الشاعر احمد الصافي النجفي بقلم : الدكتور عَبد الرزاق محي الدين

 

 

 

حين نحتفي بذكرى الشاعر أحمد الصافي نحتفي بالعربية أمة محررة وشاعرة . وحين ننسبة للنجف ننسبه للنجف مدينة  مقدسة طاهرة . و حين نصله  بالشعراء من معاصرية نصله بالنخبة العزيزة النادرة ، انه شاعر والشعراء المجيدون في العربية كثيرون ، ولكنه من القلة المتميزة بين الكثيرين ، تميبزا جعله أمة مستقلة تحيا بروح بدع ومزاج فريد .

انه قومي والقوميون كثيرون ، ولكن قوميته قومية معدن ، لا يحتاج لان يكونها الى تصيير وتعدين ، ولا الى أن نتبينها الى اشهاد وتوثيق . بدايتها خلقه ، واستمراها استمرار وجوده : صبيا في المهد ، طفلا في الكتاب ، فتى في الندىَ ، جنديا في ثورة العشرين ، يهرب فتهرب معه لاجئا” سياسيا” الى فارس ، فلا يخفي قوميته هرب ، ولا يخفيها لجوء ، وتظل ماثله (على الغربة) عربية الوجه واليد واللسان مشيدا” بشمائل أمته ، وبروحها السمحة في قصائد ومقطعات مأثورات حسان .

أيها السادة الاعلام

اسمحوا لي في موقفي هذا أن اجتزئي بانطباعات شخصية عن شعر الرجل ومزايا شعره ، اذ الحديث عما قيل عنه  ،  وما يمكن أن يقال فيه أمر يطول ، ولا يصح في حفل تأبين عرضه واستعراضه ، قلت انطباعات شخصية لانها وليدة فهم شخصي ، وممارسة ذاتية ، لي غنم صوابها ان كانت صوابا ، وعليَ غرم خطئها ان كانت خطأ .

يجيء الشاعر أحمد الصافي – من حيث زمنه – في الرعيل الثاني من شعراء العراق المحدثين لهذا القرن ، حيث تقدمه كوكبة سابقا فيها كانت الرعيل الاول وهم الصافي والشبيبي والزهاوي وعلي الشرقي .

(*) القيت هذه الكلمة في الحفل التأبيني للشاعر ، الذي اقامته وزارة الثقافة

    والفنون ببغداد .

-1-

 

من أبرز افراد الرعيل الثاني الاستاذ محمد مهدي الجواهري فاحمد الصافي فحافظ جميل ، فآحاد من الشعراء العراقيين  لمنع نجمهم بعد ثورة العشرين .

هؤلاء في تقديري يمثلون الحلقة الاخيرة في سلسلة الشعراء المخضرمين الذين تخلفت في شعرهم اثارة من عهود سابقة ، تتمثل في الاسلوب وفي بعض الاغراض ، الى سمة من جدة جعلت شعرهم يختلف عن سابقتهم في الاسلوب وفي الاغراض

مع التقاء تلك الكوكبة على صعيد الخضرمة بين عهدين ، واحتفاظهم بأثارة من عهود سابقة ومشاركة الصافي لهم في جوانب واسع من صنيعهم  فان للصافي سمات متميزة تفردت عنم وعن سابقيهم ، بل تفردت عن لاحقيه ايضا” ممن خلصوا الى الشعر الجديد الجديد .

من تلك السمات :-

  • الخلوص في المناسبات ،اذا ان شعره كاد يخلص من الاستجابة للمناسبات الحادثة : حدثا فرديا” ، مناسبة اجتماعية ، أي مؤثر خارجي يكون وسيطا بين الشاعر وقفول الشعر . ان حال مع المناسبة شبيه بحال السيدة المتصوفة رابعة العدوية ،وقد سئلت أتحبين محمدا ؟ يريدون الرسول الكريم . فأجابت شغلني حبّ الله عن حبهّ . لعل الصافي شغل بالشعر عن المناسبات التي تدعو اليه .
  • الاتسام بجدة المعاني وابتداع الاخلية بحيث تستطع أن تزعم – بلا كبير تحرج – انه لا تخلو قصيدة او مقطوعة في بيت من ابيات ، من معنى لم يسبق له أو من معنى اهتدى اليه بتوليد لم يسبق اليه مثل هذا الزعم (وبكثير من الترخيص ) لا تستطيع أن تذهب اليه في أيّ قصيدة او مقطوعة لشاعر غيره في القديم والحديث فأخذ شاعر عن شاعر وحديث من قديم سنة متابعة يستند بها جملة الشعراء .
  • من مميزات شعره أن معناه يكاد يستقل عن عبارته ، بحيث لا تشهد ذلك الالتحام النيوي بين معناه وعبارته ، ولا تلك اللزومية التي لا تتعوض بها لفظة عن لفظة ، وتركيب عن تركيب وهي خاصية يندر أن تجدها في الاساليب الادبية العربية وفي الشعر بخاصة .

فالشعر عادة والعربي منه بخاصة تقوم الفنية فيه ، ويقع مواطن العجب منه في التلاحم المتكافل بين الالفاظ والمعاني ، بحيث  لو فككت اجزاءه غابت الفنية وتلاشى موطن العجب ، وليس الامر كذلك في شعر أحمد الصافي .

 

 

-2-

 

 

 

ان الصلة بين شعره ومعناه صله دلالة وليست صلة كفالة ، لذلك صلح شعرة للترجمة لانه يجد الدلالة في أي لغة ، ولا يحتاج الكفالة وقد استغنى عنها في لغته.

هذا الذي قلناه في شعره لا يقال في جملة الشعر العربي الا فيما ندر ، لان بناء الشعر العربي من مؤديات مهناه ومن اسباب فنيته .

  • ومما يحمد لشاعرنا الصافي – وهو من دعاة التجديد في الشعر – انه وقف في وجه أي تجديد يؤدي الى الانحراف بالشعر العربي من أصالته وعموديته ، ولم يخدع باللعبة التي خدع بها كثيرون – ولم يرهبه الارجاف والتهويل بان دولة الشعر العمودي قد ادليت ، وحلّ محلها دولة للشعر بلا عمد وأوتاد .

أيها السادة الاعلام :

تلك انطباعات (وان كانت شخصية) يصلح كل منها ان يكون مادة بحث ، وفضلا من كتاب ، ومدخلا الى شعر الرجل ومقوماته وخصائصه ومميزاته . أضيف لذلك انه كان ديّانا بالله ورسله كتبه وباليوم الآخر مؤمنا بالاسلام شريعة جده ووديعة آله ، عربيا لم تتغوّ له هجنة ، قوميا لم تساوره ردة ، عراقيا لم ينسه العراق طويل هجرة ومديد فرقة ، غنيا عن الناس ، كريما عليهم ، حبيبا لهم ، متصلا بجد شؤونهم متجافيا عن فضول عيشهم . يتسقط أخبار العراق فيفرح لفرح اهله ويحزن لحزنهم .

عاش الوحدة في قبيل من عزتّه وكبريائه ، والعزلة في مجتمع أنيس من رفاق تأملاته ، والعزوبة في زيجه ( لا بينونة معها) بالمعاني الحسان من مثانية ومقطعاته .

ومات موفور العرض ، حميد الذكر من ابناء أمته ، معزّز الجانب مكرمه من قيادة شعبه وسلطات حكمه مؤمنّا على بقاء أبدي برصيد عال من دواوينه الخالدات ، وابياته السائرات .

 

 

 

 

 

 

-3-