أشخاص كما عرفتهم :اللواء الركن السيد حميد الحصونه أحمد الحبوبي  

 

سمعت باسمه لأول مرة عند تعيينه قائدا للفرقة العسكرية الأولى (مقرها الديوانية) في أواخر شهر شباط سنة1959،وجاء تعيينه بهذا المنصب في ظل أوضاع سياسية مضطربة بعد أن دب الخلاف بين أطراف (الجبهة الوطنية)وسالت دماء غزيرة في مدن ومحافظات العراق نتيجة للتصادمات والمعارك التى حصلت بين (رفقاء النضال)طالت الجيش نفسه وكان على القائد الجديد ان يضبط الأمور المنفلتة التى عصفت بقائد الفرقة السابق الركن (عبد العزيز العقيلى)… وسمعت باسمة لتانى مرة سنة1961 عندما أعلن عبد الكريم قاسم ان (الكويت )قضاء عراقي فتردد اسمهباعتباره قائد الفرقة الأولى… وسمعت باسمة يثالث مرة سنة 1963 عندما أذيع من الإذاعة العراقية..والتليفزيون العراقي متهما بالتامر بعد انقلاب 8 شباط .وكان خارج العراق فعاد وسلم نفسه الى الحكومة دلالة على براءته وحسن طويته فاعتقل في سجن رقم(1)في معسكر الرشيد لمدة أسبوعين دون إجراء اى تحقيق معه ثم أطلق سراحه… وسمعت باسمة لرابع مرة أواخر سنة1964 أو أوائل سنة1965 عندما استدعانى يوما عبد السلام عارف (رئيس الجمهورية) واخبرني أن (مؤامرة) تحال ضده قطباها كل من المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم واللواء الركن المتقاعد السيد حميد الحصونه 

(ذكرت هذه المقابلة تفصيلا عند الحديث عن عبد السلام عارف)

والتقيت به في إحدى قري الخطوط الأمامية في الضفة الغربية من فلسطين قبل احتلالها وذلك عندما انعقد مؤتمر المحامين العرب في القدس سنة1966 .           وضمن جولة على الحدود مع إسرائيل لفت نظري التفاف بعض المحامين حول شخص يقف على نشر مرتفع من الأرض ويتحدث بصوت عال وعندما اقتربت وإذا به السيد حميد حصونه (المحامي) يشرح للمحامين احدي المعارك العسكرية التى خاضها الجيش العراقي في هذا المكان وكان هو يومئذ احد الضباط اللذين اشتركوا في هذه المعركة ولقنوا اليهود درسا قاسيا … ولا أنسى أن راعيا كان يرغي أغنامه وقف يستمع بعد أن عرف هويتنا علق قائلا قبل ان ينصرف (جيتو تتفرجوا على عاركم) وكنت التقية بشكل عابر وعفوي في مناسبات اجتماعية كحضور (فاتحة) أو        ( فرح) وقليلا في غرفة المحامين لعدم ممارسته للمحاماة كمهنة،وكان اسمه يتردد واحدا من أعمدة مجلس المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي وانه قريب من أفكار وطروحات الشيخ الشبيبي فيما يتعلق بالأمور العامة التى تخص العراق وعلى رأسها إطلاق الحريات وإجراء الانتخابات وتشكيل مجلس نيابي منتخب…وكان اللقاء الطويل في القاهرة بعد ان جئتها سنة 1970 وكان السيد الحصونة قد سبقنى إليها فقد جاءها 1969 وظل فيها الى أن انتقل الى رحمة الله في لندن سنة 1986 وتوثقت العلاقة بيننا لا بسبب تشابه الظروف التى جمعتنا فحسب،فقد وجدته قارئا جيدا في التاريخ والسياسة،والسيرة،وتبادلنا استعارة الكتب،وقد اعتاد ان يسجل ملاحظاته كهوامش على حاشية الكتاب الذى يستعيره ، وكان يقول انه لا يقوى على ترك         هذه العادة …

وكانة يعتذر واستمرت العلاقة من سنة 1979حتى 1986وكتيرا ما كان يشجعه حسن استماعي فيفيض في سرد حكاواه  وكنت سعيدا ان اطلع من خلالها على امور لم اكن اعرفها ، ووجدتنى أمام شخصية ثرية فانتهزت اللقاءات أو السفرات القصيرة والجلسات التى كانت تتم بيننا لأحصل على المزيد مما عنده من خلال أسئلة أعدها سلفا أحيانا أو تثور في حينها،كما اطلعت على ما كتبة بخط يده من موضوعات متناثرة في مجموعة من الدفاتر يحتفظ بها في مكتبته العامرة مما ساعدني على دراسته وسبر غوره … فجاءت هذه الحصيلة ….

واذكر أول سؤال طرحته علية عند دخوله للجيش ولماذا اختاره ..فكان جوابه انه وبعد تخرجه من الثانوية(وكانت تسمى الإعدادية) سنة1932 طلب الملك فيصل الأول (ملك العراق)من والدة ان يدخله الى الكلية الحربية،وذلك عندما ذهب مع والدة للسلام على الملك فيصل.. وكانت نظرية فيصل،حسب قوله انه طالما ان جنود الجيش العراقي من أبناء العشائر فمن الأفضل أن تكون قادته (الضباط)من أولاد العشائر أيضا وقد صدع والدة لأمر الملك فيصل وهكذا دخل الكلية الحربية وتخرج ملازما سنه1935، ثم تخرج بعدئذ من كلية الأركان سنة 1944….وسألته عن علاقتهبعبد الكريم قاسم الذى كان يتردد اسمه كثيرا على لسانه ..فأجاب أن عبد الكريم قاسم كان صديقي في الكلية العسكرية،وقد اشتغلت معه عندما كان امرا للفوج الاول ، لواء الأول وأنا كنت معاون له…ثم عملنا سويا في حرب فلسطين كان هو الامر وأنا معاون له سنه 1948 ..

ويقول عن هذه الفترة في فلسطين ان انطيت به (السيد حميد) قيادة (قلقيليا) وصدر إليه الامر من قيادته العسكرية بالانسحاب منها ليحتلها اليهود فلم ينفذ الامر فطلبت النيابة العامة من أمر لوائه (نجيب الربيعي)

(الذي أصبح فيما بعد رئيس مجلس السيادة بعد ثورة 14 تموز سنة1958معاقبتي لعدم تنفيذي أمر القيادة بالانسحاب فرفض الربيعي عقابه…) ثم عين بعد عودته من فلسطين أمرا للفوج الأول اللواء الخامس عشر في البصرة  ويواصل حديثه عن عبد الكريم قاسم ويقول : (ظلت علاقتى به قوية رغم افتراقنا كل في وحدته وبعد انفجار ثورة14 تموز سنة1958 عينني أمرا لجحفل اللواء الأول …. وكان مقره على ضفاف قرية الحبانيه ليحول دون تقدم القطعات البريطانية والأمريكية والأردنية (حماية الثورة) ثم عينني قاسم قائدا للفرقة الأولى في28/2/1959….) وأضاف مستدركا أن مسيريه في الجيش لم تكن كلها حسب القواعد المرعية من حيث القدم أو الترفيع أو النقل وضرب مثلا على ذلك انه عندما رشحته الفرقة الثانية لامريه اللواء الرابع (سنه1954) لكن رئاسة الأركان رفضت هذا الترشيح وطلبت من أمر الفرقة الثانية سحب ترشيحه وألا سوف يعزل من قيادة الفرقة… فألغى ترشيحي ونقلت الى منصب مدير تجنيد  فقدمت استقالتي من الجيش ورشحت نفسى في انتخابات المجلس النيابي(عن الناصرية) ورغم انى حزت على أصوات كثيرة إلا اننى لم أفز لاننى لم أكن مرشح حكومة…. وكان موقفه هذا _كما يقول،احتجاجا على ما لاقاه من حيف في الجيش و(وليثبت موجوديته في مجال اخر..حسب قوله)..

وكان لا بد أن اسأل السيد الحصونه عن ظروف تعيينه قائدا للفرقة الأولى وعن أهم أعماله وإنجازاته ثم عن أسباب الخلاف الذى نشب بينه وبين قيادة الحزب الشيوعى …وكاننى بسؤالى هذا قد فتحت شهيته للحديث فاعتدل بجلسته وظهرت على ملامحه الجدية فشعرت اننى قد نكات لهجرحا فقال : عينني عبد الكريم قاسم كما ذكرت قائدا للفرقة الأولى في28/2/1959 بعد أن ساءت الأحوال لا في الشارع السياسي كما هو معروف بين فصائل الجبهة فقد انعكس سوء الحال هذا على الجيش نفسه بين الضباط وضباط الصف والجنود واضطربت الأمور وتزعزعت القاعدة التى يقوم عليها عمل الجيش وهى(الضبط والربط) خاصة أبان تولى (الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي) أمرية الفرقة الأولى بعد 14تموزفقد جوبه بمعارضة شديدة من قبل كثير من الضباط والجنود باعتباره محسوب على التيار القومي أو من (جماعة عبد السلام عارف)المغضوب علية… ثم تغلغل الأفكار السياسية المختلفة بين صفوف الضباط والجنود مما يساعد على انفلات الأمور وعدم القدرة على السيطرة ورافق ذلك سلوك يعاقب عليه القانون من قبل أفراد منسوبة للجيش جراء مواقف سياسية مؤثرة من هذا الحزب أو ذاك… ولما كنت صديقا لعبد الكريم قاسم ويثق بي، ومن أهل المنطقة وضعنى بهذا المنصب الخطير وأطلق يدى من اجل إعادة (الضبط والربط) المفقود.. وهو يعلم انى لى رأيا قد لا يتفق مع أرائه وتوجهاته السياسية وكان كل همى إبعاد الجيش عن السياسة وألاعيبها  وأضاف قائلا :أنني حضرت اجتماع في وزارة الدفاع بعد تعييني بعدة أيام ،وبمقر عبد الكريم قاسم حضرة كل من عبد الوهاب الشواف (امر موقع الموصل) وعبد الوهاب أمين (وزير الشئون الاجتماعية) وناظم رشيد(مدير الشرطة العام) وعبد الباقي كاظم(مدير شرطة بغداد) وراح الشواف   (يشكو من سلوك الجماهيرية الشيوعية) التى احتشدت في الموصل والتى نقلتها القطار إلى الموصل بلا أجور لحضور احتفالات أنصار السلام…وطلب الشواف من عبد الكريم قاسم إلغاء المهرجان  فأخد قاسم يطمئنه ويهدئ من روعة ويخفف من حدته…وبعد يومين انفجر البركان…ويقول السيد الحصونة ان عبد الكريم قاسم اتصل به في مقر الفرقة الأولي بعد ثورة الشواف ليطمئن بنفسه على الأمور فطمانه بان كل شيء هادئ ثم تمتم رحم الله الشواف فقد كان ضابطا جيدا وجريئا ووطنيا… وعاد السيد الحصونة الى بقية السؤال المتعلق بأعماله أو إنجازاته فقال:في الوقت الذى كانت المجازر في الموصل ثم في كركوك وبلغت الضحايا بالآلاف كانت منطقة الفرقة الأولى تتمتع بهدوء وأمان ، فقد أصدرت أوامري بفتح النار على كل من يقوم بعمل فوضوى يهدد الأمن العام أو امن المواطن العادي واعتقال كل من يخل بالأمن من خلال مسيرات أو تظاهرات أو الاعتداء على المواطنين،فضلا عن حماية الضباط(القوميين)المتواجدين في الفرقة  ثم ضرب بعض الأمثلة على مواقفه تجاه التصرفات أو الآراء أو الخروقات فقال : أن رئيس أركان الجيش (بصفته حاكما عسكريا) عرض على مجلس الدفاع (وقادة الفرق العسكرية أعضاء في هذا المجلس) إن البلد (العراق) أصبح شيوعيا ولهذا يجب ان يكونوا شيوعيين …فاعترضت علية قائلا (ليس لك على سوى منصب قيادة الفرقة وها أنا أعيده وليس بامكانى أن أصبح شيوعيا…) وذكر أيضا انه عارض اقتراح تسليم قيادة الجيش                          إلى الضباط (الاحتياط) من حملة الشهادات العليا والمقصود بهم الحزبيين اليساريين  واعترض أيضا على تجنيد خريجات المعاهد العليا والكليات كضابطات في الجيش لنفس السبب  وكمثال على اعتراضاته الكثيرة ووقوفه أمام تيار ينزع الى الفوضى ويخرق القانون قال : إن المحكمة العسكرية في الفرقة حكمت على خمس ضباط وتسعة ضباط صف بأحكام بالسجن لمدة سنوات لأنهم رفعوا العلم (السوفيتى)         على ثكناتهم  فطلب عبد الكريم قاسم منى إلغاء العقوبة فأجبته : إن هذا ليس من صلاحيتي وإنما من صلاحية وزير الدفاع والحاكم العسكري العام ، فغضب عبد الكريم قاسم وأمر باعتقالي ، ولكنه بعد ساعة الغي امر الاعتقال…

وذكر أيضا انه في اجتماع لمجلس الدفاع طرح ترفيع كل من العقيد الطيار صادق العزاوي ، والمقدم الطيار عارف عبد الرازق ، والرائد صالح مهدى عماش ، فاقترح رئيس مجلس أركان الجيش عدم ترفيعهم بناء على رغبة الزعيم عبد الكريم قاسم،فاعترضت قائلا : أما ان تسحب اضباراتهم من اللجنة وأما إذا عرضت اضباراتهم فيجب إبداء الرأي بصراحة وموضوعية ونزاهة،فاضطر الى عرض الإضبارات وتقرر ترفيعهم… ويقول السيد الحصونة : وعندما خرجنا من الجلسة عاتبنى عبد الكريم قاسم على هذه المعارضات فتحملت العتاب في سبيل الحق  ويذكر أيضا ان رئيس محكمة الفرقة شكي إلية ان جريدة(اتحاد الشعب)تهجمت علية وهاجمته فأبرقت للحاكم العسكري ان يؤدبها…وبعد يومين هاجمت الصحيفة قائد الفرقة نفسه (اي هاجمتني) فأصدرت أمرا بمنع دخول وتوزيع الجريدة في منطقة الفرقة الأولى وتشمل سبع محافظات ، فقامت قيامة(الحزب الشيوعى)بإرسال الاحتجاجات وراحت محطة الإذاعة في بغداد الجديدة واسمها (صوت الشعب) تهاجم الفرقة الأولى وقائدها وتؤلب عليه…ويذكر أيضا عندما قتل الضابط المقدم الركن (جلال…) في موقع البصرة بعد أن هجم علية بعض الضباط والجنود عند إحالته        الى التقاعد…شكل هيئة تحقيقيه لمعاقبة المجرمين رغم مخالفة الحاكم العسكري العام ولكنة أصر وزاد من يقينه وعزز موقفه بضرورة المحاكمة ما أفتاه السيد محسن الحكيم عندما استفتاه في دماء القتيل …

(“من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا”) .

وحمى ، كما يقول أمر اللواء الرابع عشر في الناصرية (رشد مصلح) من عملية قتلة وسحله بعد إحالته الى التقاعد هو الأخر فتم نقلة بطائرة خاصة إلى مقر الفرقة في الديوانية بعد أن هجم علية المهاجمون وجردوه من ملابسه فاوصله سالما الى بغداد حسب رغبته…

ويقول هذا غيض من فيض  فابتسمت قائلا : أن ما تعده إنجازا قد لا يكون كذلك في نظر البعض فامن على قولي ثم قال:كان واجبي الوظيفي والانسانى هو الحافز لى والمشجع على ما قمت به أو ما اتخذت من قرارات أو من مواقف رغم ان الجو العام كان ملبدا بالغيوم واليسار مسيطر على الشارع ويتحكم به…لذا لم يعد عبد الكريم قاسم يثق بي بعدما شاهده منى ولمسة لمس اليد في اجتماعات مجلس الدفاع…       ثم زادت علية الضغوط من اجل إقصائي وإبعادي عن قيادة الفرقة الأولى خاصة بعد ان منعت جريدة (اتحاد الشعب) من التوزيع في سبعة (محافظات) كما منعت المظاهرات والمسيرات،فاستجاب عبد الكريم قاسم لهاتيك الضغوط فأصدر أمره بتعييني متصرفا (محافظا) للواء ديالى  فلم استجب للأمر ثم أخذت راحة مرضية قضيتها خارج العراق على أمل عدم تنفيذ الأمر…ثم قبلت إستقالتى الأخيرة    ووجد السيد حصونة بنفسه عاطلا ولدية فراغ فدخل إلى كلية الحقوق وأكمل الدراسة وحاز على شهادتها وسجل في نقابة المحامين وبدأ حياة  بعيدا عن السلك العسكري.

ولم تنسني هذه الأحداث والتطورات التى سردها من أن أساله عن قضية هامة أخذت أبعادا ومديات واسعة عراقيا وعربيا ودوليا ألا وهي قضية الكويت مطالبا عبد الكريم قاسم بها فاعتدل ايضا في جلسته كعادته عندما يشعر بأهمية او حراجة السؤال.

قال رحمه الله : كنت مدعو بدار نجيب الربيعي (رئيس مجلس السيادة) على عشاء وكان البيت يغص بالمدعوين من مدنيين وعسكريين.

وكنت قريبا من عبد الكريم قاسم والربيعي،وقبيل الساعة الثامنة مساء طلب قاسم من مرافقه(جاسم العزاوى) أن يأتيه براديو  (الترانسستور) الصغير الذى اعتاد أن يحمله معه أينما يذهب ثم قال استمعوا الى بيان سيذاع في الثامنة مساء.. وأصغينا السمع. وإذا به بيان صادر من عبد الكريم قاسم(رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة) يقول فيه : ان الكويت جزء من العراق كما هو معروف تاريخيا ولا يمكن ان يعلن استقلالها كدولة مستقلة بعد انسحاب القوات البريطانية منها…وان الكويت هي قضاء عراقي يتبع إداريا الى لواء (محافظة)البصرة فوجئ الجميع بما سمعوا بما فيهم انا وطلبت من عبد الكريم قاسم ان يسمح لى ازاء هذا الموقف بالانصراف والالتحاق بمقر فرقتي العسكرية خاصة وان قطعاتها موزعة على سبع الويه(محافظات)بما فيهم محافظة البصرة…فأشار لي قاسم بيده أن اجلس ولا داعى ان تذهب فامتثلت للامر ولكن كنت قلقا،ثم اصطحبني بعد العشاء الى وزارة الدفاع وأتيحت لى فرصة شرح الأبعاد العسكرية المحتملة جراء هذا البيان وتداعياته على المستوى العسكري والسياسي وردود الأفعال المتوقعة خاصة عدم وجود خطه عسكرية موضوعة سلفا للتنفيذ،استمع قاسم دون تعليق،وفعلا كانت ردود فعل بيان قاسم غاضبه من البلاد العربية على رأسها مصر وقف جمال عبد الناصر ضد هذا البيان بقوة،ونشطت الجامعة العربية أيضا على إعلان بريطانيا تلكؤها في سحب قواتها من الكويت الامر الذى استدعي الجامعة العربية الى إرسال قوات عربية لتحل محل القوات البريطانية المنسحبة وتقطع على بريطانيا أية حجة او تبرير لبقاء قواتها في الكويت.

أرادها عبد الكريم قاسم معركة سياسية هو يحتاج اليها داخليا وخارجيا وان كنت أعارض قاسم فيما ذهب إليه فعندي ان حل القضايا الخاصة بين الدول العربية والمتعلقة بالحدود أو غيرها ليس عن طريق الضم أو الإلحاق أو الاحتلال العسكري أو حتى التهديد به فالرابطة القومية تحرم مثل هذه الإجراءات… فإذا كان لامحيص من استعمال الأسلوب العسكري وصولا لاستخلاص حق مهضوم كان ينبغي اللجوء إليه لاسترجاع ما اغتصب من ارض عراقية كما في الأهواز والمحمرة التى اغتصبتها إيران، أو استرجاع لواء الإسكندرونه التى اغتصبته تركيا من سوريا وأضاف مستطردا انه قد استقر في الروع ما يعرف (بلعنه الكويت) فقد أصابت هذه اللعنة كل من طالب بالكويت ابتداء بالمرحوم الملك غازي الذي نصب إذاعته في (قصر الزهور) من اجل ذلك،وكانت نهاية حياته بحادث سيارة مريب…

وأصابت (اللعنة) أيضا نوري السعيد الذي أراد وألح إلحاق أو ضم الكويت الى دولة الاتحاد العربي الذي قام 1958بين كل من العراق والأردن…

دون رغبة أميرها  وكان مصيره كما هو معروف في 14تموز سنة1958… وأصابت اللعنة أخيرا عبد الكريم قاسم ولقي مصيره المعروف في8 شباط سنة1963 ولكن العمر لم يمتد بالسيد الحصونه ليري أن (اللعنة) التى يتحدث عنها أبت أن تقترب من صدام حسين الذي غزا الكويت في2/8/1990وخرج من العملية خروج الشعرة من العجين كما يقول المثل وجر على العراق ما جرة من الويلات والمحن طالت حتى الأمة العربية كانت ردود الأفعال كما ذكرت حيال بيان عبد الكريم قاسم بخصوص الكويت واسعة وعنيفة رافقها تحرك سياسي وعسكري ليس بمقدور العراق ولا في مكنته الوقوف أمامها او التصدي لها دون خسارة                        لذا راح عبد الكريم قاسم يتراجع تدريجيا عن تصريحاته أو ادعاءاته أو دعاواه امتثالا لنصائح من عسكريين وسياسيين عراقيين وغير عراقيين…

وهكذا انطوت صفحة الكويت … وكان أول عمل قام به منفذوا انقلاب 8 شباط سنة1963 ضد عبد الكريم قاسم ان اعترفوا بالكويت دولة عربية مستقلة          ذات سيادة…

ولم أرد إنهاء الحديث عن عبد الكريم قاسم وطي صفحته دون أن أسال السيد الحصونه راية بعبد الكريم قاسم كانسان وكحاكم باعتباره صديقة وعمل معه وكان قريبة منه فترة ليست قصيرة … ، انبسطت أسارير السيد الحصونه لهذا السؤال وكأنه أراد من خلاله ان يعطى لصاحبة حقه من التقييم ، فأجاب بصراحته المعهودة :ان قاسم قبل 14 تموز سنة1958غير قاسم بعدها وان كانت فيه صفات ثابتة لازمته في المرحلتين،فهو (كريم) (بمعنى الكلمة) يصرف على أصدقائه ويعاون أهله ودائما مفلس،وهو(جرئ) و(جسور) الى حد الجنون وشجاعته في فلسطين معروفة،         وكان أخر ضرب من شجاعته انه رفض ان توضع علة عينيه (عصابة) قبل إعدامه بدار الإذاعة كما كان منظما في عمله وكان قبل الثورة يتورع في اقتناص المتعة بكل أنواعها ، ولكنه بعد تموز امتنع (وتغير تماما)ويقول السيد الحصونه : اننى سالت المهداوى (ابن خاله قاسم)ذات يوم عن هذا التغيير في (السلوك) فقال (لقد انهمك في الشغل وماتت عنده الحيوية الجنسية…).

ومن صفات قاسم (الصمت) فقد كان قليل الكلام وكان أقرانه في الكلية العسكرية يسمونه(أبو الهول) لصمته وتجهم وجهة) وكان (كتوما) الى حد ان مد يده وقال لى (ان هذه لا تدري بهذه) أي ان يده اليمنى لا تعلم بما في يده اليسرى من شدة الحذر والتكتم وكان يصعي الى الأقوال دون ان يناقشها أو يظهر وجهة نظرة فيها وكان يميل الى المسامحة او التسامح ولا يلجا الى معاقبة الجنود المخالفين.

كما عرف عن قاسم (الخبث) فقد استطاع ان يوثق علاقته بنوري السعيد لإبعاد الشبهة عنه حتى ان السعيد كان يسميه (كرومي) كل هذا كان قبل تموز،أما بعد تموز وبعد أن صار الزعيم الأوحد وتضخمت شخصيته وانتفخ من كثره ما أسبغ علية من ألقاب وأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان فقد ظهرت علية صفات جديدة وأخلاقيات جديدة فاكتسب صفة(التعالي) وصفة (الكذب) وصفة (عدم الثقة) و(شهوة الحكم) و(التفرقة) حتى يسود وقد نجح في إحداث الفرقة في صفوف (الحزب الوطنى الديمقراطى) بتأثيره على (محمد حديد) في شق الحزب،ونجاحه أيضا في شق الحزب الشيوعي بتبنيه لـ (داود الصائغ) واعترافه بالحزب الشيوعي الذي أنشأة،كما كان يحتفظ بملفات لكثير من الشخصيات في ديوانه لابتزازهم عند اللزوم.ولازمته صفه عدم حبه(للقراءة) قبل وبعد تموز فهو لا يقرأ حتى الجريدة. (ولم أره يوما يقرا كتابا) ويقول السيد الحصونه عن صاحبه قاسم إنه كان يتفاءل برقم(13) ولا يتشاءم منه فقد ولد في 1913واسمه مكون من (13) حرف (عبد الكريم قاسم) ، وسنبله شعار الجمهورية العراقية (13) حبه  وصفه (الصمت) التى كانت تلازمه قبل تموز تحولت الى (ثرثرة) وكثره كلامه كأنه (غار) من عبد السلام عارف أو جمال عبد الناصر ومن كثرة خطاباتهما لا راح هو الأخر يكثر من الخطابات وأكثرها مرتجل،ويأبى ان يكتبها أو يقرا من ورقه ويفرح ويبدو سعيدا عندما يسمع من الإذاعة تسجيلا لخطاباته أو برنامج( من أقوال الزعيم…) (لقد تملكته شهوه الحكم) ولكن عبد الكريم قاسم إنجازات كثيرة لا يمكن إنكارها فهو وراء قانون الإصلاح الزراعي، أنصاف الفلاح المعدم ومحاربه الإقطاع وهو الذي  أنشا مدينة( الثورة) بعد تجفيف المياه الاسنه وجعلها سكنا للمعوزين وهو الذى شق (قناة الجيش) لرواء الأرض ، وهو الذي سن قانون رقم(80) الذى استرجع الأراضي العراقية غير المستثمرة من شركات النفط .. ان للرجل إنجازات كثيرة وكبيرة وكان نزيها عفيفا نظيف الكف يعتز بكرامته واستدرك السيد الحصونه قبل ان يختم كلامه عن قاسم بقوله:ان قاسم قد أصيب بشبابه بمرض التيفوئيد  ويبدو ان هذا المرض قد خلف بعض الأعراض التى تظهر علية أحيانا وتنعكس على تصرفاته…وقد سألته مرة عن حالته الصحية فأجابنى بحدة (زين…….زين).

جاء السيد الحصونة الى القاهرة سنة1969ولكن عيون النظام الحاكم الجديد لم تكن غافله عنه إذ تعتبره من الخصوم،ترصد حركاته واتصالاته وتنتهز الفرصة للإيقاع به والتخلص منه،اما وبعد ان حل في القاهرة عملت السلطات العراقية جهدها من اجل حملة على العودة الى العراق طواعية او كرها ولم يدخل في روع السيد الحصونه        أو في ذهنه ان حكومته جادة من اجل الحصول عليه وأنها تنوي به شرا،فمن جهته فهو لا يعرف له جرما ارتكبه ضد الحكومة حتى تسعي كل هذا السعي من اجل وضع اليد عليه…وسفير العراق في القاهرة (دياب العلكاوى) ضابط عمل تحت قيادته يوما،يكن له الاحترام الزائد عندما يذهب الى السفارة للزيارة أو تمشية معاملة رسميه…ويقول السيد الحصونه في الشهر السادس سنة1969كنت في الأسكندرية اتصل بي تليفونيا في الفندق الذي انزل فيه شخص لا اعرفه ولم يعطني اسمه وقال لي اننى مدعو عند السفير العراقي على غداء ثم قفل الخط فقطعت زيارتى وعودت الى القاهرة في نفس اليوم…وفي اليوم التالي ذهبت الى السفارة حسب الموعد ولم أجد السفير واخبرني الموظف ان السفير في المستشفي لأنه ابنه مريض فانتظرت وعند عودته وجدته مرتبكا ومضطربا فظننت ان سبب اضطرابه هو مرض ابنه ولكن اضطراب السفير استمر الى ما بعد الغداء فأردت ان اخفف أو اسري عنه ولكنه التفت نحوى وقال (سيدى الجماعة في بغداد يريدوك) أجبته مبتسما :               أنا حاضر،وجاهز للسفر وسأحدد موعد سفري ان شاء الله…ولكنه فاجانى قائلا :        لا يا سيدي أنت صيفي ،وستطل هنا في السفارة إلى ان أتلقي أوامر من بغداد   وطلب منى إعطائه جواز سفري واحتفظ به عندى ،ثم طلب ان نصعد الى غرفة الملحق العسكري في الطابق الثاني وأشار “ هذة غرفتك  فابتسمت قائلا يعنى أنا        ( ضيف) الحكومة في سفارتها أو( محجوز) الحكومة في سفارتها….

فاخذ يعتذر لي ويطيب من خاطري وحجز السيد الحصونه في السفارة بناء على أوامر من بغداد وعندما طالت غيبته قلق ابنة(مضر) الذى كان يدرس الطب في القاهرة وزاد قلقل عندما اقترب الليل دون عودة والدة فداخلة شك ان والدة (محتجز)في السفارة العراقية فبادر الى إبلاغ السلطات المصرية ووصل الأمر الى (أمين هويدي)مدير المخابرات العام..وأخذت الأجهزة المصرية تراقب الموقف عن كثب انتظارا لما قد تفعله السفارة العراقية (بالرهينة) المحتجزة في السفارة التى تعتبر أرضا عراقية حسب العرف الدولي ..وطفق السفير العراقي يفكر في الوسيلة(المضمونة) لإيصال الرهينة الى بغداد دون الاحتكاك بالسلطات المصرية بعد ان علمت بأمر الاحتجاز فليس من اليسير او السهولة ان يمت تسفير السيد الحصونة على الخطوط العراقية بشكل اعتيادي فاحتمال تدخل المصريين وارد لمنع العملية،ومع وجود هذه المعوقات حاولت السفارة تسفير المحجوز ولكن الخطة فشلت بسبب يقظة السلطات المصرية وزاد من الصعوبة على السفارة العراقية والعراق ان صحف بغداد أخذت علما بعملية الاحتجاز فكان ان نشرت جريدة(لسان الحال)بتاريخ9/7/1969وبالبنط العريض “أزمة بين مصر والعراق بسبب ضابط عراقي كبير…السفارة العراقية في القاهرة تحتجز الضابط ومصر تمنع نقله الى بغداد…”وجاء في الخبر”وقالت زوجة اللواء حسين ان السفارة العراقية حاولت نقل وزجها الى طائرة عراقية خاصة في مطار القاهرة لإرساله الى بغداد ….

“ولكن السلطات المصرية منعت نقل اللواء المعتقل الى المطار كما منعت الطائرة التى كانت معدة لنقله من الإقلاع بداعي ان هذا العمل يسئ الى كرامة السلطات المصرية…”

ونشرت نفس الجريدة(لسان الحال) وفي اليوم التالى (10/7/1969) مزيدا من المعلومات عن الضابط المحتجز (وتدخل الجامعة العربية بخصوص اعتقاله على شكل مذكرة من الجامعة رفعتها الى الدول العربية….) .

وأمام هذا التطور وتداعي الأحداث والمداولات والمشاورات بين السفارة وبغداد تفتق الذهن عن خطة يقوم بتنفيذها (حردان التكريتي) وزير الدفاع وذلك ان يحضر الى القاهرة علي شكل وفد رسمي بطائرة عراقية خاصة،وعند عودته الى بغداد يستحب معه على نفس الطائرة الرهينة المحتجز بعد تخديره ووضعه في صندوق…             (ووصلت هذه الخطة الى الأجهزة المصرية فكان إنذارها صريحا بأنها لن تقف مكتوفة اليد أمام هذه المهزلة) وستتصرف لمنع شحن السيد الحصونة مع حردان وبطائرته.اسقط بيد حردان وسفارته وفشلت الخطة وسافر حردان خائبا…          ومرت الايام وبمرورها ازداد ايمان السيد الحصونه انه سينجو من محنته وان مصر لن تتخلي عنه وفعلا حسم جمال عبد الناصر الموقف وأصدر امره بضرورة الإفراج عن الرهينة حتى لو تطلب الأمر اقتحام السفارة بالقوة ودونما أي باعتبار السفارة العراقية أرضا عراقية…اذا لم تبادر السفارة العراقية الى إطلاق سراح الرهينة فورا،ورضخت السفارة وصدعت للامر وأطلقت (مكرمه) سراح السيد الحصونه (عصرا) فخرج من السفارة غير مصدق واستلمته ايدى أجهزة الأمن المصرية التى كانت تنتظره على باب السفارة والتى كانت طوال مدة احتجازه مرابطه طوال(24ساعه)في شارع السفارة وعلى بابها تراقب الموقف خوفا من تسريب          أو تهريب الرهينة…وهكذا خرج السيد الحصونه الى عالم الحرية بعد احتجاز          دام (34) يوما وتطبيقا لخطة تصفية الخصوم أفرادا وجماعات وتيارات ،             شملت الإسلاميين والقوميين وغيرهم من مدنيين وعسكريين ولم تأخذه رحمه بأحد وأكن يفتعل الأسباب ويفبرك المبررات للوصول الى هدفه وكان عبد الناصر في مقدمه خصومه ولم يعدم وسيلة في مقارعة نظامه في جميع أجهزته وإعلامه وصحفه وما أن قبل جمال عبد الناصر سنة 1970 مشروع (روجرز) الخاص بترتيبات وضع القوات بين مصر وإسرائيل حتى انبري النظام العراقي للهجوم على جمال عبد الناصر متهما ايا بالتآمر على القضية الفلسطينية وركب موجة الدفاع عن العروبة والحق الفلسطيني الذى أهدره ناصر واستغل المناسبة للتنكيل بالقوي القومية في العراق باعتبار ارتباطها (العقيدي) مع جمال عبد الناصر فلاحقهم واعتقل الكثير منهم ثم بادر الى تسفير مجموعة من الضباط القوميين الى مصر حيث استقروا فيها بعيدا عن متناوله وبمرور الوقت شعر النظام العراقي ان وجود هؤلاء الضباط يشكل خطورة علية.فقرر تصفيتهم جسديا وهم في القاهرة ، فأرسل مجموعة من عناصر الأمن بعد تدريبهم جيدا للقيام بهذه المهمة بعلم ومعرفة ناظم كزار(مدير الأمن العام)بالتنسيق مع القيادة السياسية…

ووصلت هذه المجموعة الأمنية الى القاهرة على وجبات ابتداء من أول شهر شباط سنة1972 ووضعت نفسها تحت تصرف مسئول خاص عن عملية التنفيذ مقيم في السفارة العراقية فتسلمت منه الأسلحة المطلوبة(مسدسات) وخطة الاغتيالات وأسماء وعناوين الضباط المطلوب تصفيتهم وهم: 1- العميد الركن الطيار (عارف عبد الرازق)رئيس وزراء سابق 2 العقيد الركن (صبحي عبد الحميد وزير خارجية سابق) 3 العقيد الركن (عرفان عبد القادر وجدي) امر كلية عسكريه 4 اللواء الركن (حميد حسين الحصونه) امر فرقة سابق ، 5 العميد (عبد الهادي الراوي) وزير سابق 6 العقيد الركن (رشيد محسن) مدير الأمن العام سابق                      7  (مبدر الويس) ضابط سابق ، وقام المسئول عن العملية بتقسيم العناصر المكلفة بالتنفيذ الى مجموعات وكل مجموعة من ثلاثة أشخاص،تذهب الى مسكن المطلوب اغتياله فيطرق احد المجموعة الباب وما أن يفتح الشخص المطلوب فيتولى الآخران بالإجهاز عليه بإطلاق النار…وكانت المجموعة المكلفة باغتيال اللواء الركن حميد الحصونه مكونة من:1 رعد عبد الرزاق علاوى . و 2 سامي مكي.                   و 3 صائب عبد الستار ، وان تقوم كل المجاميع بالتنفيذ في الساعة السادسة صباحا ، كل مجموعة حسب الهدف المعطى لها  ووجدت مجموعة السيد الحصونة ان باب العمارة التى يسكنها مقفل وتعذر عليها فتحه فانصرفت بعد ان رمت المسدسات في النيل .. وخابت كل المحاولات وفشلت العملية لأسباب كثيرة حتى ان بعض المجاميع تخلصت من المسدسات برميها في النيل  وتم إلقاء القبض على اغلب أفراد المجموعة واعترفوا تفصيليا وسجلت اعترافاتهم وظهروا على التليفزيون المصري يشرحون بالتفصيل الدقيق كيف جندوا وجهزوا في بغداد أفراد لاغتيال السياسيين العراقيين في القاهرة وقد أوهموهم أولا أن مهمتهم اغتيال (الرئيس الأمريكي نيكسون)ولما وصلوا إلى القاهرة تبدلت الخطة وكلفوا باغتيال العراقيين.

وهكذا نجا كل المستهدفين،وجاء ي اعتراف احد المكلفين باغتيال السيد الحصونه    ما يلي : (افهمنا الضابط شامل الصفار الملازم المسئول عن العملية أن اللواء الحميد الذي سنغتاله هو عنصر رجعي ، وضد الحزب الحاكم ،وشخص طائفي،ويريد إسقاط حكم العراق…ودخلوا في دماغنا انه منظم للسعودية وللكويت وللأردن وبذل العراق جهودا كبيرة من اجل الحصول على المجموعة التى اعتقلت،وأرسل بعض المحامين الى القاهرة ولم يفلحوا في إطلاق سراح المعتقلين ، وأخيرا جاء صدام حسين بنفسه الى القاهرة وعقد(صفقه) استطاع بها أن يصطحب معه في القاهرة كل المجموعة الأمنية التى فشلت في تنفيذ عمليات الاغتيال،وفي العراق تم تصفية كل عنصر أمنى اعترف وكشف المخطط وظهر على التليفزيون المصري.

كان السيد الحصونة محط الأنظار سواء من قبل السلطة الحاكمة أو خارجها ليس باعتباره ضابط زى رتبة كبيرة فحسب بل لأنة ينتمي الى عائلة كبيرة لها نفوذها وأثرها ويحسب حسابها ولها علاقاتها مع العشائر الأخري الذي يكون لموقفها (المؤيد أو المعارض) شأن المجتمع العراقي والشارع العراقي وانعكاسه على السلطة الحاكمة  وقد مر بنا انه اعتقل سنة1963لمجرد الخوف منه ومن نفوذه وحتى بعد إطلاق سراحه ظل تحت المراقبة في حل وترحاله..ومر أيضا اتهام عبد السلام عارف بأنه وبالاشتراك مع السيد محسن الحكيم يدبران مؤامرة ضد حكمه  كما أن بعض المشتغلين بالسياسة أغراهم وضع الحصونه الاجتماعي والعسكري وأرادوا الزج به في عالم السياسة ولكنة رفض ذلك وابتعد تماما عن الانخراط بأي عمل عام بعد موت المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي.

كان السيد الحصونة مخلصا لأصدقائه ويرعى للصداقة حقها فبرغم خلافة مع عبد الكريم قاسم وما تحمل من علاقته به من تبعات إلا انه رفض أن يشترك في عمل انقلابي ضده وكان الحصونه يومئذ يملك من القوة العسكرية الضاربة ما يمكنه من نجاح الانقلاب،فقد لجأ إلية بعض العسكريين والمدنيين بعد ان ساءت أحوال العراق واضطربت الأمور وطلبوا منه ان يتقدمهم للإحاطة بعبد الكريم قاسم فأجابهم بالرفض القاطع قائلا (أن أخلاقي لا تسمح لي بالخيانة) .. وصرح لي مرارا عن مدي حبه (للأكراد)لأنهم (أصدقاء أوفياء)وكثيرا ما كان يعتز بصداقته إلى (لطيف)ابن الشيخ محمود الحفيد وبأخيه باب على.

كان صريحا ولا يخفي شيئا وما في قبله يظهر على لسانه،ويكره ان يعمل في السر…ويذكر انه كان في زيارة للسيد محسن الحكيم وكان معه السيد محمد على كمونه(رئيس بلديه النجف) ووجدا عند السيد الحكيم وفدا من شيوخ العشائر ومنهم(الشيخ حبيب الخيزران شيخ قبيلة العزة) ويحثون السيد الحكيم على التجاوب مع مطالبتهم تجاه الحكومة فاعترض السيد الحصونة طالبا من الشيوخ عدم الزج بالسيد الحكيم ومركزة في الأمور السياسية ليظل رمزا وملاذا فامتعضوا من تدخله وصراحته،وما ان غادروا المنزل حتى قبله السيد(كمونه) وشكره على موقفه لأنه خلص السيد الحكيم من الإحراج …وكان يحلم بحكم ديمقراطي وبانتخابات وأحزاب وصحف حرة وحكومة تخضع للمساءلة وكان يقول (أن كل امالى أن أكون صاحب صحيفة او عضو في البرلمان)…انه يحب العمل في النور ويكره العمل تحت الأرض او في (السراديب)…وكان كثير الاعتزاز( بعراقيته) وقد غصب عندما ما فعله يوم ان كان قائد الفرقة الأولى لن باخرتين تجاريتين أمريكيتين دخلتا الى ميناء(عبادان) بدون أن تأخدا دليلا عراقيا خلافا للاتفاقية المبرمة بين العراق وإيران،وانذر السفينتين بعدم الخروج من الميناء…وحدثت أزمة سياسية بين العراق وإيران كادت ان تؤدى الى الاصطدام ..وتم حل المشكلة بان أعلنت إيران أنها قد اشترت السفينتين وضمتا على الى الأسطول الايرانى  كما غضبت أيضا وبشدة وعندما سمع وهو في مصر سنة1969 أن إيران ألغت معاهدة سنة 1937 من جانب واحد وأمرت سفنها التجارية المارة بشط العرب بان ترفع العلم الايرانى مستخدمة أدلاء إيرانيين فقط والاستغناء عن الأدلاء العراقيين كما تقضى المعاهدة المذكورة فكتب رسالة مطوله الى قائد الفرقة الأولى  وكان يومها (عمر هزاع العلي) بتاريخ           4/5/  1969وكان عنوان الرسالة (ان شط العرب أمانة الله والوطن في رقبتك…)         هذا في الوقت الذى كانت فيه الحكومة العراقية تخطط من اجل استدراجه وجلبه الى العراق لتصفيته … كما مر معنا سابقا .

كان شديد الاعتداد بعروبته وبوطنه العربي … وكان كثير الإطناب والثناء على الملك فيصل الأول لانه (بانى مجد العراق) وهو الذي حافظ على عروبة ووحدة العراق  وبابنه الملك غازي (الوطني الغيور) .. ومن شدة حبة للعروبة واعتزازه بتاريخ وأمجاد العرب سمي أبناءه الثلاثة بأسماء عربية ، فأبنه الأكبر (أياد) وأبنه الأوسط (انمار) وأبنه الأصغر (مضر) وكانه يحاكى مباهاة (الفرزدق) (لجرير)           حينما قال :

أولئك ابائي فجئتني بمثلهم

                                          إذا جمعتنا يا جرير المجاميع

كان يحفظ الكثير من القصص وأيام العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام كان يحب الناس ومتواضعا إلى ابعد الحدود…

ولد في الناصرية سنة1915بمنطقة عشائر الحصونه التى هي من عشائر المنتفك  وتوفي في الشهر السادس سنة 1986في لندن ونقل جثمانه الى العراق حيث دفن في تراب الوطن الذي أحبه واخلص له..

 رحمه الله