ثقافتنا اللغوية في عصر المغول الشيخ محمد رضا الشبيبي

 

 

 

في أوائل النصف الثاني من المائة السابعة استولى المغول على العراق وأزالو الدولة العباسية من الوجود وذلك بعد استيلائهم على المشرق وفارس حيث قامت لهم دولة معروفة تسمى “الإيلخانية” وقد تسمى “الإيلية” اختزالاً، وأول من أطلق عليها هذا الإسم المختزل مؤرخ العراق إبن الفوطي، والمغول في الأصل قبائل بدوية جافة مواطنها الأصلية معروفة في الشرق الأقصى، ثم بدأت تزحف وتجتاح مراكز الحضارة الإسلامية منذ مستهل المائة السابعة، ولم يكن لحكامهم بد من الإستعانة في إدارة شؤون هذا الملك العظيم بطبقة ممتازة من أهل البلاد فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.

لم يمنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولهذه العلة أخذت بطانة المغول من هؤلاء المسلمين غالباً بصنيع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية وشاع استعمال لغة المغول نفسها في البلاد التي خفقت عليها رايات الدولة الجديدة واضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين والناس على دين ملوكهم ولا مناص للمغلوب من تقليد الغالب.

عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة وهي اللغات التي عرفت في العراق على ذلك العهد لوم يقفوا على هذا الحد بل شرعوا بالكتابة والتأليف فيها ومن الطريف أن بعضهم وضع رسائل وكتباً عن فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.

عرف إثنان من علماء العراق بحذق هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها أولهم الأخباري المصنف جمال الدين مهنا، والثاني مؤرخ العراق الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بإبن الفوطي.

جمال الدين بن مهنا

جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف الأديب من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن جل مشايخ المؤرخ إبن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه “تلخيص مجمع الآداب” وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه “العلامة” وابن مهنا لهذا ممن عنينا كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم وجمع أخبارهم والتنقيب عن مصنفاتهم بين أعلام العراق في الفترة المذكورة وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجوّد عُني بتاريخ بلاده في عصر عصيب هو عصر الدولة المغولية، وقد سمى له إبن الفوطي الكتب الآتية:

“وزراء الزوراء” لطائف المعاني في شعراء “زماني” “المشجر في الأنساب” وهذه الكتب الثلاثة من مصادر إبن الفوطي في معجماته التاريخية.

جلية الإنسان وحلية اللسان

ضاعت جل مؤلفات ابن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا استثنينا كتاباً لغوياً طريفاً له وقفنا عليه في الآونة الأخيرة سماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية واتصلوا بمختلف طبقاتها وأنه تمكن من تلك اللغات التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتابه المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها ونحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.

ويبدو لنا من تضاعيف الكتاب أن ابن منها عُني قبل استيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وأنه تضلع في الدراسات المذكورة حتى جارى أو فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالت حظاً من عناية العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة وسبق ذلك عصر الإنتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في خراسان وفارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.

لم توجد من هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف وإنما وجدت بعض نسخه في بعض مكتبات الإستانة ودور التحف في الغرب، وعُني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903، وعُني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلتها، ونشر الكتاب بعد ذلك بإشراف وزارة المعارف التركية وليس في هذه النسخ جميعها ما يدل على اسم الناسخ وتاريخ النسخة، وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عُني بنسخته وعلّم على مواضع منها بالحمرة كما أشار إلى ذلك (ص74 من المطبوع) وقد خلط المستشرقون الغربيون وغيرهم في محاولة الإهتداء إلى اسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الإشتراك في التسمية.

محتويات الكتاب

والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية الثانية في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف اعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيه، الغالب أنها هي المقصودة بكلمة المؤلف التي ستطلع عليها في المقدمة وهذه أسماء الكتب المذكورة:

1 – نادر الدهر على لغة ملك العصر[1].

2 – الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خولرزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين[2].

3 – كتاب حلى الملك[3].

4 – كتاب تحفة الملك[4].

5 – كتاب طبايع الحيوان[5] الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المرزوي ذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418 ويلاحظ أن هذه الكتب الخمسة كلها ذكرت في قسم اللغة التركية من الكتاب.

هذه هي الكتب التي ذكرها المؤلف ويلاحظ أنها من جملة الكتب التي فاتت صاحب كشف الظنون ورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته ويقول ابن مهنا في ديباجة كتابه ما يلي: وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودروسه أو حفظه وأنه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره. إما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه فانضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم؟ الناس على دين ملوكهم فعطفت حينئذٍ على وضع من اللغات قريب الإلتماس بعيد الإلتباس محتو على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها استعمالاً وأشهرها مقالاً وفي كل أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.

هذا بعض ما قاله جمال الدين ابن مهنا في مقدمة كتابه وقد قسم المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى إلى فصول في قواعد هذه اللغة وفي شواذ الألفاظ والأمثال الفارسية ذكر قواعد الجمع والتصغير والنسب والنفي والسلب والمفاضلة والتنكير والتعريف والإضافات وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة جاء فيه “إعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو يثقل مخففها وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب فإن أخلت بضبطها بُعد المعنى بل فسد وتلك الحروف: خمسة الجيم والزاء والفاء والياء والكاف” ورسم المؤلف تحت كل من هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية قال فيه: اعلم أن حروف اللغة الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مضطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاثة منفردة وهي “العين والثاء والقاف”.

قسم اللغة التركية

وهو يتلو قسم اللغة الفارسية وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وفيه بحوث في هجاء اللغة المذكورة وفي نواقص حروفها عن حروف هجاء العربية وفي انفراد التركية عن العربية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي “ب ج ر ف لُ” وعلامة هذه الحروف ثلاث نقط مثناة رسم تحت الحرف بشكل نقط التاء ثم أشار المؤلف إلى صور النطق لهذه الحروف فقال “والنطق بحرف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد القاف” وفي آخر هذا الفصل قال ابن مهنا “إعلم أن اللغة لتركية منشأها بالإصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها سرعة التكلم وانطلاق النطق واختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز واعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات” قال ابن مهنا ذلك وانتقل بعده إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحره في فنون اللغة المذكورة.

قسم اللغة المغولية

وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول وهو أبسط الأقسام والبحوث في القواعد العامة في هذا القسم قليلة إذا استثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة قال ابن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب “اعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخل في ألفاظها أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الروسية وجميع ذلك أو يناسبه إنما هو لقرب المجاورة وكثرة المحاورة واجتذاب الأقل من الأكثر طلباً للتمام والكمال”.

محمد رضا الشبيبي

القسم الثاني

تضمن القسم الأول من هذا البحث نبذة عن تحديد عصر المغول وأنه عصر عصيب لم يجد العراقيون بداً فيه من درس بعض اللغات الأعجمية التي استخدمها الفاتحون في الدواوين وكانوا يتراسلون بها أو يتحدثون، وأشهر هذه اللغات ثلاث (الفارسية والتركية والمغولية).

كانت الفارسية إحدى اللغات التي عولوا عليها في الدواوين وفي كتابة الرسائل وألفت فيها كتب غير قليلة في الفترة المذكورة بيد أنها لم تلحق شأو العربية في ذلك، وجاءت التركية بعد الفارسية وكثر استعمال المغول وغيرهم لها في الأحاديث والمخاطبات لكثرة عدد الألفاظ التركية الواردة في كلام المغول، أما المغولية فكانت لغة رجال الجيش والقادة وفريق من ذوي المناصب والغالب أن المغول من هذه الطبقات كانوا حريصين حرصاً شديداً على الإحتفاظ بلغتهم في الحديث والمخاطبات فإنها لغة تلك القبائل البدوية الغازية التي اجتاحت الشرق بمن بخارى وتركستان فيم وراء النهر ثم عبرت في موجات جارفة إلى بلاد خراسان وفارس وأذربيحان والروم والعراق إلى إقليم حلب والشام ولم تكن هذه اللغة صالحة للكتابة والتأليف كما هو الحال في الفارسية والتركية وإن كانوا يكتبون أحياناً بها في ذلك العهد ولكن الضرورة ألجأت فريقاً من أبناء العراق إلى تعلم اللغة المغولية المذكورة كما ألجأت أخرى إلى حذق الفارسية والتركية.

اشتهر اثنان من أعلام العراق الذين وصلت إلينا تآليفهم بحذق هذه اللغات.

أولهما: ابن مهنا وقد مضى التعريف به وبكتابه النفيس الذي أسماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” وهو في جملته بحث مقارن دقيق في هذه اللغات يدل على حذق ومهارة وإحاطة تامة بفنون اللغات المذكورة.

أما العالم الثاني من علماء العراق الذين دلت مصنفاتهم على تبحرهم وحذقهم لهذه اللغات الثلاث فهو مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بابن الفوطي وقد أفردت لترجمته والبحث في سيرته والتعريف بصفاته كتاباً يقع في ثلاثة أجزاء هذا ولم يكن ابن الفوطي مختاراً في تعلم تلك اللغات إلى حد الإحاطة بها وبلهجتها وخصائصها وآدابها وإنما تعلمها بعد وقوعه أسيراً بأيدي المغول في واقعة بغداد فأبعد عن العراق وخالط المغول فصار يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويعيش في معسكراتهم أو ثكناتهم ومعنى الأسر في تلك العصور لا يعدو الإستعباد ومعنى الأسير المستعبد المكدود.

هكذا بقي ابن الفوطي الأسير فترة من الزمان تعلم فيها المغولية والتركية. وكان قبل ذلك عارفاً بالفارسية والظاهر أن المسلمين من رجال الديوان في الدولة الإيلخانية المغولية فطنوا إلى عناء الأسرى العراقيين المستعبدين في معسكرات المغول فعنوا بإنقاذهم أو بإنقاذ من تمكنوا من إنقاذه منهم وكان ابن الفوطي في جملتهم وحينما توسموا فيه الذكاء النادر والإجتهاد البالغ ألحقوه بمعاهدهم العلمية وكان لنصير الدين الطوسي اليد الطولى في تعليمه وتخريجه في العلوم والفنون الرياضية والفلسفية وإكبابه على التصنيف وانقطاعه للبحث والدراسة حتى خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية وأشهر مصنفاته كتابه الذي سماه “مجمع الآداب” لخصه في نحو ستة أجزاء من أصل خمسين مجلداً وقع إلينا منها جزءان نادران بخط المؤلف نفسه.

على ما وقع إلينا من أجزاء هذا الكتاب عولنا في دراسة عصر المغول في العراق ومميزات العصر المذكور فإن ابن الفوطي رسم لنا صورة حية من تاريخ العراق وأحواله الاجتماعية والثقافية والسياسية.

يترجم ابن الفوطي في معجمه لعدد من حذقة اللغات الأعجمية الثلاث منوهاً ببراعتهم وحذقهم فيها وأكثرهم من كبار رجال الديوان والأعمال في عصره وممن أسندت إليهم المناصب العليا في الدولة من علمية وإدارية وسياسية وفيهم جماعة من العراقيين أو نزلاء العراق من جوالي الترك والفرس والمغول.

وكان ابن الفوطي نفسه يجيد التحدث والكتابة في اللغات الأعجمية المذكورة وخاصة اللغة الفارسية بل كان يعاني النظم في اللغة المذكورة وفي معجمه أمثلة من نظمه في تلك اللغة وما من شك في أنه كان يحسن التحدث باللغتين التركية والمغولية وشأنه في ذلك شأن أستاذه ابن مهنا إن لم نزد عليه وفي معجمه ما يدل على أن خبرته تناولت معرفة اللهجات المغولية والتركية على اختلافها وتعددها ومعنى ذلك أنه مارس المغول واندمج في بيئتهم ولولا أنه وهب دقة الملاحظة ولطف النظر لما رأينا له تلك الخبرة في اللهجات المغولية والأمثلة على ذلك غير قليلة في معجمه من ذلك ما قاله في ترجمة غزَّال عراقي يتكلم المغولية وهذا نصه:

“جمال الدين أبو المحاسن أحمد يعرف بابن الشديدي له نظم حسن وكان يلبس القميص والقباء” ومعنى قوله هذا أن زيهم في مراغة وأذربيجان كان زي المغول هو السراويل والصدريات المتخذة من اللباد والفراء والصوف فلا قميص ولا قباء في بلاد المغول ومعنى ذلك أيضاً أن ابن الشديدي المذكور كان محافظاً على زيه القومي في ديار العجم. وقال ابن الفوطي بعد ذلك عن ابن الشديدي ما هذا نصه: “وكان يتكلم المغولية بدون تفخيم الألفاظ من غير معرفة بها” ومعنى هذا القول أن منطق المغول يتميز بتفخيم الألفاظ ولا يلاحظ ذلك إلا من كانت له خبرة بلهجة المغول وفي آخر هذه الترجمة يقول ابن الفوطي “ذكرته في التاريخ” وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 675.

ويقول أيضاً في ترجمة مظفر الدين فتلغ ابن إبراهيم يعرف بشحنة حربي نزيل بغداد التركي الأمير الترجمان “شاب كيس وهو من أولاد الأمراء وهو الترجمان في الدبوان يترجم الكلام التركي والإيغوري والفارسي باللغة العربية الفصيحة والعبارات المترجمة الصحيحة رأيته وهو دمث الأخلاق”.

كفايات نادرة

وفي ترجمة فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي يقول ابن الفوطي كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا، “وقد تكتب الخناء بالقاء” وما وراء النهر وخوارزم وكان مع هذا الدعاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية، (لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة وبتدبيره السديد انتظم للمغول ملكهم، وختم ابن الفوطي ترجمة هذا الوزير بالإشارة إلى ذكر والده برهان الدين.

ابن الفوطي وآداب اللغة الفارسية

للعراقيين إلمام باللغة الفارسية أكثر من أي لغة شرقية أخرى وإلى رابطة الجوار وغيرها من الصلات التجارية والاقتصادية مرد عناية من عُني منهم باللغة المذكورة والواقع أن درس الفارسية في العراق قديم يرجع إلى عصر الفتوح الإسلامية بل إلى أبعد من ذلك أي إلى عهد الساسانيين في العراق قبل الإسلام وفي تاريخ المناذرة ملوك الحيرة وصلاتهم بالفرس شواهد كثيرة على ذلك ومن هذه الناحية نلاحظ أن عدد الألفاظ الفارسية المعربة تربو على عدد الألفاظ المعربة من الهندية والإغريقية والسريانية والعبرية والحبشية.

فلا عيب إذا شاع استعمال الفارسية أكثر من غيرها في عصر المغول وغيره من العصور ولا بدع إذا ظهر من العراقيين نقلة وتراجمة حذاق من هذه اللغة إلى العربية وبالعكس وهكذا قل في اللغتين التركية والمغولية في عصر المغول.

حذق ابن الفوطي لغة الفرس حذقاً تاماً واطلع على آدابها نظماً ونثراً كما يبدو لنا ذلك واضحاً من مواضيع كثيرة في معجمه فهو يذكر شعراء الفرس وأدباءهم مشيراً إلى مميزات كل واحد منهم وخصائص أدبه ويترجم لهم ويذكر أيضاً مفاوضته ومذكرته لهم بالفارسية والأمثلة على ذلك كثيرة فيما وصل إلينا من أجزاء معجمه المسمى (تلخيص مجمع الآداب” من ذلك ما كتبه في المعجم عن هبة الله بن همكر الوزير الشيرازي قائلاً “رأيته بحضرة مولانا نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي وهو – يعني هبة الله الشيرازي – مليح الهيئة حسن الشكل خدم في ديوان أتابك صاحب شيراز وله ديوان حسن في جميع الفنون كتبت عنه بالرمد سنة 670 وسألته هل نظم شعراً بالعربية فقال لا. ومعنى هذا أن ديوان ابن همكر الذي اطلع عليه، نظم باللغة الفارسية وأن ابن الفوطي فاوض صاحبه باللغة المذكورة.

قرأ ابن الفوطي أضخم مجموعة شعرية من دواوين شعراء العجم المعروفة في عصره ورسائل المترسلين بالفارسية قلما قرأها غيره ولا نستثني من ذلك كله أدباء الفرس أنفسهم وفي جملة هذه المجموعة الشعرية الضخمة دواوين لأشهر شعرائهم في عصور الساسانيين والسلاجقة وعصور المغول بعد ذلك وهو يعني بذكر هذه الدواوين ديواناً ديواناً وكتاباً كتاباً.

وما أكثر الأمثلة على ذلك في كتابه فهو يقول في ترجمة كريم الدين بن إبراهيم السروري من رؤساء أذربيجان ما يأتي “رأيته بسراو وكان قد حصل لي بخدمته أنس وحمل إلى مدة إقامتي بسراو دواوين العجم كديوان (المعزى) من شعراء ملك شاه السلجوقي وعدد أبياته خمسة عشر ألف بيت وديوان (العنصري) المتوفى سنة 450هـ في نحو ثلاثين ألف بيت وديوان (اللامعي) إلى غير ذلك وهي دواوين ومجامع شعرية معروفة في تاريخ آداب اللغة الفارسية أكب ابن الفوطي على قراءتها لما كان نزيل (سراو) من بلاد أذربيجان.

والخلاصة جاءت بحوث ابن الفوطي عن أولئك الشعراء وعن الأدب الفارسي بشكل عام متميزة بالدقة موسومة بالعمق والتحقيق فلا نبالغ إذا قلنا أن صاحبنا كان إماماً يرجع إلى رأيه في آداب اللغة الفارسية.

هذا قليل من كثير في الشواهد الواردة في معجم ابن الفوطي على تضلعه في آداب تلك اللغات الأعجمية وفي وسعنا مضاعفة الشواهد المذكورة ولكنا نكتنفي بهذا المقدار الآن والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

[1]. (1) 93 – 101.

[2]. 96.

[3]. 129.

[4]. 129.

[5]. 185.

ثقافتنا اللغوية في عصر المغول

بحث ألقي في دورة المجمع اللغوي الرابعة والعشرين

الشيخ محمد رضا الشبيبي

عضو المجامع العلمية في

بغداد والقاهرة ودمشق

القسم الأول

في أوائل النصف الثاني من المائة السابعة استولى المغول على العراق وأزالو الدولة العباسية من الوجود وذلك بعد استيلائهم على المشرق وفارس حيث قامت لهم دولة معروفة تسمى “الإيلخانية” وقد تسمى “الإيلية” اختزالاً، وأول من أطلق عليها هذا الإسم المختزل مؤرخ العراق إبن الفوطي، والمغول في الأصل قبائل بدوية جافة مواطنها الأصلية معروفة في الشرق الأقصى، ثم بدأت تزحف وتجتاح مراكز الحضارة الإسلامية منذ مستهل المائة السابعة، ولم يكن لحكامهم بد من الإستعانة في إدارة شؤون هذا الملك العظيم بطبقة ممتازة من أهل البلاد فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.

لم يمنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولهذه العلة أخذت بطانة المغول من هؤلاء المسلمين غالباً بصنيع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية وشاع استعمال لغة المغول نفسها في البلاد التي خفقت عليها رايات الدولة الجديدة واضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين والناس على دين ملوكهم ولا مناص للمغلوب من تقليد الغالب.

عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة وهي اللغات التي عرفت في العراق على ذلك العهد لوم يقفوا على هذا الحد بل شرعوا بالكتابة والتأليف فيها ومن الطريف أن بعضهم وضع رسائل وكتباً عن فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.

عرف إثنان من علماء العراق بحذق هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها أولهم الأخباري المصنف جمال الدين مهنا، والثاني مؤرخ العراق الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بإبن الفوطي.

جمال الدين بن مهنا

جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف الأديب من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن جل مشايخ المؤرخ إبن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه “تلخيص مجمع الآداب” وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه “العلامة” وابن مهنا لهذا ممن عنينا كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم وجمع أخبارهم والتنقيب عن مصنفاتهم بين أعلام العراق في الفترة المذكورة وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجوّد عُني بتاريخ بلاده في عصر عصيب هو عصر الدولة المغولية، وقد سمى له إبن الفوطي الكتب الآتية:

“وزراء الزوراء” لطائف المعاني في شعراء “زماني” “المشجر في الأنساب” وهذه الكتب الثلاثة من مصادر إبن الفوطي في معجماته التاريخية.

جلية الإنسان وحلية اللسان

ضاعت جل مؤلفات ابن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا استثنينا كتاباً لغوياً طريفاً له وقفنا عليه في الآونة الأخيرة سماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية واتصلوا بمختلف طبقاتها وأنه تمكن من تلك اللغات التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتابه المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها ونحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.

ويبدو لنا من تضاعيف الكتاب أن ابن منها عُني قبل استيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وأنه تضلع في الدراسات المذكورة حتى جارى أو فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالت حظاً من عناية العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة وسبق ذلك عصر الإنتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في خراسان وفارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.

لم توجد من هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف وإنما وجدت بعض نسخه في بعض مكتبات الإستانة ودور التحف في الغرب، وعُني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903، وعُني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلتها، ونشر الكتاب بعد ذلك بإشراف وزارة المعارف التركية وليس في هذه النسخ جميعها ما يدل على اسم الناسخ وتاريخ النسخة، وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عُني بنسخته وعلّم على مواضع منها بالحمرة كما أشار إلى ذلك (ص74 من المطبوع) وقد خلط المستشرقون الغربيون وغيرهم في محاولة الإهتداء إلى اسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الإشتراك في التسمية.

محتويات الكتاب

والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية الثانية في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف اعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيه، الغالب أنها هي المقصودة بكلمة المؤلف التي ستطلع عليها في المقدمة وهذه أسماء الكتب المذكورة:

1 – نادر الدهر على لغة ملك العصر[1].

2 – الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خولرزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين[2].

3 – كتاب حلى الملك[3].

4 – كتاب تحفة الملك[4].

5 – كتاب طبايع الحيوان[5] الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المرزوي ذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418 ويلاحظ أن هذه الكتب الخمسة كلها ذكرت في قسم اللغة التركية من الكتاب.

هذه هي الكتب التي ذكرها المؤلف ويلاحظ أنها من جملة الكتب التي فاتت صاحب كشف الظنون ورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته ويقول ابن مهنا في ديباجة كتابه ما يلي: وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودروسه أو حفظه وأنه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره. إما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه فانضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم؟ الناس على دين ملوكهم فعطفت حينئذٍ على وضع من اللغات قريب الإلتماس بعيد الإلتباس محتو على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها استعمالاً وأشهرها مقالاً وفي كل أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.

هذا بعض ما قاله جمال الدين ابن مهنا في مقدمة كتابه وقد قسم المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى إلى فصول في قواعد هذه اللغة وفي شواذ الألفاظ والأمثال الفارسية ذكر قواعد الجمع والتصغير والنسب والنفي والسلب والمفاضلة والتنكير والتعريف والإضافات وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة جاء فيه “إعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو يثقل مخففها وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب فإن أخلت بضبطها بُعد المعنى بل فسد وتلك الحروف: خمسة الجيم والزاء والفاء والياء والكاف” ورسم المؤلف تحت كل من هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية قال فيه: اعلم أن حروف اللغة الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مضطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاثة منفردة وهي “العين والثاء والقاف”.

قسم اللغة التركية

وهو يتلو قسم اللغة الفارسية وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وفيه بحوث في هجاء اللغة المذكورة وفي نواقص حروفها عن حروف هجاء العربية وفي انفراد التركية عن العربية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي “ب ج ر ف لُ” وعلامة هذه الحروف ثلاث نقط مثناة رسم تحت الحرف بشكل نقط التاء ثم أشار المؤلف إلى صور النطق لهذه الحروف فقال “والنطق بحرف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد القاف” وفي آخر هذا الفصل قال ابن مهنا “إعلم أن اللغة لتركية منشأها بالإصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها سرعة التكلم وانطلاق النطق واختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز واعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات” قال ابن مهنا ذلك وانتقل بعده إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحره في فنون اللغة المذكورة.

قسم اللغة المغولية

وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول وهو أبسط الأقسام والبحوث في القواعد العامة في هذا القسم قليلة إذا استثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة قال ابن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب “اعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخل في ألفاظها أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الروسية وجميع ذلك أو يناسبه إنما هو لقرب المجاورة وكثرة المحاورة واجتذاب الأقل من الأكثر طلباً للتمام والكمال”.

محمد رضا الشبيبي

القسم الثاني

تضمن القسم الأول من هذا البحث نبذة عن تحديد عصر المغول وأنه عصر عصيب لم يجد العراقيون بداً فيه من درس بعض اللغات الأعجمية التي استخدمها الفاتحون في الدواوين وكانوا يتراسلون بها أو يتحدثون، وأشهر هذه اللغات ثلاث (الفارسية والتركية والمغولية).

كانت الفارسية إحدى اللغات التي عولوا عليها في الدواوين وفي كتابة الرسائل وألفت فيها كتب غير قليلة في الفترة المذكورة بيد أنها لم تلحق شأو العربية في ذلك، وجاءت التركية بعد الفارسية وكثر استعمال المغول وغيرهم لها في الأحاديث والمخاطبات لكثرة عدد الألفاظ التركية الواردة في كلام المغول، أما المغولية فكانت لغة رجال الجيش والقادة وفريق من ذوي المناصب والغالب أن المغول من هذه الطبقات كانوا حريصين حرصاً شديداً على الإحتفاظ بلغتهم في الحديث والمخاطبات فإنها لغة تلك القبائل البدوية الغازية التي اجتاحت الشرق بمن بخارى وتركستان فيم وراء النهر ثم عبرت في موجات جارفة إلى بلاد خراسان وفارس وأذربيحان والروم والعراق إلى إقليم حلب والشام ولم تكن هذه اللغة صالحة للكتابة والتأليف كما هو الحال في الفارسية والتركية وإن كانوا يكتبون أحياناً بها في ذلك العهد ولكن الضرورة ألجأت فريقاً من أبناء العراق إلى تعلم اللغة المغولية المذكورة كما ألجأت أخرى إلى حذق الفارسية والتركية.

اشتهر اثنان من أعلام العراق الذين وصلت إلينا تآليفهم بحذق هذه اللغات.

أولهما: ابن مهنا وقد مضى التعريف به وبكتابه النفيس الذي أسماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” وهو في جملته بحث مقارن دقيق في هذه اللغات يدل على حذق ومهارة وإحاطة تامة بفنون اللغات المذكورة.

أما العالم الثاني من علماء العراق الذين دلت مصنفاتهم على تبحرهم وحذقهم لهذه اللغات الثلاث فهو مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بابن الفوطي وقد أفردت لترجمته والبحث في سيرته والتعريف بصفاته كتاباً يقع في ثلاثة أجزاء هذا ولم يكن ابن الفوطي مختاراً في تعلم تلك اللغات إلى حد الإحاطة بها وبلهجتها وخصائصها وآدابها وإنما تعلمها بعد وقوعه أسيراً بأيدي المغول في واقعة بغداد فأبعد عن العراق وخالط المغول فصار يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويعيش في معسكراتهم أو ثكناتهم ومعنى الأسر في تلك العصور لا يعدو الإستعباد ومعنى الأسير المستعبد المكدود.

هكذا بقي ابن الفوطي الأسير فترة من الزمان تعلم فيها المغولية والتركية. وكان قبل ذلك عارفاً بالفارسية والظاهر أن المسلمين من رجال الديوان في الدولة الإيلخانية المغولية فطنوا إلى عناء الأسرى العراقيين المستعبدين في معسكرات المغول فعنوا بإنقاذهم أو بإنقاذ من تمكنوا من إنقاذه منهم وكان ابن الفوطي في جملتهم وحينما توسموا فيه الذكاء النادر والإجتهاد البالغ ألحقوه بمعاهدهم العلمية وكان لنصير الدين الطوسي اليد الطولى في تعليمه وتخريجه في العلوم والفنون الرياضية والفلسفية وإكبابه على التصنيف وانقطاعه للبحث والدراسة حتى خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية وأشهر مصنفاته كتابه الذي سماه “مجمع الآداب” لخصه في نحو ستة أجزاء من أصل خمسين مجلداً وقع إلينا منها جزءان نادران بخط المؤلف نفسه.

على ما وقع إلينا من أجزاء هذا الكتاب عولنا في دراسة عصر المغول في العراق ومميزات العصر المذكور فإن ابن الفوطي رسم لنا صورة حية من تاريخ العراق وأحواله الاجتماعية والثقافية والسياسية.

يترجم ابن الفوطي في معجمه لعدد من حذقة اللغات الأعجمية الثلاث منوهاً ببراعتهم وحذقهم فيها وأكثرهم من كبار رجال الديوان والأعمال في عصره وممن أسندت إليهم المناصب العليا في الدولة من علمية وإدارية وسياسية وفيهم جماعة من العراقيين أو نزلاء العراق من جوالي الترك والفرس والمغول.

وكان ابن الفوطي نفسه يجيد التحدث والكتابة في اللغات الأعجمية المذكورة وخاصة اللغة الفارسية بل كان يعاني النظم في اللغة المذكورة وفي معجمه أمثلة من نظمه في تلك اللغة وما من شك في أنه كان يحسن التحدث باللغتين التركية والمغولية وشأنه في ذلك شأن أستاذه ابن مهنا إن لم نزد عليه وفي معجمه ما يدل على أن خبرته تناولت معرفة اللهجات المغولية والتركية على اختلافها وتعددها ومعنى ذلك أنه مارس المغول واندمج في بيئتهم ولولا أنه وهب دقة الملاحظة ولطف النظر لما رأينا له تلك الخبرة في اللهجات المغولية والأمثلة على ذلك غير قليلة في معجمه من ذلك ما قاله في ترجمة غزَّال عراقي يتكلم المغولية وهذا نصه:

“جمال الدين أبو المحاسن أحمد يعرف بابن الشديدي له نظم حسن وكان يلبس القميص والقباء” ومعنى قوله هذا أن زيهم في مراغة وأذربيجان كان زي المغول هو السراويل والصدريات المتخذة من اللباد والفراء والصوف فلا قميص ولا قباء في بلاد المغول ومعنى ذلك أيضاً أن ابن الشديدي المذكور كان محافظاً على زيه القومي في ديار العجم. وقال ابن الفوطي بعد ذلك عن ابن الشديدي ما هذا نصه: “وكان يتكلم المغولية بدون تفخيم الألفاظ من غير معرفة بها” ومعنى هذا القول أن منطق المغول يتميز بتفخيم الألفاظ ولا يلاحظ ذلك إلا من كانت له خبرة بلهجة المغول وفي آخر هذه الترجمة يقول ابن الفوطي “ذكرته في التاريخ” وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 675.

ويقول أيضاً في ترجمة مظفر الدين فتلغ ابن إبراهيم يعرف بشحنة حربي نزيل بغداد التركي الأمير الترجمان “شاب كيس وهو من أولاد الأمراء وهو الترجمان في الدبوان يترجم الكلام التركي والإيغوري والفارسي باللغة العربية الفصيحة والعبارات المترجمة الصحيحة رأيته وهو دمث الأخلاق”.

كفايات نادرة

وفي ترجمة فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي يقول ابن الفوطي كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا، “وقد تكتب الخناء بالقاء” وما وراء النهر وخوارزم وكان مع هذا الدعاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية، (لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة وبتدبيره السديد انتظم للمغول ملكهم، وختم ابن الفوطي ترجمة هذا الوزير بالإشارة إلى ذكر والده برهان الدين.

ابن الفوطي وآداب اللغة الفارسية

للعراقيين إلمام باللغة الفارسية أكثر من أي لغة شرقية أخرى وإلى رابطة الجوار وغيرها من الصلات التجارية والاقتصادية مرد عناية من عُني منهم باللغة المذكورة والواقع أن درس الفارسية في العراق قديم يرجع إلى عصر الفتوح الإسلامية بل إلى أبعد من ذلك أي إلى عهد الساسانيين في العراق قبل الإسلام وفي تاريخ المناذرة ملوك الحيرة وصلاتهم بالفرس شواهد كثيرة على ذلك ومن هذه الناحية نلاحظ أن عدد الألفاظ الفارسية المعربة تربو على عدد الألفاظ المعربة من الهندية والإغريقية والسريانية والعبرية والحبشية.

فلا عيب إذا شاع استعمال الفارسية أكثر من غيرها في عصر المغول وغيره من العصور ولا بدع إذا ظهر من العراقيين نقلة وتراجمة حذاق من هذه اللغة إلى العربية وبالعكس وهكذا قل في اللغتين التركية والمغولية في عصر المغول.

حذق ابن الفوطي لغة الفرس حذقاً تاماً واطلع على آدابها نظماً ونثراً كما يبدو لنا ذلك واضحاً من مواضيع كثيرة في معجمه فهو يذكر شعراء الفرس وأدباءهم مشيراً إلى مميزات كل واحد منهم وخصائص أدبه ويترجم لهم ويذكر أيضاً مفاوضته ومذكرته لهم بالفارسية والأمثلة على ذلك كثيرة فيما وصل إلينا من أجزاء معجمه المسمى (تلخيص مجمع الآداب” من ذلك ما كتبه في المعجم عن هبة الله بن همكر الوزير الشيرازي قائلاً “رأيته بحضرة مولانا نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي وهو – يعني هبة الله الشيرازي – مليح الهيئة حسن الشكل خدم في ديوان أتابك صاحب شيراز وله ديوان حسن في جميع الفنون كتبت عنه بالرمد سنة 670 وسألته هل نظم شعراً بالعربية فقال لا. ومعنى هذا أن ديوان ابن همكر الذي اطلع عليه، نظم باللغة الفارسية وأن ابن الفوطي فاوض صاحبه باللغة المذكورة.

قرأ ابن الفوطي أضخم مجموعة شعرية من دواوين شعراء العجم المعروفة في عصره ورسائل المترسلين بالفارسية قلما قرأها غيره ولا نستثني من ذلك كله أدباء الفرس أنفسهم وفي جملة هذه المجموعة الشعرية الضخمة دواوين لأشهر شعرائهم في عصور الساسانيين والسلاجقة وعصور المغول بعد ذلك وهو يعني بذكر هذه الدواوين ديواناً ديواناً وكتاباً كتاباً.

وما أكثر الأمثلة على ذلك في كتابه فهو يقول في ترجمة كريم الدين بن إبراهيم السروري من رؤساء أذربيجان ما يأتي “رأيته بسراو وكان قد حصل لي بخدمته أنس وحمل إلى مدة إقامتي بسراو دواوين العجم كديوان (المعزى) من شعراء ملك شاه السلجوقي وعدد أبياته خمسة عشر ألف بيت وديوان (العنصري) المتوفى سنة 450هـ في نحو ثلاثين ألف بيت وديوان (اللامعي) إلى غير ذلك وهي دواوين ومجامع شعرية معروفة في تاريخ آداب اللغة الفارسية أكب ابن الفوطي على قراءتها لما كان نزيل (سراو) من بلاد أذربيجان.

والخلاصة جاءت بحوث ابن الفوطي عن أولئك الشعراء وعن الأدب الفارسي بشكل عام متميزة بالدقة موسومة بالعمق والتحقيق فلا نبالغ إذا قلنا أن صاحبنا كان إماماً يرجع إلى رأيه في آداب اللغة الفارسية.

هذا قليل من كثير في الشواهد الواردة في معجم ابن الفوطي على تضلعه في آداب تلك اللغات الأعجمية وفي وسعنا مضاعفة الشواهد المذكورة ولكنا نكتنفي بهذا المقدار الآن والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

[1]. (1) 93 – 101.

[2]. 96.

[3]. 129.

[4]. 129.

[5]. 185.

ثقافتنا اللغوية في عصر المغول

بحث ألقي في دورة المجمع اللغوي الرابعة والعشرين

الشيخ محمد رضا الشبيبي

عضو المجامع العلمية في

بغداد والقاهرة ودمشق

القسم الأول

في أوائل النصف الثاني من المائة السابعة استولى المغول على العراق وأزالو الدولة العباسية من الوجود وذلك بعد استيلائهم على المشرق وفارس حيث قامت لهم دولة معروفة تسمى “الإيلخانية” وقد تسمى “الإيلية” اختزالاً، وأول من أطلق عليها هذا الإسم المختزل مؤرخ العراق إبن الفوطي، والمغول في الأصل قبائل بدوية جافة مواطنها الأصلية معروفة في الشرق الأقصى، ثم بدأت تزحف وتجتاح مراكز الحضارة الإسلامية منذ مستهل المائة السابعة، ولم يكن لحكامهم بد من الإستعانة في إدارة شؤون هذا الملك العظيم بطبقة ممتازة من أهل البلاد فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.

لم يمنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولهذه العلة أخذت بطانة المغول من هؤلاء المسلمين غالباً بصنيع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية وشاع استعمال لغة المغول نفسها في البلاد التي خفقت عليها رايات الدولة الجديدة واضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين والناس على دين ملوكهم ولا مناص للمغلوب من تقليد الغالب.

عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة وهي اللغات التي عرفت في العراق على ذلك العهد لوم يقفوا على هذا الحد بل شرعوا بالكتابة والتأليف فيها ومن الطريف أن بعضهم وضع رسائل وكتباً عن فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.

عرف إثنان من علماء العراق بحذق هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها أولهم الأخباري المصنف جمال الدين مهنا، والثاني مؤرخ العراق الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بإبن الفوطي.

جمال الدين بن مهنا

جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف الأديب من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن جل مشايخ المؤرخ إبن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه “تلخيص مجمع الآداب” وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه “العلامة” وابن مهنا لهذا ممن عنينا كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم وجمع أخبارهم والتنقيب عن مصنفاتهم بين أعلام العراق في الفترة المذكورة وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجوّد عُني بتاريخ بلاده في عصر عصيب هو عصر الدولة المغولية، وقد سمى له إبن الفوطي الكتب الآتية:

“وزراء الزوراء” لطائف المعاني في شعراء “زماني” “المشجر في الأنساب” وهذه الكتب الثلاثة من مصادر إبن الفوطي في معجماته التاريخية.

جلية الإنسان وحلية اللسان

ضاعت جل مؤلفات ابن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا استثنينا كتاباً لغوياً طريفاً له وقفنا عليه في الآونة الأخيرة سماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية واتصلوا بمختلف طبقاتها وأنه تمكن من تلك اللغات التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتابه المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها ونحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.

ويبدو لنا من تضاعيف الكتاب أن ابن منها عُني قبل استيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وأنه تضلع في الدراسات المذكورة حتى جارى أو فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالت حظاً من عناية العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة وسبق ذلك عصر الإنتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في خراسان وفارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.

لم توجد من هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف وإنما وجدت بعض نسخه في بعض مكتبات الإستانة ودور التحف في الغرب، وعُني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903، وعُني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلتها، ونشر الكتاب بعد ذلك بإشراف وزارة المعارف التركية وليس في هذه النسخ جميعها ما يدل على اسم الناسخ وتاريخ النسخة، وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عُني بنسخته وعلّم على مواضع منها بالحمرة كما أشار إلى ذلك (ص74 من المطبوع) وقد خلط المستشرقون الغربيون وغيرهم في محاولة الإهتداء إلى اسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الإشتراك في التسمية.

محتويات الكتاب

والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية الثانية في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف اعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيه، الغالب أنها هي المقصودة بكلمة المؤلف التي ستطلع عليها في المقدمة وهذه أسماء الكتب المذكورة:

1 – نادر الدهر على لغة ملك العصر[1].

2 – الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خولرزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين[2].

3 – كتاب حلى الملك[3].

4 – كتاب تحفة الملك[4].

5 – كتاب طبايع الحيوان[5] الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المرزوي ذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418 ويلاحظ أن هذه الكتب الخمسة كلها ذكرت في قسم اللغة التركية من الكتاب.

هذه هي الكتب التي ذكرها المؤلف ويلاحظ أنها من جملة الكتب التي فاتت صاحب كشف الظنون ورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته ويقول ابن مهنا في ديباجة كتابه ما يلي: وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودروسه أو حفظه وأنه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره. إما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه فانضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم؟ الناس على دين ملوكهم فعطفت حينئذٍ على وضع من اللغات قريب الإلتماس بعيد الإلتباس محتو على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها استعمالاً وأشهرها مقالاً وفي كل أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.

هذا بعض ما قاله جمال الدين ابن مهنا في مقدمة كتابه وقد قسم المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى إلى فصول في قواعد هذه اللغة وفي شواذ الألفاظ والأمثال الفارسية ذكر قواعد الجمع والتصغير والنسب والنفي والسلب والمفاضلة والتنكير والتعريف والإضافات وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة جاء فيه “إعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو يثقل مخففها وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب فإن أخلت بضبطها بُعد المعنى بل فسد وتلك الحروف: خمسة الجيم والزاء والفاء والياء والكاف” ورسم المؤلف تحت كل من هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية قال فيه: اعلم أن حروف اللغة الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مضطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاثة منفردة وهي “العين والثاء والقاف”.

قسم اللغة التركية

وهو يتلو قسم اللغة الفارسية وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وفيه بحوث في هجاء اللغة المذكورة وفي نواقص حروفها عن حروف هجاء العربية وفي انفراد التركية عن العربية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي “ب ج ر ف لُ” وعلامة هذه الحروف ثلاث نقط مثناة رسم تحت الحرف بشكل نقط التاء ثم أشار المؤلف إلى صور النطق لهذه الحروف فقال “والنطق بحرف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد القاف” وفي آخر هذا الفصل قال ابن مهنا “إعلم أن اللغة لتركية منشأها بالإصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها سرعة التكلم وانطلاق النطق واختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز واعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات” قال ابن مهنا ذلك وانتقل بعده إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحره في فنون اللغة المذكورة.

قسم اللغة المغولية

وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول وهو أبسط الأقسام والبحوث في القواعد العامة في هذا القسم قليلة إذا استثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة قال ابن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب “اعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخل في ألفاظها أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الروسية وجميع ذلك أو يناسبه إنما هو لقرب المجاورة وكثرة المحاورة واجتذاب الأقل من الأكثر طلباً للتمام والكمال”.

محمد رضا الشبيبي

القسم الثاني

تضمن القسم الأول من هذا البحث نبذة عن تحديد عصر المغول وأنه عصر عصيب لم يجد العراقيون بداً فيه من درس بعض اللغات الأعجمية التي استخدمها الفاتحون في الدواوين وكانوا يتراسلون بها أو يتحدثون، وأشهر هذه اللغات ثلاث (الفارسية والتركية والمغولية).

كانت الفارسية إحدى اللغات التي عولوا عليها في الدواوين وفي كتابة الرسائل وألفت فيها كتب غير قليلة في الفترة المذكورة بيد أنها لم تلحق شأو العربية في ذلك، وجاءت التركية بعد الفارسية وكثر استعمال المغول وغيرهم لها في الأحاديث والمخاطبات لكثرة عدد الألفاظ التركية الواردة في كلام المغول، أما المغولية فكانت لغة رجال الجيش والقادة وفريق من ذوي المناصب والغالب أن المغول من هذه الطبقات كانوا حريصين حرصاً شديداً على الإحتفاظ بلغتهم في الحديث والمخاطبات فإنها لغة تلك القبائل البدوية الغازية التي اجتاحت الشرق بمن بخارى وتركستان فيم وراء النهر ثم عبرت في موجات جارفة إلى بلاد خراسان وفارس وأذربيحان والروم والعراق إلى إقليم حلب والشام ولم تكن هذه اللغة صالحة للكتابة والتأليف كما هو الحال في الفارسية والتركية وإن كانوا يكتبون أحياناً بها في ذلك العهد ولكن الضرورة ألجأت فريقاً من أبناء العراق إلى تعلم اللغة المغولية المذكورة كما ألجأت أخرى إلى حذق الفارسية والتركية.

اشتهر اثنان من أعلام العراق الذين وصلت إلينا تآليفهم بحذق هذه اللغات.

أولهما: ابن مهنا وقد مضى التعريف به وبكتابه النفيس الذي أسماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” وهو في جملته بحث مقارن دقيق في هذه اللغات يدل على حذق ومهارة وإحاطة تامة بفنون اللغات المذكورة.

أما العالم الثاني من علماء العراق الذين دلت مصنفاتهم على تبحرهم وحذقهم لهذه اللغات الثلاث فهو مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بابن الفوطي وقد أفردت لترجمته والبحث في سيرته والتعريف بصفاته كتاباً يقع في ثلاثة أجزاء هذا ولم يكن ابن الفوطي مختاراً في تعلم تلك اللغات إلى حد الإحاطة بها وبلهجتها وخصائصها وآدابها وإنما تعلمها بعد وقوعه أسيراً بأيدي المغول في واقعة بغداد فأبعد عن العراق وخالط المغول فصار يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويعيش في معسكراتهم أو ثكناتهم ومعنى الأسر في تلك العصور لا يعدو الإستعباد ومعنى الأسير المستعبد المكدود.

هكذا بقي ابن الفوطي الأسير فترة من الزمان تعلم فيها المغولية والتركية. وكان قبل ذلك عارفاً بالفارسية والظاهر أن المسلمين من رجال الديوان في الدولة الإيلخانية المغولية فطنوا إلى عناء الأسرى العراقيين المستعبدين في معسكرات المغول فعنوا بإنقاذهم أو بإنقاذ من تمكنوا من إنقاذه منهم وكان ابن الفوطي في جملتهم وحينما توسموا فيه الذكاء النادر والإجتهاد البالغ ألحقوه بمعاهدهم العلمية وكان لنصير الدين الطوسي اليد الطولى في تعليمه وتخريجه في العلوم والفنون الرياضية والفلسفية وإكبابه على التصنيف وانقطاعه للبحث والدراسة حتى خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية وأشهر مصنفاته كتابه الذي سماه “مجمع الآداب” لخصه في نحو ستة أجزاء من أصل خمسين مجلداً وقع إلينا منها جزءان نادران بخط المؤلف نفسه.

على ما وقع إلينا من أجزاء هذا الكتاب عولنا في دراسة عصر المغول في العراق ومميزات العصر المذكور فإن ابن الفوطي رسم لنا صورة حية من تاريخ العراق وأحواله الاجتماعية والثقافية والسياسية.

يترجم ابن الفوطي في معجمه لعدد من حذقة اللغات الأعجمية الثلاث منوهاً ببراعتهم وحذقهم فيها وأكثرهم من كبار رجال الديوان والأعمال في عصره وممن أسندت إليهم المناصب العليا في الدولة من علمية وإدارية وسياسية وفيهم جماعة من العراقيين أو نزلاء العراق من جوالي الترك والفرس والمغول.

وكان ابن الفوطي نفسه يجيد التحدث والكتابة في اللغات الأعجمية المذكورة وخاصة اللغة الفارسية بل كان يعاني النظم في اللغة المذكورة وفي معجمه أمثلة من نظمه في تلك اللغة وما من شك في أنه كان يحسن التحدث باللغتين التركية والمغولية وشأنه في ذلك شأن أستاذه ابن مهنا إن لم نزد عليه وفي معجمه ما يدل على أن خبرته تناولت معرفة اللهجات المغولية والتركية على اختلافها وتعددها ومعنى ذلك أنه مارس المغول واندمج في بيئتهم ولولا أنه وهب دقة الملاحظة ولطف النظر لما رأينا له تلك الخبرة في اللهجات المغولية والأمثلة على ذلك غير قليلة في معجمه من ذلك ما قاله في ترجمة غزَّال عراقي يتكلم المغولية وهذا نصه:

“جمال الدين أبو المحاسن أحمد يعرف بابن الشديدي له نظم حسن وكان يلبس القميص والقباء” ومعنى قوله هذا أن زيهم في مراغة وأذربيجان كان زي المغول هو السراويل والصدريات المتخذة من اللباد والفراء والصوف فلا قميص ولا قباء في بلاد المغول ومعنى ذلك أيضاً أن ابن الشديدي المذكور كان محافظاً على زيه القومي في ديار العجم. وقال ابن الفوطي بعد ذلك عن ابن الشديدي ما هذا نصه: “وكان يتكلم المغولية بدون تفخيم الألفاظ من غير معرفة بها” ومعنى هذا القول أن منطق المغول يتميز بتفخيم الألفاظ ولا يلاحظ ذلك إلا من كانت له خبرة بلهجة المغول وفي آخر هذه الترجمة يقول ابن الفوطي “ذكرته في التاريخ” وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 675.

ويقول أيضاً في ترجمة مظفر الدين فتلغ ابن إبراهيم يعرف بشحنة حربي نزيل بغداد التركي الأمير الترجمان “شاب كيس وهو من أولاد الأمراء وهو الترجمان في الدبوان يترجم الكلام التركي والإيغوري والفارسي باللغة العربية الفصيحة والعبارات المترجمة الصحيحة رأيته وهو دمث الأخلاق”.

كفايات نادرة

وفي ترجمة فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي يقول ابن الفوطي كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا، “وقد تكتب الخناء بالقاء” وما وراء النهر وخوارزم وكان مع هذا الدعاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية، (لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة وبتدبيره السديد انتظم للمغول ملكهم، وختم ابن الفوطي ترجمة هذا الوزير بالإشارة إلى ذكر والده برهان الدين.

ابن الفوطي وآداب اللغة الفارسية

للعراقيين إلمام باللغة الفارسية أكثر من أي لغة شرقية أخرى وإلى رابطة الجوار وغيرها من الصلات التجارية والاقتصادية مرد عناية من عُني منهم باللغة المذكورة والواقع أن درس الفارسية في العراق قديم يرجع إلى عصر الفتوح الإسلامية بل إلى أبعد من ذلك أي إلى عهد الساسانيين في العراق قبل الإسلام وفي تاريخ المناذرة ملوك الحيرة وصلاتهم بالفرس شواهد كثيرة على ذلك ومن هذه الناحية نلاحظ أن عدد الألفاظ الفارسية المعربة تربو على عدد الألفاظ المعربة من الهندية والإغريقية والسريانية والعبرية والحبشية.

فلا عيب إذا شاع استعمال الفارسية أكثر من غيرها في عصر المغول وغيره من العصور ولا بدع إذا ظهر من العراقيين نقلة وتراجمة حذاق من هذه اللغة إلى العربية وبالعكس وهكذا قل في اللغتين التركية والمغولية في عصر المغول.

حذق ابن الفوطي لغة الفرس حذقاً تاماً واطلع على آدابها نظماً ونثراً كما يبدو لنا ذلك واضحاً من مواضيع كثيرة في معجمه فهو يذكر شعراء الفرس وأدباءهم مشيراً إلى مميزات كل واحد منهم وخصائص أدبه ويترجم لهم ويذكر أيضاً مفاوضته ومذكرته لهم بالفارسية والأمثلة على ذلك كثيرة فيما وصل إلينا من أجزاء معجمه المسمى (تلخيص مجمع الآداب” من ذلك ما كتبه في المعجم عن هبة الله بن همكر الوزير الشيرازي قائلاً “رأيته بحضرة مولانا نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي وهو – يعني هبة الله الشيرازي – مليح الهيئة حسن الشكل خدم في ديوان أتابك صاحب شيراز وله ديوان حسن في جميع الفنون كتبت عنه بالرمد سنة 670 وسألته هل نظم شعراً بالعربية فقال لا. ومعنى هذا أن ديوان ابن همكر الذي اطلع عليه، نظم باللغة الفارسية وأن ابن الفوطي فاوض صاحبه باللغة المذكورة.

قرأ ابن الفوطي أضخم مجموعة شعرية من دواوين شعراء العجم المعروفة في عصره ورسائل المترسلين بالفارسية قلما قرأها غيره ولا نستثني من ذلك كله أدباء الفرس أنفسهم وفي جملة هذه المجموعة الشعرية الضخمة دواوين لأشهر شعرائهم في عصور الساسانيين والسلاجقة وعصور المغول بعد ذلك وهو يعني بذكر هذه الدواوين ديواناً ديواناً وكتاباً كتاباً.

وما أكثر الأمثلة على ذلك في كتابه فهو يقول في ترجمة كريم الدين بن إبراهيم السروري من رؤساء أذربيجان ما يأتي “رأيته بسراو وكان قد حصل لي بخدمته أنس وحمل إلى مدة إقامتي بسراو دواوين العجم كديوان (المعزى) من شعراء ملك شاه السلجوقي وعدد أبياته خمسة عشر ألف بيت وديوان (العنصري) المتوفى سنة 450هـ في نحو ثلاثين ألف بيت وديوان (اللامعي) إلى غير ذلك وهي دواوين ومجامع شعرية معروفة في تاريخ آداب اللغة الفارسية أكب ابن الفوطي على قراءتها لما كان نزيل (سراو) من بلاد أذربيجان.

والخلاصة جاءت بحوث ابن الفوطي عن أولئك الشعراء وعن الأدب الفارسي بشكل عام متميزة بالدقة موسومة بالعمق والتحقيق فلا نبالغ إذا قلنا أن صاحبنا كان إماماً يرجع إلى رأيه في آداب اللغة الفارسية.

هذا قليل من كثير في الشواهد الواردة في معجم ابن الفوطي على تضلعه في آداب تلك اللغات الأعجمية وفي وسعنا مضاعفة الشواهد المذكورة ولكنا نكتنفي بهذا المقدار الآن والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

[1]. (1) 93 – 101.

[2]. 96.

[3]. 129.

[4]. 129.

[5]. 185.

ثقافتنا اللغوية في عصر المغول

بحث ألقي في دورة المجمع اللغوي الرابعة والعشرين

الشيخ محمد رضا الشبيبي

عضو المجامع العلمية في

بغداد والقاهرة ودمشق

القسم الأول

في أوائل النصف الثاني من المائة السابعة استولى المغول على العراق وأزالو الدولة العباسية من الوجود وذلك بعد استيلائهم على المشرق وفارس حيث قامت لهم دولة معروفة تسمى “الإيلخانية” وقد تسمى “الإيلية” اختزالاً، وأول من أطلق عليها هذا الإسم المختزل مؤرخ العراق إبن الفوطي، والمغول في الأصل قبائل بدوية جافة مواطنها الأصلية معروفة في الشرق الأقصى، ثم بدأت تزحف وتجتاح مراكز الحضارة الإسلامية منذ مستهل المائة السابعة، ولم يكن لحكامهم بد من الإستعانة في إدارة شؤون هذا الملك العظيم بطبقة ممتازة من أهل البلاد فرساً وأتراكاً وعرباً إلى عناصر أقوام آخرين.

لم يمنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، ولهذه العلة أخذت بطانة المغول من هؤلاء المسلمين غالباً بصنيع المؤلفين في اللغتين الفارسية والتركية مضافاً إلى العربية وشاع استعمال لغة المغول نفسها في البلاد التي خفقت عليها رايات الدولة الجديدة واضطر إلى التخاطب بها عدد غير قليل من العراقيين والناس على دين ملوكهم ولا مناص للمغلوب من تقليد الغالب.

عنيت هذه الطبقة من العراقيين بدرس اللغات الثلاث المذكورة وهي اللغات التي عرفت في العراق على ذلك العهد لوم يقفوا على هذا الحد بل شرعوا بالكتابة والتأليف فيها ومن الطريف أن بعضهم وضع رسائل وكتباً عن فنون اللغات الثلاث وألف آخرون فيها بعض المعجمات.

عرف إثنان من علماء العراق بحذق هذه اللغات الشرقية والتأليف فيها أولهم الأخباري المصنف جمال الدين مهنا، والثاني مؤرخ العراق الفيلسوف المصنف كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد المعروف بإبن الفوطي.

جمال الدين بن مهنا

جمال الدين أحمد بن علي بن حسين بن مهنا الحلي العبيدلي المؤرخ المصنف الأديب من أعلام أواخر المائة السابعة في العراق ومن جل مشايخ المؤرخ إبن الفوطي نقل عنه وعن مصنفاته كثيراً في كتابه “تلخيص مجمع الآداب” وبالغ في الثناء عليه والتنويه بذكره ويلقبه “العلامة” وابن مهنا لهذا ممن عنينا كثيراً بدراستهم والبحث عن سيرتهم وجمع أخبارهم والتنقيب عن مصنفاتهم بين أعلام العراق في الفترة المذكورة وهو جدير بذلك لأنه مصنف مجوّد عُني بتاريخ بلاده في عصر عصيب هو عصر الدولة المغولية، وقد سمى له إبن الفوطي الكتب الآتية:

“وزراء الزوراء” لطائف المعاني في شعراء “زماني” “المشجر في الأنساب” وهذه الكتب الثلاثة من مصادر إبن الفوطي في معجماته التاريخية.

جلية الإنسان وحلية اللسان

ضاعت جل مؤلفات ابن مهنا ومن جملتها هذه الكتب فلم نظفر بواحد منها حتى اليوم إذا استثنينا كتاباً لغوياً طريفاً له وقفنا عليه في الآونة الأخيرة سماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” ويلاحظ أن جمال الدين بن مهنا من جملة أعلام العراق الذين اختلطوا برجال الدولة المغولية الإيلخانية واتصلوا بمختلف طبقاتها وأنه تمكن من تلك اللغات التي شاعت في العراق على عهده حتى استطاع أن يؤلف فيها كتابه المذكور، وفي الكتاب فصول مفيدة عن خصائص اللغات المذكورة ونوادرها وقواعدها ونحوها وصرفها إلى بحوث مقارنة بين العربية وهذه اللغات من النواحي المذكورة.

ويبدو لنا من تضاعيف الكتاب أن ابن منها عُني قبل استيلاء المغول على العراق بدراسة لغات عدة عدا لغته العربية وأنه تضلع في الدراسات المذكورة حتى جارى أو فاق الحذاق البارعين فيها من أبنائها كما يستفاد من دراسة كتابه المذكور، ومما لا شك فيه أن الفارسية ومن بعدها التركية نالت حظاً من عناية العراقيين في عصر الديالمة ومن بعدهم السلاجقة وسبق ذلك عصر الإنتعاش المعروف في آداب اللغة الفارسية في خراسان وفارس على عهد السامانيين وآل سبكتكين.

لم توجد من هذا الكتاب نسخة في العراق وطن المؤلف وإنما وجدت بعض نسخه في بعض مكتبات الإستانة ودور التحف في الغرب، وعُني بعض المستشرقين الروس بنشر بعض أقسامه بين سنة 1900 و1903، وعُني بعد ذلك بعض علماء الترك باقتناء نسخ خطية عدة من الكتاب ومقابلتها، ونشر الكتاب بعد ذلك بإشراف وزارة المعارف التركية وليس في هذه النسخ جميعها ما يدل على اسم الناسخ وتاريخ النسخة، وعلى كل حال لم يظفر هؤلاء بنسخة الأصل من هذا الكتاب لأن المؤلف عُني بنسخته وعلّم على مواضع منها بالحمرة كما أشار إلى ذلك (ص74 من المطبوع) وقد خلط المستشرقون الغربيون وغيرهم في محاولة الإهتداء إلى اسم المؤلف وعصره وتوهم بعضهم أنه من تأليف مهنا بن عيسى أحد أمراء البادية لمجرد الإشتراك في التسمية.

محتويات الكتاب

والكتاب يحتوي على ثلاثة أقسام: القسم الأول في اللغة الفارسية الثانية في التركية والثالث في المغولية والغالب أن المؤلف اعتمد على بعض المراجع والكتب المعتبرة المؤلفة في هذه اللغات وهناك كتب أربعة ورد ذكرها فيه، الغالب أنها هي المقصودة بكلمة المؤلف التي ستطلع عليها في المقدمة وهذه أسماء الكتب المذكورة:

1 – نادر الدهر على لغة ملك العصر[1].

2 – الكتاب الذي ألفه محمد بن قيس لجلال الدين خولرزم شاه ملك خراسان نقل عنه مرتين[2].

3 – كتاب حلى الملك[3].

4 – كتاب تحفة الملك[4].

5 – كتاب طبايع الحيوان[5] الذي صنفه شرف الزمان الطبيب المرزوي ذكر فيه نواحي الصين والترك للسلطان محمود سنة 418 ويلاحظ أن هذه الكتب الخمسة كلها ذكرت في قسم اللغة التركية من الكتاب.

هذه هي الكتب التي ذكرها المؤلف ويلاحظ أنها من جملة الكتب التي فاتت صاحب كشف الظنون ورد ذكرها في الكتاب وأشار إليها في مقدمته ويقول ابن مهنا في ديباجة كتابه ما يلي: وبعد فقد كنت أستهجن للحافظ المحصل والتاجر المتوصل أن يعري كل منهم نفسه في حال حفظه ودروسه أو حفظه وأنه من تعلم لغة يستعين بها في تغربه وسفره وتطلبه ومتجره. إما لجلب نفعه أو لدفع ضرره أو تحصيلاً لمزية الكمال أو رفعاً لهمته عن العجز والإغفال أو رجاحة على أترابه فانضاف إلى ذلك تملك قبيلي الترك والعجم قرن الله الفوز والخير بدولتهم لهذه البلاد فتأكدت الضرورة إذ هم حكام البلاد والعباد وسلاطين الحاضر والباد ووضح معنى المثل المسلوك من قولهم؟ الناس على دين ملوكهم فعطفت حينئذٍ على وضع من اللغات قريب الإلتماس بعيد الإلتباس محتو على ثلاثة أقسام متحرياً من كل لغة أكثرها استعمالاً وأشهرها مقالاً وفي كل أخذاً من الألسنة الفصيحة والكتب الصحيحة.

هذا بعض ما قاله جمال الدين ابن مهنا في مقدمة كتابه وقد قسم المؤلف قسم اللغة الفارسية على ثمانية وعشرين باباً تتخللها فصول: أولها أسماء الله تعالى إلى فصول في قواعد هذه اللغة وفي شواذ الألفاظ والأمثال الفارسية ذكر قواعد الجمع والتصغير والنسب والنفي والسلب والمفاضلة والتنكير والتعريف والإضافات وعقد الفصل الثاني عشر في الحروف الزائدة جاء فيه “إعلم أن في اللغة الفارسية حروفاً لا يؤمن على متعلمها من الكتاب أن يخفف مثقلها أو يثقل مخففها وأجدر بالعربي ذلك لأنها ليست في كلام العرب فإن أخلت بضبطها بُعد المعنى بل فسد وتلك الحروف: خمسة الجيم والزاء والفاء والياء والكاف” ورسم المؤلف تحت كل من هذه الحروف ثلاث نقط للتفريق بين صورها وصور الحروف العربية كما عقد فصلاً عن الحروف الناقصة في الفارسية قال فيه: اعلم أن حروف اللغة الفارسية تنقص عن حروف اللغة العربية سبعة أحرف لا توجد في كلام العجم أربعة منها مضطردة متجانسة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء وثلاثة منفردة وهي “العين والثاء والقاف”.

قسم اللغة التركية

وهو يتلو قسم اللغة الفارسية وفي هذا القسم أبواب وفي كل باب فصول وفيه بحوث في هجاء اللغة المذكورة وفي نواقص حروفها عن حروف هجاء العربية وفي انفراد التركية عن العربية بزيادة خمسة أحرف لا توجد في العربية وهي “ب ج ر ف لُ” وعلامة هذه الحروف ثلاث نقط مثناة رسم تحت الحرف بشكل نقط التاء ثم أشار المؤلف إلى صور النطق لهذه الحروف فقال “والنطق بحرف الكاف التركية كما ينطق البدوي بعقد القاف” وفي آخر هذا الفصل قال ابن مهنا “إعلم أن اللغة لتركية منشأها بالإصالة عن أهل تركستان كما العربية عن أهل الحجاز وشأن النطق بها سرعة التكلم وانطلاق النطق واختلاف الحروف وقلة المد وكثرة الهمز واعلم أنك لا تجد في اللغات لغة أكثر إبدالاً للحروف المتقاربة المخارج من لغة الترك ولا أكثر إمالة وإشماماً للحركات” قال ابن مهنا ذلك وانتقل بعده إلى إيراد شواهد وأمثلة من هذا الباب تدل على تبحره في فنون اللغة المذكورة.

قسم اللغة المغولية

وهذا القسم يشتمل على خمسة وعشرين باباً تتخلله فصول وهو أبسط الأقسام والبحوث في القواعد العامة في هذا القسم قليلة إذا استثنينا نتفاً في أحوال الأفعال والضمائر في اللغة المغولية ومعظم القسم المذكور مخصص لذكر الأسماء والأفعال في اللغة المذكورة قال ابن مهنا في آخر هذا القسم وهو خاتمة الكتاب “اعلم أن الأعاجم تأخذ ألفاظاً كثيرة عن العرب تستعملها في لغتها والترك تأخذ عن الأعاجم ما تدخل في ألفاظها أو ما لا يكون له مسمى عندهم أو متعذر الوجود ولسان المغول يتداخله كثير من الألفاظ التركية وكذلك حال الأرمن والكرج في أخذهم ألفاظاً كثيرة من الروسية وجميع ذلك أو يناسبه إنما هو لقرب المجاورة وكثرة المحاورة واجتذاب الأقل من الأكثر طلباً للتمام والكمال”.

محمد رضا الشبيبي

القسم الثاني

تضمن القسم الأول من هذا البحث نبذة عن تحديد عصر المغول وأنه عصر عصيب لم يجد العراقيون بداً فيه من درس بعض اللغات الأعجمية التي استخدمها الفاتحون في الدواوين وكانوا يتراسلون بها أو يتحدثون، وأشهر هذه اللغات ثلاث (الفارسية والتركية والمغولية).

كانت الفارسية إحدى اللغات التي عولوا عليها في الدواوين وفي كتابة الرسائل وألفت فيها كتب غير قليلة في الفترة المذكورة بيد أنها لم تلحق شأو العربية في ذلك، وجاءت التركية بعد الفارسية وكثر استعمال المغول وغيرهم لها في الأحاديث والمخاطبات لكثرة عدد الألفاظ التركية الواردة في كلام المغول، أما المغولية فكانت لغة رجال الجيش والقادة وفريق من ذوي المناصب والغالب أن المغول من هذه الطبقات كانوا حريصين حرصاً شديداً على الإحتفاظ بلغتهم في الحديث والمخاطبات فإنها لغة تلك القبائل البدوية الغازية التي اجتاحت الشرق بمن بخارى وتركستان فيم وراء النهر ثم عبرت في موجات جارفة إلى بلاد خراسان وفارس وأذربيحان والروم والعراق إلى إقليم حلب والشام ولم تكن هذه اللغة صالحة للكتابة والتأليف كما هو الحال في الفارسية والتركية وإن كانوا يكتبون أحياناً بها في ذلك العهد ولكن الضرورة ألجأت فريقاً من أبناء العراق إلى تعلم اللغة المغولية المذكورة كما ألجأت أخرى إلى حذق الفارسية والتركية.

اشتهر اثنان من أعلام العراق الذين وصلت إلينا تآليفهم بحذق هذه اللغات.

أولهما: ابن مهنا وقد مضى التعريف به وبكتابه النفيس الذي أسماه “جلية الإنسان وحلية اللسان” وهو في جملته بحث مقارن دقيق في هذه اللغات يدل على حذق ومهارة وإحاطة تامة بفنون اللغات المذكورة.

أما العالم الثاني من علماء العراق الذين دلت مصنفاتهم على تبحرهم وحذقهم لهذه اللغات الثلاث فهو مؤرخ العراق كمال الدين عبد الرزاق أحمد بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بابن الفوطي وقد أفردت لترجمته والبحث في سيرته والتعريف بصفاته كتاباً يقع في ثلاثة أجزاء هذا ولم يكن ابن الفوطي مختاراً في تعلم تلك اللغات إلى حد الإحاطة بها وبلهجتها وخصائصها وآدابها وإنما تعلمها بعد وقوعه أسيراً بأيدي المغول في واقعة بغداد فأبعد عن العراق وخالط المغول فصار يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم ويعيش في معسكراتهم أو ثكناتهم ومعنى الأسر في تلك العصور لا يعدو الإستعباد ومعنى الأسير المستعبد المكدود.

هكذا بقي ابن الفوطي الأسير فترة من الزمان تعلم فيها المغولية والتركية. وكان قبل ذلك عارفاً بالفارسية والظاهر أن المسلمين من رجال الديوان في الدولة الإيلخانية المغولية فطنوا إلى عناء الأسرى العراقيين المستعبدين في معسكرات المغول فعنوا بإنقاذهم أو بإنقاذ من تمكنوا من إنقاذه منهم وكان ابن الفوطي في جملتهم وحينما توسموا فيه الذكاء النادر والإجتهاد البالغ ألحقوه بمعاهدهم العلمية وكان لنصير الدين الطوسي اليد الطولى في تعليمه وتخريجه في العلوم والفنون الرياضية والفلسفية وإكبابه على التصنيف وانقطاعه للبحث والدراسة حتى خرج عنه عدد لا يستهان به من أنفس المؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية وأشهر مصنفاته كتابه الذي سماه “مجمع الآداب” لخصه في نحو ستة أجزاء من أصل خمسين مجلداً وقع إلينا منها جزءان نادران بخط المؤلف نفسه.

على ما وقع إلينا من أجزاء هذا الكتاب عولنا في دراسة عصر المغول في العراق ومميزات العصر المذكور فإن ابن الفوطي رسم لنا صورة حية من تاريخ العراق وأحواله الاجتماعية والثقافية والسياسية.

يترجم ابن الفوطي في معجمه لعدد من حذقة اللغات الأعجمية الثلاث منوهاً ببراعتهم وحذقهم فيها وأكثرهم من كبار رجال الديوان والأعمال في عصره وممن أسندت إليهم المناصب العليا في الدولة من علمية وإدارية وسياسية وفيهم جماعة من العراقيين أو نزلاء العراق من جوالي الترك والفرس والمغول.

وكان ابن الفوطي نفسه يجيد التحدث والكتابة في اللغات الأعجمية المذكورة وخاصة اللغة الفارسية بل كان يعاني النظم في اللغة المذكورة وفي معجمه أمثلة من نظمه في تلك اللغة وما من شك في أنه كان يحسن التحدث باللغتين التركية والمغولية وشأنه في ذلك شأن أستاذه ابن مهنا إن لم نزد عليه وفي معجمه ما يدل على أن خبرته تناولت معرفة اللهجات المغولية والتركية على اختلافها وتعددها ومعنى ذلك أنه مارس المغول واندمج في بيئتهم ولولا أنه وهب دقة الملاحظة ولطف النظر لما رأينا له تلك الخبرة في اللهجات المغولية والأمثلة على ذلك غير قليلة في معجمه من ذلك ما قاله في ترجمة غزَّال عراقي يتكلم المغولية وهذا نصه:

“جمال الدين أبو المحاسن أحمد يعرف بابن الشديدي له نظم حسن وكان يلبس القميص والقباء” ومعنى قوله هذا أن زيهم في مراغة وأذربيجان كان زي المغول هو السراويل والصدريات المتخذة من اللباد والفراء والصوف فلا قميص ولا قباء في بلاد المغول ومعنى ذلك أيضاً أن ابن الشديدي المذكور كان محافظاً على زيه القومي في ديار العجم. وقال ابن الفوطي بعد ذلك عن ابن الشديدي ما هذا نصه: “وكان يتكلم المغولية بدون تفخيم الألفاظ من غير معرفة بها” ومعنى هذا القول أن منطق المغول يتميز بتفخيم الألفاظ ولا يلاحظ ذلك إلا من كانت له خبرة بلهجة المغول وفي آخر هذه الترجمة يقول ابن الفوطي “ذكرته في التاريخ” وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة 675.

ويقول أيضاً في ترجمة مظفر الدين فتلغ ابن إبراهيم يعرف بشحنة حربي نزيل بغداد التركي الأمير الترجمان “شاب كيس وهو من أولاد الأمراء وهو الترجمان في الدبوان يترجم الكلام التركي والإيغوري والفارسي باللغة العربية الفصيحة والعبارات المترجمة الصحيحة رأيته وهو دمث الأخلاق”.

كفايات نادرة

وفي ترجمة فخر الدين محمود بن محمد الخوارزمي يقول ابن الفوطي كان من أعيان وزراء جنكيز خان وعليه مدار الملك في المشرق وإليه تدبير ممالك تركستان وبلاد الخطا، “وقد تكتب الخناء بالقاء” وما وراء النهر وخوارزم وكان مع هذا الدعاء كاتباً سديداً يكتب بالمغولية والخوارزمية والتركية والفارسية الخطائية، (لهجة من لهجات تركستان) والهندية والعربية وكان غاية في الفهم والذكاء والمعرفة وبتدبيره السديد انتظم للمغول ملكهم، وختم ابن الفوطي ترجمة هذا الوزير بالإشارة إلى ذكر والده برهان الدين.

ابن الفوطي وآداب اللغة الفارسية

للعراقيين إلمام باللغة الفارسية أكثر من أي لغة شرقية أخرى وإلى رابطة الجوار وغيرها من الصلات التجارية والاقتصادية مرد عناية من عُني منهم باللغة المذكورة والواقع أن درس الفارسية في العراق قديم يرجع إلى عصر الفتوح الإسلامية بل إلى أبعد من ذلك أي إلى عهد الساسانيين في العراق قبل الإسلام وفي تاريخ المناذرة ملوك الحيرة وصلاتهم بالفرس شواهد كثيرة على ذلك ومن هذه الناحية نلاحظ أن عدد الألفاظ الفارسية المعربة تربو على عدد الألفاظ المعربة من الهندية والإغريقية والسريانية والعبرية والحبشية.

فلا عيب إذا شاع استعمال الفارسية أكثر من غيرها في عصر المغول وغيره من العصور ولا بدع إذا ظهر من العراقيين نقلة وتراجمة حذاق من هذه اللغة إلى العربية وبالعكس وهكذا قل في اللغتين التركية والمغولية في عصر المغول.

حذق ابن الفوطي لغة الفرس حذقاً تاماً واطلع على آدابها نظماً ونثراً كما يبدو لنا ذلك واضحاً من مواضيع كثيرة في معجمه فهو يذكر شعراء الفرس وأدباءهم مشيراً إلى مميزات كل واحد منهم وخصائص أدبه ويترجم لهم ويذكر أيضاً مفاوضته ومذكرته لهم بالفارسية والأمثلة على ذلك كثيرة فيما وصل إلينا من أجزاء معجمه المسمى (تلخيص مجمع الآداب” من ذلك ما كتبه في المعجم عن هبة الله بن همكر الوزير الشيرازي قائلاً “رأيته بحضرة مولانا نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي وهو – يعني هبة الله الشيرازي – مليح الهيئة حسن الشكل خدم في ديوان أتابك صاحب شيراز وله ديوان حسن في جميع الفنون كتبت عنه بالرمد سنة 670 وسألته هل نظم شعراً بالعربية فقال لا. ومعنى هذا أن ديوان ابن همكر الذي اطلع عليه، نظم باللغة الفارسية وأن ابن الفوطي فاوض صاحبه باللغة المذكورة.

قرأ ابن الفوطي أضخم مجموعة شعرية من دواوين شعراء العجم المعروفة في عصره ورسائل المترسلين بالفارسية قلما قرأها غيره ولا نستثني من ذلك كله أدباء الفرس أنفسهم وفي جملة هذه المجموعة الشعرية الضخمة دواوين لأشهر شعرائهم في عصور الساسانيين والسلاجقة وعصور المغول بعد ذلك وهو يعني بذكر هذه الدواوين ديواناً ديواناً وكتاباً كتاباً.

وما أكثر الأمثلة على ذلك في كتابه فهو يقول في ترجمة كريم الدين بن إبراهيم السروري من رؤساء أذربيجان ما يأتي “رأيته بسراو وكان قد حصل لي بخدمته أنس وحمل إلى مدة إقامتي بسراو دواوين العجم كديوان (المعزى) من شعراء ملك شاه السلجوقي وعدد أبياته خمسة عشر ألف بيت وديوان (العنصري) المتوفى سنة 450هـ في نحو ثلاثين ألف بيت وديوان (اللامعي) إلى غير ذلك وهي دواوين ومجامع شعرية معروفة في تاريخ آداب اللغة الفارسية أكب ابن الفوطي على قراءتها لما كان نزيل (سراو) من بلاد أذربيجان.

والخلاصة جاءت بحوث ابن الفوطي عن أولئك الشعراء وعن الأدب الفارسي بشكل عام متميزة بالدقة موسومة بالعمق والتحقيق فلا نبالغ إذا قلنا أن صاحبنا كان إماماً يرجع إلى رأيه في آداب اللغة الفارسية.

هذا قليل من كثير في الشواهد الواردة في معجم ابن الفوطي على تضلعه في آداب تلك اللغات الأعجمية وفي وسعنا مضاعفة الشواهد المذكورة ولكنا نكتنفي بهذا المقدار الآن والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

[1]. (1) 93 – 101.

[2]. 96.

[3]. 129.

[4]. 129.

[5]. 185.