السيد محمد رضا الصافي (1879 – 1942) حميد المطبعي

 

 

 

 

 

عالم فقيه متحدث شاعر، وكان في مقدمة أعلام الجهاد في مقاومة السلطات العثمانية والاحتلال الانكليزي، وهو في الطليعة لتأسيس الاحزاب الوطنية أثناء وضع اللمسات الاولى لبناء الدولة العراقية الحديثة ونشوئها في الثلث الاول من القرن العشرين وهو عميد الأسرة العلوية (آل الصافي) في النجف، وفي ظلالها أنتج ذرية طاهرة الجذور واصلت الكفاح الوطني في سبيل عراق قومي الخطى قوي الإرادة شامخ الرأس.. ! 

 

ولد في النجف، هو السيد محمد رضا بن السيد علي بن السيد (صافي) بن السيد جاسم.. ويستمر نسبه حتى يتواشج مع جده الأعلى الإمام موسى الكاظم، فهم في عرف الوثائق العلوية عائلة موسوية نزح أحد أجدادهم من الحجاز الى البصرة وسكن في إحدى محلاتها وهي: (بجيلة) ولقب أولاده بلقب (البجيلي) وقام أحد أحفادهم وهو (السيد أحمد البجيلي) بالهجرة الى النجف لتحصيل الدرس الفقهي في جامعتها العلمية ودرس وتلمذ لأشهر علماء الفقه والأصول والحكمة وكان ذلك في حدود الثلثية الاولى من القرن الحادي عشر الهجري وتدلنا اجازته العلمية على اجتهاده في المسألة الفقهية وبراعته في الأحكام الشرعية واعقب عددا من الاولاد ومن ابرزهم: العلامة عبد العزيز البجيلي الذي تقدمه وثائق التاريخ النجفي عالما متبحرا في علمه وكان نسابة يضطلع بانساب العلويين وتشجير اسرهم بالتثبت النسبي ووثوقيته وترك كتابا في النسب خطيا بعنوان (حدائق النسب) اصبح مرجعا لمن ألف في الأسر العلوية وبعد وفاته سمي بيته (بيت عبد العزيز) فعرفت اسرته في كتب المؤرخين بأسرة (السيد عبد العزيز) دليلا على شهرته وعلو منزلته العلمية في زمانه ثم جاء زمن على بيته فنبع فيه احد احفاده وهو (السيد الصافي) الذي تألق في اجتهاده العلمي وفي مرجعيته الفقهية وقد اعقب ولدين كان لهما شأن موثق في كتب الاعلام هما: (السيد محمد والسيد علي).. ولأن والدهما السيد (الصافي) بقي اقوى منهما شهرة في العلم فقد اطلق الناس على اسرتهم لقب (الصافي) ومن علي ظهر السيد محمد رضا الصافي.. الذي وجد في لقبه هذا خير امتداد لتاريخهم العلمي، فعمل على ابقائه حيا متدفقا في اصالته، وثمة عدة أسر تنتشر في العراق وهي تحمل لقب الصافي وليس كلهم ينتمون الى عمود نسب واحد فأي منهم أتصل بعمود نسب السيد (أحمد البجيلي) بحسب تسلسله الذري فهو من أسرة السيد محمد رضا الصافي… !

وفي الثانية عشرة من عمره لبس العمة.. رمز العلم، وقرأ على رجال العلم مبادئ الشرع، وفي عشرينياته انتقل الى حضرة العلامة طه نجف، فأتقن دروسه الفقهية وأجيز فيها، وكان في الوقت ذاته يجلس بقرب كرسي العلامة حسين الحمامي، ويستمد منه الاصول، وأجيز فيها، ثم تعلم الشعر في المجالس الادبية، وتميز بشعره الذي يزخر بالدفق الوطني، ونشر بعضا منه في الدوريات النجفية وفي المجلات اللبنانية وقام البحاثة (علي الخاقاني) بنشر اضمامة من قصائده في موسوعته (شعراء الغري) في اواسط الخمسينات.. 

وفي الحرب العالمية الاولى احتل الانكليز مدينة البصرة، ونهض السيد الصافي باعباء دوره الوطني وشرع يحث رجال الاجتهاد العلمي على مقاومة الغزو البريطاني وأصطف في مقدمة موكب الجهاد على فرس وفي يده السيف، وبقيادة المجاهد محمد سعيد الحبوبي ابحر موكبهم الى (الشعيبة) في البصرة وهناك دارت واقعة الجهاد لمقاتلة الغزاة وادى دوره بشرف وعاد الى النجف والشعلة الوطنية ما زالت تتقد في اعماقه بل تصاعدت وطنيته في طرد المحتلين الانكليز بخطبه على العشائر وفي مجالس الادب وينضم الى جمعية (النهضة الاسلامية) سنة 1918 وهي الجمعية التي مثلت دماغ الثورة على قتال الانكليز والتي خططت لقتل الحاكم البريطاني في النجف (مارشال) وتتسع شرارة الثورة في الفرات الاوسط ويهيىء السيد الصافي بيته ويجعله مقرا دائما لقادة الثورة فهو اول عالم من النجف دعا الى بيته مشايخ الفرات: علوان الياسري وعبد الواحد سكر ومحمد العبطان وقال لهم (ثوروا فالانكليز كفار). 

وجميعهم اشعل فتيل ثورة العشرين في الفرات الاوسط، وفي مجموعة وثائق الثورة يبدو السيد الصافي احد قادة رسموا منهج ثورة العشرين..!

وعلى اثر تضعضع جبهات الثورة العراقية، زج السيد الصافي في سجن الكوفة وحكم بالاعدام وخفف الى السجن، ونقل الى سجن الحلة مع كوكبة المجاهدين ولم تحبط مشاعره العلوية فأخذ يخفف من معاناة الثائرين بتأليفه شعرا في الحماسة وشعرا في مواصلة الجهاد بعضه منشور وبعضه محفوظ لدى اسرته وجميعه يمثل وثيقة آرخ فيها جانبا مهما من جوانب ثورة العشرين…! 

وعرضت عليه مناصب في الادارة والقضاء ورفضها كرها في الاغراء المصطنع لكنه لم يكره الانضمام الى جبهة الاحزاب الوطنية، فانتسب الى الحزب الوطني 1922 قائلا لرئيسه جعفر أبو التمن: (أجعلوني مؤازرا لا موظفا..) وفي عام 1930 زاره في بيته ياسين الهاشمي ومعه رشيد عالي الكيلاني، وقالا له: (كن معنا في تأسيس حزب الاخاء الوطني..) فوافق مبتسما ومشترطا: (ان لا يكون وزيرا في حكومتهم..) ودأب على هذا المنهج المستقيم حرا بلا سقوف ومرشدا دون مواعظ وعقلا وطنيا خالصا انقى من الكراسي جميعها..!