النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي الدكتور صالح الشماع

 

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.

النُّبُوة والتَّنَبؤ عِنْدَ الفارابي

الدكتور صالح الشماع

1 – أبو نصر الفارابي (259 – 339هـ) هو من أوائل فلاسفة الإسلام سبقه دون شك فيلسوف العرب والفيلسوف المسلم الأول الكندري (185 – 260هـ) إلا أن الفارابي جاء ليتوسع وليملأ الفجوات ويوضح المسائل، ومن هنا استحق لقب المعلم الثاني ليكون بعد أرسطو. وقد سئل عن صلته بأرسطو فيقال أنه أجاب: “لو لحقت به لكنت أنبه تلامذته”.

لقد واجه الفلاسفة كأفلاطون والكندي من قبل وابن سينا وابن رشد من بعد أزمات مع الحكام والسلطات، إلا أن الفارابي رغم تكلمه في النبوة وعلاقة النبي بالفيلسوف وبرئيس المدينة أو الأمة الفاضلة وبعلاقة الدين بالفلسفة بأمور تتصل بالمعاد ويقدم المادة وهي أمور سوف يجد فيها الغزالي (450 – 505هـ) عصياناً بل وإنكاراً للدين وإلحاداً، إلا أن حياة الفارابي الهادئة وزهده ونسكه وبعده عن الجاه والثراء جعل الناس تعيش معه آمنة مطمئنة وهو بينها – وكأنه ليس بينها – آمن مطمئن.

يصدر الفارابي في تحدثه عن النبوة والتنبؤ عن إيمان عميق من جهة وإخلاص للعلم والفلسفة اليونانيين من جهة أخرى، وبسبب ما ركب في طبيعة الفارابي من حب للتوفيق نراه يجد توازياً قائماً بين الفلسفة والدين مما يسر له تفسير ظاهرة: النبوة والحدس النبوي بما اكن لديه من فلسفة وعلم. ويجب أن نعلم أن الفارابي قد ساهم من عنده بصورة لا نجد لها مثيلاً في الإسلام من قبل ومن بعد.

2 – يذكر الدكتور إبراهيم مدكور في رسالته للدكتوراه، (بالفرنسية) الموسومة باسم (مكانة الفارابي في المدرسة الفلسفية الإسلامية) أن الفارابي إنما يؤكد نظريات أفلاطون وأرسطو وتفسير أفلوطين بالذات المدرسة الأفلاطونية… وإلى مثل هذا يذهب أربري في كتيبه بالإنجليزية (الوحي والعقل في الإسلام طبع في 1957) كذلك ريتشارد فالتسر في كتابه بالإنجليزية (من اليونانية إلى العربية: مقالات في الفلسفة الإسلامية لندن 1963، ص206 وما بعدها). الواقع أن هناك فرقاً بين أن يؤمن الفارابي بالفكر اليوناني وينقاد له دون سواه – وهذا ما لا نعتقده – وبين أن يحترم الفكر اليوناني وتكون له مصادر أخرى لفكره وإسهامه. وعقل كالفارابي هو أعلى من أن ينقاد فقط، لا سيما وأن آراءه في هذ الصدد يوجزها في كتاب من أواخر كتبه وأنضجها وهو (آراء أهل المدينة الفاضلة).

3 – أن الفلسفة سابقاً ولاحقاً تؤمن بثلاث وسائل ميسورة للفيلسوف وللإنسان عامة – في تحصيل المعرفة ونعني بها: الحس والعقل والحدس. وأفلاطون في الجمهورية مثلاً يذهب إلى أن الحس هو أضعف الوسائل وأولها ظهوراً وأقلها أهمية. وأكمل طريقة هو بالعقل والنفس الناطقة هي أعلى النفوس الثلاث أو الوظائف الثلاث في النفس. إلا أن أفلاطون بأسلوبه التلميحي والرمزي في التعبير يؤكد في غير ما موضع بأن الحدس وهو الإلتقاء المباشر بالعلم وبالحقيقة هو أعلى وأبعد أثراً وأعمق جذوراً من العقل وأن الفيلسوف في اللحظات الهامة النادرة يصل إلى الحقيقة بصورة لا يمكن التعبير عنها بأي كلام. وإلى حالات شبيهة بهذه سيتحدث الفارابي وابن سينا والغزالي عندما يشير الأولان إلى معاينة للنور الإلهي ويتحدث الأخير عن القرب من الله. والفارابي في هذه المسألة يستفيد من هذا الموقف الأفلاطوني. يضاف إلى هذا أن الفكر اليوناني السابق للتفكير الفلسفي والعلمي أي الفترة السابقة للقرن السادس قبل الميلاد مرت اليونان – كعرب الجاهلية – بفترة تيقظ للشعر والشعر الملحمي على الأخص كما في الإليادة والأوذيسة وفيهما نقرأ اتصال الآلهة بالناس وبالعكس وأخذ الكهان عن الآلهة، بل حتى في عصر سقراط (469 – 399 ق.م) نجد الكهان والعرافين لا زالوا يقومون بواجباتهم ولولا نبوءة كاهنة معبد دلفي وإشاعتها مقولة الرب التي قال فيها أن سقراط أحكم أهل أثينا لما وصل سقراط فيما يظهر إلى منهجه الخاص به الذي تميز به وإلى نتائج فلسفية كان لها أثرها فيمن بعده وعلى الأخص أفلاطون (427 – 347 ق.م).

والفارابي رغم معرفته باللغة اليونانية ورغم أنه استفاد من مؤلفات من سبقه في الفلسفة وعلمه بكل هذا فإنه كمسلم علم بكل تفصيل بما يؤمن به المسلمون دائماً من إرسال الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة ملائكة هم رسل الله إلى البشر. وإذا علمنا أن الفارابي أظهر إخلاصاً لكل من الفلسفة والعلم اليونانيين – فقد جمع بين الفلسفة والطب النفساني والرياضة – والإسلام في آن واحد ولهذا كان لزاماً عليه أن يبرر معتقداته الدينية بما هو ميسور له من علم وفلسفة، ويخدم أهل دينه في فهم ظواهر دينهم وقد أجاد فيما فعل كما سنرى.

هذا الوحي أو الحدس الإنساني لما في عقل الله أو الآلهة أخذ يظهر عند أفلاطون وأرسطو (324 – 322 ق.م) في صور أكثر علمية، وما كان يعتقد به سقراط من أنه يوحى إليه وأن السماء قد كلفته برسالة وما كان يصيبه من غيبوبات ومن أوامر ناهية يتلقاها من لدن السماء عندما جاء أفلاطون ثم أرسطو أخذت الأمور تتخذ أشكالاً وصياغات أكثر علمية وعقلانية. لكن عندما ظهر أفلوطين بعد قرون (عاش بين 205 – 270 ب.م) وكانت ولادته وشبابه في مصر ثم ذهب إلى روما أخذ يؤكد العناصر الروحية في فلسفة أفلاطون وظهرت نظرية الفيض وهي النظرية التي تقرر وجود الله كعلة أولى في هذ الكون وتقرر العقول الفلكية إلى أن تصل إلى العقل العاشر وهو المسؤول عن خلق عالمنا الأرضي بإنسانه وسائر أحيائه وجماداته، وقد وجد المسلمون – ومنهم الفارابي – في آراء أفلوطين خير جسر موصل بين الإسلام كدين توحيد سماوي وبين الفلسفة الإغريقية الوثنية.

يذكر المستشرق الفرنسي هنري كورمان (تاريخ الفلسفة الإسلامية، ؟؟، ص243 من الترجمة العربية) عن الفارابي أنه اعتقد بأن الفلسفة نشأت أصلاً في بلاد الكلدان أي في وادي الرافدين ثم انتقلت إلى مصر الفرعونية – ثم إلى بلاد اليونان وأنه كان من رسالته أن يعيد الفلسفة إلى موطنها الأصلي – العراق. أن فكرة الفارابي صادقة صدقاً عاماً كما يؤكد سير التاريخ البشري وعلم الحضارات، فارض العراق هي أول بزوغ الحضارة ثم وادي النيل، وكلا البلدان أثّر تأثيراً مباشراً في بلاد اليونان. لقد أخذ اليونان كثيراً من أفكارهم عن الوحي وغيره من الأمور من العراق ومصر، فإذا تأثر الفارابي في آرائه عن الوحي والتنبؤ بآراء اليونان المتقدمين والمتأخرين كما يقول فالتسر وغيره ممن أشرنا إليهم أعلاه فإن اليونان بدورهم نقلوا الكثير من آرائهم العلمية والفلسفية من وادي الرافدين ووادي النيل. وسير الأفكار بين الشعوب والعصور لا يمنع أي فيلسوف أن يأخذ ويستعير، والعبر دائماً هي بمقدار ما يساهم به العالم أو الشاعر أو الفيلسوف.

4 – الحدس والوحي في الإسلام الأول. بقرن أو يزيد قبل البعثة الشريفة كثرت الروايات عن الأحناف الذين تساءلوا عن إله يعبدونه وكثر كلام الكهان والمتنبئين وحتى الشعراء ونقلهم عن السماء بصورة أو أخرى في حدوس في اليقظة والمنام. ثم ظهر الإسلام وتحدث بصورة عقائدية عن الله تعالى وعن وحيه المنزل بواسطة الملك على قلب محمد(ص): {أنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين} (التكوير: 19 – 23). و”المجنون” هنا بمعنى الشخص الذي أصابه الجن ووقع تحت تأثيرهم. وبمعنى مقارب لهذا “الشاعر” هو الشخص الذي ينقل شعوراً عن عالم غير أنسي ويتحدث القرآن الكريم عن تنزل القرآن

؟؟؟؟؟

فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى” والقرآن الكريم في اعتقاد المسلمين هو نبوءات من الله بلفظها ومعناها.

؟؟؟؟ القدسية وهي أحاديث للرسول الكريم بنصها ولفظها فقط لكن معناها موحى به من الله.

5 – هذه الظواهر التي ظهرت عند اليونان منذ الفترة الملحمية حتى زمان سقراط بل وحتى عند أفلاطون وظهرت قبل الإسلام وفي الإسلام وفي هذه الظواهر يستعمل الإنسان لا عقله ولا حسه وإنما يستعمل وسيلة ثالثة في تحصيل المعرفة، سمها خيالاً أو حدساً أو نبوءة من حيث تقبل الإنسان لها أو وحي من حيث صدورها من عالم السماء والملائكة. الظاهرة هذه عرفتها الإنسانية والشعوب المختلفة في فترات الفلسفة وقبلها وربط أفلاطون بالذات بينها وبين وظائف النفس وإلى حد فعل أرسطو من بعده.

والفارابي في الفصول (20 وما بعدها) من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن وظائف النفس فيجعل العقل في القمة – كما هو الحال عند أفلاطون وأرسطو – ويليه المخيلة ثم الحس. ويجعل العقل هو الوسيلة الرئيسة للفيلسوف بينما المخيلة هي الوسيلة البارزة لدى النبي وكما يتفاوت الفلاسفة وسائر الناس من حيث مستويات عقولهم ومستويات كسبهم وتثقيفهم لعقولهم كذل الأنبياء يتفاوتون في مستويات كمال مخيلاتهم فمنهم من بلغ الكمال وهناك مراتب متوسطة منهم، ثم يتنازل الفارابي في المستوى إلى أن يصل إلى الناس العاديين الذين فسدت عندهم المخيلة من أمثال المجانين والمهووسين ومرضى العقول. الفارابي في هذا كله يواجه مشكلة إنسانية بقدر ما هي إسلامية، ويستفيد من كل وصل إليه من علوم فلسفية يونانية ونقول إسلامية ويجيب عن المشكلة بصياغات دقيقة مركزة.

ففي الفصل العشرين يتحدث عن قوى نفس الإنسان ويرى الإحساس هو أولها في الظهور بعد القوة العادية. ثم تظهر المخيلة ومن بين وظائفها حفظ صور المحسوسات بعد غياب هذه الأخيرة وزوال حوافزها المادية. ومن وظائف المخيلة الجمع والتفريق بين صور الحس بصدق وبكذب. أي الجمع والتفريق بين المحسوسات يتفاوتان بين مستويات صادقة وأقل صدقاً إلى أن تصل إلى صور متخيلة كاذبة لا أساس لها في علم الحس.

ثم تظهر عند الإنسان الوقة العاقلة التي بها يدرك الأفكار المجردة أو المعقولات. وبالعقل يميز الإنسان بين القبيح والجميل ويكتسب الفنون والعلوم. وكما يظهر مع ظهور الحس عند الإنسان شهوة إلى المحسوس بالمعنيين الإيجابي والسلبي أي شهوة رغبة وشهوة عزوف كذلك يظهر مع العقل شهوة إلى ما هو معقول بالصورة نفسها فيرغب الإنسان في بعض معقولاته ويسخط ويعزف عن بعضها الآخر. المعرفة تتم إما بالعقل أو بالمخيلة أو بالحس.

وكما أن الحس هو مادة للمخيلة فالمخيلة هي مادة للعقل. والعقل يقدم صورة للمخيلة كما أن المخيلة تقدم صورها للحس. فالمخيلة تتلقى مادتها من المحسوسات وتتلقى صورها من المعقولات. فترتب الأفكار وتفضل بينها وتركب أفكاراً صادقة أو كاذبة. وهنا يميز الفارابي بين النبي بوصفه يتلقى في مخيلته صوراً صادقة من الله وبين المجنون الذي يتلقى صوراً وهمية من عقل مريض.

ثم يأتي الفصل الرابع والعشرون وهو عن نشأة الأحلام عند الإنسان. أن قوى الحس والشهوة والعقل في النوم تكون في وضع استقرار وراحة وتنطلق عندها المخيلة وتتحرر من التأثر بمادة المحسوسات مباشرة أو أنه تتأثر بصور الأفكار. ولا تعود المخيلة عند النوم متأثرة وخاصة بصورة مباشرة لقوى الحس أو الشهوة أو العقل وخضوعها لهذه القوى الثلاثة يكون في اليقظة أكثر. في النوم تأخذ المخيلة بالإستفادة مما سبق أن انطبع فيها من مادة الحس أو صور العقل فتجمع وتفصل ومن هنا جاءت بعض الأحلام تصويراً لمحسوسات وبعضها تصويراً لا مزجة وشهوات وجاء بعضها الثالث تصويراً لأفكار. وهكذا تأخذ الأحلام في تصوير ومحاكاة للمعلومات في مراتبها المختلفة إلى أن تصل إلى العلة الأولى. وهذا يعني عند الفارابي أننا بالمخيلة قد نصل إلى رؤيا الله والملائكة وسائر معلولات الله. وهذا ما يراه النبي على الأقل والنبي مختار من الله.

ويتحدث الفارابي عن الوحي في الفصل (25) وفيه يبين أن قوة المخيلة عند بلوغ كمالها في عدد ضئيل من الناس يختارهم الله رسلاً له. والعقل العاشر في سلسلة العقول السموية يتوسط بوصفه ملكاً من ملائكة الله وهو الذي يجعل مخيلة النبي قادرة في اليقظة والنوم أن تحاكي صوراً معقولة أو محسوسة. والمعقولات إما أن تكون عن أمور جزئية أو أنها معقولات كلية ترتفع إلى أن تصل إلى أبعد الأمور وأكثرها أهمية وهذا ما نجده في القرآن الكريم وهو يتحدث عن عالم الغيب أو عالم الشهادة كليات وجزئيات.

وقوة المخيلة تطول وتدوم عند البعض، وعند البعض قد تظهر لحظة وتختفي بعدها. فيكون للأنبياء رؤاهم الصادقة في النوم واليقظة ويكون شيء من هذه القوة عند مراتب الأنبياء الدنيا النازلة عن مراتب أولي العزم إلى أن تصل إلى مراتب أدنى وأدنى بحيث تصل إلى أناس لا يصدق عندهم الخيال إلا مرة واحدة في العمر ويكذب في باقي الأحوال. وأقل من الأخيرين أناس لا يصدق عندهم الخيال أبداً وتكون أحلامهم أضغاف أحلام.

الفارابي لا يقول باتحاد مخيلة النبي بالله أو بالعقل الفعال وهو رسول الله أو أحد ملائكته وهو كابن سينا من بعده يرفض آراء الحلول والإتحاد والتناسخ وهذه نظريات غير إسلامية ووثنية ظاهرة. أن النبي يمكن أن يتخيل – بأمر الله – جمال الله وكماله وجمال كمال مخلوقات الله وقوانينه والأمر نفسه ممكن بدرجات أقل لسائر الناس.

وهنا لا بأس من التحذير بأن العقل وإن كان هو أعلى من المخيلة في قوى النفس إلا أن هذا لا يعني عند الفارابي أن الفيلسوف هو أعلى منزلة من النبي. ذلك أن العقل عند النبي قد لا يقل عن العقل عند الفيلسوف إلا أن النبي لا يحتاج إلى اجتهاد وكسب منه في استعمال العقل لأن الله اصطفاه وأنزل على مخيلته من النبوءات أو العلم الإلهي ما يساوي تماماً ما يحصل عليه الفيلسوف بكسب واجتهاد عقليين. فمخيلة النبي تأتي بصورة لكل قوانين الكون، وصور هذه القوانين الكونية في خيال النبي هي عين القوانين الصحيحة التي يحصل عليها الفيلسوف بعقله مع فارق أن النبي يحصل على هذه الصور النازلة إلى مخيلته بلغة رمزية تتناسب وقوة الخيال لديه. المخيلة عند النبي هي أكمل من مخيلة الفيلسوف وهي تأتي للنبي بالمحصول نفسه الذي يأتي به العقل للفيلسوف.

أن من يريد أن يجد في كلام الفارابي في المفاضلة بين النبي والفيلسوف تناقضاً لعله أن يجده إلا أن الفارابي نفسه ساوى بين الإثنين. وكون النبي بالخلقة – لا بالكسب – أكمل وباصطفاء الله له هو بالتأكيد أكمل من الفيلسوف أو أفضل على الأقل. هذا على الرغم من أن الفارابي – كأفلاطون وأرسطو – يجعل العقل في القمة من قوى النفس ومركزه من حيث الصدارة كمركز الله في عموم الكون، وكمركز رئيس المدينة الفاضلة بالنسبة لباقي الناس.

وفي الفصلين السابع والعشرين والثامن والعشرين يتحدث الفارابي عن رئيس المدينة الفاضلة – أو الأمة الفاضلة أو المعمورة الفاضلة – فيرى الرئيس فيلسوفاً كمل عقله ونبياً كمل خياله.

وهو هنا مرة أخرى يعطي للنبي منزلته الخاصة فيرى الرئاسة للإثنين النبي والفيلسوف أو لفيلسوف هو من أتباع نبي معين – فكأن النبي تميز ولو بقليل عن الفيلسوف. لقد أمكن الغزالي أن يتهم الفارابي كما ذكرنا إلا أن الفارابي في كل خطوة يخطوها يظهر إخلاصه للدين كما وصل إليه وللفلسفة كما وصلت إليه دون أن يمس بأحدهما فيما يظهر.

6 – الخلاصة: لم يكن فيما قلناه أعلاه الدليل الكافي على إثبات أصالة الفارابي أو صحة اتهامات الغزالي أو المستشرقين المحدثين له. إلا أنه لم يكن الدليل كافياً بسبب اقتضاب الكلام وعدم تفصيله إلا أننا نعرض بعض النتائج فيما يلي على أنها بعض من أهم ما نجده عند الفارابي في هذا الخصوص:

1 – تلقى الفارابي آراء عن النبوة وقوة الحدس والمخيلة عن اليونان وآمن بها وأضاف إليها.

2 – آمن الفارابي بالإسلام وبما يقوله عن جلال قدر الله وعظم شأن النبوة وبخاصة خاتم الأنبياء وأكملهم محمد(ص).

3 – استفاد من أفلاطون وأرسطو فرفع من شأن العقل عالياً وحاول أن يفسر معتقداته الإسلامية في ضوء فلسفي لا سيما وأن الإسلام يخاطب في بعض آيات القرآن العقول والألباب.

4 – الفارابي ذو نزعة توفيقية – وكما وفق على طريقته الخاصة بين أفلاطون وأرسطو في كتابه (الجمع بين رأيي الحكيمين) كذلك آمن بكل إخلاص بالتوفيق بين العقل النقل، الفلسفة والوحي.

5 – من نتائجه أن النبي في أعلى المراتب يصل بخياله إلى تصور الله وجماله وكماله في اليقظة وعلى الأخص في النوم.

6 – كما أن الفيلسوف يصل بعقله وبكسب منه لا بقدرة إلهية إلى تصور كمال الله وجماله.

7 – كان للفارابي أثره الكبير في ابن سينا بحيث أن هذا الأخير رغم عبقريته الفذة إلا أنه ترسم خطى الفارابي وزاد عليها وجاءنا في رسائله الرمزية (كسلامان وأبسال) و(رسالة الطير) و(حي بن يقظان) كيف يصل العارفون إلى مستويات رفيعة ويتصورون بطريق إشراقي حدسي جمال الله وكماله وكمال قوانين الكون كلها. إلا أن ابن سينا يجمع في الشخص الواحد بين النبي والفيلسوف، ويظهران إخلاص الفارابي لتقاليد الإسلام ولدقته الرياضية – وهو رياضي من الدرجة الأولى – لم يستطع أن يجمع بين الفيلسوف والنبي في شخص واحد بينما الوجدان الملتهب والعبقرية المضطرمة عند ابن سينا مكنته من الجمع بين الفيلسوف والنبي.

8 – والواقع أن الغزالي الذي يتهم الفارابي وابن سينا في كتاب (تهافت الفلاسفة) وقد ألفه وهو في الثلاثينات من عمره، إلا أنه بعد حوالي عقد من السنين يقترب جداً من الفارابي وابن سينا ويؤكد على معنى الحدس من جديد ومعنى القرب من الله.

9 – أن ما يقول الفارابي عن قوة المخيلة في التنبؤ بالمستقبل والماضي قريبة مما يقوله العلم اليوم من أن القوانين العلمية في إمكانها أن تتنبأ عن المستقبل بمعنى أن القانون العلمي يرسم طريق الأحداث والتغيرات بصورة دقيقة مسبقاً. والفارق أن خيال النبي أو مخيلة الفيلسوف وسائر الناس هي حساسة إلى درجة يمكنها أن تأخذ صور القوانين برحمة إلهية كما في حالة النبي وبدرجات أقل عند سائر الناس.

10 – أن بعض الدراسات النفسية والروحية اليوم وهي تتحدث عن قوى الحدس والتخاطر بين الناس واستشفاف أحداث المستقبل رغم أن هذه الدراسات لم تصل بعد إلى مستويات تجعلها أموراً معترفاً بها لدى جميع الباحثين إلا أن كثيراً من النتائج التي توصل إليها أناس محترمون من شتى ميادين العلم والفلسفة اليوم تؤكد الإتجاه الذي سار فيه الفارابي في تفسير ظواهر النبوة والتنبؤ أو ظواهر الحدس والوحي.