من مظاهر التجديد في المجتمع النجفي في اوائل القرن الماضي د. رحيم عبد الحسين العامري

 أن مرقد الإمام علي (ع) قد مـَثـّل المحور الأساس الذي نشأت حوله مدينة النجف الاشرف ، وكان المرقد المطهر أيضاً بمثابة قطب الرحى في اقتصاد المدينة ، فإذا قيل من قبل : إنّ مصر هبة النيل ، فإننا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا : إنّ النجف هبة الإمام علي (ع) .

 

ولكي تتضح لدينا الصورة أكثر عن بيئة المجددين نشير ، على عُجالة تجنباً للإسهاب ، إلى واقع المجتمع النجفي ، الذي يوصف بأنه مجتمع متحفظ أشد أنواع التحـفظ إلى حـد التزمت أحـيانـاً بحـسب ما وصـفـه احـد خـريجي النجـف خـلال الحقبـة .  تظافرت عوامل عدة أسهـمت بشكل أو بآخر في التكوين الفكري للمجددين في النجف .

المنزلة العلمية والدينية للمدينة
طـُبـّعت مدينة النجف منذ نشأتها بطابع من القدسية والاحترام كونها تضم مرقد الإمام علياً بن أبي طالب (ع) ابرز الصحابة قرباً للرسول (ص) ، فضلاً عن جامعتها الإسلامية الكبرى. وكان لتلك المنزلة الدينية العلمية اثرٌ في انتقال النتاج الفكري إليها من مختلف المدن العراقية وغير العراقية ، الأمر الذي أوجد في النجف حركة فكرية  تمتاز عن غيرها من كـُُبريات المدن العراقية مثل البصرة وبغداد  والموصل. ومن البديهي أنْ يرافق انتقال ذلك النتاج الفكري إلى النجف هجرة بشرية ، ففضلاً عن هجرة الطلبة من مدن عراقية عدة إلى النجف ، فقد هاجر إليها طلبة العلم من مختلف الأقطار العربية وغير العربية ، فكان أولئك الطلاب يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية ومن بين تلك الثروات أمهات الكتب المخطوطة  في  الفلسفة والرياضيات والتاريخ والأدب. وقد استحقت النجف أنْ تدعى بمدينة الوافدين الذين كان لثقافاتهم التي امتزجت بثقافة المجتمع النجفي أثـرٌ في الانفتاح الفكري لفئة معينة من هذا المجتمع المحافظ. 
تميزت المدارس الدينية ، أو الحوزة العلمية التي تنضوي تحت عنوانها تلك المدارس ، بالاستقلالية في الجانب المالي ، فهي تعتمد في هذا الجانب على ما يصل إلى النجف من الحقوق الشرعية والتبرعات ، لذا لا ترتبط الحوزة العلمية في النجف ، كما هي سائر الحوزات الشيعية ، بالدولة لا من حيث الإنفاق ، ولا من جانب تعيين الزعامة الدينية العلمية على العكس من بعض الجامعات الإسلامية الأخرى المناظرة لجامعة النجف ، ومن بينها الجامع الأزهر ، الذي يرتبط بالدولة من حيث الزعامة والتمويل الأمر الذي قد ينجم عنه شيءٌ من عدم الاستقلال الفكري ، وعلى النقيض من الأزهر يبدو أنّ الاستقلال المالي الذي تميزت به حوزة النجف قد منحها درجة كبيرة من الاستقلال الفكري ، مما أسهم في دعم مركزها وجعلها تحظى باحترام جمهور الأمة .
لم تكن الحوزة العلمية ، ولا زعامتها الدينية العلمية المتمثلة بالمرجعية مؤسسة تابعة للحكومات ، وقد سارت المرجعية على هذا الخط بوصفه احد ثوابتها ، الأمر الذي جعلها تتحرك بمرونة وقوة على ساحة الأحداث . ولعل هذا يفسر لنا الرفض القاطع  للمرجع  الأعلى  السيد  أبو  الحسن الأصفهاني (1868- 1946) الذي واجه به احد ساسة العراق حين حاول ربط الحوزة بمديرية الأوقافعلى ان لا يعني كل ما تقدم عدم تعرض المرجـعـيات ، أو عـموم الحوزة ، إلى ضغوطات من قبل الحكومات المتعاقبة .
أسهمت المكتبات النجفية الخاصة منها والعامة في رفد الحركة العلمية في النجف  بما تحويه من أمهات المصادر في مختلف العلوم ، فضلاً عن نوادر المخطوطات ونفائسها والتي ينهل من نميرها الضماء للعلم والمعرفة من طلبة العلوم الدينية ، وغيرهم من المثقفين  ويصف احد مؤرخي المدينة ظاهرة تجمع الكتب فيها قائلاً: “… والنجف ضاهت بغداد في جمع الكتب ، وفاقت عليها بجودة الخط والكثرة والقدم ، واختلاف مواضيعها “.
لم نستطع الوقوف على رقم دقيق لعدد المكتبات في  النجف من خلال ما تيسر لنا الاطلاع عليه من مصادر ، وربما يعود سبب ذلك إلى كثرة المكتبات وظهور واختفاء بعضها بين الحين والآخر ، أما بسبب وفاة أصحابها أو هجرتهم أو بسبب تفريط القائمين عليها أو لعاديات الزمن ، إذ أنّ الملاحظ على المكتبات العامة في النجف ، فضلاً عن الخاصة أنها لم تؤسس بجهود حكومية ، بل بجهود أهالي النجف وزوارها والوافدين إليها ويستثنى من هـذا التعـميم المكـتبة العـامة التي أسـست سنة 1936 من قبل الحكومـة  ويرجح أن عدد هذه المكتبات قد تجاوز الخمسين مكتبة ، أسهمت مساهمة فاعلة في الحركة الفـكرية النجفيه  تلك الحـركـة التي كانت بأمـس الحاجة إلى المطابع لتوسيع دائـرتها .

اثر المجالس النجفية    
تعد المجالس النجفية عنواناً بارزاً من عناوين النجف منذ نشأتها ، إذْ أنّ الكثير من زعماء النجف ومشاهيرها ، كما هي اغلب مدن العراق ، يجلسون في بيوت خاصة أو جناح منعزل أو غرفة منعزلة عن المنزل تسمى بالبرانى ، وتعرف  هذه الاجتماعات أو الـدواوين بـ (المجالس ) ، التي يكاد تأثيرها في تكوين الشخصية النجفية ذات الثقافة العالية يفوق تأثير المكانة العلمية ، التي تبوأتها المدينة ، بحـسب ما أكده احـد المعـاصرين للمدة موضوعة البحث  .  
أسهمـت تلك المجالس بشكل كـبير في صقل وبناء العقلية  النجفية المـثقـفة  فضلاً عن غيرها ، من خلال ما تتناوله من شؤون مختلفة سواء كانت عامة أم خاصة وما يستجد في عالم السياسة ، و تثار في هذه المجالس أيضاً المسائل الفكرية ، وتشمل عادة ً علوم الفقه والأصول والتفسـيـر والحديـث والفــلسـفة والأدب بـحسـب ثـقـافـة صاحـب المجـلس وحضوره ، ويصف جعفر الخليلي هذه المجالس بأنها :  “… أشبه بقاعة المحاضرات والدرس ، والمباراة الشعرية ، بل كثيراً ما قامت هذه المجالس بمهمة المحكمة ففصلت بين المتشاكين … والى مثل هذه المجالس يعود الفضل في بذرة الاستقلال … ومن هـذه المجالس انبعثت فـكرة ثورة النجف الأولى في وجه الانكلـيز والى مثل هذه المجالس يعود الفضل في تضييق دائرة الحروب القبلية”.           
إنّ أشهر المجالس تلك التي تعقدها الأُسر العلمية ، التي كان لكل منها اما منتدىً أدبي أو مجلس علمي ، وغالبا ما تكون مجالس النجف أسبوعية وهي بالعشرات ، فضلا ً عن المجالس التي  تعقد في ليالي شهر رمضان وتلك التي تـُعقد بمناسبات ذكرى وفيّات الأئمة المعصومين، ويقسم احد الباحثين هذه المجالس إلى واحد وعشرين نوعا ً، اما على وفق مهن أصحابها أو أماكن عقدها أو المناسبة التي تعقد من اجلها أو بحسب الميول العلمية والأدبية لأصحابها أو روادها، في حين يحصرها باحث آخر بثلاثة أنواع فقط.
لم تكن النجف مقطوعة الصلة ببقية أنحاء العراق ، فضلاً عن العالم ، ولم تعدم الوسيلة اللازمة لهذا الغرض على الرغم من صعوبة المواصلات والاتصالات في النصف الأول من القرن العشرين ، فمن مجالسها كانت تنتشر الأخبار السياسية وغير السياسية سواء منها ما يخص العراق أو العالم ، ولهذه المجالس مصادر عدة للمعلومات منها ما يصل إليها من صحف ومجلات من بغداد وبيروت والقاهرة وإيران ، وبجانب ذلك كانت الأخبار التي يحملها الجنـّازون معهم عن المناطق القادميـن منها ، تـمثل مـصـدراً آخـر لمعـلومات المجالس النجفية ، إذ لم تكن حركة نقل الجنائز إلى النجف ذات مردود اقتصادي وحسب ، بل كانت ذات مردود ثقافي أيضاً.
إمـّا  المصدر الثالث لمعلومات تلك المجالس كان طلبة العلوم الدينية والزائرين والوافدين على النجف من داخل العراق وخارجه ، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية وكذا كانت الرسائل التي تصل إلى علماء الدين والمراجع في النجف من مختلف بلدان العالم ، قناة أخرى من  قنوات اتصال النجف بالعالم ، وكانت تلك الرسائل تحمل أخبار متنوعة سوى ما فيها من أسئلة شرعية أو طلباً للتوسط في قضاء حاجات عامة أو خاصة  ولاشك أنّ تلك الرسـائل كانت تحمل معها جانباً من أخبار وأحوال المناطق الواردة منها لذا كانت النجف من أكثر مدن العراق اتصالاً بالعالم(.

دور الصحافة  
إذا كان قيام النهضة الفكرية للمجددين في النجف قد استند بشكل أساس على البنية الثقافية المحلية للمدينة ، المتكونة أصلا ً عبر تراكمات لمراحل تاريخية متعاقبة فان ثمة مؤثرات وعوامل خارجية كان لها دوراً مهما ً في تطورها وتوسيع نطاق القضايا التي اهتمت بها ، ويمكن القول  إنّ أهم هذه المؤثرات قد تمثل بالصحافة والمطبوعات العربية وغير العربية ، زيادة على الاتصال ببعض الشخصيات الفكرية العربية عن طريق المراسلات أو عن طريق السفر للعمل أو للدراسة أو لأغراض أخرى إذ كان للأفكار الوافدة دورٌ مهم في تنبيه الأذهان إلى أساليب وطرق مـُغايرة في التفكير  زيادة على إسهامها في بلورة اتجاهات فكرية جديدة ، ففي مجال الفكر السياسي كانت تـُطرق أحاديث عن الديمقراطية والاشتراكية ، فضلاً عن أفكار الثورة الفرنسية ، وكذلك كانت هنالك موضوعات عن العلم ومكتشفاته وغيرها من الموضوعات التي كانت تعد غريبة عن المجتمع  .
يبدو أنّ الصحافة العربية  قد شغلت المساحة الأكبر من بين المؤثرات الخارجية ، إذ أنـّها والصحافة المحلية للمدينة قد شكلتا واحدا من أهم روافد التكوين الفكري للمجددين بما وفرته من معلوماتٍ جديدة ، فضلا ً عن أنـّها أصبحت بمثابة فضاء رحب لتلاقح الأفكار .
شهدت مصر وبلاد الشام مطلع القرن التاسع عشر إرهاصات نهضة فكرية  جاءت نتيجة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ، أخذت تتبلور بصورة ملموسة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد القت تلك التطورات بظلالها على العراق عموما ًوعلى النجف بصورة خاصة ، وقد تسربت كثيرا ًمن أفكار تلك النهضة إلى النجف عن طريق الصحف والمجالات والكتب ، ولاسيما تلك التي تتناول سير المصلحين ، وحملت هذه وتلك معها كثيرا من أفكار الحضارة الأوربية الحديثة ، وقد كتب الدكتور علي الوردي عن دور مصر في هذه المرحلة ما نصه : ” أصبحت مصر منتصف القرن التاسع عشر بمثابة الوساطة الفكرية وداراً للتعريب بين أوربا والبلاد العربية ” .
لقد وجدت العديد من الصحف والمجلات الشامية والمصرية طريقها إلى المثقف النجفي ، الذي كان يقبل على قراءتها بشوق ، ومن بينها صحيفة الإقبال ومجلة المقتطف البيروتيتين ومجلة العرفان الصيداوية ، وكذلك كانت صحيفة المؤيد المصرية ومجلتا الهلال والمقطم المصريتين ايضا ً ، وبجانب اطلاع النجف على نهضة مصر وبلاد الشام عن طريق الصحافة ، كانت هنالك مراسلات وتبادل زيارات بين مثقفي النجف ومثقفي مصر وبلاد الشام .
وزيادة على الصحف والمجلات العربية كانت تصل إلى النجف صحف ومجلات فارسية منها مجلة (بهار) الطهرانية ، وصحيفة ( كرمنشاه ) الصادرة في مدينة كرمنشاه  وصحيفة (جمالية ) الهمدانية  ، وكانت صحيفة (حبل المتين ) الهندية من الصحف المتداولة في النجف مطلع القرن العشرين ، فضلاً عن مجلة العروة الوثقى الصادرة في باريس.
ولما كانت الصحافة من بين الأدوات المهمة للتعبير عن مواقف الفرد التي يدافع بها عن تراثه وفكره ، ومن العوامل المهمة في تطوير المجتمع وتوجيهه نحو الطريق الأفضل ، ومن الوسائل الناجعة لنشر الوعي الوطني ؛ لذا أدرك المجددون  في  النجف هذه الحقيقة وبادروا إلى تأسيس صحافة أرادوا لها أن تكون منبراً لنشر دعواتـهم الإصلاحية ، وتبليغ رسالة النجف العلمية لمختلف أنحاء العالم ، وللرد على الحركات المعادية للإسلام ، ونجد أبعاد هذه الصورة أكثر وضوحا ً في العدد الأول لـمـجلة العـلم التي أصدرها المجـدد السيد هبة الدين الشهرستاني ، الذي وصف مهمة الصحافة  قائلاً : “… أليست هي للأمة عيناً ولساناً ناطقاً وخطيباً صادقاً ودرعاً واقياً ومعلماً هادياً ومؤدباً ناجحاً وصراطاً واضحا ً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا تحمي في الباطل حميما وتهضم في الحق خصيما وكل صحيفة أخطأت هذا الصراط فعلى الأمة تأديبها ولو بالسياط “.
كانت مجلة العلم التي صدر عددها الأول في 29 آذار 1910 أول مجلة عربية تصدر في النجف ، وثمة من يرى أن النجف قد سبقت بغداد في إصدار المجلات العربية الإسلامية  ، وعموما ًفقد صدرت في النجف منذ صدور المجلة الأولى فيها وحتى عام 1963 (11) صحيفة و(21) مجلة ، منها ما استمر بالصدور بعد العام المذكور ، ومنها ما احتجب قبله وبفترات متفاوتة . وإذا ما علمنا أنّ المجتمع النجفي وبخاصة الوسط الحوزوي المحافظ منه ، في مطلع القرن العشرين كان يرى في قراءة الصحف والمجلات ارتداداً وشذوذاً عن طريق الدين ، بل ظل الأمر كذلك حتى نهاية العقد الخامس من القرن المذكور ، وليس أدلّ على ذلك من الرواية المنقولة عن احد علماء الحوزة العلمية في عام 1948 والتي جاء فيها : “… خلال أحـداث عام 1948م في فلسطيـن ولـبنان كان الـشيخ عـبد الكريم شمس الدين وجماعة من العلماء ، يقرؤون بعض الصحف العربية في منزله بالنجف الاشرف ، بـشكل سـري خـوفاً من افتضاح أمـرهم ، لان ذلك يعد خروجا على الحوزة العلمية ، اما الراديـو فانه أمـر كبير قد يـُفسّـق صاحبه ” . عندئذٍ سوف ندرك حجم المصاعب التي كابدها المجددون في سبيل مطالعة أو إصدار المجلات أو الصحف.
أثارَ تطور الغرب اهتمام الصحافة النجفية منذ وقت مبكر من تأسيسها ، وحث المجددون من خلالها المجتمع على الاقتداء بالغرب من ناحية التقدم العلمي وتجنب المظاهر السيئة للحضارة الغربية ، كتلك التي لا تتلائم وواقع المجتمع العربي الإسلامي ، وحذروا كذلك من الانجـرار وراء طـعون المغرضـين القائـلة بأن الديـن أو الـدراسة الديـنـية متأخـرة لا تماشي ركب الحضارة والتطور، وهذا ما دعا المجددين إلى البرهنة على أن التفكير الديني السليم لا يتعارض مع التطور العلمي  ، في الوقت الذي طرح فيه تطور الغرب تساؤلات كثيرة طالت كل شيء في الثقافة الإسلامية بحثاً عن أجوبة مقنعة ، في سبيل الارتقاء بواقع المجتمع لمسايرة ركب الحضارة الجديدة.

اثر أفكار السيد جمال الدين الأفغاني 
يعد السيد جمال الدين الشهير بالأفغاني (1839 – 1897 ) من أبرز  المجددين الإسلاميين إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق في التاريخ الحديث ؛ لأنه اختلف كثيراً عن شخصيات فكرية معاصرة له ، ذات مقدرات علمية ضخمة ، لكنها أدت دورها في الدائرة الخاصة التي عاشتها ، اما السيد جمال الدين فقد صنع الكثير مما عجز عنه الآخرون ، إذ تحول إلى ظاهرة مؤثرة تجاوزت حدود الزمان والمكان اللذين عاشهم، وهنالك إجماع على أنّ حركة التجديد الإسلامي في البلاد العربية قد بدأت على يديه.
وبغـض النـظـر عن انـتـمـائـه العـرقـي أو الطـائـفـي ، يـبـدو من الـثـابـت أنّ جـمـال الدين الأفغاني قد نال قسطا ً وافرا ً مـن تـعليمه في النجف ، التي هاجر إليها عام 1850() ، والتي يمكن لمناهج وطرق التدريس فيها ، في ظل التحولات الفكرية والسياسية العامة ، ان تتكفل بتبني منهجا ًمهما ًلمعالجة القضايا المستجدة ، الأمر الذي يؤدي غالبا إلى بروز قادة دينيين سياسيين في آن ٍ واحد ، ويشكلون ظاهرة تاريخية لتجديد الفكر والممارسة الإسلاميتين ؛ لذا يمكن القول ان أنظمة ومناهج الدراسة في حـوزة النجـف قـد أسهـمت بشكـل أساس في تكـوين القاعـدة الفكرية والثـقافـية للسيد جمال الدين الأفغاني، وهذا ما استنتجه البرت حوراني من خلال مؤلفات وخطب الأفغاني  والى شيء من هذا القبيل يشير علي الوردي
ومهما يكن من أمر ، فأن الملامح الرئيسة للمشروع الإصلاحي الذي نهض به السيد جمال الدين الأفغاني تتلخص بمحاربة الاستعمار وتوحيد المسلمين في إطار الجامعة الإسلامية مع مناهضة الاستبداد ، فضلا ً عن تنقية الفكر الإسلامي من الشوائب وإشاعة وتركيز الوعي . فمثلت تلك الأفكار رافداً مهماً من روافد التكويـن الفكري لمجـددي النجف الذين لـم يكن الأفغاني غريباً عنهم ، فقد كانت أفكاره تصلهم بطرق عدة ، منها مجلة العروة الوثقى التي أصدرها الأفغاني مع تلميذه محمد عبده  في باريس في العام1884، والتي وصلت أعداد منها إلى النجف ، فـقد عالجـت المجـلة الأوضاع المترديـة التي تعيشها الدول الإسلامية ، وسياسـة الدول الكبرى ازائها  وبخاصة بريطانيا ، فـقد وصفـت المجـلة بأنـها ذات تأثـيـر كـبـيـر في تـنـبيـه الأفـكار في المـشـرق العـربي عموما.
نقلت كذلك صحيفة ( حبل المتين ) الصادرة في الهند أفكار الأفغاني  إلى مجددي النجف ، إذ كانت تصل أعداد تلك الصحيفة ، التي تمجد أفكار الأفغاني  إلى النجف مطلع القـرن العشــريـن ، ووصـفـها الســيد هبـة الـديـن الشهرسـتانـي احـد مـجـددي  المديـنـة بأنـّـهـا  ” لسـان حال الأحرار في العالم الشرقي والإسلامي “.  وكانت للأفغاني بعض المراسلات مع علماء الدين في النجف بغية إقناعهم بجدوى الـوحـدة الإسلامية ، التي يـرى فـيـهـا الأفغاني الحل الناجع للحيلولة دون سيطرة الدول الأخرى على المسـلمين  ، فضلا ً عـن أنّ الأفغاني قد زار النجـف بحـدود العام 1891 واجـتمع في الصحـن العـلوي مع السيد محمد سعيد الحبوبي ، الـذي كـان زمـيل دراسته ، الـتي أمضى فـيهـا الأفغاني ما يربو على العـشر سنـوات. وربـمـا كـان لأفكار الأفغاني في الـوحـدة الإسلامية ومناهضة الاستعمار أثـر في فـتاوى علـمـاء النـجــف بمـقاتـلـة البريطـانـيـيـن الـذيـن غـزو العـراق عـام 1914، والـوقـوف إلـى جـانب الدولـة العثمانـية المعـروفـة بمـواقـفهـا في اضطهـاد الـعرب وبخـاصة الشيعة لأسباب قومية ومذهبية. أو في الأقل قد يكون ذلك أحـد الأسباب التي دعتهم إلى اتخاذ مثل هذا الموقف.