كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها أ.د. سيّار الجَميل

%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%88%d9%82

 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير

 

 

كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها
أ.د. سيّار الجَميل
 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير

 

 

كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها
أ.د. سيّار الجَميل
 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير

 

 

كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها
أ.د. سيّار الجَميل
 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير

 

 

كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها
أ.د. سيّار الجَميل
 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير

 

 

كلية الحقوق العراقية .. ذكرى مائة سنة على تأسيسها
أ.د. سيّار الجَميل
 

أولا : الاهمية .. التأسيس
مدخل في قيمة الاحتفائية المئوية
على العراقيين ان يقفوا جميعا لازجاء تحية كريمة لاعرق مؤسسة تعليمية حديثة في تاريخهم المعاصر .. تلكم هي كلية الحقوق ببغداد التي اسسها العثمانيون في السنة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 الذي شهد عهده نهضة تعليمية واسعة .. ولمناسبة ذكرى مرور مائة سنة على تأسيسها عام 1908 ومضيها مع حياة العراق حتى اليوم ، اذ درس بين جدرانها الالاف من الطلبة والطالبات ، وتخرج في اروقتها اهم رجالات الحياة المدنية في العراق ، ومنهم قادة ورؤساء حكومات ووزراء وقضاة .. مع ابرز النخب من المثقفين والساسة والاداريين ورجال القانون من القضاة والمدعين العامين والمحامين العراقيين الذين كان لهم ادوارهم المختلفة في حياة العراق السياسية والاجتماعية والادارية والقضائية .. لقد كانت هذه ” المؤسسة ” الرائعة واحدة من ابرز مؤسسات العراق ، وشهدت على امتداد حياتها عدة تقلبات واحداث وشخصيات .. كما وعرفت اقوى الاساتذة العراقيين والعرب والاجانب .. واذا كانت كلية الحقوق قد مرّت بها اجيال من الدارسين ، فان ارشيفها وتاريخها يقف عاليا مطلا برأسه وهو يوازي تاريخ العراق المعاصر كله . ولما كان ابي ـ رحمه الله ـ أحد الذين تخرجوا فيها منذ الاربعينيات من القرن العشرين ، فلقد احتفظت بذاكرة قوية عنها ، وعن اخبارها ، في ايام ازدهارها ابان العهد الملكي في العراق عندما كانت تستقطب كل ابناء النخبة العراقية في ارجائها .. وكنت واحدا من الذين احببت ان اقرأ القانون فيها عام 1970 ، ولكن ظروفي حالت دون ذلك ..
وعندما بدأت اكتب كتابي عن ” انتلجينسيا العراق ونخب المثقفين في القرن العشرين ” ، لفتت انتباهي المكانة التاريخية التي حظيت بها عراقة هذه الكلية التي عدّت واحدة من اهم كليات الشرق الاوسط قاطبة . اليوم ، نقف جميعا لنحيي هذا الصرح الوطني العراقي الذي ولد قبل ان يولد الكيان العراقي ، وكان فاتحة تاريخية مباركة لنشأة العراق المعاصر . اننا اذ نحتفي بهذه المناسبة التاريخية لتأسيس صرح علمي خدم العراق منذ مائة سنة ، لا يسعني الا ان ابارك كل العراق من خلال ابرز مؤسسة رفدته بالالاف المؤلفة من الكوادر القضائية والادارية والسياسية .. ، وانها مناسبة لابد ان تشعرنا بدافعين اساسيين نحن العراقيين ، اولاهما الاعتزاز بالمؤسسات العراقية التعليمية التي وقف عليها وطورها العديد من الذوات ، اذ نحن بأمس الحاجة الى المؤسسات واحترامها ، وان نعتّز بكل من خدمها وعمل فيها على امتداد قرن كامل . وثانيهما كم هي الضرورة التاريخية اليوم للقانون وسلطته واستعادة استقلاليته ومكانته المهمة في العراق .. والعمل من اجل ان تكون هناك دولة القانون ومجتمع يضبطه القانون . وبهذه المناسبة ينبغي عليّ ان اشيد بمقال الصديق القديم الدكتور ابراهيم خليل احمد الذي سبقني بنشره احتفاء بكلية الحقوق والمنشور يوم 28 /1/ 2008 .
الاعلام الكبار
كانت مدرسة (= كلية ) الحقوق أول مدرسة عليا للدراسات القانونية في العراق، قد تأسست عام 1908م ابان عهد ووكيل الوالي العثماني ناظم باشا، وهو المفتش العام للخطة العراقية عصر ذاك، ودامت أعمالها حتى الاحتلال البريطاني للعراق في 11 آذار / مارس 1917م، ثم أعيد فتحها عام 1919م بدروس محددة ثم اكتملت فيها الدروس الحقوقية والاجتماعية العليا، واعتمدت منذ إعادة نشأتها على كفاءات عراقية خالصة في التدريس ثم استقدمت فيما بعد العديد من الأساتذة المصريين، وكان من أبرز الأساتذة العراقيين : توفيق السويدي ( للإدارة) وعارف السويدي وأمجد الزهاوي ونشأت السنوي وسليمان فيضي الموصلي وحكمت سليمان ورشيد عالي الكيلاني وداود السمرة ، ورؤوف الجادرجي ، وعبد القادر السنوي ، وناجي السويدي ، وناجي الاصيل ، وخالد الشابندر ، وانطوان شماس ، وعبد الله ثنيان ، وحسين أفنان ، ويوسف العطا ، وكمال السنوي وغيرهم من بعدهم ، امثال : منير القاضي ، وناجي القشطيني ، وعبد الرحمن البزاز وغيرهم .
لقد اعتمدت الدولة على رجالات القانون اعتماداً كبيراً، كما وتخرج في أروقة هذه الكلية العشرات من المثقفين والساسة الليبراليين والمناضلين اللامعين الذين أثروا تأثيراً بالغاً في حياة العراق الوطنية والنيابية/ السياسية وعلى الأخص في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ، وكما وصفها والدي القاضي كوكب علي الجميل ـ توفي 1968 رحمه الله ـ في مذكراته : بأن كلية الحقوق ببغداد كانت مدرسة علمية حقيقية تطورت على ايدي كبار رجال القانون وفي مقدمتهم استاذنا الشهير عبد الرزاق السنهوري ، كما كانت مهدا قويا لنمو التيارات السياسية الحرة والليبرالية في العراق .. ويكفي اننا الشباب كنا ندرس في العراق ولأول مرة الى جانب المرأة العراقية ممثلة بأول خريجة حقوقية عراقية زميلتنا صبيحة الشيخ داوود ” . وعند الخمسينيات ، خفت لمعان الحقوق العراقية لصالح توّهج دار المعلمين العالي الذي كان قد تأسس منذ عام 1924م على نحو بسيط ، ولكنه صرح تكامل مع العام 1939م لكي تغدو أبرز مؤسسة عراقية رصينة، رفدت الحياة العراقية بالاتجاهات القومية والاشتراكية الحديثة خلال عقدي الخمسينات والستينيات ، وكما وصفها أحد خريجيها بأنها ” الدار ينبوعاً متدفقاً سقى كل غرسة رفضت ذلك الواقع وبشرت بالانقلاب ..” .


دار المعلمين العالي

التأسيس التاريخي
1/ العهد العثماني
تبلورت فكرة تأسيس مدرسة ( او : كلية الحقوق ) ببغداد في نهاية العام 2007 ، اثر اقتراح طرحته اللجنة الاصلاحية التي قدمت بغداد ، وكانت برئاسة ناظم باشا والي قسطموني ، وبتكليف من السلطان عبد الحميد الثاني من اجل دراسة ما تحتاجه ولايات العراق . وعليه ، فقد تمّ تشكيل هيئة استشارية جمعت كبار موظفي ولاية بغداد واعيانها لتقديم اقتراحاتهم بصدد ما يحتاجه العراق من اصلاحات . ولقد تجوّلت الهيئة في عموم مناطق العراق المختلفة ، وقدمت تقريرا الى الحكومة تضمن اصلاحات للتعليم وتأسيس مدارس ومعاهد .. وكان مطلب تأسيس كلية او مدرسة للحقوق من اهم المطالب بسبب حاجة العراق الاساسية للموظفين والعدليين والاداريين المؤهلين اكاديميا .
لقي المقترح قبولا في الباب العالي وصدرت الارادة السلطانية بتاسيس مدرسة الحقوق في 14 تموز 1908 ، وقد طالب العراقيون بتنفيذها حالا وبعريضة وقعها كل من : محمود صبحي الدفتري ، وعبد الله ثنيان ، وثابت يوسف السويدي .. وبعد اسابيع نّصب ناظم باشا واليا على بغداد وكالة .. ولما كان الانقلاب العثماني بقيادة الاتحاد والترقي قد نجح في 23 تموز / يوليو 1908 ، فلقد بدا امر التأسيس تحصيل حاصل .. تلكم هي ” كلية الحقوق ” ببغداد التي تأسست عام 1908 تحت اسم ” مدرسة الحقوق ” التي تقرر افتتاحها في 1 ايلول / سبتمبر 1908، وكان انبثاقها في نهايات العهد العثماني يمّثل استجابة حقيقية لحاجة العراق بولاياته الثلاث انذاك الى كوادر حقوقية متعلمة وقد تقّرر ان تكون مدة الدراسة اربع سنوات ، وانخرط فيها نخبة من الطلبة الذين بلغ عددهم 118 في العام 1910 وكانوا موزعين على صفّين اثنين اول وثان . ولما كانت المناهج بالتركية فلقد اعتمدت لغة للدراسة حتى العام 1913 عندما وافق والي بغداد على التدريس باللغة العربية ، ولكن اغلقت المدرسة عام 1914 ، علما بأن اول دفعة قد تخرجت فيها عام 1911 ، وبلغ عدد اول دفعة من الخريجين عشرة طلاب .
2/ العهد البريطاني
استطيع القول بأن كلية الحقوق انطلقت من سنواتها الاولى وسنوات غيابها بروح جديدة عام 1919 ، اذ اعيد فتح ابوابها ، فدخلت في تاريخها مرحلة تاريخية جديدة ، وكانت مدة الدراسة في المدرسة عند افتتاحها أربع سنوات, وكانت تجري الدراسة باللغة التركية على وفق مؤلفات لمفردات منهج الدراسة الموضوع بتلك اللغة ، وقد وافق والي بغداد أواخر عام 1913 على أن تكون الدراسة في المدرسة باللغة العربية ، ولكن يبدو أن المدرسة قد استمرت بالتدريس باللغة التركية حتى إغلاقها عند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد كانت الامتحانات تجري بصورة شفوية لمعظم مواد الدارسة ، وقد تخرجت أول دفعة من المدرسة عام 1911 ، وبلغ عدد طلابها المتخرجين عشرة . لقد اعيد افتتاح مدرسة الحقوق عام 1919 ، نشر الميجر همفري بومان ،
Humphrey E.Bowman ((ناظر (مدير) المعارف العمومية)) اعلانا في 23 يوليو / تموز 1919 .
وفي 7 تشرين الثاني /نوفمبر 1919 اعيد افتتاح الكلية رسميا ، وعين الكولونيل بل رئيس محكمة الاستئناف مديرا فخريا لها .وقد علقت المس غيروترود لوثيان بل سكرتيرة الحاكم المدني البريطاني العام للعراق على اعادة فتح كلية الحقوق بقولها : ((ان فتحها جاء في محله ، لان الادارة البريطانية كانت ستصبح عرضة للنقد المحق لو لم تبذل جهدها في ان تهيء ، على الاقل ، ما كان موجودا في معاهد التعليم العالي ايام العثمانيين)) .
العمداء الاوائل :
أما عن العمداء الذين تولوا مسؤولية عمادتها ، فهم كل من: السيد موسى كاظم الباجة جي, وتولى العمادة عام 1908, وكان قد تخرج في مدرسة الحقوق العثمانية في اسطنبول سنة 1888, وحكمت بك سليمان وتولى العمادة عام 1914 حتى انغلاقها ، وكان شخصية مثقفة نصّب وزيرا ثم غدا بمنصب رئيس وزراء في العهد الملكي في حكومة الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 .. وتولى العمادة بعد اعادة فتح الكلية عام 1920… وكان توفيق السويدي قد تولى العمادة عام 1921 وكذلك من عام 1924-1931 , وأتم دراسته في اسطنبول عام 1912, والتحق بجامعة السوربون في باريس, وكان قد اشغل منصب رئيس وزارة في العهد الملكي لعدة مرات… ورؤوف رفعت الجادلاجي الذي تولى العمادة عام 1922- 1923, وهو خريج مدرسة الحقوق في اسطنبول في عام 1912, وقد اشغل منصب وزير عدة مرات في العهد الملكي…
ان كلية الحقوق العراقية صاحبة نشأة تأسيسية قوية على ايدي اساتذة عراقيين ، كان اغلبهم قد درس في جامعات خارج العراق .. وبالرغم من انقطاع الكلية ابان سنوات الحرب العالمية الاولى ، الا انها قد اعيد تأسيسها ، وبطريقة قوية ، وعلى ايدي اساتذة جدد ، لتنتهي هذه المرحلة ، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها الوطني .

 

88888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888888

 

ثانيا : ازمنة الازدهار
3/ العهد الملكي
كانت مدرسة الحقوق العراقية قد حظيت باهتمام المغفور له الملك فيصل الاول اثر تأسيس الدولة العراقية .. وعند تأسيس جامعة آل البيت على عهده ببغداد في 15 آذار / مارس 1924 ، انضمت كلية الحقوق ، لتكون واحدة من كلياتها المتعددة ، ولكن عادت وانفصلت بعد فشل مشروع الجامعة . وكانت الجامعة تضم فضلا عن كلية الحقوق ، كليات : الهندسة ، الطب ، الكلية الدينية ، كلية التربية ، الفنون . وفي نيسان 1924 عين الاستاذ فهمي المدرس ـ رحمه الله ـ امينا عاما للجامعة ، وهو من ابرز شخصيات العراق الثقافية والعلمية واحد الذيين درسوا في الاستانة وفرنسا ( انظر وراجع التفاصيل في بحث منشور لي عن جامعة آل البيت العراقية : تأسيسها واسباب الفشل ، نشر ضمن اعمال كتاب صدر عن جامعة آل البيت الاردنية 1999 ، وقد اضفت الى البحث معلومات واسعة لينشر في كتاب لاحقا ) .
لقد جرت عملية لتطوير كلية الحقوق واصلاح اوضاعها العلمية والتدريسية ، فتألفت لجنة علمية من ابرز الاساتذة ، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 1921 برئاسة المستر بل رئيس محكمة الاستئناف ، وتوفيق السويدي الذي عين مديرا ( عميدا) للكلية فضلا عن وظيفته كمعاون لمشاور العدلية ادوين دراور ، وداؤد السمرة ، ونشأت السنوي ، وانطوان شماس . وقد بذل عميدها توفيق السويدي، جهودا كبيرة لتنظيم الكلية وتهيئة الاساتذة ، الا ان قلة المتخرجين من المدارس الثانوية كانت صعوبة بارزة واجهتها المدرسة (= الكلية ) ، وهذا ما ادى الى اعداد اناس تكون مؤهلاتهم بدرجة تمكنهم من متابعة الدروس وفهمها بسهولة من دون ان تكون لديهم شهادات ثانوية ، ويتم ذلك باتباع مبدأ امتحان القبول ، اذ كان يطلب من المتقدم أداء امتحان في المواد التي تعادل درجتها المواد التي تدرس عادة في الصفوف الثانوية .
ولم تعد الدراسة مجانية كما كانت ، بل صارت مقابل اجور سنوية مقدارها 150 روبية تدفع باقساط ثلاثة ، وغدت الدراسة بالعربية ، وبلغ عدد طلبتها بعد استعادة فتحها 45 طالبا ، وقد اصر على ان تكون شهادة الثانوية من لوازم القبول فيها . وفي سنة 1922 صدر (النظام الاساسي لمدرسة الحقوق العراقية) الذي جعل مدة الدراسة اربع سنوات.
صدر نص النظام رقم 10 لسنة 1928 ، وهو ينص في مادته 14 على كون الدراسة من 3 صفوف . اما نظام كلية الحقوق المرقم 8 لسنة 1936 ، فقد نصت مادته 2 ان تكون مدة الدراسة 4 سنوات ، ويمنح الخريج فيها شهادة الليسانس ، ونصت المادة 6 منه على ان العربية هي لغة الدراسة . اما المادة 8 فقد قسّم الدراسة الى فصلين دراسيين اثنين ، يتلقى الطالب محاضرات في المواد الدراسية التالية ، هي : الحقوق المدنية ، وقانون المرافعات ، وقانون العقوبات ، والطب القانوني ، والصكوك ، والحقوق الدستورية ، والعلوم الاقتصادية ، واحكام الاراضي والاوقاف وغير ذلك من المواضيع القانونية والادارية . ولم تزل الدراسة سارية المفعول على نفس النهج الذي رسمه الاوائل ، ولكن مع ضعف عام في التأهيل ، اذ كان من الضروري ان تتطور هذه ” الكلية ” العريقة لتصبح في عداد اهم كليات القانون في العالم ، ولكن انهيارا واسعا اصابها في العقود الاخيرة حولها الى مدرسة تقليدية شرقية عادية ، ويا للاسف الشديد ، بالرغم من كونها تعد من اعرق كليات الشرق الاوسط قاطبة .
الاساتذة الاوائل
بلغ عدد الاساتذة الاوائل في العام 1913 وممن عرفوا بسعة الاطلاع والسمعة العلمية والاصالة في التدريس والشهرة في العراق احد عشر استاذا ، منهم : الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي الذي كّلف بتدريس مادة ” المجلة ” القانونية العثمانية . وايضا يوسف العطا مفتي بغداد المعروف ، وعارف السويدي ، وحمدي الباجه جي ، وحسن الباجه جي ، ومحمد جودت ، وابراهيم شوقي ورشيد عالي الكيلاني ، وحكمت سليمان ، والشيخ نور الدين الشيرواني .. وكان ان ترأس بعضهم رئاسة الحكومة العراقية في فترات لاحقة .
وبعد أعادة افتتاح المدرسة في العام 1919 عين لها كل من الأساتذة : ( نشأت السنوي معاون المدير ، وعبد الوهاب النائب ، وامجد الزهاوي ، وداود السمرة ، وسليمان فيضي ، وأنطوان شماس ، وعارف السويدي ، وخالد الشابندر ). وكان كاتب المدرسة محمد على محمود الذي خلفه إبراهيم الواعظ بعد تخرجه في السنة الثانية . ثم عّين توفيق السويدي استاذا في الحقوق ليغدو فيما بعد عميدا لها .
وكان أول ناظر ( = مدير ) للمدرسة أصالة عند تأسيسها هو الاستاذ ( موسى كاظم الباجة جي ) بعد أن كانت تدار بالوكالة من قبل ناظر ( =مدير ) المعارف ( خليل بك ) . وفي أواخر عام 1914 وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السيد حكمت سليمان مديرا للمدرسة… وكان من أوائل الطلاب المسجلين في المدرسة ( محمود صبحي الدفتري ) الذي برز اسمه في العهد الملكي امنيا ووزيرا للعدلية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان من بين خريجي دورة العام (1923/1924 ) كل من الذوات : عبد الله الشواف ، وعطا أمين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ، وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي . وكان من خريجي دورة العام 1924/1925 كّل من الذوات : منير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط حميدي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو .. اما من خريجي دورة العام (1925/1926) ، فكان كل من الذوات : عبد القادر الكيلاني ، وكامل الجادرجي ، وذبيان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ، ونظيف الشاوي وعبد العزيز الباجة جي ، وصادق البصام ، وشاكر الموصلي.
وكان من بين من تولوا رئاسة الوزارات العراقية من خريجي هذه الكلية : صالح جبر, وهو خريج الكلية للدورة 1924-1925, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 29/آذار/1947 إلى 27/كانون الثاني 1948, وعبد الوهاب مرجان, وهو خريج الكلية للدورة 1932-1933, وقد اشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي للمدة من 15/كانون الأول / 1957 إلى 2/ آذار / 1958… وكذلك الدكتور عبد الرحمن البزاز, وهو خريج الكلية للدورة 1933-1934, واشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الجمهوري للعام 1965-1966. وقد تخرج في الكلية ايضا الاستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق اليوم ، وكان ذلك في العام 1958 – 1959 .. ومن الجدير بالذكر ، ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد منح شهادة الباكالوريوس في الحقوق عندما كان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، وكان يأتي لحضور الامتحان مع العشرات من افراد الحماية ويتراكض الاساتذة من ورائه كما حدّثني الزميل الدكتور سعدون القشطيني ، ويمنح اعلى الدرجات من قبل ( استاذه ) منذر الشاوي !!
دور الاساتذة الكبار في عهد الازدهار
1/ عبد الرزاق السنهوري
تولى عمادة الحقوق ساطع الحصري للفترة 1931-1934, وكان أستاذا بدار المعلمين وله دور كبير في السياسة التعليمية في العراق ـ كما نعلم ـ . ولكن كانت هذه المؤسسة بحاجة الى نهضة تجديدية وعلمية ، فكان ان استقطب لعمادتها احد ابرز رجال القانون العرب . قدم الدكتور عبد الرزاق السنهوري ، استاذ القانون المدني المشهور ،مصري الجنسية , وكان يعدّ منذ ذلك الوقت علما من اعلام القانون في الشرق ، وتولى العمادة للفترة 1935-1936, واستاذ مادة القانون المدني, وكان السنهوري قد حصل على درجة الليسانس في الحقوق سنة 1917من مدرسة الحقوق الخديوية ( باللغة الانكليزية ) وجاء ترتيبه الأول على جميع الطلاب, وسافر إلى فرنسا عام 1921 لدراسة القانون بجامعة ليون وأنجز خلال وجودة فيها رسالته للدكتوراه, وحضر إلى العراق سنة 1935 بدعوة من الحكومة العراقية وساهم في وضع مشروع القانون المدني العراقي, وبعد عودته لمصر عين عميدا لكلية الحقوق المصرية, وتولى وزارة المعارف المصرية من 1945-1949 . وفي سنة 1949 عين رئيسا لمجلس الدولة المصري, وقد ساهم في وضع القانون المدني السوري وكذلك وضع دستور الكويت والعديد من قوانينها كما شارك في وضع الدستور المصري. وكان قد وقف ضد الانقلاب العسكري المصري الذي قاده الضباط الاحرار في مصر عام 1952 ، فاضطهد جراء موقفه ذاك على عهد الرئيس جمال عبد الناصر اضطهادا يعرفه كل من عرف السنهوري وقرأ سيرته المفعمة بالالم . المهم ، ان للرجل افضال كبيرة على كلية الحقوق العراقية وعلى التشريعات المدنية العراقية قاطبة .
2/ أساتذة آخرون
وقدم ايضا الدكتور محمود عزمي ( مصري), وتولى العمادة عام 1936-1937, والأستاذ منير القاضي, وتولى العمادة لفترتين اثنتين اولاهما بين عامي1937-1940 وثانيهما بين عامي 1943-1945, وهو خريج كلية الحقوق عام 1925, وكان قد شغل منصب وزير المعارف ورئيس مجلس الوزراء في العهد الملكي ، وكذلك عين رئيسا للمجمع العلمي العراقي من عام 1949-1963, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون المدني والمرافعات المدنية وفي الأدب العربي والشريعة الإسلامية, ويعدّ منير القاضي واحدا من امهر المثقفين العراقيين ابان العهد الملكي في العراق . وقدم الأستاذ عبد الحميد الوشاحي ( قاضي مصري ), وتولى العمادة بين 1940-1941, وايضا كل من الدكتور حامد زكي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1942-1943, والدكتور عبد الحكيم الرفاعي ( مصري ), وتولى العمادة بين عامي 1945-1947, وكان استاذا لمادة المالية العامة والتشريع المالي. ثم قدم الدكتور محمد عبد الله العربي ( مصري), وتولى العمادة بين عامي 1948-1949 وبين عامي 1952-1955, وهو استاذ للتشريعات المالية ايضا , وقد أرسل في بعثة إلى أوربا وعاد عام 1924 منها بعد أن أتم دراسته القانونية والاقتصادية في جامعة أكسفورد وفي جامعة ليون بفرنسا تم نشر رسالته للدكتوراه من قبل المعهد الفرنسي للقانون المقارن, وله مؤلفات عديدة في علم المالية والتشريع المالي والقانون الإداري … وروى لنا الدكتور زكي مبارك في مذكراته الشهيرة ” ليلى المريضة في العراق ” أخبار بعض الأساتذة المصريين في العراق كمحمود عزمي ومحمود سعد الدين الشريف وحسن سيف أبو السعود وأحمد فهمي وعبد العزيز محمد وما واجهوه من مشاكل مع الطلبة العراقيين وما أثاروه من آراء في الصحافة والتي اختتمت بحادث مأساوي تمثل بمصرع د. حسن سيف على يد أحد طلبته العراقيين الذي أطلق النار على أستاذيه محمود عزمي وحسن سيف وعلى نفسه بسبب نيلهما من كرامته العراقية في مكتبهما ، فتوفي كل من الطالب واستاذه حسن سيف .
الثلاثة الكبار : الذنون والبزاز والبشير
وتولى الدكتور حسن على الذنون, العمادة بين عامي 1949-1951, وهو استاذ مادة القانون المدني, وقد حصل على البكالوريوس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1939, وحصل على شهادة الدكتوراه فيها ايضا عام 1946, وله مؤلفات علمية عديدة في القانون الخاص إضافة إلى ترجمته لبعض المؤلفات عن الانكليزية , وكان قد حاضر في معهد الدراسات العربية في القاهرة عام 1955-1956. ومن اشهر رجال كلية الحقوق ايضا الاستاذ الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي تولى العمادة بين عامي 1955-1956 وبين عامي 1958-1959, واشغل عدة مناصب دبلوماسية عراقية منها سفير العراق في كل من القاهرة ولندن بعد العام 1963 ، ثم اختاره عبد السلام عارف نائبا لرئيس الوزراء عارف عبد الرزاق الذي حاول الغدر بسيده وفشل في حركته الانقلابية ، فكان ان اختير البزاز رئيسا لوزراء العراق بين عامي 1965-1966 ، وبعد مصرع عبد السلام عارف ، رشّح ليغدو رئيسا للجمهورية ولكنه لم يستطع تهديدات العسكر العراقيين اولا ، ولم يسلم من فيتو الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يكّن كرها شديدا للدكتور عبد الرحمن البزاز ، فاختير عبد الرحمن عارف ..
وهناك دور الأستاذ المساعد محمد طه البشير, وكان تولى العمادة بين عامي 1956-1958 وبين عامي 1959-1960 وبين عامي 1968-1969, وهو استاذ مادة الحقوق العينية التبعية , وحاصل على شهادة الليسانس في القانون من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1939, وعلى دبلومي الدراسات العليا في القانون العام عام 1942-1943 في كلية الحقوق جامعة القاهرة .
كلية الحقوق : معقل الحركة الوطنية العراقية
يجمع اغلب الذين التقيتهم من خريجي كلية الحقوق ، ومن مختلف الاجيال القديمة والمخضرمة ان كليتهم كلية الحقوق ببغداد كانت معقلا للحركة الوطنية العراقية ، وخصوصا العهد الملكي ، اذ كانت تضم خيرة الشباب العراقين الذين غدا لهم شأنهم اثر تخرجهم ، واصبحوا من ابرز القادة الوطنيين سواء على مستوى الحياة الحزبية او السياسات المستقلة .. وكان طلاب الحقوق ينظمون المظاهرات الطلابية السياسية وينطلقون بها وهم يطوفون شوارع بغداد الاساسية .. ولقد غدا بعضهم من ابرز قادة الاحزاب الوطنية العراقية .. ان واحدا مثل حسين جميل واضرابه من الشباب الوطنيين الذين كانت لهم ادوارهم ابان العهد الملكي في العراق ، كان قد تخرجّ أغلبهم في اروقة كلية الحقوق العراقية التي حملت في جوفها الافكار السياسية الجديدة ، وجددت كثيرا في المفاهيم الوطنية العراقية .. فضلا عن حملها لواء التجديد في المجتمع ، خصوصا بدخول النسوة العراقيات ليدرسن الى جانب الرجل .. ان اغلب الذين أسسّوا وانتموا الى الحركات السياسية الليبرالية والديمقراطية الوطنية العراقية كانوا من خريجي كلية الحقوق العراقية ، وقد غدت لهم مكانتهم الكبيرة في المجتمع العراقي ، كما كانت لهم علاقاتهم السياسية والتجديدية بقوى سياسية في العالم .. ناهيكم عن اولئك الذين تخرجوا في كلية الحقوق وانطلقوا في عملية اثراء واسع للفكر الوطني العراقي اولا والفكر القومي العربي ثانيا اضافة الى الذين حملوا لواء اليسار والراديكالية ثالثا .. انهم جميعا سواء اصابوا ام اخطأوا ، فلقد انطلقوا من تفكير وطني عراقي مطالبين بتحقيق اهدافهم العليا والدنيا بدءا بالاستقلال والسيادة وتطوير البلاد وحفظ امنها .. مرورا بالوحدة او الاتحاد العربيين .. او جعل العراق بروسيا العرب ، او الانطلاق به وطنيا ليكون في مصاف الدول المتقدمة بعيدا عن الاستعمار والتبعية .. الخ من الشعارات التي رفعتها الاحزاب والقوى السياسية المختلفة على الساحة العراقية . وبالرغم من نضوج مؤسسات تعليمية عراقية عليا مثل دار المعلمين العالي ببغداد والتي كان لها دورا كبيرا في كل من الخمسينيات والستينيات ، الا ان كلية الحقوق بقيت حتى عهد الاخوين العارفيين عبد السلام وعبد الرحمن ، مكانا يثير الاعتزاز بقوة مظهره ، وزهرة تاريخه ، وروح مضامينة ناهيكم عن سلسلة الاجيال التي تخرجت فيه ، وصولا الى الزمن الذي تدمر كل شيئ في العراق .
ماذا نستخلص ؟
ان كلية الحقوق العراقية بقدر ما استقطبت ابرع الاساتذة في مرحلة ما بين الحربين ، فلقد استقطبت ابرز الاساتذة والعلماء من كبار رجال القانون الاكاديميين ، اذ ان هناك العديد من الشخصيات اتذكر منهم : ضياء شيت خطاب وشفيق العاني وعبد الامير العكيلي وعبد الجبار عريم وحسن الهداوي واسماعيل مرزة وسعد العلوش وعبد الحسين القطيفي وسعدون القشطيني واخرين من خيرة العلماء الابرار. لقد كان ابناء نخبة العراق يتبارون للانخراط فيها .. وكان التنافس على اشده بين الحقوق والطب في العاصمة بغداد .. فضلا عن ان الحقوق قد قبلت منذ ذلك الوقت بعض الفتيات العراقيات للدراسة الى جانب الرجل ، فكان ذلك بمثابة قفزة نوعية في التعليم العالي العراقي .. واعتبرت صبيحة احمد الشيخ داودد اول خريجة حقوقية عراقية ببغداد .. كما ان الكلية نجحت ولأول مرة في اصدار منشورات واعمال علمية في القانون والقضاء .. وان اروقتها شهدت بروز العديد من رجال العراق الذين سيلمع دورهم النهضوي سياسيا واداريا وقضائيا .. وآخر ما يمكنني ذكره ، ان كلية الحقوق العراقية قد تخّرج فيها العشرات من افضل الكّتاب وابرز المبدعين وامهر الصحافيين وجملة من الادباء والنقاد والمؤرخين الذين اثروا الحياة النهضوية العراقي على امتداد القرن العشرين

88888888888888888888888888888888888888888888888888

كلية الحقوق العراقية في العهود الجمهورية
 

ثالثا : التحوّلات والتداعيات
مقدمة : من اجل اغناء الرمز العراقي
استكمالا لكل من الحلقتين السابقتين من هذه ” الدراسة ” التي خصصتها عن تاريخ كلية الحقوق العراقية التي تعتبر اعرق مؤسسة اكاديمية في العراق ، فانني اختتم في هذه ” الحلقة ” ، لما يمكن قوله واختزاله عنها ، عندما عاشت حياتها الصعبة على العهود الجمهورية طوال خمسين سنة مضت ، والتي لم تلاق خلالها اي اهتمام يذكر ، بل حوربت في الثلاثين سنة الاخيرة حربا لا هوادة فيها ، وقلل من قيمتها وقيمة خريجيها ، وصدرت التعليمات بتغيير اسمها ودمجها بالعلوم السياسية .. وفي هذه الحلقة من الدراسة ، ارسل بدعوة صادقة وعلمية الى كل المسؤولين والاكاديميين العراقيين ، العمل من اجل ارجاع اسمها الى ما كان عليه ( = كلية الحقوق ) ، وهو الاسم التاريخي الذي عرفت به هي وكل من كليتي الحقوق العريقتين في كل من استانبول والقاهرة . فهل ستتحقق دعوتي ومناشدتي هذه ؟ من اجل المحافظة على عراقة الاسم والمؤسسة . ومن اجل استعادة دورها المجيد في المستقبل ؟؟ هذا ما نتمنى تحقيقه لمؤسسة عراقية عاشت مائة سنة كاملة وصادفت كل التحديات عبر تاريخنا الوطني .. من اجل ان تبقى رمزا وطنيا لكل العراقيين في قابل الايام والازمان .
مواد الدراسة
بعد تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 تطورت كلية الحقوق التي غدت واحدة من اهم كليات الجامعة الفتية ، وازدادت اقدامها رسوخا في المجتمع العراقي . وقد اورد الدليل الذي نشرته ادارتها ، عناوين المواد التي كانت تدرس في كلية الحقوق ومنها المواد التالية :اصول القانون ،المدخل الى الشريعة الاسلامية ،القانون الدستوري ،الاقتصاد السياسي ،تاريخ القانون ،الاجتماع القانوني ،العقوبات ،القانون الاداري ،الالتزامات ،المالية ، الاقتصاد ،تشريع العمل ،القانون الروماني ،القانون التجاري ،العقود المسماة ،الوقف والمواريث ،القانون الدولي العام ، العقوبات الجزائية ،التشريع المالي ،اصول الفقه ،الحقوق العينية الاصلية ،المرافعات المدنية والتنفيذ ،التامينات العينية ،القانون الدولي الخاص ،وكل هذه المواد الزامية، وهناك مواد دراسية اختيارية هي النظم السياسية ،التحقيق الجنائي ،الطب الشرعي، مع التركيز على اللغات خلال المراحل السابقة وخصوصا اللغة الفرنسية ، وللطالب الحق في اختيار احد المواد الاختيارية في السنة الثالثة. اما في السنة الرابعة فمن حق الطالب اختيار احد الموضوعات التالية :علم النفس الجنائي ،العلاقات الاقتصادية الدولية
سلسلة العمداء
الدكتور عبد المجيد الحكيم , وكان تولى العمادة عام 1960-1961, وهو استاذ مادة القانون المدني, حاصل على دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس عام 1956-1957…. وتولى العمادة من بعده الدكتور عبد الجبار عريم, للفترة 1962-1965, وهو استاذ مادة القانون الجنائي… وجاء دور الأستاذ شاكر ناصر, الذي تولّى العمادة للفترة 1966-1968, وكان استاذ مادة الحقوق العينية الأصلية, ومنح لقب أستاذ متمرس عام 1983, وحاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من جامعة وسكنسن الأمريكية… وتولاّها الدكتور علي حسين الخلف, للفترة 1970-1973, وهو استاذ مادة القانون الجنائي … ثم الدكتور عبد الحسين القطيفي , للفترة 1973-1976, وكان استاذ مادة القانون الدولي , وقد اشغل مناصب وكيل الخارجية ، ومثّل العراق في المؤتمرات الدولية المتعلقة بالقانون الدولي, وهو حاصل على شهادة دكتوراه دولة في القانون من جامعة باريس . وتوّلاها الدكتور رياض عزيز هادي للفترة 1976-1979, استاذ مادة النظم السياسية , ثم الدكتور نزار جاسم العنبكي, للفترة 1980-1983 وثانية للفترة 1998-2003, وهو استاذ مادة القانون الدولي ، ثم الدكتور محمد عبد الله الدوري , للفترة 1983-1998, استاذ مادة القانون الدولي, وقد اشغل منصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة ما قبل العام 2003 , ثم الدكتور على الجيلاوي , للفترة 2003-2005, والدكتور علي كاظم الرفيعي, وقد تولى العمادة عام 2005 ولا يزال حتى الآن .
مجلس الكلية
اما مجلس الكلية فكان يتالف من العميد ورؤساء الاقسام .. وانقل لكم اعضاء مجلس الكلية للعام الدراسي 1961-1962 ، اذ تأّلف من العميد وكالة الدكتور عبد المجيد الحكيم ، والدكتور صلاح الدين الناهي ، والدكتور عبد المجيد عزت ، والدكتور حسن الجلبي والدكتور محمد يعقوب السعيدي ،والدكتور علي حسين الخلف ، والدكتور مالك دوهان الحسن ، والدكتور عبد الرحمن البسام .وكان من اساتذة الكلية لاحقا كل من الدكاترة : عبد الكريم زيدان، وشاكر ناصر حيدر، والدكتور صفاء الحافظ، والدكتور منذر الشاوي، والدكتور محمد علي ال ياسين ،والدكتور هاشم الحافظ، والدكتور حسن الهداوي، والدكتور شاب توما منصور، والدكتور ابراهيم الوهب، والدكتور هاشم الدباغ، والدكتور عبد الله ياسين، والدكتور عبد الامير العكيلي، والدكتور محمد طه البشير،والدكتور علي سلمان العبيدي ، والدكتور سعدون القشطيني .
مكتبة كلية الحقوق العراقية
ومن الطريف الاشارة الى ان مكتبة الكلية انذاك كانت تضم قرابة 9الاف كتاب ومجلة قانونية ، ولكل كتاب ثلاثة انواع من الفهارس وهي مصنفة على طريقة ديوي ، وكانت الكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية والتركية والالمانية والاسبانية والهولندية . وتعد مكتبة كلية الحقوق العراقية من اقدم المكتبات العلمية الرسمية العراقية التي كانت تزخر بامهات الكتب والمجلات في شتى حقول القانون والمواثيق والارشيفات المهمة ، كما حدثتني عنها الامينة القديمة عليها السيدة وسن طاقة .
الرواد العراقيون : ابرز الخريجين الحقوقيين العراقيين
كان من أبرز خريجيها الرواد العديد من رجالات العراق الذين خدموا مؤسساته الادارية والقضائية ، وخدم بعضهم في وزارات اخرى ، وتبوأ اغلبهم في مناصب عليا ، ومنهم : عبد الجبار جميل، وداؤود السعدي، ومكي الاورفلي ، وعبد الجبار التكرلي ، وفائق الالوسي ، ومصطفى العمري ، وحسن سامي التاتار، وعباس العزاوي، وابراهيم الواعظ ، وشاكر غصيبة ، ويوسف فتح الله لوقا ، وصالح مراد ، وفهمي نصرت ( دورة 1920 ـ 1921) وعبد الله الشواف ، وعطا امين ، واحمد القشطيني ، ومحمد رؤوف البحراني ،وعبد العزيز السنوي ، وطالب مشتاق ، ونجيب الراوي ، وشفيق نوري السعيدي ( دورة 1923 ـ1924) ومنير القاضي ، وطه الراوي ، وصالح جبر ، وموفق الالوسي ، واحمد زكي خياط ، وجعفر حمندي ، وهايك سيروب ، وعبد الجليل برتو ( دورة 1924 ـ 1925) ،وعبد القادر الكيلاني وكامل الجادرجي وذيبان الغبان ، ونوري العمري ، وموسى شاكر ،ونظيف الشاوي ،وعبد العزيز الباجه جي ،وصادق البصام وشاكر الموصلي وهو شاكر سليم الحاج ياسين القصاب ،وحسين جميل ، وجميل الجميل ( دورة 1925 ـ1926)، وسالم الالوسي ،وكامل الكيلاني ، ومكي الجميل وتوفيق الفكيكي ،والياس خدوري ،وعبد العزيز جميل ، وجواد الدجيلي وعبد الرحمن الدوري، وسامي النقشلي، وداؤد نيازي ( دورة 1926 ـ1027 )، وعبد الكافي عارف ، وعبود الشالجي، وجميل الاورفلي، واسماعيل غانم الاعظمي ( دورة 1929 ـ 1930 ) . لقد تخرجت دفعات حقوقية ممتازة ابان الثلاثينيات ، واعقبتها دفعات اكثر قدرة وكفاءة ابان الاربعينيات .. وعند نهايات الاربعينيات ، بدا نجم دار المعلمين العالي يلمع من خلال النخبة المثقفة التي انخرطت فيها والتي تخرج في اروقتها على امتداد الخمسينيات ابرع الشعراء والكّتاب والمؤلفين والاساتذة اللامعين . ان نخبة مثقفة ثقافة عالية تخّرجت في كلية الحقوق بالعراق .. ومن اهم مرفق بقي قويا وصارما لا يضاهى ابدا .
وقفة مقارنة :
من خلال هذه الوقفة المئوية واستعادتنا تاريخ كلية الحقوق العراقية وجدت انها عاشت بهدوء ، ولم تكن مشاكلها كبيرة مقارنة بالكليات العراقية الاخرى في كل من جامعتي : بغداد والمستنصرية . ان كلية الحقوق لم تزدحم بالثوار والراديكاليين ، كما كان عليه الحال في دار المعلمين العالي ، وبقيت الحقوق يتخّرج منها المهنيون والموظفون المؤهلون لموسسات الدولة ، في حين بقيت دار المعلمين العالي مصنعا للمثقفين المبدعين الذين تأهلوا لخدمة المجتمع اكثر بكثير من خدمة الدولة . لم اجد من دراستي لكلية الحقوق العراقية انها كانت موئلا للاضطرابات السياسية او الاضرابات الطلابية كما كان حال كل من كليتي الاداب والعلوم ، ولكنها بقيت مؤثرة جدا حتى في عهد الرئيسين عارف .. فضلا عن ان الكلية لم تشهد اي اجتياح حزبي او ايديولوجي كالذي عاشته بقية الكليات الاخرى ابان الخمسينيات والستينيات ، اي على عهد المد الايديولوجي القومي والماركسي .. لا على مستوى الاساتذة ولا على مستوى الطلبة .. واعتقد ان السبب يكمن اساسا في كل من الاساتذة والطلبة الذين كان يأتي اغلبهم من المدن الكبيرة لا من الارياف والمدن الصغيرة .. وان منابت اغلبهم بورجوازية الطابع والتوجهات . كما حظيت بمكانة خاصة على عهد رئيس الوزراء الشهير الدكتور عبد الرحمن البزاز الذي كان واحدا من امهر اساتذتها وعمدائها .
ان مرحلة ازدهار كلية الحقوق كان في كل من الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين ، اذ كانت كليات اخرى قد سبقتها في كل من الخمسينيات والستينيات سواء في عدد المبدعين او تأثيرهم السياسي والاجتماعي في طول البلاد وعرضها ، وقبل هذا وذاك في مركزها بغداد . ان العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين تمّثل انتكاسة مريرة في حياة هذه المؤسسة ، اذ ستبقى واحدة من سلبياتها وتراخي قيمها انها منحت شهادة حقوق في يوم من الايام ، وبتفوق عالي لأحد طلبتها كان قد قدّم اوراقا امتحانية بيضاء الى استاذه !! ولكن تبقى كلية الحقوق العراقية بكل مواريثها وتقاليدها مؤسسة خدمت العراق خدمات كبرى ، وكانت بالنسبة لغيرها من كليات العراق ، الام الحقيقية التي انبثق عنها الجميع .
واخيرا : ماذا بعد المئوية ؟
ان مائة سنة مّرت على هذا الصرح العريق الذي ينبغي على كل عراقي ان يفتخر به ، اذ انه الصامد الوحيد الذي بقي معاندا كل التحديات وكل من كان يريد تبديله او تغييره .. وبالرغم من الضعف الذي اصابه على العهود الجمهورية ، ونجحت محاولة تغيير اسمه من كلية الحقوق الى كلية القانون .. ولما لم يبق كيانا مؤسسيا لوحده في العراق ، اذ تأسست أكثر من كلية للقانون ، فلقد تساوى هذا ” الصرح ” القديم مع بقية الكليات الاخرى . دعوني اسجّل بعض الملاحظات التي اجدها بكل تواضع ضرورات :
1. العمل على اصدار ارشيف كامل ومصور لكلية الحقوق العراقية ، يحكي قصتها وتاريخها على امتداد مائة سنة مرت ، والاعتناء بتواريخ وسير اساتذتها كلهم ، مع اظهار ادوارهم العلمية .. فضلا عن سجل باسماء كل الذين تخرجوا في اروقة الحقوق العراقية .. مع نبذة مختصرة عن المواد التدريسية ومتغيراتها .
2. لعل من اكبر الجنايات العلمية التي ارتكبت في العهد السابق ، تحويل اسمها من كلية الحقوق الى كلية القانون والسياسة ، وبالاخص عندما أدمجت دراسة القانون بالعلوم السياسية .. وكان وراء هذا التغيير اسبابه التي من اهمها اقحام الايديولوجية في قلب هذه الكلية العريقة التي أبت واستعصت على العسكر والنظم الجمهورية كثيرا.. كما ان لا علاقة تذكر ابدا بين دراسة القانون ودراسة العلوم السياسية حتى يجمع كل من التخصصين في كلية واحدة . لقد كان ذلك جزءا من الحرب على كلية عراقية عريقة هي كلية الحقوق ، مع كل اعتزازي بالعلوم السياسية التي قمت بتدريس بعض موادها ردحا من الزمن ، واعتزازي بكل الزملاء الذين تخصصوا فيها !
3. انه بالرغم من انفصال القانون عن العلوم السياسية ، فأتمنى العمل على ارجاع عنوان واسم الكلية التاريخي والسابق اليها من جديد ، فهي كلية للحقوق ، وتكون مختصة بفق بدراسة القانون فقط . كما كانت قد تأسست عليه وان التسمية الجديدة ( كلية القانون ) التي فرضها النظام السابق ، لا معنى له لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية ، اللهم الا ما يتجانس مع الترجمة الحرفية للقانون في كليات اخرى في العالم.
4. العمل على تطوير وتجديد المناهج المتبعة اليوم في هذه الكلية ، وان ينتقل ذلك الى بقية الكليات .. فالمناهج كلها قد تبدّلت اليوم تبدلا كاملا او شبه كامل .. وان من ضرورات كلية الحقوق ان تقرن مناهجها وميادينها بجامعات متطورة ، وترى الفرق الهائل بين ما يجري به العمل في جامعات العالم ، وما يجري في قاعات كلية القانون بالعراق .
لقد اسهمت كلية الحقوق خلال تلك الفترة والفترات اللاحقة وحتى يومنا هذا في اعداد الكوادر القانونية والقضائية المتخصصة ..كما قام طلبتها واساتذتها ومنذ نشأتها بدور فاعل في حياة العراق السياسية والثقافية والاجتماعية ، فاستحقت هذه الكلية العريقة منا كل تقدير فتحية لها ، لطلبتها وخريجيها ، وادارتها ، والرحمة لمن توفي منهم .. والتهنئة لكل العراقيين بالذكرى الـ (100) لتأسيس هذا الصرح العلمي الكبير