صفحة مجهولة   من  تاريخ النجف وكربلاء      في القرن الثالث عشر بقلم :  الأستاذ عماد عبد السلام رؤوف                                

 

في تاريخ العراق ابان القرون الاخيرة ، نواح سياسية واجتماعية واقتصادية ، ما زالت معالمها غير واضحة ، وتفاصيلها غامضة ، وأحداثها مضطربة غير مطرودة ، وسبب ذلك يكمن في قلة المورخين المثقفيمن آنذاك ، وضعف ملاحظتهم للاحداث الجارية حولهم ، وعدم ادراكهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في مجتمعاتهم  . هذا اضافة الى ضياع الكثير من كتبهم ورسائلهم ، او تفرقة في خزائن الكتب الخاصة ، بعيدا عن ايدي الباحثين والدارسين . ومثل ذلك أو أسوأ ، كان مصير الوثائق والسجلات الرسمية ، فقد جنت عوامل الضياع من غرق وحريق واهمال على معظم تلك  المصادر التاريخية المهمة ، ومازال قسم غير قليل مما تبقى منها حبيسا في اقبية بعض الدوائر الرسمية ، كالمحاكم الشرعية والاوقاف ودوائر الطابو ، بعيدا عن العناية والاهتمام .

من هنا تبرز الحاجة الماسة الى جمع ماتبعثر من مصادر تاريخ ذلك العهد،  ونشر درراسة ما تركة المؤرخون والمدونون من رسائل ووثائق مختلفة،  بهدف دراسة اكثر عمقاوشمولا”  لمناخي الحياة في العراق آنذاك .  

وكنا  قد  عثرنا  في بعض المجاميع الخطية على اربع  وثائق  لها اهمية كبيرة تتعلق بتاريخ  النجف  الاشرف وكربلاء  في  النصف الاخير من القرن الثالث  عشر (19م )(1) ، وهذه   الوثائق  ليست الا  كتبا  رسمية  من  نوع

  • توجد هذه الوثائق في المكتبة القادرية ببغداد ، وقد وصفناها في بعض اجزاء الفهرس الاول المفصل الذي نقوم باعداده لهذه المكتبة . وصدر الجزء الاول منه في بغداد سنة 1974 م .

1-

 

 

 

 

( بيورلدي) (2) صادرة عن والي بغداد محمد نجيب باشا ، موجهة الى متسلمي امور تلك المدينتين .

ومحمد نجيب هذا ، من ابرز  ولاة بغداد في النصف الاخير من القرن الثالث عشر ، تولى مناصب عدة ، ووجهت الية ولاية بغداد ( بضمنها البصرة وشهرزور ) في ربيع  الاول  سنة  1258 ھ –   1842 م ، وعزل  عنـــــها  في  رجب  سنة 1265 ھ –  1848 م . وتميزت فترة ولايتهعلى قصرهابعده من الامور المهمة ،  ففيها بدات الدولة بتوطيد سلطتها المركزية المباشرة في العراق ، وأخذت  بسياسة ربط  المدن العراقية ببغداد اداريا”  وقضائيا، وابطل بيع الرقيق والاسرى بفرمان سلطاني ، وبدىء بالقضاء على الثورات المحلية في انحاء العراق ، فكانت تلك الاجراءات ، رغم تعطل بعضهاايذانابسياسة مركزية  جديدة اكثر فعالية في توحيد  العراق وتنظيمه  من ذي قبل .

ومن الملاحظ على تلك  (البيورلديات، انها صادرة في تاريخ واحد  ، هو عام 1262 ھ  / 1845 م ، وهذا يعني  انها صدرت بعد ان تم لمحمد نجيب باشا تحقيق امرين مترابطين هما :

1-   القضاء على الثورة الناشبة في كربلاء ، وكانت هذه الثورة  قد مرت بأطوار مختلفة نتذ نشوبها في اول عهد داود باشا سنة 1234 ھ / 1827م  حتى عهد محمد نجيب ، وتعرضت كربلاء خلالها الى بعض اعمال العنف ، كان من اشهرها (واقعة المناخور) ايام ولاية داود باشا ، فوضعت اعمال محمد نجيب باشا

(2) بيورلدى : كلمة تركية معناها ( امر ﺑــ  ) (بصيغة المجهول ) و(تفضل ﺑــ ) ، أي  بكذا من الكلام عوضا عن قيل وذلك للتكريم ، وقد اطلقت هذه الكلمة على الاوامر المكتوبة التي كان يصدرها الصدر الاعظم  والوزراء والولاة وامثالهم ، تمييزا  لها عن  اوامر  السلطان المسماة  (فرمان ) وجمعها (فرمانات ) و (فرامين ) .

2-

 

 

 

العسكرية نهاية هذه الثورة  سنة 1258  ھ  – 1842  م (3) .

2 – القضاء على الصراعات الدامية بين جماعتي الشمرت والزقوت في النجف ، وكانت هذه الفتن قد ارهجت المدينة منذ عام 1234 ھ تقريبا” ، وقتل في اثنائها عدد كبير من رجالات النجف وباءت محاولات العلماء وولاة بغداد في القضاء عليها بالفشل ، فلما تم لمحمد نجيب باشا وضع حد لثورة الكربلائيين ، عرّج  على النجف فقضى على رؤوس الفريقيين المتنازعيين (4) .

وفضلا عن الظروف المحلية المذكورة ، فان هذه الوثائق تمثل شواهد تاريخية مهمة على تطور الانظمة العثمانية وتطبيقاتها المستجدة في العراق ، وذلك من حيث تعرضها  الى الامور الاتية :

  • قصر النظر في دعاوى القتول على مجلس شرعي ببغداد برآسه الوالي نفسه ، وهذا يعني مركزية في النظم القضائية لم تعرف من قبل ، ولم تستمر فيما بعد (الوثيقة رقم 2 ) .
  • الاستمرار بسياسة منح الاراضي  بالالتزام ، على الرغم من ايقاف العمل بهذه  السياسة  منذ اعلان التنظيمات الخيرية في الدولة العثمانية  بصدور (خط كلخانة ) الشهير سنة 1255ھ  / 1839 م (الوثيقة رقم 4)  .

 

  • مجهول : نزهة الاخوان في بلد المقتول العطشان (مخطوط ) ، ووادي العطية : تاريخ الديوانية ص41 وعباس العزاوي : العرق بين احتلالين ج7 ص64-69 . وعبد العزيز  نوار : تاريخ العراق الحديث ص 89 -93 .
  • جعفر آل محبوبة  : ماضي  النجف وحاضرها  ج1  ص 332-339  و

Loriemer : Gazetteer of the Persian Gulf Oman and  Central Arabia . Vol . 1 , P . 1368 .

-3-

 

 

 

ج–  البدء بتطبيق  نظام الامن (الضبطية ) في العراق لاول مرة ، وكان هذا النظام قد تأسس في سنة 1262  ھ /1845 م : أي في تاريخ صدور الوثائق ذاتها (الوثيقة رقم 2 ) .

دالعمل بأحكام قانون الجزاء العثماني في العراق قبل نشر  هذا القانون رسميا  سنة 1274 ھ / 1858 م  بأكثر من عشر سنين (الوثيقة رقم 3) .

ھالغاء بعض الضرائب القديمة التي فرضت على العراقيين في العهد العثماني ، مثلا رسم الزنجير ، ورسم المباشرالخ .( الوثيقة رقم 3 ) .

ولهذا الوثائق  فائدة اخرى ، فهي تمثل انموذجا  لاسلوب المكاتبات الرسمية في سراي بغداد  في ذلك  العهد ، ويلاحظ  ان جميعها جاء  باللغة العربية لا بالتركية  ، على ان فيها  قليل من الركة والتعبير السقيم .

الوثيقة الاولى

بيورلدى صادر من والي بغداد محمد نجيب باشا الى من اسمه ( نصار الفاضل ) يوجه اليه مشيخة جماعة الزقاريط (الزقرت )(5)  والحسينية ، بدلا من شيخها السابق المسمى (جاعد) .

(( الواقف على المرسوم المطاع الواجب القبول والاتباع (نصار الفاضل ) تحيط به علما، الباعث لتحرير البيورلدى هو انه حيث انك وردت الى بابنا ، وتوقعت على اعتابنا بأمور المحافظة وانفاذ  الامور اللازمة واجراء الخدمات وتمضية (6)  المصالح والمقتضيات ، واستدعيت شمول الطافنا بحقك بتوجية مشيخة الزقاريط

  • الزقوت : من الزقر ، وهي لغة في (صقر) تاج العروس 11/436 ط . الكويت .
  • في الاصل ( وتمضيت ) .

 

-4-

 

 

 

 

والحسينية لطرفك ، بناء لذلك قد شملتك انظارنا (7)  وعزلنا (جاعدا) عن المشيخة المذكورة ، ووجهنا بهذه الدفعة لعهدتك ، وفوضناها لها لرشادتك ، وانعمنا   عليك

بخلعتها  الفاخرة . وسيرناك الى محلك مع بلوغ املك ، فاذا صار معلومك ينبغي ان تعرف نفسك بأنك منصوبا ، ومستقلا بمشيختك من طرفنا ، وانك مشمول ( ﺑــ ) الطافنا ، وتقوم بأمر المحافظة  وتأمين الطرق وحماية الزوار والمترددين ووقاية ابناء السبيل في كل وقت وحين ، وتعتني بانفاذ  الامور واجراء  الخدمات والمصالح اللازمة من دون غفلة ولا فتور بموجب تعهدك وكما هو المطلوب منك .

 

واعلموا يا عشاير الزقاريط كافة ، بأن  الموقوم  صار شيخاومنصوباعليكم وتكونون بانقياد واتفاقة على المحافظة وساير ( ا ) امور المهمة والخدمات المطلوبة من دون مخالفة ، ولاجل ذلك تحرر البيورلدى من ديوان ايالة بغداد ، واصدرناه بمنه تعالى (و) لدى وصوله اليكم ينبغي ان تعلمون  بماذكرنا ، واعلموا بموجب البيورلدى ، وفيه الكفاية )).

9 جمادى الاولى (8) سنة 1626

الوثيقة الثانية

بيور لدى صادر من والي  بغداد محمد نجيب باشا الى قائم  مقام كربلاء  يأمره بأرسال  دعاوى القتول الى بغداد  لاجراء المحاكمة والمرافقة ، وعدم البت فيها من قبل متسلمي كربلاء والحلة والنجف الاشرف .

( افتخار  الاماجد و الاكارم  قايمقامين  قصبة  كربلاء  زيد  افتخارهم (9)

(7) في الاصل (انضارنا ) .

(8) في الاصل ج 9 .

(9) هذه الوثيقة موجهة الى قائم مقام كربلاء ، فصيغة الجمع هنا للتعظيم ليس الا .

-5-

 

 

، والنواب زيدت (10) ،  فضايلهم والاختيارية كافة .

الباعث  لتحرير البيورلدى هو انه قبل هذا بحسب عدم  انضباط  الهنـــدية  والشامية (11) ما كانت تتميز مواد  القتل  والدعاوى التي وقعت بالمحال  المرموقة ، والذي كانت له دعوى كان يفيد عنها بقربه وجواره من متسلمين كربلاء والحلة والنجف الاشرف  (12)، وان كان المتسلمين (كذا ) المومى  اليهم يجيبون المدعي     

(10) في الاصل  (زيدة ) .

(11) الاشارة الى ثورة عشائر الشامية من الخزاعل ، واهالي الهندية في حوالي سنة 1248 ھ /1832 م . وكانت  هذه العشائر قد امتنعت عن دفع الرسوم الاميرية البالغة نحو (000 ، 30 )  شامي (نوع من القروش العثمانية ) فجهزت الحكومة عليها قوة عسكرية تقدر بحوالي (4000) جندي ، الا ان اختلاف قلادتها ادى الى فشلها وتوقفها . ثم تمكن محمد سعيد  افندي ، احد قادتها ، من جمع  الضرائب المستحقة على الهندية ، في حين انتصر عثمان بك ، وهو قائد آخر في الحملة ، على الثائرين في عدة مواقع ، واستطاع جباية قسم من الضرائب ، وترك في الحلة قسما من قواته لاكمال استحصال المبالغ المذكورة : وعاد هو واتباعه الى بغداد (سليمان فائق بك : مرآة الزوراء في اخبار الوزراء ص 185 ) وتكشف هذه الوثيقة على ان ثورة تلك العشائر لم تنته سنة 1248ھ  ، وانما استمرت حتى تاريخ اصدار هذا البيورلدي،  أي انها دامت نحو اربعة عشر عاما ، يؤيد ذلك ان محمد نجيب باشا قام سنة 1260 ھ بحملة عسكرية استولى فيها على الشامية ، وعين عليها حاكما الشيخ حطاب بن شلال ، من رؤساء عشيرة زبيد ، في الوقت الذي هزم فيه حاكمها السابق ذرب بن مغامس رئيس الخزاعل (حمود الساعدى : دراسات عن عشائر الخزاعل ص 84 ) .

(12) يلاحظ  القارى ان اطلاق اسم (متسلمين ) على حكام هذه المدن الثلاث هو من باب التجوز ، فكربلاء كانت قضاء يرأسه قائم مقام ، كما مبين في صدر

-6-

 

 

والمدعى عليه فما كانوا يميزون دعاواهم من جهة عدم انضباط المحال المرموقة وامتناع اهاليها  وعصيانهم في مكانهم  وزمانهم وعدم وجود الشهود واقامة الاثبات الشرعي ، وبسبب ذلك كانوا يوقعون الفصل بلا تحقيق ويحسمونها بدلائل العقل بخلاف الشرع الشريف ،  والحق بذلك يتوه ولا يجري على منواله . ومن توفيق رب البرية ومن ساية (13)  قوة الدولة العلية ، قد حصلت واستكملت امور الانضباط والضابطية (14) وان يتميز  مواد القتل والدماء لازما ، ولا سيما  قـــــــد

       الوثيقة ، اما الحلة فهي في هذ ا التاريخ  قضاء تابع الى لواء بغداد ، هذا في حين كانت النجف تتمتع بحكومة اكثر استقلالا، يرأسها (بيت الملالي ) الشهير ، منهم الملا  يوسف بن سليمان بن محمد طاهر ، الذي عاصر والي بغداد محمد نجيب  باشا ودامت فترة حكمة من 1250 الى 1270ھ  / 1843- 1853 م (الحكومات والاسر المالكة في العراقمحظوظلكاتب السطور ) . وتوضح الوثيقتان التاليتان ان النجف ربطت اداريافي هذه الفترةبقضاء كربلاء ، وتسميتها في كلتي الوثيقتين ب (متسلمية) يظهر عدم استقرار وضعها  الاداري آنذاك ، وليس ثمة ما يدل  على تغير ذلك  الوضع حتى تنظيمات مدحت باشا  سنة 1286 ھ / 1869 م .

(13) ساية : كلمة فارسية معناها فيىء وظل ، وحماية وعطف .

(14) الانضباط  والضابطيةاصطلاح عثماني اطلق على نظام حفظ الامن في الدولة  وقد تأسس هذا النظام سنة  1262 ھ بتشكيل دائرة (ضبطية مشيريتي ) ، ثم ابدل هذا الاسم الى ( ضبطية نظارتنه ) ، وفي 22 تموز 1325 ھ / 1907م  الغيت هذه الدائرة واستعيض عنها بمديريات الشرطة (محمد جودت : حقوق ادارة ص 207 بالتركيةبغداد 1328 ) .

 

-7-

 

 

 

 

صدرت ارادة (15) الشاهانة السنية على ان مثل هذه الدعاوى المذكورة تكون رؤيتها بحضورنا بكمال التحقيق وزيادة التحري والتدقيق . والمواد العتيقة من ذلك التي صارت بطرف النواب مقدما ما تسمع بسبب عدم تحقيقها ، فكذلك تكون رؤيتها بحضورنا (16) فاذا صار معلومكم  ايها المخاطبون المومى اليهم القائمقامية (كذا ) والنواب ، ينبغي من بعد هذا ان لا تشوفون (17)  بطرفكم دعوى من جميع دعاوى القتل والدماء مطلقا ، وانما جميع الدعاوى المذكورة العتيقة والجديدة التي وقعت من يوم دخول المحال المرقومة بالانضباط تستوقون المدعي والمدعى عليه وترسلوهم الى بغداد من دون توقف لاجل المرافقة فيما بينهم عليها بحضورنا وحسمها على وجه الحق والعدل ، ولاجل ذلك تحرر البيورلدى من  ديوان ايالة بغداد والبصرة وشهرزور  ، واصدرناه وارسلناه  بمنه تعالى . (و) لدى وصوله اليكم ،  واطلاعكم على مضمونه ، ينبغي ان تجتنبون رؤية  كافة (دعاوى) القتل والدماء  بطرفكم . وكما ذكرنا  ترسلون المدعين بها والمدعي عليهم الى بغداد  من غير اهمال لاجل المرافعة والمحاكمة عليها بحضورنا بناء  للتحقيق الذي يقتضي من خصوصها وفق أمر واردة الدولة العلية .

واعلموا بموجب البيورلدى وفيه المفاية .

في 23 ربيع الاول سنة 1262 .

(15) في الاصل (ارادات ) .

(16) ليس لدينا  مايوضح طبيعة هذه المحاكمات التي يحضرها الوالي بنفسه ، فمن المعلوم ان قانون  اصول المرافقات الجزائية  صدر سنة 1295 رومية (1296 ھ / 1879 م ) .   (انظر : طومه اندونيادى : قاموس قوانين ص 269 بالتركية ، استانبول 1310 ) . أي بعد تاريخ صدور هذه الوثيقة بأكثر من 35  عاماوالظاهر لنا ان حضور الوالي نفسه تلك المحاكمات هو من الامور الاستثانية في ذلك العهد ، اذا ليس في قانون ادارة  الولايات الصادر سنة  1263 ھ / 1846 م ما يبرر قيام الوالي بمثل هذا الامر .

(17) في الاصيل : أن تشوفون ، وهو خطأ  .

-8-

 

الوثيقة الثالثة

بيورلدى صادر عن محمد نجيب باشا والي بغداد  الى قائم  مقام كربلاء يوصيه  فيه بابطال اعمل السخرة ، والرشوه وينبئه بتشكيل مجلس ببغداد  للنظر في مخالفات المأمورين بموجب  قانون  الجزاء .

(افتخار الاماثل والاقران سر بوابين دركاة عالي (18) قايممقام  كربلاء محمد طلعت اغا زيد مجده والافضل النايب زيد فضله (19) وسائر الوجوه والاعيان والمختارية والاختيارية كافة .

تحيطون علما الباعث لتحرير البيورلدى هو انه كان جل مطلوب ومرام حضرة افندينا  وولي نعمينا ظل الله تعالى على الانام  دامت  خلافته العدلية  مدى الايام نشر بساط  العدل والاحسن  وطي بساط الجور والظلم والعدوان في جميع اوقات والازمان لاجل راحة العباد واستراحة البلاد ، قد تعلقت ارادته السلطانية السنية ومشيئته الخاقافية العدلية  بابطال ومنع الرشوة والجريمة والخدمة المعدودة من الاصول العتيقة والمواد المكروهة الظلمية . وبناء على ذلك من ساية عدالته الممدود ظلها  السامي على سائر الافاق قد وجب علينا ابطال تلك  المواد المكروهة ومنعها من جميع الاماكن الداخلة تحت حوزه حكومتنا من طرف العراق ، واقدم (منهذا قد تحرر من طرفنا بيورلديات من هذا الباب  محتوية على فصل الخطاب والتنبيهات القوية الشديدة  والاعلانات المفيدة  الاكيدة . وتسيرت لطرف  جملة

 (18) أي : رئيس بوابي الباب العالي  ، وهو اسم لرتبة تشريفية عثمانية .

(19)  المقصود بالنائب في هذه الوثائق ، نائب الفتوى ، وهو يشغل أعلى منصب شرعي في الوحدات الادارية العثمانية ( فيما دون الولايات )  ويمثل القاضي في الدعاوى الشرعية . وقد جرى العرف في تلك الفتره على اشراكة في جميع المخاطبات الرسمية ، على أن هذا العرف الغي عند صدور قانون  الولايات سنة  1263 ھ /1864 م وتشكيل الادارات الجديدة فيها  .

 

-9-

 

 

 

 

المأمورين ولله تعالى الحمد ،  وان كان من ساية الحضرة الشاهانة قد انقطعت التعديات من سائر الوجود  والجهات ، وحصلت وسائل الرفاهية  والراحة مع  كمال الامنية  والاستراحة  ، غير انه لما كان في بعض الاماكن محتملا  وجود بعض الاثر والبقية من تلك المواد المكروهة الظلمية ، لاجل ذلك الاحتمال وقطعها وازالتها  بالكلية قد لزم  تكرارا الافادة والاخطار الى المأمورين عن هذه الكيفية ، ولاجل ذلك ان  كان في بغداد وان كان في القصبات ينبغي ان لا يقع  ادنى جور وتعدي ولا يكون حبس وضرب  وتكدير فرد شخص بغير سبب ، وان لا يقع كلفة وسخرة ونوع من  التعدي على الفقراء ، والماكولات اللازمة الى المأمورين  وغيرها يلزم ان لا تؤخذ بأدنى قيمة من الفقراء بل  يقتضي شرائها بسعر رايج  البلد ، ويلزم الاجتناب   من   اخذ   آقجة (20)  واحدة  من  اسم (21)    فلوس   الزنجير (22)

 (20) آقجة : نقد عثماني  يعزي  ضربة الى السلطان  اورخان سنة 729 ھ / 1325 م .، ومعنى اسمها (المبيضة )أو (البيضاء) لغلبة الفضة على معدنها ، حيث كان عيارها يبلغ 90 / بالمائه ، وقد عرفت في البلاد العربية بلفظ عثماني ، أي الدرهم العثماني ، رغم ان وزنها في الحقيقة يساوي ربع وزن الدرهم الشرعي تقريبا ، وانخفض وزن الاقجة في العهود التالية ، من ستة قراريط الى قيراط  واحد وثلاثة ارباع سنة 1115ھ  / 1703 م ،  ووزنت في  آخر عهد  ضربها سنة 1234 ھ  / 1818 م  نصف قيراط  فقط . وقد استمر التعامل بهذه العملة بعد توقف ضربها مدة من الزمن كما يظهر من هذه الوثيقة (العزاوي : النقود العراقية ص 142 وانستاس الكرملي : النقود العربية وعلم النميات ص165 ) .

 (21) يريد : باسم .

(22) فلوس الزنجير /: ضريبة عثمانية كانت تعد من رسوم الارض ، وتؤخذ على اساس قياس الارض الزراعية (الذرعة) فمن المعروف ان القياس كان يتم بواسطة سلسلة معدة لهذا الغرض تعرف ب (الزنجير ) .

-10-

 

 

 

وخدمة المباشر (23)  والحاصل وجها من الوجوه يقتضي ان لا يصير  تعدى  بصورة على اهالي وسكنه المملكمة ، ودائما على الاستمرار يلزم الاعتناء التام بكمال اسباب رفاهيتهم وراحتهم وفق المرام ، ومعاذ الله تعالى  اذا تجاسر احد من المأمورين على خلاف  ذلك وتحقق صدور ذلك  منه تجرى التأديبات  اللايقة من غير اهمال ولو كائنا من كان ، وعلى الخصوص فالذي يتجاسر من بعد هذا على اخذ الرشوة واعطائها الممنوعة وملكا ،  فآخذها ومعطيها لا  تكون المساعدة  لهما اصلا بل يلزم اجراء التربية والتأديب عليهما بموجب منطوق (قانوننامة الجزاء  الهمايونية ) (24) ، واذا صار معلومكم ترتيب المجلس في بغداد  للدعاوى الواقعة فيها  وفي كافة الايالة على وجه الحقانية من دون غرض وخاطر ورعاية التدقيق بمثل هذه الحركة وعلى المنوال المشروح من  بعد هذا ان كان يوجد فتجرى على خلاف الاحكام المندرجة في (بيورلدينا) يعامل على موجب (قانون الجزاء ) فيلزم الاعتناء في كافة الاحكام المذكورة ، من الان يكون ذلك معلوما لدى جميعكم ، ويجب على كل احد المداومة والمثابرة على استجلاب  الدعوات الخيرية

 (23) المباشر : هو الفراش او ما يعرف اليوم بالمراسل والمقصود به هنا مبعوث السلطان او الوالي المكلف باستحصال المبالغ المترتبة في ذمو  متسلمي المدينة من الضرائب ونحوها ، ويبدو ان اخذها في هذه الفترة كان مقرونا بشيء من الجور والحيف .

(24) تؤكد  جميع  المصادر على   ان صدور  قانون الجزاء العثماني  المسمى (جزا قاننو نامه هامايوني) كان في سنة 1274 رومية (قاموس قوانين ص268) أي في سنة 1274 ھ / 1858 م ،وكانت اغلب نصوصه مستمدة من القانون  الفرنسي الصادر سنة 1810 م / 1225 ھ والمعدل سنة 1832 / 1248 ھ (على حسين الخلف : الوسيط في شرح قانون العقوبات ص 55 ) وكان (خط كلخانة ) الصادر عام 1255 ھ  /1839 م  قد وعد باصدار مثل هذا القانون . وليس ثمة ما يشير الى اصداره فعلا قبل التاريخ المذكور /، هذا في حين تنص 

-11-

 

 

لجانب سني الجوانب الشنشاة الاعظم (25) دام ظل عدالته منشورا على الخلائق والامم . ولاجل ذلك تحرر البيورلدى من ديوان ايالة بغداد والبصرة وشهرزور وارسلناه لطرفكم  فأعلموا بما فيه من الاحكام على الاستمرار والدوام من غير مخالفة ، وفيه الكفاية .

3 شوال سنة 1262 .

الوثيقة الرابعة

بيورلدى صادر عن محمد نجيب باشا والي بغداد الى نورى بك يخبره بتوجيه قائمقامية كربلاء ومتسلمية النجف اليه  ، ويعلمه  بأن لخزينة بغداد  وحدها الحق في منح الاراضي للملتزمين .

(قدوة الاماجد والاكارم من متحيزين دائرتنا خوجكان ديوان همايون نورى بك  زيدت مكارمه ، وحضره العلماء الكرام الكائنين بالنجف الاشرف وقصبة كربلاء زيدت  علومهم  والنواب  والمختارين  والاهالي  كافة .

       هذه الوثيقة التي ننشرها على وجود قانون يحمل الاسم نفسه 1262 ھ / 1845  وبما ان هذه الوثيقة رسمية فان من شأنها ان تغير الفكرة السائدة عن تاريخ صدور القانون المذكور سنة 1274 ھ  ونحن مضطرون الى التصديق  بما ورد فيها ريثما توجد وثائق أخرى  تزيد هذه المسألة وضوحا ، وبهذا الصدد فاننا عثرنا على اقدم ترجمة عربية لهذا القانون جرت في عهد والي بغداد   مدحت  باشا (1286 -1289 ھ  / 1868 – 1872م  ) وهي مخطوطة ومحفوطة في المكتبة القادرية ببغداد تحت رقم (389) . وقد جاء في آخرها (احكام هذه النظامنامة  معمول بها في كمرك (كذا ) دار السعادة  وفي خارجها ، وهي دستور العمل 15  جمادى الاخرة سنة 1280 ھ  .  ترجمها الفقير المعترف بالعجز والتقصير حيدر ابن عبد الله  نائب لواء العمارة ، وذلك بيمن درة تاج الوزارة …. والي ولاية بغداد .. مدحت باشا ، اللهم قوى عزمه بجاهك المتين ودمر العصاة والمتمردين .!  ) .

(25) يريد السلطان العثماني ، وهو يومذاك عبد المجيد الاول بن محمود (1255   – 1277 ھ  / 1839 م -1860 م ) .

-12-

الباعث لتحرير البيورلدى هو انه بورود قائمقامية كربلاء قدوه الاماجد والاعيان سر بوابين  دركاه عالي محمد طلعت اغا الى خدمتنا قد استعفى عن القائمقتامية والانفصال عن تلك المأمورية ، ولكون جنابك مجزوم خلوص السريرة وحسن السلوك والسيرة ، بناء لذلك قد شملتك  انظارنا الوفيرة وبهذه الدفعة قد وجهنا قائمقامية كربلا  المعلا لعهدتك وابقينا متسلمية النجف الاشرف عليك على شرط يكون التزامات مقاطعة كربلا  والتزام نهرانها  والتزامات مقاطعات  النجف الاشرف بجملها من طرف خزينة بغداد لا يكون ذلك من غير طرف . فاذا صار معلومك ينبغي ان تعرف نفسك بأنك منصوبنا ومستقلا بالقائمقامية والمتسلمية من طرفنا ، وتحسن السيرة والمعاشرة مع العلماء والسادات ، وتعتني بتوطين السكنة والمجاورين وصيانة الزوار واهالي تلك الديار من التجاوز والتعديات  في كل الاوقات ، وتجرى الدعاوى التي تصير فيما بينهم على موجب الشرع الشريف والقانون المنيف من دون محاباة والذين لهم رغبة ويريدون الالتزامات ان كان لمقاطعات  قصبة كربلاء  ونهرانها وان كان لمقاطعات النجف جميعها ، ترسلهم الى طرف خزينة بغداد  حتى يلتزموها من طرف الخزينة الجليلة  بوجه المضبوطية سنة الاثنين وستين

وانتم ايها العلماء المومى اليهم والنواب والمختارين كافة ، اعلموا بأن المومى الية نورى بك افندي من اخص المنتمين لطرفنا ومنصوبنا ومعدود الخاطر عندنا وتقوية اموره مطلوبنا ، فيكون تزيدون الاتفاق معه على كافة المصالح اللازمة وانقاذ الامور المهمة وتجرون ماهو المجزوم فيكم من خلوص الصداقة والسعي المرغوب ، ولاجل ذلك تحرر البيورلدجى من  خلوص الصداقة والسعي المرغوب ، ولاجل تحرر البيورلدى من ديوان ايالة بغداد والبصرة وشهرزور ، وأصدرناه وارسلناه بمنه تعالى (ولدى وصوله اليكم ووفوده عليكم ينبغي ان تزيدون الاهتمام على اجراء ما ذكرنا ، واعلموا بموجب البيورلدى وفيه  الكفاية .

21 شوال سنة 1262 (26) .

(26) قرىء هذا البيورلدى بتاريخ 27 شوال من العام نفسه ، على ما ورد في تعليقة كتبت في صدره .

-13-