قصة اكتشاف درة تاج حضارة وادي الرافدين «ملحمة جلجامش» د. أكرم محمد عبد كسار(*)

تشكل ملحمة جلجامش أقدم وأجمل وأكبر نص شعري تمّ اكتشافه في العالم القديم، والتي تعتبر درة تاج حضارة وادي الرافدين، وهي تمثل أولى الملاحم البطولية التي تركت بصماتها الواضحة على الملاحم التي جاءت من بعدها بآلاف السنين، علماً بأنه لا نظير لها بأي لغة قديمة عرفتها منطقة الشرق الاوسط، وقد أثارت اهتماماً كبيراً في العالم الغربي منذ اكتشافها، ومع أنها دونت قبل 4000 عام وترجع حقبة حوادثها إلى أزمان أخرى أبعد، فإنها في مجالها ومداها وأغراضها والمشكلة التي عالجتها وقوة شاعريتها كل ذلك يجعلها من الآداب العالمية الشهيرة، ذات جاذبية إنسانية خالدة في جميع الأزمان والأمكنة، لأنّ القضايا التي أثارتها وعالجتها لا تزال تشغل الإنسان وتفكيره وتؤثر في حياته العاطفية والفكرية، وأنها عالجت قضايا إنسانية عامة مثل مشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت، والخلود، ومثلت تمثيلا ً بارعاً مؤثراً ذلك الصراع الأزلي بين الموت والفناء المقدرين وبين إرادة الإنسان المغلوبة المقهورة في محاولتها التشبث بالوجود والبقاء والسعي وراء وسيلة للخلود ولكنها برهنت بأسلوب مؤثر على حتمية الموت على البشر.
اكتشفت معظم مواد الملحمة التي تتكون من اثنتي عشرة لوحة تشتمل كل منها على ما يقرب من ثلاث مائة سطر باستثناء اللوحة الثانية عشرة التي تصل الى أقل من نصف هذا العدد من قبل أوستن
Layard .Austan H وهرمز رسام Hormuzd Rassam وجورج سميثGeorge Smith بحدود منتصف القرن التاسع عشر الميلادي من خلال الحفريات التي تمت في آخر العواصم الآشورية نينوى في مكتبة معبد الإله نابو ومكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال (668 ـ 627 ق.م)، ومنذ ذلك التاريخ اكتشفت عدّة نصوص مسمارية تتصل بهذه الملحمة، وفي مطلع القرن العشرين اشترى برونو مايسنر Bruno Meissner كسر كثيرة من تاجر في بغداد تتصل بالملحمة تم العثور عليها في سبار (أبو حبة الآن) وهي تشتمل على جزء كبير من اللوحة العاشرة. وفي عام 1914م اشترت جامعة بنسلفانيا من تاجر عاديات مجموعة كبيرة من الكسر، وهي تكوّن ستة ألواح تشتمل على اللوحة الثانية البابلية. وفي نفس الوقت اقتنت جامعة ييل Yale شراء لوحة تكمل ما حصلت عليه جامعة بنسلفانيا، وتكمل اللوحة الثالثة. وفي نفس العام (1914م) وجدت البعثة الألمانية في آشور إحدى العواصم الآشورية كمية من الكسر للنسخة الآشورية، تشتمل على اللوحة السادسة، وفي عام 1928 ـ 1929م اكتشف الأثريون الألمان في اوروك (الوركاء الآن) قطعتين صغيرتين تنتميان للوحة الرابعة، كما اكتشفت عدة كسر صغيرة باللغة السومرية لها في ركام مدينة نيبور(نفر الآن) ومدينة كيش ومدينة اُور، وتوالت الاكتشافات وهذه المرة خارج بلاد وادي الرافدين وتحديداً في تركيا وفي مدينة خاتوساس الحيثية (بوغاز كوى الآن) عاصمة الحيثيين القديمة والتي أسفرت عن كسر لقطع بابلية صغيرة تشتمل على ترجمة مختصرة للوحة الخامسة والسادسة وبعض القطع باللغة الحورية.
وأول دراسة قدمت كانت من قبل جورج سميث بعد ترتيب وترجمة لما تمّ اكتشافه في نينوى وقرأها في 3/12/1872م أمام جمعية آثار الكتاب المقدس وتحت عنوان التفسير الكلداني للطوفان وقدم ترجمة ومناقشة لعدد من الكسر الصغيرة الخاصة بملحمة جلجامش وبخاصة الجزء المتعلق بالفيضان مما خلق اهتماماً شديداً بالدراسات المسمارية في أوربا، وقد أشار سير هنري رولنصون
Henry Rawlinson إلى احتمال أن يكون ما وجد في سفر التكوين يرجع إلى أصول بابلية. وقام بالترجمة والنشر أيضاً فوكس تالبوت Fox Talbot وبسكوف Chod Boscowen.St ولينورمنت Francois Lenormant . وفي عام 1875م نشر هنري رولنصون وجورج سميث الالواح من السادسة إلى الحادية عشرة ثم أعيد نشرها عام 1891م وحل بنش Pinches.G .T محل جورج سميث. وفي عام 1885م نشر Delizch في النصوص الآشورية نص اللوح الحادي عشر ثم طبعة كاملة من باول هاوبت Paul Hauptعام 1884-1891م تحت عنوان ملحمة النمرود البابلية (وكان يطلق على جلجامش اسم النمرود اعتماداً على سفر التكوين 10/8-10 دون ما يثبت ذلك)، ونشر ياسترو Jastrow ترجمة في “ديانة بابل وآشور” عام 1905 – 1912م وكذلك ارنولت Arnolt .Muss عام 1901م في مجلة الأدب البابلي والآشوري، ثم ظهر بعد ذلك ترجمة بيتر ينسن Peter Jensen التي قدمها مع الكتابة بالحروف اللاتينية لنصوص الملحمة المعروفة آنذاك مع شرح تفصيلي وتعليق عليها في مجلة أساطير وملاحم آشورية وبابلية ويعد هذا العمل خطوة واسعة بالنسبة لكل الأعمال السابقة، وما زال يشتمل على معلومات يعتد بها حتى الآن. ثم ظهرت بعد ذلك ترجمة بيتر ينسن Jensen Peter التي قدمها مع الكتابة بالحروف اللاتينية لنصوص الملحمة المعروفة آنذاك مع شرح تفصيلي وتعليق عليها في مجلة أساطير وملاحم آشورية وبابلية ويعد هذا العمل خطوة واسعة بالنسبة لكل الأعمال السابقة، وما زال يشتمل على معلومات يعتد بها حتى الآن، وظهر عام 1902م النص الذي قدمه مايسنر Meissner للملحمة وترجمة Dhorme عام 1907م، وظهرت كسرة جديدة من النص الآشوري نشرها كنج King عام 1914م، ومن الأعمال الهامة في هذه الأيام المبكرة التي تترجم ملحمة جلجامش ما قدمه العالمان آرثر اونجناد ngnadU Arthur و هوجو Hugo عام 1911م بعنوان ملحمة جلجامش وهي تشتمل على ترجمة للملحمة ومناقشة تفصيلية لمحتوياتها، وظهر لوحان آخران (الثاني والثالث) الثاني بملحوظات بويبل وأعاد ياسترو Jastrow layC طبعه، ثم ظهرت نسخة من الملحمة باللغة السومرية بواسطة زمرن Zimmern تشتمل على أسماء Poebel جلجامش وعشتار وانكيدو وذلك في عام 1913م ، وثمة كسر اخرى مشابهة عن الطوفان تحكي قصة الطوفان في البابلية القديمة لا تتصل بالطوفان وتذكر بطله باسم اتراحاسيس (في الكتب السماوية تحت اسم نوح)، وفي عام 1930م قدم كامبل تومبسونThompson Campbell. R مثل في وقتها أحدث طبعة بالخط المسماري للنص وتحت عنوان ملحمة جلجامش والمنشورة في اكسفورد، وهو لا يقدم النص المسماري للنسخة الآشورية فحسب، بل يقدم أيضا النص مكتوباً بالحروف اللاتينية لكل ما عثر عليه من نصوص عن جلجامش والمعروفة في وقته، وكل ما قدم بعد ذلك من ترجمات للنص اعتمدت على هذا النص الذي قدمه تومبسون مالم ينص المترجم خلاف ذلك، وتتوالى بعد ذلك الترجمات.
وفي عام 1928م وجد المنقبون الألمان في الوركاء قطعتين كبيرتين تعودان إلى نص اللوح الرابع، ويرجع زمنها الى القرن السادس قبل الميلاد، ووجدت كسرتان من تنقيبات مديرية الآثار العامة في تل حرمل (1945- 1960م) تعودان الى الملحمة، ووجد عام 1951م نصوص من الملحمة في الموضع المسمى سلطان تبه في جنوب تركيا قرب حران، وفي عام1958م نشرت نصوص من الملحمة تعود للعهد البابلي الحديث، كما عثر لأول مرة على كسر تعود للملحمة في مجدو بفلسطين، وتعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كما وردت رواية قصيرة عن الطوفان وردت في النصوص المسمارية المكتشفة في اوغاريت القديمة (راس شمرا بالقرب من اللاذقية)، وعثرت البعثة الألمانية للتنقيب في الوركاء موسم عام 1973 – 1974م على كسر من نصوص الملحمة، ومن الترجمات التي ترجمت لها الملحمة وبلغات مختلفة والتي تشير الى قيمتها ومكانتها في الفكر العالمي ومن هذه الترجمات التي تم تقديمها بعد أن استكملت الألواح لتصل الى اثنتي عشر لوحاً:
اللغةالالمانية:
Erich Ebeling in Gressnam’s Alt Orientalische Texte zum Alten Testament(1926)
Tseretheli:Gilgameshiani(1924).
Erich Ebeling in Gressnam’s Alt Orientalische Texte zum Alten Testament(1926).
اللغة الإنكليزية: .
C.Thompson:The Epic of Gilgamesh(London,1928)
اللغة الإنكليزية:
C.Thompson:The Epic of Gilgamesh(1930).
اللغة الالمانية:
Schott:Das Gilgamesh Epos(Leiozig,1934).
اللغة الفرنسية:
G.Gontenau:L’Epopee de Gilgamesh(1939).
اللغة الدنمركية:
Salonen:Gilgamesh-Epos(Helsinki,1943). Alexander Heidel:The Gilgamesh Epic and Old Testament Parallels(1949). Speiser in James B.Pritchard:The Ancient Near Eastern Texts(1950).
اللغة الهولندية:
H.Kriuningen:Zondvloed en Levenskruid(Amsterdam,1955).
اللغة البلجيكية:
L.Matoush:Epos Gilgameshovi(Praha,1958). Furlan اللغة الايطالية: G.Furlani:Miti babilonesi e assiri(Florence,1958).
اللغة الانكليزية:
N.K.Sandars:The Epic of Gilgamesh(Penguin Book,1960).
اللغة الروسية:
J.M.Djakanoff:Epic of Gilgamesh(1962).
ومن الترجمات العربية
1 ـ طه باقر: ملحمة جلجامش وقصص أخرى عن جلجامش والطوفان (ستة طبعات منذ عام 1961 وحتى عام2001 بين بغداد ودمشق).
2 ـ م.م. دياكونوف و ب،س. ترافيموف:جماليات ملحمة جلجامش، ترجمة عزيز حداد (بغداد،1973).
3 ـ حازم سعيد أحمد: جلجامش. في مجلة الكتاب البغدادية وبأعداد مختلفة (بغداد عامي 1974 و 1975).
4 ـ يوسف أمين القصير: جلجامش في العالم السفلي. مسرحية شعرية (بغداد 1973).
5 ـ عبد الحق فاضل: هو الذي رأى. منظومة شعرية (بغداد1975).
6 ـ د. سامي سعيد الأحمد: ملحمة جلجامش (بيروت1984).
7 ـ فراس السواح: جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة (دمشق 1996).

(*) رئيس الجامعة الحرة في هولندا، أستاذ الآثار والتاريخ والحضارة.