالعقم، استطعنا أن نستنتج بأن التفكير العلمي لدى فقهائنا الإمامية قد فقد أحد المثيرات المحركة له. الأمر الذي يمكن أن نعتبره عاملاً مساعداً في توقف النمو العلمي» (1).

وكيفما كان فإن ابن أدريس فتح باب النقاش على مصراعيه، وحمل بكل ما أوتي من مقدرة علمية على آراء جده لأمه الشيخ الطوسي وبكل عنف. وكان ذلك سبباً لحملة شديدة عليه من قبل بعض الإعلام أمثال العلامة الحلي (1) الذي وصمه بأنه شاب مترف عفى الله عنه. ونقده غيره نقداً لاذعاً، كما رمي بقلة الأدب.

ومع هذا فإن الحملات القاسية التي شنها ابن أدريس على آراء الشيخ الرائد «كانت بداية خروج الفكر العلمي عن دور التوقف النسبي على يد هذا الفقيه المبدع، إذ بث في الفكر العلمي روحاً جديدة، وكان كتابه الفقهي «السرائر» (1) إيذاناً ببلوغ الفكر العلمي في مدرسة الشيخ إلى مستوى التفاعل مع أفكار الشيخ ونقدها وتمحيصها».

من النجف إلى الحلة:

ولكن بوادر النشاط العلمي، أو التفتح الذهني للتفاعل مع آراء الشيخ بدت تبرز بأجلى مظاهرها في أوائل القرن السابع الهجري، وخاصة على مسرح التفكير الحلي، والذي عبر عن اتساع كبير في الذهنية العلمية التي يتمتع بها الحليون في تلك الفترة، ويمكن أن تكون طليعتها متجلية في الشيخ ابن أدريس، ثم المحقق الحلي، ثم العلامة الحلي. وأمثالهم الكثيرين ممن حملوا راية العلم في الحلة، وأسسوا لها مجداً شامخاً.

وإذا كان عهد ابن أدريس إيذاناً بانتقال الحركة العلمية إلى الحلة، ففي عهد المحقق الحلي انتقل المركز العلمي إلى الحلة تماماً، وأصبح مجلس المحقق ـ كما تحدده بعض المصادر ـ يضم قرابة أربعمائة مجتهد (1).

واستمر التأجج العلمي ينير آفاق مدينة ابن أدريس طوال قرون ثلاثة، ودام حتى أواخر القرن العاشر الهجري، فقد عادت المركزية العلمية إلى النجف، وبقيت في الحلة حركة علمية بسيطة مفتقرة إلى شيء من الدفع والتوسع.

وفي خلال هذه المدة ضمت الحلة بيوتات كبيرة علمية، وإعلاماً فذة عرفوا بالفضيلة والاجتهاد، أمثال: آل أدريس، وآل شيخ ورَام، وآل فهد، وآل طاووس وآل نما، وبني سعيد، وبني المطير، وبني معية وغيرهم من البيوتات العلمية (1).

ويعترضنا هنا سؤال وهو:

ـ عند انتقال المركز العلمي من النجف إلى الحلة، ففي خلال هذه الفترة هل بقيت النجف خالية من حركة علمية، وقاحلة من إعلام فضلاء؟

والجواب: أن ثمة حركة علمية بقيت فيها. ودليلنا على ذلك:

1 ـ أن الفاضل الرضي الاسترآبادي (1) ألف كتابه شرح الكافية في هذه الفترة في النجف حينما أشار هو في كتابه المذكور بأنه من بركات الحضرة العلوية المقدسة وذلك عام 683هـ (1).

2 ـ تحدث ابن بطوطة (1) ـ ضمن زيارته للنجف خلال عام 727هـ  عن مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة ـ على حد تعبيره (1).

3 ـ في هذه الفترة بنيت مدارس ثلاث لطلاب العلم والمهاجرين في النجف.

الأولى: بناها السلطان محمد خدابنده، أو ابنه أبو سعيد (1). في القرن الثامن.

الثانية: بناها المقداد السيوري (1) في القرن التاسع.

الثالثة: بناها الشيخ ملا عبدالله (1) في القرن العاشر.

ولو كانت النجف خالية من حركة علمية في هذه الفترة، لما شيدت فيها هذه المدارس العلمية.

كما أن المصادر الرجالية: تؤكد على وجود طبقة من الإعلام في النجف ضمن فترة الانتقال. نعرض عن ذكرهم لضيق المقام.

وإن هؤلاء تعهدوا الجامعة النجفية في خلال هذه الفترة في إدارة دفنها وإن كانت الزعامة العلمية كانت قد انتقلت إلى الحلة.

وفي صدد تحديد الأسباب التي دعت إلى انتقال الحركة العلمية وزعامتها إلى الحلة، ذكرت بعض المصادر ما يلي:

1 ـ لما أصاب طلاب العلم وعلماءها من الأذى لقلة المياه في النجف.

2 ـ هجوم الأعراب المتكرر على النجف، حيث ذاق النجفيون آنذاك الأمرين من هؤلاء الأعراب.

3 ـ غلاء النجف.

4 ـ انتقال زعيم الحركة العلمية العلامة الشيخ ابن أدريس صاحب السرائر إلى الحلة، لأنه كان حلياً» (1).

إن هذه الأسباب قد تكون وجيهة من جهة، ولكنها من جهة أخرى قد يعوزها الدليل فمثلاً لم يتأكد لدينا أن ابن أدريس كان من طلاب الجامعة النجفية، ثم انتقل إلى الحلة بعدها، والظاهر أن ثقافته العلمية حلية صرفة. نعم ذكرت المصادر أنه روى عن أبي علي الطوسي، أو ولده أبي نصر، وأن جده لأمه الشيخ الطوسي، لكن المصادر لم تذكر لنا أنه تلمذ في المدرسة النجفية.

ولم نقتنع بأن الأسباب التي دعت إلى انتقال الحوزة العلمية هي هذه النقاط التي تقدمت، إنما الذي يصلح للاعتقاد هو أن الحلة نبغ فيها ابن أدريس وأضرابه، وكانت من قبله تدار فيها حركة علمية، وعند ظهور ابن أدريس موج الحركة ووجه الأنظار إليه بحملاته القاسية على شيخ الطائفة الطوسي، والمشتغلون يتبعون المبرزَ في عصره وقد حقق ابن أدريس هذه التبعية بنبوغه ولهذا أثر على حركة الجامعة النجفية وإن لم يشلها تماماً.

الدور الثاني للجامعة النجفية

ويمكن أن يكون النصف الأخير من القرن العاشر الهجري هو العهد الذي استعادت فيه النجف مركزها العلمي، بعد أن فازت الحلة بزعامة المركز العلمي مدة ثلاثة قرون.

ولقد حددت بعض المصادر زمن عودة الحياة العلمية بعهد المقدس الأردبيلي (1)، يقول السيد حسن الصدر في هذا الصدد: «ثم عادت الرحلة إلى النجف في زمن المقدس الأردبيلي، فقوي ذلك، واشتد الناس إليه من أطراف البلاد، وصارت من أعظم مراكز العلم» (1).

ونقلت بعض المصادر: أن السبب في عودة الهيئة العلمية إلى النجف «إن سحبت المياه إليها، واهتم بإيصالها كثير من السلاطين والعلماء وغيرهم. فقد قام الصاحب عطاء الملك بن محمد الجويني سنة 676هـ (1) بحفر نهر التاجية (1) ثم جاء بعده الشاه إسماعيل الأول (1) إلى النجف فأمر بحفر نهر الشاه سنة 914هـ، وتلاه الشاه طهماسب الصفوي (1)، فأمر بحفر الطهماسية (1) نسبة إليه سنة 980هـ، ثم حفر الشاه عباس عند وفوده إلى النجف نهر المكرية (1) سنة 1032هـ. هذا بالإضافة إلى الاحتياطات التي عملت «كبناء الأسوار» لتقليل أثر الأعراب التخريبي، وإلى ما قامت به الحكومة من الأعمال لغرض تقليل ذلك، أو إبادته، وكان هذا الانتقال في بحر القرن التاسع بعد أن لبثت في الحلة ما يقارب ثلاثة قرون» (1).

وليس من البعيد أن يكون عامل توفير المياه والأمن في النجف سبباً لعودة الحياة العلمية في الجامعة النجفية بعد أن رحلت عنها ثلاثة قرون.

ولكن الذي يخال لنا هو أن الدوافع الرئيسية لبعث الحياة الفكرية أو تنشيطها في هذه الجامعة يعود إلى عامل سياسي وطائفي دفع إلى بعث الحركة العلمية في النجف.

ذلك أن السلطة الجلائرية، والإيلخانية ـ والتي حكمنا بغداد زماناً ليس بالقصير ـ كانتا على قصد في إحياء الحركة العلمية في الجامعة النجفية وجعلها قوة دفاعية للشيعة، ومركزاً مهماً يقابل بغداد.

ففي بغداد حركة علمية سنية تدار من قبل السلطة الحاكمة حينذاك في العهد العباسي، ذات عروق وإصثالة، والسلطتان المتقدمتا الذكر هما القوة المقابلة للخلافة، كما كان الأمر في عهد البويهيين.

ولهذا كان لهاتين السلطتين أثر في دعم جامعة النجف، واهتمامهم بها كمصدر للأشعاع العلمي المعبر عن علم أهل البيت(ع).

وذهبت بعض المصادر إلى أن المدة التي عاشتها الجامعة النجفية في دورها الثاني هو من عام 750 ـ 1150هـ. غير أن الدلائل تشير إلى أن العهد بدأ في عهد المقدس الأردبيلي) الذي هو في القرن العاشر. وحتى نهاية القرن الثاني عشر حيث انتقلت إلى كربلا ـ كما سيمر علينا ـ.

المظاهر العلمية لهذا العهد:

أما المظاهر العلمية لهذا العهد فتتلخص بما يلي:

أولاً: استمرار النمو العلمي في مجالاته: الفقهي والأصولي:

ففي البحث الفقهي تمثل بكتاب «مدارك الأحكام» (1) للسيد محمد بن علي الموسوي (1) وقد جاء هذا الكتاب في شرح شرائع الإسلام في ثلاث مجلدات فرغ منه سنة 998هـ، وهو من أحسن الكتب الاستدلالية.

وفي البحث الأصولي تمثل بكتاب «المعالم» الذي وضعه جمال الدين الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني (1)، وقد وصفته الكتب المختصة: «بأنه «مثل المستوى العالي لعلم الأصول في عصره بتعبير سهل، وتنظيم جديد، الأمر الذي جعل لهذا الكتاب شأناً كبيراً في عالم البحوث الأصولية، وحتى أصبح كتاباً دراسياً في هذا العلم تناوله المعلقون بالتعليق والتوضيح والنقد» (1). وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في إيران.

وأهم تلك التعاليق على المعالم هو كتاب «هدايةُ المسترشدين» للشيخ محمد تقي الأصفهاني الذي بحث كتاب المعالم في مؤلف يعادله بأكثر من عشر مرات.

وأصبح هذان الكتابان من الكتب الدراسية في الجامعة النجفية، ولم تكن حصيلة هذا الدر هذين الكتابين في مجال البحث الفقهي والأصولي فحسب. فهناك عدد كبير من الكتب التي وضعت في هذين المجالين لا يتسع المقام لذكرها.

ثانياً: وفي هذا الدور برز نشاط فكري عميق، ونتاج علمي قيم نذكر منه:

في المنطق ـ ألف الملا عبدالله النجفي كتاباً اسمه «الحاشية» وأصبح من الكتب الدراسية في الجامعة في علم المنطق. وقد طبع الكتاب عدة طبعات.

في فقه القرآن والحديث ـ ألف الشيخ فخر الدين الطريحي (1) كتاباً اسمه «مجمع البحرين» وقد طبع عدة طبعات في إيران.

في آيات الأحكام ـ ألف الشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري (1) كتاباً اسمه «آيات الأحكام» طبع في إيران.

في التفسير ـ ألف الشيخ أبو الحسن الفتوني العاملي النجفي (1) كتاباً اسمه «مرآة الأنوار» طبع في إيران.

وفي العقائد والإمامة ـ ألف الشيخ المتقدم الذكر كتاباً أسماه (ضياء العالمين) يقع في ثلاثة أجزاء ضخام لم يكتب أوسع منه في هذا البحث. توجد نسخة بخطه الكريم في مكتبة آل الجواهري، لا زال مخطوطاً.

في علم الرال ـ ألف الشيخ حسن بن العباس بن الشيخ محمد علي البلاغي (1) كتاباً اسمه «تنقيح المقال في علم الرجال» (1).

بالإضافة إلى كثير من الكتب الأدبية. وهذه الثروة الفكرية المتنوعة كان لها أكبر الأثر في بلورة الذهنية في الجامعة النجفية في هذا الدور.

الحركة الأخبارية ومظاهرها:

ثالثاً: الحركة الأخبارية:

ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر على يد المرحوم الميرزا محمد أمين الأسترآبادي (1)، واستفحل أمر هذه الحركة بعده، وبخاصة في أواخر القرن الحادي عشر، وخلال القرن الثاني عشر الهجري.

وكان أثر هذه الحركة «أن صدمت علم الأصول، وعارضت نموه، وعرضته لحملة قوية» جمدته زماناً، وإن لم يتوقف نهائياً، وكان على الجامعة النجفية باعتبارها المركز العلمي العام للشيعة أن تتلقى هذه الصدمة بكل صبر.

ولا بد أن نتساءل عن طبيعة هذه الحركة وبواعثها:

وبالرغم من أن المحدث الأسترآبادي كان هو رائد الحركة الأخبارية فقد حاول أن يرجع بتاريخ هذه الحركة إلى عصر الأئمة وأن يثبت لها جذوراً عميقة في تاريخ الفقه الإمامي لكي تكتسب طابعاً من الشرعية والاحترام. فهو يقول: إن الاتجاه الأخباري كان هو الاتجاه السائد بين فقهاء الإمامية إلى عصر الكليني والصدوق وغيرهما. من ممثلي هذا الاتجاه، ولم يتزعزع هذا الاتجاه إلا في أواخر القرن الرابع وبعده حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الأخباري، ويعتمدون على العقل في استنباطهم ويربطون البحث الفقهي بعلم الأصول تأثراً بالطريقة السنية في الاستنباط ثم أخذ هذا الانحراف بالتوسع والانتشار.

إن البواعث النفسية التي دفعت الأخباريين وعلى رأسهم المحدث الأسترآبادي إلى مقاومة علم الأصول ساعدت على نجاح هذه المقاومة نذكر منها ما يلي:

1 ـ عدم استيعاب ذهنية الأخباريين لفكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، فقد جعلهم ذلك يتخيلون أن ربط الاستنباط بالعناصر المشتركة والقواعد الأصولية يؤدي إلى الابتعاد عن النصوص الشرعية والتقليل من أهميتها.

2 ـ سبق السنة تاريخياً إلى البحث الأصولي، والتصنيف الموسع فيه، فقد أكسب هذا علم الأصول إطاراً سنياً في نظر هؤلاء الثائرين عليه، فأخذوا ينظرون إليه بوصفه نتاجاً للمذهب السني.

3 ـ ومما أكد في ذهن هؤلاء الإطار السني لعلم الأصول أن ابن الجنيد ـ وهو من رواد الاجتهاد، وواضعي بذور علم الأصول في الفقه الإمامي ـ كان يتفق مع أكثر المذاهب الفقهية السنية في القول بالقياس.

4 ـ وساعد على إيمان الأخباريين بالإطار السني لعلم الأصول تسرب اصطلاحات من البحث الأصولي السني إلى الأصوليين الإماميين وقبولهم بها بعد تطويرها، وإعطائها المدلول الذي يتفق مع وجهة النظر الإمامية. ومثال ذلك كلمة «الاجتهاد» إذ أخذها علماؤنا الإماميون من الفقه السني وطوروا منعناها، فتراءى للأخباريين الذين لم يدركوا التحول الجوهري في مدلول المصطلح إن علم الأصول عند أصحابنا يتبنى نفس الاتجاهات العامة في الفكر العلمي السني، ولهذا شجبوا الاجتهاد، وعارضوا في جوازه المحققين من أصحابه.

5 ـ وكان الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول مثيراً آخر للأخباريين على هذا العلم نتيجة لاتجاههم ضد الأخذ بالعقل.

6 ـ ولعل أنجح الأساليب التي اتخذها المحدث الأسترآبادي وأصحابه لإثارة الرأي العام الشيعي ضد علم الأصول هو استغلال حداثة علم الأصول لضربه، فهو علم لم ينشأ في النطاق الإمامي إلا بعد الغيبة، وهذا يعني أن أصحاب الأئمة وفقهاء مدرستهم مضوا بدون علم أصول، ولم يكونوا بحاجة إليه. وما دام فقهاء تلامذة الأئمة ـ من قبيل زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، ومحمد بن أبي عمير، ويونس بن عبدالرحمن وغيرهم ـ كانوا في غنى عن علم الأصول في فقهم، فلا ضرورة للتورط فيما لم يتورطوا فيه، ولا معنى للقول بتوقف الاستنباط والفقه على علم الأصول (1).

وإذا كانت البواعث للحملات التي شنها الأخباريون قد أوجزت هنا بما تقدم، فما هي طبيعة الحركة الأخبارية؟

فالأخبارية تقول بمنع الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وتعمل بالأخبار الواردة عن النبي(ص) وعن أهل بيته، وترى أن ما في كتب الأخبار المعروفة الأربعة (1) عند الشيعة قطعي السند، أو موثوق بصدوره، فلا حاجة إلى البحث عن سندها، كما ترى عدم الحاجة إلى تعلم أصول الفقه، وتسقط من أدلته دليل الإجماع، ودليل العقل، وتقتصر على القرآن، والخبر، فلذلك عرفت بالأخبارية أو الأخباريين، وترى جواز تقليد الفقيه الميت ابتداءً خلافاً للأصولية، وغيرها من الفوارق الثابتة بينهما.

ولقد حصرت بعض المصادر الفروق بين الأصوليين والأخباريين في أربعين فرقاً، وقالت مصادر أخرى: أن المهم منها تسعة وعشرون، وأن البقية ترجع إليها وهي: أن الأصوليين يقولون:

1 ـ إن المجتهدين يوجبون الاجتهاد عيناً أو تخييراً، والأخباريون يحرمونه ويوجبون الأخذ بالرواية عن المعصوم(ع).

2 ـ يقول الأصوليون أن الأدلة عندنا أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل، والأخباريون لا يقولون إلا بالأولين، بل بعضهم يقتصر على الثاني.

3 ـ إنهم يجوزون العمل بالظنون في نفس الحكم الشرعي، والأخباريون لا يعولون إلا على العلم إلا أن العلم عندهم قطعي واقعي، وعادي أصلي وهو ما وصل عن المعصوم(ع) ثابتاً، ولم يجز فيه الخطأ عادة.

4 ـ إنهم ينوعون الأحاديث إلى الأربعة المشهورة، والأخباريون إلى صحيح وضعيف.

5 ـ إنهم يفسرون الأربعة بما ذكروه، والأخباريون يفسرون الصحيح بالمحفوف بالقرائن التي توجب العلم بالصدور عن المعصوم(ع)، والضعيف بما عدا ذلك.

6 ـ إنهم يحصرون الرعية حينئذٍ في صنفين: مجتهد، ومقلد، والأخباريون يقولون الرعية كلها مقلدة للمعصوم(ع)، ولا يجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح صريح.

7 ـ إنهم يوجبون تحصيل الاجتهاد في زمان غيبة الإمام(ع) والأخذ عن المعصوم(ع) في زمن حضوره، والأخباريون يوجبون الأخذ عنه مطلقاً وإن كان بالواسطة.

8 ـ إنهم لا يجوزون لأحدٍ الفتيا ولا سائر الأمور الحسبية إلا مع الاجتهاد، والأخباريون يجوزونها للرواة عن المعصومين(ع) المطلعين على أحكامهم.

9 ـ إنهم يقولون: أن المجتهد المطلق عالم بجميع أحكام الدين بالملكة، والأخباريون يقولون: لا عالم بجميع أحكام الله إلا المعصوم(ع).

10 ـ إنهم يشترطون في درجة الاستنباط علوماً شتى أهمها عندهم علم أصول الفقه، والأخباريون لا يشترطون إلا المعرفة باصطلاحات أهل بيت العصمة(ع) مع معرفة كون الخبر غير معارض بمثله، ولا يجوزون الرجوع إلى الأصول المأخوذة عن كتب العامة.

11 ـ إنهم يعملون في مقام الترجيح بين الأخبار المتعارضة بكل ما أوجب الظن الاجتهادي، والأخباريون لا يعملون إلا بالمرجحات المنصوصة عن الأئمة(ع).

12 ـ إنهم يعملون بجميع ظواهر الألفاظ المظنونة الدالة عندهم من الكتاب والسنة، وبالعمومات والاطلاقات المستفادة منهما بحكم المظنة مثل عموم «أوفوا بالعقود» وقوله(ص): «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وأمثال ذلك فيجعلونها قواعد كلية يرجعون إليها في موارد الشكوك. والأخباريون لا يعملون إلا بما هو مقطوع الدلالة عندهم من الآيات المحكمة، والأحاديث الصريحة غير المشتبهة حالها وإن كانت من جملة العمومات.

13 ـ أن الغالب منهم يقولون بقاعدة التسامح في أدلة السنن والكراهة والأخباريون لا يفرقون بين الأحكام الخمسة.

14 ـ أن أغلبهم لا يجوزون تقليد الميت، ولكن الأخباريين يجوزونه.

15 ـ إنهم يجوزون الأخذ بظاهر الكتاب، بل يرجحونه على ظاهر الخبر والأخباريون لا يجوزون الأخذ إلا بما ورد تفسيره عنهم(ع).

16 ـ إنهم يعتقدون بكون المجتهد مثاباً وإن أخطأ، والأخباريون يقولون: بل هو مأثوم مطلقاً إذا حكم في شيء بغير خبر صحيح صريح.

17 ـ إنهم يعملون بأصالة الإباحة أو البراءة فيما لا نص فيه، والأخباريون يأخذون بطريقة الاحتياط.

18 ـ إنهم لا يجوزون أخذ العقائد من القرآن وأخبار الآحاد بخلاف الأحكام الفرعية. والأخباريون يقولون بعكس ذلك.

19 ـ إنهم يجوزون الاختلاف في الأحكام الاجتهادية. ولا يخطئون من يقول بخلاف الواقع في المسائل الفرعية، والأخباريون لا يجوزون ذلك ويفسقون من قال بالخلاف، وإن وافق اعتقاده بمقتضى اجتهاده.

20 ـ إنهم لا يجوزون الرجوع إلى غير المعصوم(ع) فيما خفي نصه والأخباريون يجوزون طلب الحديث ولو من عامي.

21 ـ إنهم لا يجوزون المصير إلى القول الشاذ الذي لا قائل به، وإن كان عليه دليل واضح، والأخباريون يتبعون الدليل دون القائل.

22 ـ إنهم لا يطلقون الثقة إلا على الإمامي العادل الضابط، والأخباريون يكتفون في الوثاقة بالمأمونية من الكذب.

23 ـ إنهم يقولون بوجوب إطاعة المجتهد مثل الإمام(ع)، والأخباريون لا يوجبونها.

24 ـ إنهم يرجحون الدليل بأصالة البراءة، بخلاف الأخباريين.

25 ـ إن أكثرهم يجوزون العمل بالإجماع المنقول ولو كان في كلمات المتأخرين من الفقهاء بل ومن غيرهم إذا كان موثقاً. بخلاف الأخباريين.

26 ـ إنهم لا يلتفتون في الإجماع المحقق إلى مخالفة معلوم النسب، والأخباريون لا يفرقون بين معلوم النسب ومجهوله ويقولون بعدم تحقق مثل ذلك فالاتفاق الذي نقطع بدخول قول المعصوم(ع) فيه، فلا حجية للإجماع عندهم مطلقاً.

27 ـ إنهم لا يعتقدون بصحة الكتب الأربعة: (الكافي، ومن لا يحضره الفقيه والاستبصار والتهذيب) لأن فيها الصحيح والموثق والحسن، والضعيف. بخلاف الأخباريين فإنهم يرون أنّ جميع ما فيها صحيح.

28 ـ إنهم يجوزون العمل بالاستصحاب مطلقاً، والأخباريون لا يجوزونه إلا فيما دلت عليه النصوص.

29 ـ إنهم لا يجوزون تأخير البيان عن وقت الحاجة لقبحه، والأخباريون بعضهم يجوزه مثل الفاضل الأسترآبادي في الفوائد المدنية المطبوع (1).

وكانت هذه الحركة إحدى مظاهر هذا الدور، ولقد أخذت مأخذها عند الفريقين: الأصوليين منهم، والأخباريين بحيث انتقلت إلى دور المناظرات العلمية، والطعن على الفريق الآخر، وكانت حصيلة هذا الصراع الفكري بين الأصوليين والأخباريين مجموعة من التأليف القيمة، والموسوعات الضخمة في الفقه والأصول وغيرهما من جوانب المعرفة المختصة بها جامعة النجف. وكان لها في اتجاه الدرس وتطويره شأن مشهود.

مركز الجامعة في نهاية هذا الدور:

ورغم هذا كله فالجامعة النجفية استمرت في أداء رسالتها، حتى أواخر القرن الحادي عشر للهجرة فقد قلت الهجرة إليها، ووفود الطلاب، وما أن أطل القرن الثاني عشر حتى بدت فيه مظاهر الضمور، ثم ما كادت تمر عليها فترة حتى انتقلت منها إلى كربلا.

ولو حاولوا أن نتقصى الأسباب التي دعت لهذا الانتقال، فنرى أن بعض المصادر تعزوها إلى سببين خارجيين، وبعض المصادر ترجعها إلى ثلاثة أسباب داخلية، وهي:

الأسباب الخارجية:

أولاً: تصادم المملكتين الصفوية، والعثمانية، والصراع الدامي، وخاصة في العراق مما ترك الناس في انكماش شديد عن الهجرة إلى العراق.

ثانياً: ضغط الدولة العثمانية على العلماء ورجال الدين بعد استيلائهم على العراق، على العكس مما كان عليه الصفويون من تقدير العلم، واحترام رجاله (1).

أما الأسباب الداخلية:

1 ـ ما أصاب النجفيين من الوباء الذي انتشر آنذاك.

2 ـ ما أصاب النجفيين من الأذى بسبب حادثة المشعشعين (1)، وهجومهم على النجف.

3 ـ انتقال زعيم الحركة العلمية الشيخ أحمد بن فهد الحلي (1) إلى كربلا (1).

هذه العوامل المتعددة الخارجية منها، والداخلية هي التي سببت انتقال المركز العلمي إلى كربلا، ورغم هذا كله فإن النجف لم تعدم فيها الحركة العلمية، وإنما بقيت تواكب حركتها رغم أن الزعامة العلمية قد انتقلت إلى كربلا.

 

من النجف إلى كربلا:

وكيفما كانت الأسباب والدواعي في نقل الحركة العلمية إلى كربلا من عام 1150هـ إلى 1212هـ فقد كانت الحركة العلمية فيها قد نضجت، وقد تجلى هذا النضج والتعميق في مدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني (1) الأصولة وكذلك برز في نتاج العلامة الشيخ يوسف البحراني (1) الفقهي، والذي ظهر في كتابه الحدائق الذي يقع في عدة مجلدات وطبع عدة طبعات.

غير أن مدرسة الوحيد البهبهاني قد «افتتحت عصراً جديداً في تاريخ العلم، والتي أكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث» (1).

وعاشت المدرسة قرابة السبعين عاماً وهي تكاد تفتح أفاقاً جديدة في الكيان العلمي الكربلائي، كان له صدى حافل بالأكبار والتقدير.

ومن الجدير أن نستمع إلى مصدر يحدثنا عن أثر هذه المدرسة العلمية ومدى ما نالته من اتساع في القابليات الفكرية الرائعة، يقول المصدر:

«وقد قدر للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والأصول، نشأت في كربلاء أيضاً على يد رائدها المجدد الكبير محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة 1206هـ، وقد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية، وتأييد علم الأصول، حتى تضاءل الاتجاه الأخباري، وقد قامت هذه المدرسة إلى صف ذلك بتنمية الفكر العلمي، والارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى، حتى إن بالإمكان القول بأن ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحققون الكبار قد كان حداً فاصلاً بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه والأصول.

وقد يكون هذا الدور الإيجابي الذي قامت به هذه المدرسة فافتتحت بذلك عصراً جديداً في تاريخ العلم متأثراً بعدة عوامل:

1 ـ عامل رد الفعل الذي أوجدته الحركة الأخبارية، وبخاصة حين جمعها مكان واحد ككربلاء بالحوزة الأصولية، الأمر الذي يؤدي بطبيعته إلى شدة الاحتكاك وتضاعف رد الفعل.

2 ـ أن الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد أشبعت ولم يبق بعد وضع الوسائل، والوافي، والبحار (1) إلا أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيداً من تلك الموسوعات في عمليات الاستنباط.

3 ـ أن الاتجاه الفلسفي في التفكير الذي كان السيد حسين الخونساري المتوفى 1098هـ قد وضع إحدى بذوره الأساسية زود الفكر العلمي بطاقة جديدة للنمو، وفتح مجالاً جديداً للابداع، وكانت مدرسة البهبهاني هي الوارثة لهذا الاتجاه.

4 ـ عامل المكان: فإن مدرسة الوحيد البهبهاني، نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا من المركز سبباً لاستمرارها ومواصلة وجودها عبر طبقات متعاقبة من الأساتذة والتلامذة، الأمر الذي جعل بإمكانها أن تضاعف خبرتها باستمرار، وتضيف خبرة طبقة من رجالاتها إلى خبرة الطبقة التي سبقتها، حتى استطاعت أن تقفز بالعلم قفزة كبيرة وتعطيه ملامح عصر جديد. وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيداً عن المركز وتتلاشى بموت رائدها» (1).

أما بصدد الكشف عن حصيلة هذه الفترة العلمية في كربلاء فيكفي أن تشير إلى:

1 ـ كتاب الحدائق ـ للمرحوم الشيخ يوسف البحراني وقد وقع الكتاب في عدة مجلدات، وتحدثت عنه المصادر المختصة بأنه كتاب جليل لم يصنف مثله جمع فيه جميع الأقوال والأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار، إلا أنه طاب ثراه لميله إلى الأخبارية كان قليل التعلق بالاستدلال بالأدلة الأصولية التي هي أمهات الأحكام الفقهية، وعمد الأدلة الشرعية (1).

2 ـ كتاب الرياض ـ للسيد علي بن محمد الطباطبائي (1)، وقد وصف بأنه «في غاية الجودة جداً بحيث لم يسبق له مثيل، ذكر فيه جميع ما وصل إليه من الأدلة والأقوال على نهج عسر على من سواه بل استحال (1).

3 ـ كتاب الفصول ـ للشيخ محمد حسين بن عبدالرحيم الحائري (1)، وقد وصفه الخونساري بقوله: وكتابه هذا من أحسن ما كتب في أصول الفقه وأجمعها للتحقيق والتدقيق وأشملها لكل فكر عميق، وقد تداولته جميع أيدي الطلبة في هذا الزمان وتقبلته القبول الحسن في جميع البلدان (1).

ولسنا بصددان نحصي حصيلة هذه الفترة لندل القارىء على مدى القابلية العلمية التي تمتع بها قادة الفكر والعلم في كربلاء ضمن هذه الفترة، إنما نرسم له ملامح هذه الفترة من خلال النتاج المبرز فيها. ويكفي أن نرى أن للوحيد البهبهاني، وهو أستاذ هذه الفترة ورائدها ما يقرب من ستين كتاباً في الفقه والأصول، والعقائد، والرجال (1).

الدور الثالث للجامعة النجفية

ويمكن أن نطلق على هذا الدور «عصر الكمال العلمي» وهو العصر الذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، وبدأت تبني للعلم عصره الثالث بما قدمته من جهود متظافرة في الميدانين الأصولي والفقهي.

وقد تمثلت تلك الجهود في أفكار وبحوث رائد المدرسة الأستاذ الوحيد وأقطاب مدرسته الذين واصلوا عمل الرائد حوالي نصف قرن حتى استكمل العصر الثالث خصائصه العامة ووصل إلى القمة (1).

وعادت النجف إلى ميدانها العلمي كمركز أول ـ من بعد هذه الفترة ـ للحركة العلمية التي تمثل مدرسة الوحيد البهبهاني على يد تلميذه السيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي. بعد أن عاشت زماناً وهي تتفاعل بتأثيرات المدرسة الفكرية في كربلا.

ولنا أن نسمي هذا العصر بعصر النهضة العلمية لكثرة من نبغ فيه من الفحول الكبار والعلماء، ولكثرة تهافت الناس على العلم فيه، وازدياد الطلاب (1).

ولعل من أهم الخطوات التي مني بها هذا العصر، وعلى يد زعيم الجامعة النجفية السيد بحر العلوم تنظيمه للقضايا والمشاكل التي تقتضيها طبيعة المجتمع، كما يقتضيها سير الزعامة الدينية في النجف.

فمثلاً ركز الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ للتقليد والفتوى حتى قيل: إنه أجاز لأهله وذويه الرجوع في التقليد للشيخ جعفر الكبير تمشياً مع التنظيم والتركيز.

كما عين الشيخ حسين نجف المتوفى سنة 1251هـ للإمامة والمحراب، فكان يقيم الجماعة في «الجامع الهندي» ويؤمه الناس ـ على اختلاف طبقاتهم ـ بإرشاد من السيد بحر العلوم.

أما في القضاء والخصومات، فقد خص لها الشيخ شريف محي الدين فكان يرشد إليه في ذلك، علماً منه بمهارته في القضاء، وتثبته في الدين، وسعة صدره لتلقي الدعاوى والمخاصمات.

واضطلع هو ـ بأعباء التدريس، والزعامة الكبرى، وإدارة شؤونها العامة والخاصة (1).

وكان هذا التقسيم منه لإدارة شؤون النجف العامة يدل على وعي كبير في الذهنية القيادية الدينية، والتي تبرز عصره بطابع يختلف عن العصور السابقة من حيث النضج والوعي.

وكانت مظاهر هذا الدور بارزة جلية في مجالي الفقه والأصول إلى جانب بقية العلوم التي دللت النجف على اختصاصها بها. بالإضافة إلى الطابع الأدبي.

ففي حقل الفقه: نرى أنه تطور في هذا الدور تطوراً محسوساً لما دخله من عنصري البحث والنقد، ولما تحلى به من قابلية النقض والأبرام، والتعمق والتحليل، وخاصة في ملاحظة الروايات من حيث السند والدلالة، والفحص عن مدى وثوقها عند الماضين من العلماء الأعلام، وعرض المسائل الفقهية حسب الأدلة الاجتهادية والفقهية.

فالتجربة العلمية التي عاشتها جامعة النجف في دورها الثالث في حقل الفقه كان لها الأثر الكبير في إبراز عطاء ناضج يدل على سعة في الأفق، ووفرة في الاطلاع، ولذا وصف «بدور التكامل والنضج».

أما في حقل الأصول: فقد يكون من الواقع أن يطلق على هذا الدور «دور الكمال العلمي» فإن المرحلة الجديدة التي دخلها علم الأصول كان «نتيجة أفكار وبحوث رائد المدرسة الأستاذ الوحيد البهبهاني، وأقطاب مدرسته الذين واصلوا عمل الرائد حوالي نصف قرن حتى استكمل العصر الثالث خصائصه العامة ووصل إلى القمة (1)».

وما إن بلغ العهد بالمحقق الأنصاري الشيخ مرتضى، حتى اعتبر رائداً لأرقى مرحلة من مراحل الدور الثالث التي يتمثل فيها الفكر العلمي منذ أكثر من مئة سنة حتى اليوم (1).

وعندما أطل القرن الرابع عشر الهجري لمع اسم المجدد الشيخ ملا محمد كاظم الخراساني الذي فتح آفاقاً جديدة للعلم، وقدر له ولمن خلفه كالميرزا حسين النائيني، والشيخ محمد حسين الأصفهاني، والشيخ أقاضياء العراقي وغيرهم من أقطاب هذه المدرسة أن يرتفعوا إلى القمة العلمية، والتي خلفت تراثاً ضخماً تستنير به الأجيال.

وإلى جانب هذين العلمين الرئيسيين فقد قدمت الجامعة النجفية عطاءً ثراً في مختلف العلوم سواء أكان لها مساس في علومنا الفقهية والأصولية أو لها صلة بطبيعة النجف الأدبية.

ولقد سبب ازدهار الجامعة النجفية إلى كثرة المدارس الدينية في هذا الدور، والتي نصطلح عليها في عصرنا الحديث بالأقسام الداخلية لطلاب العلوم بالإضافة إلى كونها مقرات للتدريس والبحث.

وتكاثر المدارس يدل على ازدياد الهجرة إلى طلب العلم، وخاصة من البلاد النائية. ونتيجة لهذا التوسع في تكاثر الهجرة إلى النجف اتسعت الأقسام الداخلية لتضم الطلاب المتغربين عن بلادهم، وتحافظ عليهم، وتهيىء لهم المأوى والرواتب، والمجال الأوسع في حياتهم الدراسية (1).

ورغم تعرض النجف لهزات قوية وعنيفة في دورها الأخير سواءً الخارجية منها أو الداخلية، أضف إليها الظروف الخاصة التي أظهرت قادة النجف من العلماء الأعلام بالموقف القيادي للزعامة السياسية والدينية، ومن أجل مظاهر تلكم المواقف المشهورة ثورة العشرين، ظلت سياسة البلد تدار من قبل رجال العلم ومجتهدي النجف وعلمائها بزعامة الإمام الميرزا محمد تقي الشيرازي.

وتاريخ العراق السياسي يذكر هذه الحقيقة بكل أكبار، ويؤكد على أن القيادة السياسية العامة كانت تلقي عصا ترحالها بيد أهل العلم بين آونة وأخرى، وكما هو الآن ـ من موقف الإمام السيد محسن الحكيم.

وكانت هذه الهزات التي مرت الإشارة إليها عاملاً في تقليص نفوذ الجامعة أو امتداد زعامتها تبعاً للتيارات السياسية.

وثمة عامل آخر كان له أثر في تقليص نفوذ هذا المركز العلمي، وهو انتقال المرجعية من النجف في بعض الأحيان، وفي فترات وجيزة، وتنقلها بين كربلاء، والكاظمية، وقم، وغيرها.

ولكن رغم هذه الفترات القصار التي كانت تتناوب بين النجف والمدن الأخرى وتنقل عنها المرجعية العامة في عهد قصير، وعلى فترات متباعدة ظل هذا المعهد محافظاً على طابعه العلمي، لا يتخلله ضعف أو وهن، فقد أدى رسالته العلمية على الوجه الأكمل.

ولقد قدر عدد المهاجرين وطلاب العلم في هذه الجامعة في دورها الأخير بحوالي خمسة آلاف طالب من مختلف الأقطار الإسلامية: كالهند، وباكستان، وإيران وأفغانستان، وتركيا والتبت، وبعض الدول الأفريقية، ولبنان، وسوريا، والأحساء والخليج، وغيرها من الأقطار الإسلامية.

والدراسة في الجامعة النجفية مجانية من حين تأسيسها حتى يومنا هذا، وبالإضافة إلى ذلك تقوم (المرجعية الدينية العامة) وهي التي تمثل المرجع الأعلى للشيعة بتعيين رواتب شهرية لطلاب العلوم على اختلاف طبقاتهم، وتخص المهاجرين منهم بزيادة نظراً لعدم وجود أي مورد آخر لهم في هذا البلد.

وتعتمد في مواردها المالية على الحقوق الشرعية من الأموال التي يدفعها المؤمنون من مختلف الأقطار، وعلى بعض التبرعات من المحسنين، وليس لهذه الجهات الدينية أي مورد حكومي، ولا علاقة لها بالحكومات على اختلافها في شؤونها الخاصة والعامة، مادية أو غيرها.

***

معالم النهضة العلمية لهذا الدور:

أما بالنسبة لإبراز معالم النهضة العلمية لهذا الدور فيمكن تقسيم نتاجها إلى عدة مراتب، حسب التسلسل الزمني للمؤلفين ـ مع غض النظر عن اعتباراتهم العلمية.

ولقد حصل هذا الدور على مجموعة نفيسة في مختلف العلوم ولكننا تبعاً لاختصاصنا في هذا البحث بالفقه والأصول، فسنقصر عليهما بحثنا.

المرتبة الأولى:

وتكاد تكون حافلة بالنتاج الفقهي، وأهم هذه الحصيلة العلمية هي:

1 ـ كتاب (المصابيح) للسيد محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي المتوفى 1212هـ، وهو ما زال مخطوطاً ويقع في ثلاث مجلدات.

2 ـ كتاب (مفتاح الكرامة) للسيد محمد جواد بن السيد محمد الحسيني العاملي النجفي المتوفى سنة 1226هـ، طبع بمصر ودمشق، يقع في ثماني مجلدات.

3 ـ كتاب (كشف الغطاء) للشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناجي المعروف بكاشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ، مطبوع بإيران في مجلد واحد.

4 ـ كتاب (مقابس الأنوار) للشيخ أسد الله التستري المتوفى سنة 1234هـ طبع بإيران في مجلد واحد.

5 ـ كتاب (مستند الأحكام) للمولى أحدم بن المولى محمد مهدي النراقي الكاشاني المتوفى سنة 1245هـ، طبع بإيران في مجلدين.

المرتبة الثانية:

1 ـ كتاب (جواهر الكلام) الشيخ محمد حسن بن الشيخ محمد باقر النجفي، المعروف بصاحب الجواهر، المتوفى سنة 1270هـ، وهو كتاب فقه استدلالي، طبع عدة مرات في ست مجلدات.

2 ـ كتاب (المكاسب) في الفقه ـ للشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ، طبع بإيران في مجلد واحد.

3 ـ كتاب (الرسائل) في الأصول ـ للشيخ مرتضى الأنصاري طبع بإيران في مجلدة واحد.

4 ـ كتاب (البرهان القاطع) في الفقه للسيد علي بن السيد رضا بحر العلوم المتوفى سنة 1298هـ، طبع بإيران في ثلاث مجلدات.

المرتبة الثالثة:

1 ـ كتاب (هداية الأنام) في الفقه للشيخ محمد حسين الكاظمي النجفي المتوفى سنة 1308هـ طبع منه في النجف ثلاث مجلدات، وأصله في سبع وعشرين مجلداً شرح فيها كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي.

2 ـ كتاب (مصباح الفقيه) للشيخ آغا رضا بن محمد هادي الهمداني المتوفى سنة 13322هـ طبع في ثلاث مجلدات جزءآن في النجف، والثالث في إيران.

3 ـ كتاب (حاشية على رسائل الأنصاري) في الأصول ـ للشيخ آغا رضا الهمداني، طبع في إيران في مجلد واحد.

4 ـ كتاب (بلغة الفقيه) في الفقه ـ للسيد محمد بن السيد محمد تقي بن السيد رضا بحر العلوم، المتوفى سنة 1326هـ، طبع عدة طبعات في إيران في مجلد واحد.

5 ـ كتاب (كفاية الأصول) في الأصول ـ للشيخ محمد كاظم الخراساني المتوفى سنة 1331هـ، طبع عدة طبعات في النجف وبغداد وإيران يقع في جزئين.

6 ـ كتاب (العروة الوثقى) وملحقاتها للمرحوم السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي المتوفى سنة 1337هـ، طبع عدة طبعات. في بغداد، والنجف، وإيران.

المرتبة الرابعة:

ولقد تجلى نتاج هذا الدور في حقلي الفقه والأصول بالشروح الكثيرة لكتابي «العروة الوثقى» في الفقه، و«كفاية الأصول» في أصول الفقه.

ففي الفقه: أصبحت «العروة الوثقى» مصدراً للبحوث والتعليقات فيما بعد وحتى عصرنا الحاضر. وقد سجلت المصادر ما يزيد على العشرين شرحاً لهذا الكتاب.

وهذا الكتاب صار المحور للدراسة الخارجية (البحث الخارج) من حين ظهوره. وفي طليعة هذه الحصيلة من شروح هذا الكتاب (مستمسك العروة الوثقى) للإمام السيد محسن الحكيم، وقد طبع من هذا الكتاب حتى الآن اثنا عشر مجلداً، ويعتبر الكتاب الشرح الأول للعروة. وللبحث الخارج الذي يدور عليه التدريس اليوم.

أما بالنسبة للأصول، فقد أصبحت «كفاية الأصول» هي القاعدة والأساس لبحوث الباحثين والمدرسين، ولعل في مقدمة النتاج العلمي، والذي هو في مقام الشرح والتعليق بحوث الميرزا حسين النائيني الأصولية والذي خلف تراثاً ضخماً من بحوث أصولية مركزة على أقلام تلامذته والذين عليهم مدار الهيئة العلمية في الجامعة النجفية حتى الآن، أمثال الإمامين السيد أبي القاسم الخوئي، والشيخ حسين الحلي، وغيرهما من أقطاب هذه المدرسة الفكرية العلمية.

أسلوب الدراسة في الجامعة النجفية

لا يختلف أسلوب الدراسة في جامعة النجف كثيراً عن سائر الجامعات الإسلامية القديمة في نوعية التدريس، إنما تمتاز هذه الجامعة بطريقة تحصيل ملكة الاجتهاد في الفقه الذي تختص الإمامية بفتح بابه.

وثمة اختلاف آخر: هو أن الطالب الديني في مرحلة دراسته في هذه الجامعة لا يفكر بأن ينال شهادة، أو يجتاز عقبة امتحان رسمي ليحظى بوظيفة، إنما يفكر ويطلب العلم لنفسه.

ومن مميزات هذه الدراسة، أن الطالب حر في اختيار المدرس ولم يسع المدرس التخلف بوجه ـ إذا كانت لديه فرصة من الوقت ـ، ولم يكن هذا الدافع خوف السلطة الزمنية، وضغطها على المدرس بالتخلف عن الاستجابة للتدريس إنما هي طبيعة النجف الأشرف مبنية على هذا النهج، فهو باستجابته يلبي دعوة الواجب الديني فقط. والتدريس في الجامعة النجفية بكل أقسامه مجاني لا يأخذ عليه المدرس أجراً، ولا يتقاضى في سبيله راتباً، إنما عمله خالص لوجه الله سبحانه.

وتمر على الطالب ثلاث مراحل ليصل إلى غايته المنشودة مرتبة (الاجتهاد).

أولاً: الدراسات التمهيدية، أو مرحلة (المقدمات) (1).

ثانياً: الدراسات الوسطى، أو مرحلة (السطوح) (1).

ثالثاً: الدارسات العليا، أو مرحلة (بحث الخارج) (1).

مراحل الدراسة:

المرحلة الأولى: دراسة المقدمات:

وفي هذه المرحلة تكون الدراسة فردية على الأكثر، وإن كان من الممكن أن يشترك عدد من الطلاب في درس من دروس هذه المرحلة، كما تتوفر للطالب حرية اختيار المدرس بالكتاب الذي يروم درسه، وفي أي مكان أو زمان يتفق عليه الأستاذ والتلميذ. وللطالب حرية النقاش مع أستاذه، ولكنه محدد بالقدر الذي يسعه أفق الطالب وتفكيره، والغرض من هذه الحرية التوجيه والتمرين على قوة الملاحظة.

ومدة الدرس اليومي من نصف ساعة إلى ساعة حسبما يناسب الأستاذ والتلميذ والكتاب.

أما المواد المقررة للتدريس في هذه المرحلة فهي:

النحو والصرف ـ وكتبهما: الأجرومية لمؤلفها عبدالله بن هشام، وقطر الندى لابن هشام، وشروح ألفية ابن مالك، لابن الناظم، أو ابن عقيل، وابن هشام، والأشموني.

وقد يستعاض عن الأجرومية، وقطر الندى بكتاب النحو الواضح.

ويعتمد الطلاب الإيرانيون على كتاب جامع المقدمات، وصرف مير. ولغاية التوسع يتّبعون كتاب السيوطي في العربية، وشرح الرضي، والجامي.

ولغرض التوسع في العربية يدرس كتاب مغني اللبيب لابن هشام وشذور الذهب لابن هشام، والكتاب لسيبويه، وغيرهم.

البلاغة والمعاني والبيان ـ وكتبها:

المطول ـ للتفتازاني.

المختصر ـ للتفتازاني اختصر فيه تلخيص المفتاح.

جواهر البلاغة ـ للسيد أحمد الهاشمي.

المنطق ـ وكتبه: حاشية ملا عبدالله النجفي، والشمسية لقطب الدين الرازي، والمنطق للشيخ محمد رضا المظفر، وربما توسع الطالب فيدرس شرح المطالع.

أصول الفقه: وكتبه ـ المعالم للشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني وأصول المظفر الجزءآن الأولان منه، وأصول الاستنباط للسيد علي نقي الحيدري، وكتاب المعالم الجديدة للسيد محمد باقر الصدر، الذي صدر حديثاً (1).

الفقه: وكتبه ـ تبصرة العلامة الحلي، مختصر النافع، للمحقق الحلي شرائع الإسلام للمحقق الحلي، وقد تدرس بعض الرسائل العملية كالعروة الوثقى للسيد كاظم الطباطبائي، ووسيلة النجاة للسيد أبي الحسن الأصفهاني، ومنهاج الصالحين للسيد محسن الحكيم الطباطبائي.

وربما ينضم إلى هذا كله دراسة علم الكلام، والعلوم الرياضية، وبعض العلوم الأدبية: كعلوم العروض، والقافية، والبديع، والنصوص الأدبية، وهذا كله حسب رغبة الطالب، واستعداده في المشاركة بهذه المعارف وما إلى ذلك.

ومدة هذه المرحلة من ثلاث إلى خمس سنوات.

المرحلة الثانية: دراسة السطوح:

وهي دراسة متن الكتب الموضوعة في الفقه الاستدلالي، وأصول الفقه ويتبع فيها محاكمة الآراء ومناقشتها بحرية كاملة، وعلى الأكثر تجري هذه المرحلة على أسلوب الحلقات، حيث يجتمع أكثر من طالب واحد في مجلس أحد المدرسين المعروفين ويختلف عدد الطلاب في كل حلقة حسب اختلاف المدرس وتفوقه في أسلوب التدريس، وسعة اطلاعه، كما أن الحرية مطلقة للطالب في اختيار الكتاب والدرس.

وأهم الكتب المقررة لهذه المرحلة هي:

في الفقه: (شرح اللمعة الدمشقية) للمرحوم زين الدين الشهيد الثاني، والمكاسب للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري، وقد يدرس كتاب (رياض العلماء) للسيد علي الطباطبائي، وكتاب (مسالك الأفهام) لزين الدين العاملي الشهير بالشهيد الثاني.

في الأصول: القوانين ـ للقمي، الفصول للحائري، كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني، رسائل الشيخ مرتضى الأنصاري، الجزء الثالث من أصول الشيخ محمد رضا المظفر، وللتوسع يقرأ الطالب الأصول العامة ـ دراسة للأصول مقارنة ـ للسيد محمد تقي الحكيم ـ طبع حديثاً (1).

وهناك مراجع أخرى أوسع دائرة وبحثاً لا يستغني عنها الطالب الباحث وإذا انتهى الطالب من هذه المرحلة بإتقان استحق أن يسمى (مراهقاً) (1).

ولما كانت كتب السطوح كلها استدلالية فإن دراستها والاستفادة منها توسع ذهن الطالب، وتمنحه مقدرة خاصة لإقامة الدليل، أوردٌ البراهين والدعاوى.

وقد ينضم إلى هذه المرحلة دراسة علم الكلام، والحكمة، والفلسفة الإلهية، والتفسير والحديث، وأصول الحديث، وأحوال الرواة.

ومدة مرحلة (السطوح) عادة من ثلاث إلى ست سنوات، وقد تزيد أحياناً عن ذلك.

المرحلة الثالثة: بحث الخارج:

وهي المرحلة التي يحضر فيها الطالب دروس كبار العلماء المجتهدين في الفقه الأصول، وهذه هي آخر مراحل الدراسة التي قد يوفق فيها إلى بلوغ درجة الاجتهاد وهي أعلى درجة، وبها امتياز هذه الجامعة الإسلامية في أسلوب التدريس وفي حرية المناقشة والرأي، وفي درجتها العلمية العالية.

تتكون هذه المرحلة عادة في دورات يتولاها كبار العلماء المجتهدين، ويبتدىء المدرس منهم بدورة بحوث أصولية، أو فقهية يلقيها بشكل محاضرات يومية فيشرح المسألة شرحاً وافياً بعرض الأقوال من مختلف المذاهب الإسلامية، ومناقشة الآراء فيها، وأدلتها المختلفة، ويختار ما ينتهي إليه رأيه مع الدليل، ولكل مدرس طريقة خاصة في أسلوب البحث، وسعة المنهج، والأسس العلمية التي يعتمدها.

وهذه الدورات لا تكون إلا جماعية يحضر فيها عدد كبير. وجم غفير من الطلاب وذلك تبعاً لشهرة المدرس في تفوقه العلمي، ودقة منهجه، وأسلوب تدريسه، وقد سميت هذه المرحلة (بحث الخارج) نظراً إلى أن التدريس فيها لا يعتمد على رأي خاص، ولا على كتاب معين إلا ما قد يتخذ على سبيل تسهيل المراجعة على الطلاب أو التحضير قبل الدرس.

وللطلاب في هذه الدورات كامل الحرية في المناقشة، وإبداء الرأي في أثناء المحاضرة وبعدها، وقد يكون كثير من طلابها مراهقين للاجتهاد في أنفسهم.

وميزة هذه الدورات عمق البحث ودقته، وسعة أفقه، والحرية الكاملة في نقد الآراء ومناقشتها مهما كان صاحبها، وبهذا الأسلوب يغذى الطلاب ليتمكنوا من الاعتماد على آرائهم، والثقة بنفوسهم حيث يرجع إليهم الناس، وتقلدهم الأمة في أمورها.

إلى هذا النهج الدراسي يعزى السر في تطور الدراسات الفقهية والأصولية في جامعة النجف على مر القرون، ومن يقرأ كتاباً في الفقه وأصوله لأحد أعلام القرنين الرابع والخامس مثلاً، ثم يقرأ كتاباً فيها لأحد أعلام هذا القرن يلمس مدى التطور الذي بلغه البحث في هذا الشأن.

والطلاب الذين في حلقات الدروس الخارجية، يحضرون عدة سنوات، أو دورة كاملة في الفقه أو الأصول، ثم يعرضون كتاباتهم، وتقريراتهم على الأستاذ، وإذا ما حازت الرضا والقبول يمنحه الأستاذ شهادة كتابية، يقال لها (إجازة الاجتهاد) وعندما يحصل الطالب على هذه الإجازة يصبح (مجازاً) وفي ذلك الوقت يكون قد بلغ مقام الاجتهاد، وقد صار باصطلاح العلماء (مجتهداً) (1).

وقد قسمت بعض المصادر درس الخارج إلى ثلاث مراتب:

ـ أدناها: أن يحضر قوم فرغوا من السطوح درساً يسير على عناوين كتاب من كتب التدريس، ويتعهد الأستاذ ببيان مطلب الكتاب بإيضاح من دون تقيد بعبارة الكتاب، ويضيف إلى مطالب الكتاب المناقشات التي ناقش العلماء فيها صاحب الكتاب وقد يقبلها وقد يردها، وقد يضيف إليها مناقشات أخرى، وهو في الوقت نفسه يحاول تصحيح ما في الكتاب، إلا إذا كان فساده بمكان من الوضوح. وذلك لأن الطلاب اعتادوا الإيمان بما في الكتاب، ثم بما يقوله الأستاذ.

وأوسطها: ما مر بإضافة ما في كتب التدريس الأخرى، أو ما في بعض الكتب المهمة مثلاً: يكون عنوان الدرس الجزء الثاني من الكفاية، فيتعهد الأستاذ ببيان ما فيها، مع ما في الرسائل، مع ما في تقريرات درس (النائيني) مثلاً، ثم يحاكم آراءَهم، ثم يختار.

وأعلاها: وهو المرتبة الأخيرة، وذلك بأن يشرع الأستاذ في مسائل العلم على نهج خاص به، ترتيباً وتبويباً، وتحقيقاً، وتنميقاً، فإنه يحرر المسألة من تلقاء نفسه، ويشير إلى جهاتها وأقوالها بحسب ما يراه من استحقاقها للإيجاز والأطناب، ويذكر النظريات ويلغي الأدلة الضعيفة، ويناقش باقي الأدلة، وينتهي إلى رأي جديد، ومطلب ناضج قد يختلف مع كثير من آراء متقدميه (1).

والمجتهد الحق في أن يصنف في أحكام الدين كتاباً يسمى بـ(الرسالة) طبقاً لاجتهاده ـ أي بحثه واستنباطه ـ أو أن يكتب الحواشي، ويصادق على رسائل العلماء السابقين، ويفتي في الاختلافات والاشتباهات والإشكالات التي تفرض لأتباع المذهب ـ أي المقلدين ـ بمعنى أنه يبدي رأياً وحكماً يأخذ به المقلدون فيعملون بمقتضاه.

كما أنه يخلف أساتذته في التدريس الخارجي، ويتسنم مرجعية المسلمين في التقليد وإدارة الشؤون العلمية، والاجتماعية، والاقتصادية لجامعة النجف، وباقي الحوزات العلمية الدينية في العتبات المقدسة، بعد تأهيله لذلك بواسطة الشهرة الساحقة للطلبة من أهل العلم، أو شهادة اثنين عادلين من كبار العلماء في حقه.

والشيء الذي يجب أن نشير إليه قبل ختام هذا الفصل هو (لغة التدريس) والتدريس بصورة عامة في النجف الأشرف باللغة العربية، وباللغة الفصحى طبعاً، وهذه اللغة تتماشى في كل مراحل التدريس.

أما الطلاب الأجانب: كالإيرانيين، والأفغانيين، والهنود، والتبتين، والنكر، وغيرهم، فإنهم يتلقون للدورس السطحية باللغة العربية، ثم يترجمها أساتذتهم بلغاتهم.

أما دروس الخارج فالطابع العربي هو البارز عليها، اللهم إلا بعض الشواهد، أو شرح المصطلحات، زيادة للتوضيح، فقد تكون غير اللغة العربية لها مجال في هذا الموضوع.

أشهر الكتب الدراسية في جامعة النجف:

لم تقتصر الجامعة النجفية على كتاب محدود يدرسه الطالب في علم من العلوم، فللطالب أن يتوسع ويقرأ ويدرس أي كتاب شاء، ويرغب فيه، ويستطيع أن يتفهمه وينسجم معه. ولكن هناك كتباً مشهورة في نطاق الحوزة العلمية تداول عليها المشتغلون والمحصلون، فأصبحت بحكم التداول والاستمرارية هي المعروفة دون غيرها، ولشهرتها نذكرها:

في النحو:

1 ـ كتاب (قطر الندى، وبل الصدى) لمؤلفه عبدالله بن يوسف بن أحمد بن هشام المتوفى سنة 761هـ، من أئمة العربية، طبع عدة مرات.

وهذا الكتاب يدرسه الطالب في المرحلة الأولى من تعليمه، وهو يلمّ بجميع أبواب النحو بصورة مختصرة.

2 ـ كتاب (ألفية ابن مالك) أرجوزة في النحو في ألف بيت ناظمها محمد بن عبدالله بن مالك الطائي المتوفى 672هـ، أحد أئمة النحو طبعت، ولقد شرحها جمع من أئمة النحو كابن هشام، والأشموني، وابن عقيل، وابن الناظم بدر الدين محمد المتوفى سنة 686هـ، ويتميز شرحه بغزارة المادة، وتعقيد العبارة، واختارته الجامعة النجفية لثروته العلمية لأنه يوسع ذهن الطالب.

3 ـ كتاب (مغني اللبيب) لمؤلفه ابن هشام ـ صاحب كتاب قطر الندى ـ المتقدم الذكر وهو كتاب واسع الجوانب يقع في مجلدين أشبه بالقاموس للمصطلحات النحوية، وهذا الكتاب يدرسه الطالب في المرحلة الأخيرة لدراسته النحوية بغية التوسع.

في البلاغة:

1 ـ (المختصر) لمؤلفه مسعود بن عمر بن عبدالله التفتازاني المتوفى سنة 791هـ من أئمة العربية، والبيان، والمنطق، اختصر بهذا الكتاب تلخيص المفتاح.

وأغلب الطلاب يكتفون بهذا الكتاب عن (المطول) لأنه أخصر، طبع عدة طبعات.

2 ـ (حواهر البلاغة) لمؤلفه السيد أحمد بن إبراهيم الهاشمي من رجال القرن الرابع عشر الهجري، وضع هذا الكتاب بصورة مبسطة ليسهل تناوله على الطلاب. وقد بحث في البلاغة، والمعاني والبيان، والبديع.

في المنطق:

1 ـ كتاب (الحاشية في المنطق) لمؤلفها الملا عبدالله بن شهاب الدين حسين اليزدي، المتوفى سنة 981هـ، من المختصين بعلم المنطق طبع في طهران.

2 ـ كتاب (المنطق) للشيخ محمد رضا المظفر ـ عميد كلية الفقه في النجف الأشرف سابقاً ـ يقع في ثلاثة أجزاء؛ كتبه لطلاب الكلية وعند طبعه تداولته أيدي طلاب الجامعة باعتباره أسلس عبارة، وأكثر اختصاراً من الحاشية وقد طبع مرتين في النجف وبغداد.

في الفقه:

1 ـ (مختصر النافع) لأبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي المعروف بالمحقق الحلي، المتوفى سنة 676هـ. طبع هذا الكتاب ثلاث طبعات واحدة منها في القاهرة قدمه أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف السابق للعربية المتحدة، يقع في مجلد واحد. يتميز بعبارة بسيطة من غير تعقيد لخص فيه كتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» الذي يعتبر متناً من المتون الحية إلى الآن. وهو مرتب على أربعة أقسام: العبادات، والعقود، والإيقاعات، والأحكام.

2 ـ كتاب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) لنفس المؤلف المتقدم الذكر، وهو يقع في مجلدين، فقه استدلالي طبع في إيران، وفي بيروت.

3 ـ كتاب (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية) لمؤلفه زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد العاملي الجبعي المعروف بالشهيد الثاني المقتول سنة 965هـ، يقع في مجلدين شرح المؤلف اللمعة الدمشقية للشهيد الأول محمد بن الشيخ جمال الدين بن مكي النبطي العاملي الجزيني المقتول سنة 786هـ. والكتاب من المصادر الفقهية الاستدلالية الرائعة. طبع عدة طبعات وآخرها في مصر.

4 ـ (المكاسب) للمجدد الشيخ مرتضى بن محمد أمين التستري الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ، وهو كتاب فقه استدلالي جليل في نواحي المعاملات طبع الكتاب عدة طبعات في إيران وبغداد.

ومراتب هذه الكتب حسب التسلسل المذكور فالطالب يبدأ في المختصر وعند إتمامه ينتقل إلى الشرائع، ثم إلى اللمعة، ثم إلى المكاسب، وبذلك يكون قد كمل دورة فقهية كاملة.

في أصول الفقه:

1 ـ كتاب (معالم الأصول) الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011هـ، حوى الكتاب أبواب الأصول بصورة مختصرة، وقد طبع عدة طبعات في إيران، ويدرسه الطالب عندما يبدأ في علم الأصول ويقع في مجلد واحد.

2 ـ كتاب (قوانين الأصول) للميرزا أبي القاسم بن محمد حسن الجيلاني القمي المتوفى سنة 1231هـ، تناول فيه أبواب الأصول بصورة تفصيلية ويقع في مجلد كبير طبع بإيران. ويأتي بالمرتبة الثانية للطالب المبتدىء.

3 ـ كتاب (كفاية الأصول) للمحقق الشيخ الملا محمد كاظم الخراساني الشهير بالأخوند المتوفى سنة 1329هـ. يقع في ثلاثة أجزاء، ووصف كتابه بأنه صار كتاباً نهائياً لمدرسة الأصول لما حوى من تحقيق وتدقيق فكري عال في علم الأصول. طبع في إيران وبغداد عدة طبعات.

4 ـ كتاب (الرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ من أهم الكتب الأصولية يقع في مجلد واحد عبر بحق عن الفكر العلمي الذي تمثل في هذه المرحلة من النضج الذهني، والعمق والسعة.

وهذان الكتابان (الكفاية والرسائل) بالمرتبة الأخيرة يتناولهما الطالب الديني فإذا أكملهما فقد أكمل دورة أصولية عامة.

5 ـ (أصول المظفر) لمؤلفه الشيخ محمد رضا المظفر المتوفى سنة 1383هـ يقع في ثلاثة أجزاء وهي محاضرات ألقاها مؤلفها على طلاب كلية الفقه في النجف الأشرف بصورة منظمة تناول فيها بحوث الأصول بأسلوب خال من التعقيد، وعندما صدر إلى عالم الظهور، أخذ طلاب الجامعة النجفية بدراسته للمميزات التي يتمتع به.

هذه هي أشهر الكتب المقررة للتدريس في الجامعة النجفية، وعندما تذكر هذه الكتب فليس معناه أن هذه المجموعة هي الأول والآخر، إنما هناك عدد من المؤلفات القيمة في جميع العلوم التي مرّ ذكرها، ولكنها أما ليست بالمستوى الفكري للجامعة، أو أنها غير متعارفة لعمق بحوثها وعدم تمكن الطالب من استيعابها.

محلات الدراسة في النجف

لم تتقيد جامعة النجف بمحل واحد للدراسة، إنما نراها تتخذ من الجوامع والمدارس (الأقسام الداخلية) والصحن الشريف مكاناً للتدريس. ومن أجل تنوير الباحث نعطي صورة موجزة عن هذه المرافق التدريسية:

آ ـ الصحن الشريف:

لم يكن اتخاذ الصحن الشريف الحيدري مكاناً للتدريس حديثاً، إنما يرجع تاريخه إلى العهد البويهي، حينما بناه عضد الدولة البويهي فبنى غرفاً للصحن.

ولقد اعتاد طلاب العلم أن يعقدوا في هذه الغرف والإيوانات الحلقات التدريسية، وربما تعدى إلى ساحة الصحن نفسه (1).

ب ـ الجوامع (المساجد):

في النجف جوامع كثيرة قديمة العهد، منتثرة هنا وهناك، ولقد اتخذ طلاب العلوم الدينية من بعضها مركزاً للتدريس والبحث، ونأتي على ذكر أهمها:

1 ـ مسجد عمران: وهو المسجد المنسوب إلى عمران بن شاهين (1)، وهو من أقدم المساجد النجفية، وأبعدها صيتاً، ويمكن أن ندعي أنه كان من قديم الزمان مركزاً للتدريس فهو يقع في مدخل الصحن الحيدري من جانب باب الطوسي، ويرجع عهده إلى أواسط القرن الرابع الهجري. ويعقد الآن فيه بحث الإمام السيد محسن الحكيم.

2 ـ مسجد الخضراء: وينسبه البراقي إلى علي بن المظفر، وهو من المساجد القديمة البعيدة العهد، وموقعه شرقي الصحن بالقرب من الجهة الشمالية، وله باب من الصحن الحيدري، كما له باب من الشارع العام.

وقد اتخذ مقراً للتدريس والبحث، ويعقد فيه الآن بحث الإمام السيد أبي القاسم الخوئي.

3 ـ مسجد الشيخ الطوسي: وهو من المساجد القديمة، كان داراً لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، وبعد وفاته عام 460 أوصى أن يجعل مسجداً من بعده، ويعتبر هذا الجامع مركزاً للعلم والتحصيل في كل أدواره، ويقع في محلة المشراق من الجهة الشمالية من الصحن في أول شارع الطوسي اليوم، وبإزائه مقبرة السيد محمد مهدي بحر العلوم.

4 ـ مسجد الهندي (1): وأسس هذا المسجد في أوائل القرن الثالث عشر الهجري في عصر الشيخ حسين نجف الكبير، ومن حين تأسيسه اتخذه طلاب العلوم الدينية مركزاً للدرس، يجتمع فيه أكثر أهل العلم، وتعقد فيه عشرات الحلقات لفضلاء العصر. بالإضافة إلى بحث الإمام السيد محمود الشاهرودي ويقع في آخر سوق البزازين الواقع قبلة الصحن الشريف، وله باب اليوم على شارع الرسول.

5 ـ مسجد الشيخ مرتضى: ولم يكن هذا المسجد بالمرتبة الأولى غير أنه من حين تعميره حتى الآن اتخذ محلاً للتدريس والتحصيل، فلقد أسس ـ بإيعاز من الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ، وقد اتخذه الإمام السيد محمد كاظم الباطبائي اليزدي مركزاً لدرسه، ثم اتخذه الإمام السيد عبدالهادي الشيرازي مقراً لبحثه، واليوم يلقي فيه الإمام الخميني درسه.

هذه هي المساجد التي كانت، وما زالت مركزاً للتدريس، والأبحاث الخارجية المهمة، وهناك عدد من المساجد غير رئيسية قد اتخذت للبحوث الصغيرة، كمسجد الرأس الذي يقع في الصحن الحيدري تحت الطاق، ومسجد الصاغة والذي يقع في آخر سوق الصاغة من السوق الكبير، كذلك مسجد آل الجواهري، والذي يقع في محلة العمارة وكذلك مسجد العلامة الشيرازي المتوفى سنة 1312هـ، وكان محلاً لدرس الزعيم الروحاني السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي قبل هجرته إلى سامراء، إلى غير ذلك من المساجد الكثيرة التي تعقد فيها الحلقات الخاصة للدرس.

جـ  المدارس:

وهذا مرفق ثالث، اتخذ منه المدرسون مقراً لحلقاتهم الدراسية، وأن كثيراً من هذه المدارس اليوم تعتبر بمثابة قاعات للمحاضرات والتدريسات إلى جانب كونها أقساماً داخلية ومنازل للطلاب من الغرباء أو الذين لم تتوفر لهم في بيوتهم غرف للمطالعة والدرس.

أهم المصادر التي اعتمدها الكاتب

فرحة الغري.

الكنى والألقاب.

رجال العلامة الحلي.

رجال الماقمقاني.

من لا يحضره الفقيه.

رجال النجاشي.

ماضي النجف وحاضرها.

تاريخ الكوفة للبراقي.

يتيمة الدهر للثعالبي.

الإعلام للزركلي.

حديث الجامعة النجفية.

رجال الطوسي.

خصال الصدوق.

البداية والنهاية لابن كثير.

مرآة الجنان.

الصادق ـ للمظفر.

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر.

نزهة القلوب للمستوفي.

تفسير التبيان للشيخ الطوسي.

نظرات في الذريعة ـ للدكتور مصطفى جواد.

دمية القصر.

الدرجات الرفيعة.

تاريخ الخلفاء للسيوطي.

النجوم الزاهرة لابن تغري.

طبقات الشافعية للسبكي.

كشف الظنون.

المنتظم لابن الجوزي.

لسان الميزان لابن حجر.

المعالم الجيدة للسيد محمد باقر الصدر.

تلخيص الشافي ـ المقدمة.

الذريعة إلى تصانيف الشيعة للشيخ أغابزرك.

شذرات الذهب في أخبار من ذهب.

رجال ابن داود.

أمل الآمل.

روضات الجنات.

بغية الوعاة.

رحلة ابن بطوطة.

تأريخ العراق بين احتلالين.

تحفة العالم للسيد جعفر بحر العلوم.

دليل القضاء الشرعي للسيد محمد صادق بحر العلوم.

تاريخ الشعشعيني.

رجال السيد بحر العلوم.

جامعة النجف في عصرها الحاضر للشيخ محمد تقي الفقيه.