الكتابة السومرية أ.د. زهير صاحب(*)

 

أ- مقدمة في رمزية الخطاب السومري:
في حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وعلى ارض سومر (المبجلة). جلس أول تلميذ على (دكة) من اللبن لتلقي المعرفة، ووقف أول (معلم) في تاريخ المعرفة، ليلقي محاضرة في فلسفة الوجود. انه إبلاغ (رمزي)، يؤطر ماهو زائل، بإطاره الأبدي الخالد، كمظهر للعقل والتفكير. نوع من أعادة صياغة الطبيعة في جوهرها وماهيتها، وذلك بتحليل عناصر الصور المرئية، بغية تفعيل قوة التعبير الكامن في الذات المتفلسفة وبالتالي اسقاط الذات على الطبيعة والإنسان. فكان الفكر رمزياً كونه يعيد بنيته بالأشكال الرمزية، وتركيبياً كونه يشيد هذه الاشكال بوساطة (العلامات)، ويشكل نظام (رياضي) يعرض ذاتهِ كأنظمة أشكال معرفية متحررة من محدودية القيود الحسية.
ان الفكر السومري (الإبداعي)، وهو يؤسس انظمتهِ الأولى في تاريخ الإنسانية، كان يَستلم (خطاب) البيئة المعلن بفعل المحسوسات، ويؤولها إلى منظومة دلالية في بنيتهِ. وهي بمثابة تقابلات صورية، مكثفة بأشكال رمزية أو (دوال) علامية. وعلى هذا النحو، تحولت الظواهر إلى رموز ومفاهيم، هي بمثابة تكثيف للأفكار خطاب التشكيل. وهذا هو التفسير (العقلاني)، باتجاه خلق موازنة، بين الإحساس الداخلي (الذات المنفعلة) وعالم التجربة الخارجي (قراءة الموجودات)، حيث تكون (مُهمّة) التشكيل إدراك هذه الموازنة. ذلك إن صلة التشابه المادية المنظورة، قد تمت الاستعاضة عنها بصلة روحية غير مرئية هي صلة الرمز، حيث ترتقي (المدلولات) فوق الظاهرة الطبيعية المنفردة. وبنوعٍ من التضايف بين المادي والروحي وبين الطبيعي والرمزي.
أن سمة مثل هذه الصور الفكرية الرمزية السومرية، تكمن في عدم وجود توافق، بين المدلول ونمط التمثيل. فلا تمثل الأشكال ذاتها، بما فيها من خصوصية فردية، بل تكون أشارة وتلميحاَ واختزالاَ لمدلولاتها. باعتبارها أنساق علامية، ترتبط بالأفكار والمفاهيم، بآليات وكيفيات تمثيلها. داخل بنية من الخطابات الرمزية المفعمة بالتجريدات والترميزات. طالما إن (الرمز) هنا، ليس مستقلاً قائماً بذاته، وإنما دلالة أي رمز هي في صميمها، دلالة موضوعية تتحد بالسياق الذي تّرد فيه.
وأزاء تغييب محاكاة (تعقيدات) الطبيعة، وجَد الفكر السومري الابداعي، ان بإمكانه قلب العالم الخارجي باتجاه عوالم الفكر الداخلية المغلقة. فمن صفات الفكر والفن العظيمين، انهما يخّبئان في داخليتيهما التوتر والتناقص. فهما لا يصدران من معاناة للوقائع فحسب، بل لابد لهما من عملية تركيب. أنهما يقومان على أعادة بناء العالم في حالتهِ السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعية شيئية الأشياء من دلالة، ألا بقدر تحولاتها لتعكس وضعاً إنسانياً.
لقد كان الشكل الكتابي والتشكيلات السومرية، تتحرك في دائرة ثقافية قوامها الرمز. فهناك المضمون والغاية والمدلول، ومن جهة ثانية، هناك التعبير والتظاهر والواقع، وما بين هذه المظاهر تداخل وتشابك. فماهية الفكر هنا، تميل إلى تمثيل الأشكال في كلياتها، في أشكالها الموحية بالمعنى المرتبط بالشكل. وهنا يمكن أن نصل إلى نوع من الرمزية الواعية في توظيف (مظاهر) الأشكال باتجاه ذائقية الوعي الجمعي. انه الخطاب التشكيلي المتحرر من الطبيعة، ببنية أشكاله الجوهرية الخالصة. هذا التحقق التاريخي لعالم (المُثل) بوعي الجمال الروحي في اللانهائية المتحققة بإبلاغات التشكيل نحو (المطلق)، هو فلسفة الفكر السومري برمتهِ.
ب_ أنظمة الكتابة السومرية:
حققت الحضارة السومرية في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد قفزة معرفية من النوع الكوبرنيكي، وأسست أول مجتمع متحضر في التاريخ، مؤسسة تاريخها من خلال نشاط حركة الأفكار المتحولة والمتجددة بشكل متسارع، ملئ بالمستجدات والإبداعات. ففي مدينة الوركاء جاء اختراع الكتابة ليعلم البشرية (الحرف)، وبقدر ما يمثله اختراع الكتابة من انتصار معرفي عظيم، أذ حفظ تاريخ الإنسانية من الضياع. فأن في بنيتها نظاماً من العلاقات الجمالية، بصدد (تسطيرها) وانتظام خطوطها، وتقنيات حفرها، وتناسقها. أنها التفعيل الأول للفكر الإنساني، حين حفر على الطين – مادة الخلق الأولى – ذاته حفراً، وحتى أعمق مناطق الروح.
وفي مدلولات العلامات السومرية، تشتغل العلامة كبنية (دال)، في منطقة المتخيل، خارج مساحة التكوينات العينية، باعتبارها تقدم تفسيراً حدسياً للامرئيات بقوالب المرئيات. ذلك أن (العلاقة) الكتابية تشبه ذاتها في القصدية الطبيعية، لكنها خارج حضورها الواقعي كبنية (مدلول) فهي عبارة عن تلخيص للدلالات التي تمثلها. والتي تشفر عن مغزى دلالي كامن خلفها (تحت النص) في مدلولاتها في بنية مفاهيم الفكر الاجتماعي. ومن هنا أكتسبت (كونيتها) وبدت كمفاهيم ازلية الحيوية.
كان المعبد السومري، باعتباره اهم ركائز المؤسسة الدينية، حيزاً مكانياً ذي دلالة قدسية، تفوق كثيراً حضوره المرئي. مكتسباً حضوره القدسي بفعل حلول الروحي فيه حلولاً. وهكذا قد لا يقلّ الفكر السومري نجاحاً عن الفكر الحديث بهذا الصدد، ألا أن بنية النظام السومري لا تقرر بالمقاييس الموضوعية، بل بادراك عاطفي (حدسي) للقيم. الأمر الذي فَعّلَ سيطرة المعبد على
معظم الفعاليات الاجتماعية، وغدى المعتقد الديني كحقيقة تفرض نفسها على العقول، لها صفة الفضيلة الآمرة. وبفعل هذه الهيمنة المعبدية، جاء اختراع الكتابة في بؤرتهِ، وقد وصفها المرحوم (طه باقر): \”بأنها كانت كتابة صورية، تعتمد على تمثيل صور الأشياء المراد كتابتها\” (طه باقر، 1973، ص 241).
ويبدو منطقياً، أن يقع الفكر في بدايتهِ، تحت هيمنة المحسوسات والتمثلات التي تؤسسها المرئيات في مراحلهِ الأولى. قبل ان يؤسس تحولاته الكيفية نحو الحدوس، والتي تختزل بموجبها التفاصيل، الى مفاهيم مجردة.
كان تحقيق (الدلالة) في نظام الكتابة الصورية، يتكون من ثلاث جزئيات: الشئ المشار أليه وهو المعنى، والإشارة وهي الإشارة الكتابية، والتشابه المفترض بين الاثنين. وقد كان التشابه مهماً في بنية النظام الكتابي الصوري الأول. ذلك أن المعرفة في زمانها ومكانها، يصعب التأكد من صحتها، دون رابطة حقيقية بين الإشارة والمشار إليه.
وان التعبير في الكتابة الصورية، لا يتظافر ألا بعقد صلة الارتباط الحيوية، بين المضمون والشكل الذي ينظمه ويُظهره، حيث يدعم كل منهما الأخر، داخل كلٍ مترابط هو البنية الكلية للنص المكتوب. (فماهية) الكتابة هنا، تعيش في محيط ذو مدلولات ومفاهيم ثقافية اجتماعية، تتبادل معها الأثر والتأثير بطريقة دينامية متفاعلة، من خلال إطار نوعي اكتسب مضمونه من الخارج، وهو مرتبط بالحالة العامة للتفكير، باعتباره مرجع تسترشد به الجماعة، باعتباره خطاباً تداولياً، ليصبح في النهاية، حصيلة الفكر الحضاري الذي تبثه الجماعة للأجيال القادمة.
وكأي اختراع، يبدو في البداية بسيطاً رغم كونه انتصاراً، ومن ثم يخضع لمفهوم التطور، بفعل تعاظم الخبرة المستندة الى التجريب. حيث أعقبت الكتابة الرمزية مرحلة الكتابة الصورية، ليتعاظم هرم المعرفة، في مرحلتهِ النهائية بالكتابة الصوتية _ المقطعية، المستندة إلى اصوات المقاطع في كتابة الكلمات. وذلك (لعَمري) أعظم نصر فكري في تاريخ المعرفة.
ففي المرحلة الرمزية، وَجَد الفكر أن صلة (الشبه) المادية المنظورة، غير كافية لتدوين شتى (الأفعال) المجازية. فاستعاض عنها بصلة روحية غير مرئية هي صلة الرمز، حيث تتجسد قيمة الرمز الجوهرية الروحية،بالتحول من الفردية نحو التعميم المطلق.
ذلك أن (العلامة) الكتابية في طورها الرمزي، مّفرغة تماماً من وجودها المادي، ورّحلة بفعل ضغوط البنية الفكرية العميقة إلى منطقة (تتوسط) الشعور واللاشعور، حيث التحرر من قيود السطحية والمباشرة، سعياً لتأكيد وجود حقيقي وجوهي. فالرمز (الكتابي) يحمل معنى أكثر تحديداً من الشي الذي يرمز إليه، فيستفيد الشي المرموز إليه من المعادلة، ويحصل على (مدلولات) جديدة أكثر تحديدا من الرموز إليه أصلاً. فالشيء هو معنى أشارتهِ، بيد إن الرمز هو معنى شيئهِ.
وبفعل تداول هذه الرموز الكتابية في ذهن الجماعة، بفعل استمرار الممارسة والفهم. ان غدت هذه الرموز حقيقة اصطلاحية، لا تتطلب استغراقاً ذهنياً من قبل الفرد و الجماعة في استيعاب دلالاتها، باعتبارها أداة تواصل، بوساطة ضرب من التناغم في الفهم، وقد وجد مدلولاته بشكل (تمثلات) ذهنية ثابتة.
وفي المرحلة المقطعية – الصوتية، اكتسبت الكتابة تماسكها الداخلي المنُظم والخاص بها. فام تعد الكتابة تتكون فقط، من ممثلات و أصوات تقوم بدورها بتمثيل الممثلات. بل أنها ألان تتركب من عناصر شكلية تنتظم داخل نسق خاص، يفرض على الأصوات و المقاطع تنظيماً ليس (تمثيلياً). أي أن الكتابة تحولت من وسيط تمثل فية الكلمات الأشياء التي تشير إليها دون زيادة أو نقصان، إلى أنساق خاصة تكتسب دلالاتها من علاقاتها الداخلية كل منها بالأخر. فالعملية ليست تمثيل الكتابة لأشياء موجودة – في تطورها الأعلى – لكن النقيض هو الصحيح.

(*) أستاذ الآثار في جامعة بغداد، أستاذ الفن العراقي القديم، أكاديمية الفنون الجميلة.