السيد محمود الحبوبي الشاعر الذي عاش محمودا ومات محمودا                                                         محسن عبد الكريم

 

الرجل الذي عرف الشعر فقال: هو كل ماترسله النفس الشاعرة عفو الخواطر بلا تكلف ولااجهاد ولاتزويق 0 واعتبر الشعر مجموعة من أخلية وأحاسيس انه الشاعر السيد محمود بن السيد حسين بن السيد محمود بن السيد قاسم الحبوبي الذي ولد في دو حة الشعر النجف الاشرف عام 1906م ونشأ في كنف أبيه يتردد اولا عند الكتاتيب ومن ثم المدرسة العلوية الابتدائية عام 1912م درس علوم الشريعة الاسلامية واللغة العربية على يد ابن عم له والشيخ حسين الحلي والسيد محمد سعيد الحكيم 0 ثم درس الادب العربي واتجه نحو قرض الشعر سنة 1924م 0 كان يصف الشاعر الذي يوزع ابتساماته على ما حوله  من روعة وجمال ويغضب ويثور على مايشاهد من ظلم وأعتداء 0 كان المساهم الرئيسي في تأسيس جمعية الرابطة العلمية الادبية في النجف عام 1932م وانتخب عضوا أداريا فيها وتولى سكرتاريتها بعد الشاعر صالح الجعفري مدة خمسة عشر عاما 0 كان من المجددين وكان يصبوا نحو شعر حقيقي معبر عن أمال وتطلعات مجتمعه في تلك السنيين وان له رأي في السيرة الشعرية آنذاك بالرغم من وجود عمالقة الشعر فيقول

   هذي نواد خلت من اهلها           تلقى الجموع بوجه جد مكتئب

   بيت من الشعر فيه حكمت خلدت  أغلى وأثمن من بيت من الذهب

   ورب قافية أصغى الوقور لها      سمعا فهزته منه خفت الطــرب

   لاشعرالا الذي هاجته عاطفة       فجأء عفوا بلا جهد ولاتعــــــب

   خذوا لكم غير نظم الشعر مهزلة   أن كان لابد للأطفال من لعـــب

لقب (شاعر الشعراء)و(شاعر الموشحات)و(شاعر الحياة)0 غادر الحبوبي مع افراد اسرته سنة 1947م الى بغداد واستوطن ناحية الاعظمية مدة خمسة سنوات ثم ضاحية الكرادة الشرقية فكان يتردد دائما على مجلس الشيخ محمد رضا الشبيبي وهناك انضم الى(اتحاد الادباء العراقيين)منذ تأسيسه عام 1959م وانتخب عضوا أداريا حتى عام 1963م وهو العام الذي حل فيه الاتحاد 0تعرف في بغداد على اسرة ( الشعرباف) وأتخذ من مجلسها ملتقى أدبيا , كان يبث هموم ابناء جلدته وقدرته الشعرية التي تطورت فيما بعد وسميت (ندوة الشعرباف) وظل فيها حتى وفاة صاحبها عام 1963م0

في فجر يوم الخميس الاول من أيار عام 1969م الموافق 14 صفر عام 1389 هجرية توفى شاعرنا السيد محمود الحبوبي عن عمر ناهز الثلاث والستين عاما ودفن في مقبرة ابن عمه السيد محمد سعيد الحبوبي في النجف الصحن الحيدري مقابل أيوان  ميزاب الذهب 00لم يشغل طيلة حياته أية وظيفة حكومية 0

اعطى شعره حق كل جانب من جواني الحياة فتغنى للعراق ولبغداد وللمرأة العراقية وللفقر واجمل ماوصف الليل والقمر 0الاانه كان ديدنه الشعر واستقامته ومهنيته ففي هذه الابيات الشعرية ينقد الادب الكاذب فيقول :

   أرى في عالــم الادب انقلابا          تنال بمثله الامـم الطـــــلابا

   ونحن كما عهدت نحن شوقا        الى ليلى متى نضــت النقابا

   وهاموا بالقصائد دون جدوى       سوى ان يسمعوا الكلم العذبا

   نواد كلما أصـــــــــغى أديب         لما ابتلـــــــى بها زاد أكتئابا

   وناجيت    اليراعة باعتزالي          محافلــــهم , وحادثت الكتابا

وعن العراق يقول بقصيدته بعنوان ( عاش العراق):

   ليت الألى فتنتهم الاحداق            باتوا وهم لبلادهم عشاق

   أنا ان فتنت ياوطني وكم             هزت لذكرك قلبي الاشواق

   غذيت حبك والتمائم في بدي         وألفته , وبجيدي الاطواق

   وأذا أبتغى الخلق الجميل فبغيتي     ان تزهر الادب والاخلاق

   سيما الكرام عليهم كجدودهم         زكت الفروع وطابت الاعراق

وعن بغداد يقول:

   بغداد ياموطن الاملاك من مضر    ماأنصفتك يد الاحداث والغير

   هلا أعدت لنا عصرا مآثرنا         تشع في افقه كالانجم الزهـــر

   أيام كان ملوك الارض يرهبها      توحد الرأي بين الدو والحضر

   وماتزال بأقصى الارض يقلقها     ماجاء عن فتوح العرب من خبر

   بغداد عز علينا ان تزاحمنا          فيك الطغاة ولم تثأر ولم نثــر

   وخائن ليس يدري من وظيفته       الا ليبلغ مايرجوه من وطـــر

   لم يعن الا بأثواب وأربطة           ولمعة في محياه وفي الشعــر

   ليت الذين بنوا هذي القصور لهم    بنو لهم همما للمجد والخطــر

   ان يسلم القصر والساقي وخمرتهم  فالشعب والناس والدنيا الى سقر

وعن المرأة العراقية يقول في قصيدته :

   يا ربة البيت بعد اليوم لاتهني       بالجد عزما كوني كالربى جلدا

   هذا عراقك لم يدفع نوائبه          ان  تحسني الرقص والتعاطف والميدا

   وان تجيدي الهوى لاهية            عمت يعانون فيه الحزن والكمدا

   فيا فتاة العراق استقبلي زمنا       قد جد من فيه للغايات واجتهدا

   يالبوة الرافدين الشعب منتظر      ان تنجبي لضال دونه اسدا

وله في قصة لتلميذ فقير فيصف في قصيدته الفقر فيقول :

   ولدته أمه على حصير بالي        ذات بؤس شقية الآمــــــال

   وفؤاد بكل حزن ملـــــــــىء       ضمن بيت من المسرة خال

   يئست من تطلب الخير كما         أفهمتها الايام معنى المحال

   فنما والحياة ضنت عليـــــه         بسوى الفقروالشقاء والهزال

   وهو بين الاحداث في معهد التدريس هزء الاحداث والاطفـال

   أن تباروا بما عليهم من الابراد    اخفى الجبين بالاسمــــــــال

   صامت تفصح النجابة في عينيه   عن منبت كريــــــــــــم وآل

   خير اعوانه ايراع اذاما الرمح أمسى عون الفتى في النــــــزال

   من(هوميروس)أم من أبو(سقراط) ام من ابو الامام(الغزالــــي)

   لم يكونوا ذو ثراء ولو كانوا لآلت ذكرارهم للــــــــــــــــــــزوال

   يولد الفقر والخلود فهذا ترب هذا منذ العصور الخوالـــــــــــــــي

وقال وهويصف الليل واشعة القمر فيقول :

   يافتنة النفس في حسن وفي أدب      ومشتهى الهائمين السمع والبصر

   غني لنعرف كيف العقل يخلبـه       سحر يشف لنا عن رقة السحــــر

   مذ كان في العود منه بعض نغمته أصبحت ذا شغف بالعود والوتــــــر

   أطالها الله ساعات ببهجتها كنت      المليك وكانت ساعة الظفـــــــــــر

   ولنترك الناس يا(سلمى) وشأنهم     ان راقنا ان نرى صفوا بلا كــــدر

   ولايغب عنك آنا حسن مجلسنا       فليس يلحظنا سوى القمـــــــــــــــر

ولايغيب في بحثنا هذا ملحمة الموشحات الذي اخذ ناصيتها شاعرنا فقد كانت بحق نجوم في سماء الشعر ونشرت في المجلات والصحف اللبنانية والمصرية والعراقية واحتوت على مواضيع شتى من مناحي الحياة واعتبرها البعض صرخة لمناصرة المظلوم وهداية للظالم ويعرض فيا الجوانب الانسانية والوطنية والاخلاقية بذات اسلوب سلس متين فيها يشدوا للفقراء المعدومين والطبقات المضطهدة وضحايا الحروب وكان يتألم من الجبابرة سوى كانوا حكاما او تجارا او رجال دين لقد وقف امامهم يدافع وينقد بموشحاته التي تجاوزت اكثر من (360) موشحة لو شئت ان تسميها قصيدة او قلادة شعرية زينت جيد الشعر العربي ونشرت اول مرة في مجلة الغري النجفية العدد(13)عام 1947 مطلعها:

                 ترنم أيها الشــادي       وردد لحنك العذبا

                 وغازل زهرة الوادي    وأن لم تفهم الحبا

وكان لنشر هذه الملحمة الشعرية الاثر الكبير في الشارع الادبي حيث كتب عنها كبار الشعراء والكتاب من داخل وخارج العراق منه العلامة الشيخ محمد رضا عضو المجمع العلمي العربي في دمشق والكاتب أنيس المقدسي استاذ الادب العربي في جامعة بيروت والاديب حسان حليم دموس /بيروت والمحامي والاديب توفيق الفكيكي  والعلامة محمد سعيد الحكيم والعلامة محمد صادق الصدر والشيخ جعفر محبوبة صاحب كتاب ماضي النجف وحاضرها والدكتور مهدي المخزومي / جامعة بغداد والاديب حسن الجواهري والشيخ محمد الخليلي والشيخ عبد الغني الخضري رئيس جمعية التحرير الثقافي وآخرون اضافة الى ماكتبته صحف ومجلات عام 1947 بحق هذه الرائعة الشعرية في الساعة وصوت السياسة والعرفان والبيان والوطن والجزيرة وأخرى 000

وساتناول مقاطع منتخبة من القصيدة ولكل منحى : ففي الحياة ومباهجها يقول:

    ترنم ماحياة غير       مازادك أفراحـــا

    فليس العمر ماطال     من الالام والحزن

    فعش في الجوغريدا    ودم في الحقل صداحا

    وطر من غصن نضر  متى شئت ال غصن

    وحي السرب من قومك يتلوافي الفضا السربا

ويتحدث في موشحته عن مآسي الحروب فيقول:

    ترنم واترك العالم           يفني بعضه البعضا

    فملء الجو ارواح           وملء القفر أشلاء

    لقد راعوا لسما والبحر      والغابات والارضا

    وما يغنيك من دنياك        الا الحب والمــــــاء

    فرد ماءك رقراقا            هنا والتقط الحبـــــا

ويتحدث في ملحمته يفضح الحكام ويكشف مفاسد المجتمع فيقول

    ترنم وأسال الاقوام          أين الخلق العالي

    وعند الحاكم الجبار         أم عند ذوي الفخر

    أعند الحاكم المحتال        أم عند ذوي المال

    كأن الارض بالناس        على عكس الهدى تجري

    فلا تتوطن الشــــرق        ليهيدك ولا الغربــــا

وهنا يستوقف موشحته لينذر الاستعمار الذي استعمر البلدان فيقول:

    ترنم حيث لابـــاغ           ولامستعمر بــــــاغ

    تحد الفصل يمناه             وعطي الكفن الاخرى

    ويستنزف ماللشعب          من عز واقـــــــــــوات

     فما يبقى به مــــــالا        ولم يترك له فخرا

    ويخشى منه حتى الصل     ان مر به لسبـــــا

للحبوبي اصدارات شعرية منه المطبوعة وغير المطبوعة :

  • ديوان محمود الحبوبي /الجزء الاول من منشورات جمعية الرابطة العلمية الادبيةفي النجف عام 1948قدم الشاعر الحبوبي رحمه الله ديوانه بمقدمة موجزة تحدث فيا عن مذهبه الشعري الذي وصفهبانه مجاراة ماتقتضيه حياتنا الاجتماعية من جهة ومراعاة العواطف من جهة ثانية 0 واحتوى الديوان على مجموعة من القصائد نظمت في مناسبات شتى0
  • رباعيات الحبوبي / الجزء الاول من منشورات مطبعة دار النشر والتأليف عام 1951 تتصدر الرباعيات كلمة اهداء جاء فيها(الى الذين تطلب الامة منهم توجيهها نحو المثل العليا والاخلاق الفاضلة ) تلتها مقدمة الشاعر اوضح فيها( هذه مجموعة من رباعيات قد نظمتها في مناسبات شتى فجاءت كل رباعية منا لها لونها الخاص الذي طبعته عليها المناسبة وان كانت على الاغلب متشابهة الغايات والاهداف) وتضم الرباعية(302) مقطع قام بترتيبها حسب الحروف الهجائية ولم يصدر الجزء الثاني 0
  • شاعر الحياة / موشح / من منشورات مطبعة النعمان عام 1969 وقد طبعت على نفقة أسرة الفقيد تتصدر الموشح كلمة الاهداء جاء فيها(الى روح أخينا محمود الحبوبي شعاع الحياة الفاضلة الكريمة نرفع اول أثر من أثاره الادبية يصدر بعد وفاته ) تلتها مقدمة الناشر ومنها نفهم ان الحبوبي نظمها في عام 1947 قبل ان يستوطن بغداد والرباعيات تتألف من ستة وثمانين دورا اولهما بيتيين اثنيين وباقيها من خمسة ابيات لكل منهما وجاء الموشح على طرية التحاور بين الشاعر والطائر

أما المخطوطـــــــــــة فهي :

  • ديوان الحبوبي /الجزء الثاني
  • موشحات الحبوبي/ الجزء الثاني / لم اوفق بالاطلاع على المخطوطات

الدكتور علي جواد الطاهرقال عن الحبوبي (( وفي ذات يوم نراه في الهيئة الادارية لاتحاد الادباء فنرى مثالا في النضج والدقة والتجرد والصراحة والتواضح والوفاء ويكفيه ويكفينا أنه عاش محمودا ومات محمودا))0

الدكتور محسن جمال الدين قال(( أنا مؤمن بشاعرية الحبوبي هذا الشاعر الذي تتبعته منذ صباي وقراءة فرائده بين صحف المهجر في امريكا كالشرق والسمير وصحف مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق تنشر له وتقتبس من نظمه))

الاديب توفيق الفكيكي يقول (( لم نقرأ لشاعر مصري من شعراء الضاد شعرا مطولا في مخاطبة البلبل الا لشاعر واحد كان قد سبق الاستاذ الحبوبي هذا الشاعر هو الشيخ علي الشرقي ))

 

المصـــــــــــــــــادر

  • كتاب معجم الشعراء العراقيين / جعفر صادق حمودي التميمي
  • ديوان محمود الحبوبي / الجزء الاول
  • رباعيات الحبوبي / الجزء الاول
  • شاعر الحياة /موشح / للحبوبي

                                                     محسن عبد الكريم

                                             Mahssn-53@yahoo.com