الشيخ محمد كاظم الكتبي شيخ الوراقين في النجف الأشرف بقلم: الدكتور محمد جواد الطريحي

 

هو الحاج الشيخ محمد كاظم بن الشيخ صادق بن علي الأيرواني النجفي الشهير بالكتبي.

ولد في مدينة النجف الأشرف عام 1914م ونشأ نشأة عالية عند الكتاتيب مرحلة التعليم الأولى – أيام زمان – ثم برعاية والده الذي تلقى على يديه تعليمه وأتقن بمصاحبته – في سن مبكرة من عمره – ما هيأ له في مستقبل أيامه أن ينجح في إدارة مكتبة ومطبعة كان لهما دور هام في رفد حركة النشر والتأليف في مدينة النجف الأشرف وخارجها وذلك بما قامت به من طبع المئات من نوادر المخطوطات وقد شاركت في هذه الحركة الدؤوبة لتنشيط واحتضان عشرات من أفاضل المحققين وأعلام الفن في النجف حيث كان هذه النخبة تجتمع في أفياء (المكتبة الحيدرية) وتنعقد بينهم نداوات علمية ومذاكرات أدبية، ومطارحات متنوعة فيما يخص الكتب والمخطوطات، وسبل تطوير الكتاب الإسلامي بنشره وتحقيقه وقد كان لشخصية صاحب المكتبة الأثر الواضح في ملاحقة هذه الحركة ودعمها بإمكانياته، والنهوض بمهمة تحقيق التراث بما نلمسه من كلمات الأعلام الذين كانوا يتوافدون على المكتبة أو يقصدهم هو من أجل أن يتم تحقيق هذا الكتاب، أو يصدر كتاباً آخر بحلة جديدة.

ولو تفحصنا مجمل تاريخ الطباعة النجفية في تلك الفترة وقايسناها بما كان صدر خارج النجف، ثم عدنا لنقارنها مع ما كان يصدر في دور الطباعة بالنجف لوجدنا أن لغة الأرقام تفرض دور الريادة للمكتبة الحيدرية ومطبعتها على أنها أحيت خلا لفترة نهوضها روائع من أمهات الكتب الشيعية التي اختصت بها.

ولا أذيع سراً ما قاسى صاحبها من جراء ذلك من المحن والويلات التي وقفت في طريقه إلاّ أنه كان يملك من الهمّة العالية، والشجاعة والجرأة ما يمضي قدماً نحو غاياته السامية، وهو ما عهدته به أجيال من المعنيين الذين واكبوا حياة النشر في النجف، على أن هناك عوامل عديدة شاركت في تعضيد حركته هذه رغم الظروف الصعاب خاصة السياسية منها، وما يصحب هذه المهن من حب الذات والأنانية التي تتمخض عادة في مثل هذه الأعمال.

إلاّ أن ما امتاز به الشيخ الكتبي أبو صادق من أخلاقه الرفيعة، وحنكته وحسن تدبيره أدّى به إلى نجاح مهماته عبر زمن يزيد على نصف قرن من تاريخنا المعاصر في النجف، وبمثل ما ابتلي به والده المؤسس لهذا الكيان الثقافي الشامخ من محن سود أيام الإحتلال وبعده بسبب تضحياته تجاه محافظته على شرف المهنة الت يعشقها وحفاظه على كرامة الكلمة الطيبة التي بذل ما بذل في سبيل إشاعتها، وخدمة العترة الطاهرة من آل بيت الوحي والعصمة(عليهم السلام) في إذاعة أخبارهم وطبع ما يتعلق بأخبارهم وفضائلهم، فإن الولد كان سر أبيه تماماً ذلكم لأن الشيخ محمد كاظم الكتبي واصل هذا الجهاد في ظروف ربما تكون أصعب مراساً وأقوى شكيمة خاصة بعد أن عُرف للملأ أنه يتصدى طبع الكتب الإسلامية الشيعية بصبر وأناة، وقوة شخصية يندر مثيلها، وخلق رفيع قلّ نظيره خاصة عندما تتأزم المواقف، وتُمتحن النفوس في سبيل المبادىء الخيرة التي تؤمن بها.

ولو تصفح القارىء الواعي لتاريخ الفترات التي مرّت بها المكتبة الحيدية وقرأ بإمعان وتبصرة ما عبّر عنه الأعلام الأفاضل في حق صاحب المكتبة لوجد أن هذا الرائد الذي لا يكذب أهله كان مثالاً يُحتذى، وقدوة لمن أراد أن ينتج بصمت، ويجاهد بهدوء واتزان.

وفيما تسمو بي الذاكرة من العيان والسماع عن تلك الأيام التي خلت معطرةً بأريج تاريخ مجيد للنجف المعاصرة لم يزل طي الغيب الذي لا يعلم أوان كشفه للأنظار، وفيما أعنيه وثلة من الأوفياء لجمع هذا التراث الضخم وغربلته الذي أصبح أثراً بعد عين جراء مرور الليالي الثقال التي أولدت كل عجيب، جهدت في تقصي الحقائق ومطالعة الصفحات المغمورة فاتجهت صوب واجهة مضيئة من تاريخ الحركة الثقافية في بلد العلم والفضيلة (النجف الأشرف) واكتشفتُ من كنوزه محاورة رجل أثقلته السنين عبء مسؤولية النشر ودعم حركة الكتاب في النجف ذلكم هو الحاج الشيخ أبو صادق الكتبي(رعاه الله وحفظه).

وحين بدأت الحديث مع (شيخ الوراقين في النجف) فإذا به يواجهني بديباجة رائعة تنم عن معطيات دلّت على نباهة وذكاء امتاز بهما بحيث نستطيع اعتبار ذلك من أسرار نجاحه حيث قال:

أن كل زمان له صنعة وطابع خاص في المطبوعات، فما كان يستسيغه الجيل السابق قد لا يتفق وينجسم مع طموحات هذا الجيل.

ولمعرفة مدى تميزه بنشر التراث وبهذا الكم الهائل فإننا نكتشف من أول إطلالة على حياته: اهتمامه منذ نعومة أظفاره وشغفه بالتعرف على المطبوعات التي كانت تصدر في بغداد أو بما كان يرد منها من الهند ومصر وغيرهما وبشعوره المبكر بأهمية طبع الكتب ونشرها في النجف باعتبارها حاضرة العلم والأدب ولما تتمتع به من مكانة مرموقة في العالم الإسلامي الشيعي وأن الحركة العلمية والأدبية التي امتازت به هذه المدينة العريقة عبر تاريخها الطويل الأساس الذي جعل منه أن تتصدى لريادة الدور الذي اضطلعت به.

وأما العوالم التي شجعت على النهوض بحركة التأليف والنشر والتحقيق في النجف وخاصة بما يتعلق بالمكتبة الحيدرية ومطبعتها بصفتها النموذج الرائع نجد أن هناك عدّة دواع منها:

أولاً: البيئة الصالحة التي تنفرد بها النجف النمو الحركات العلمية منذ أن ضمت الجدث الطاهر للإمام علي(عليه السلام) حيث أن قدسية الجوار له الأثر الفعال في روحية العلماء العاملين وطلاب المعارف الإسلامية.

ثانياً: طبيعة الشخصية النجفية وامتيازها بمؤهلات ذاتية تواقة إلى التطلع الفكري، وتشوفها إلى كل ما هو جديد في عالم المعرفة والعلوم، وما عرفت به هذه الشخصية من دوافع أصيلة خلقت روح الرغبة والإستجابة بما يتلاءم والحياة التي تموجها تيارات قد تكون في الغالب متناقضة إلاّ أن الشخصية النجفية كان لها في كل ميدان قول فصل، وإرادة مبنية على دراسة عميقة للواقع.

ثالثاً: الحياة النجفية المتأثرة بالتلاقح الفكري المعروف في مجتمع النجف وأوساطه الاجتماعية فيها والثقافية وذلك بسبب التأثر والتأثير عن طريق الوافدين إلى هذه المدينة بقصد الزيارة أو الإقامة، وما يحملونه معهم من أفكار ومبادىء وتطلعات تؤمن بها شعوبهم المختلفة، مما جعل لأبناء النجف خبرة مستفادة وتجربة جديدة تأتيهم طوع بنانهم يصهرونها في بوتقة تفكيرهم، ويصدرون عنها بما ينسجم مع واقع عقيدتهم على أن ذلك يعبّر عن خصوبة هذه المدينة في تفكيرها وسعيها لمحاكاة الأمم والشعوب الأخرى ولكن بأسلوب وخصوصية معينة.

رابعاً: وجود المرجعية الدينية التي تمتلك من الطاقات العلمية والزعامة التي تتمتع بها وآثار ذلك على مختلف حياة النجف فبالإضافة إلى طابع القدسية الإحترام فإن لزعامة المجتهدين فيها من الأهمية بحيث كانوا نواة توجيهية للعناصر التي قادت المجتمع العراقي وقد غطت المرجعية الدينية في تأثيرها على الأحداث ما تمثل في دورها مطلع القرن العشرين وما بعده.

(ومن الجدير بالذكر أن معظم مجتهدي ذلك العصر قد أسهموا في إيجاد الحلول لمشكلات العصر الرئيسة، فوقفوا بجانب الشعب الإيراني في كفاحه ضد الإستعمار الإنكليزي والروسي وأيدوا فكرة الإهتمام بالثقافة الحديثة، بما فيها دراسة اللغة الأجنبية الحديثة في العراق، كما أيدوا حركة الدستور في إيران والعراق، وكان لجهودهم آثارها المشكورة في كفاح العراقيين مع الإنكليز إبان ثورة العشرين..)[1]، وكان لهم دور هام في تأسيس المدارس الحديثة، وإصلاح نظم الحوزة العلمية وتحصينها مما طرأ على بنية المجتمع الجديد بالإستفادة مما يعود بالنفع ورفض ما يشين بواقع العقيدة والفكر.

خامساً: اتساع عمل المكتبة الحيدرية ومطبعتها من خلال المزاد العلني للكتب الذي كانت تقوم به المكتبة حيث أن الحدث الثقافي كبير الأهمية نتيجة لما يجتمع فيه من رواد الثقافة والمحققين من مختلف الجنسيات، وربما حضر أجانب من ديانات غير إسلامية وقد كلفوا أشخاص يحضرون معن لابتياع بعض الكتب، على أن هذا المزاد يحضر فيه في الكثير من الأحيان علماء مرموقين من الدرجة الأولى، وبعض ممن يمثلون المرجعيات الدينية الكبرى لالتقاط بعض النوادر وناس آخرين من طبقات متعددة وكثيراً ما تقع نوادر ومفارقات، وقد يتفق أن تنعقد بعد أن ينفض الجمع الحاشد ندوة من أهل الفن ويجري الحديث حول بعض ما يجري تحقيقه من التراث، أو ما إلى ذلك، وكل هذه الأمور تحدث في رواق المكتبة الحيدرية التي كان يديرها (شيخ الوراقين) الذي يردد دائماً: بأني كنت أحاول أن أؤدي عملي في المكتبة دون خلق حساسية بين الحاضرين وبشكل لا أؤذي به أحداً وأن أحافظ على الأمانة التي أوكلت بي ولم أحاول أن أستغل الحرج لصالحي أو لمنفعتي الشخصية، وهذا ما عبّرت عنه كلمات مَنْ كتب أو استعرض نشاط هذه المكتبة بشخص رائدها الشيخ الكتبي.

وأما الشخصية المهمة التي كان لها الأثر الواضح في تعضيد المكتبة الحيدرية ورفد حركة النشر فيها: فهوالإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(رحمه الله) الذي يعبّر عنه الشيخ الكتبي بأنه (والدي) وبأن الشيخ كثيراً ما كان يكتب عن ذلك في وصاياه ورسائله التي أحملها إلى المسؤولين حول شؤون المكتبة بأني (ولده)[2].

والمهم هنا في الحديث الذي يتعلق برقابة المطبوعات حيث أن صاحب المكتبة الحيدرية كان يستظل بحماية الشيخ كاشف الغطاء(رحمه الله)، ولذلك يقول (كنت أطبع ولا أحتاج إلى رقابة مطبوعات أو معارضة من الحكومة – بسبب سعي الإمام كاشف الغطاء للتشجيع على طبع الكتب ونشرها.. وفي مرة من المرات جاء قائممقام النجف ممثلاً لمتصرف كربلاء ليتكم مع الشيخ كاشف الغطاء حول طبع أحد الكتب وأتصور أنه كتاب شجرة طوبى وكيف أني طبعته دون إذن الحكومة. وكان يرافقه الوجيه عبد الحاج عبد الرزّاق شمسة فكان جواب الشيخ(قده) – والمعروف عن قوله وكلامه أنه لا يُردّ – أن كثيراً مما يطبعه الشيخ كاظم أشتريه منه وأشجعه عليه فقال له القائممقام: أنا رسول من قبل وزير الداخلية حول هذا الموضوع الذي أساء الدولة وحينها انتفض الشيخ كاشف الغطاء، وردّ بعنف قائلاً: إذا أي شخص قام بالتعرض إلى شيخ كاظم الكتبي وعبارته كانت (إذا أحد يمس صايه محمد كاظم فأنا أصعد المنبر)..

ومعلومة فكرة صعود الشيخ كاشف الغطاء المنبر أي الدعوة لاجتماع الناس لأمر هام والإستماع لما يقرر الشيخ.. وموضوع كتاب شجرة طوبى كانت التحية فيه على النبي(ص) غير موجودة أينما ورد ذكر اسم النبي(ص) وعندما أرسل الكتاب إلى الدائرة المختصة برقابة المطبوعات قامت موظفة بوضع ختم الإذن بطبع الكتاب ما زال لم تذكر فيه التحية على النبي كلمة (وآله) فهو كتاب مقبول وغير طائفي وبعد أيام صدر الكتاب من المطبعة إلى السوق فقامت قيامة دائرة الرقابة وأرسلوا على الشيخ الكتبي ليقوموا بمحاسبته ومنع بيع الكتاب وعندما حضر إمام قائممقام النجف – وكان حينها يتولى الإشراف على الرقابة – قال له القائممقام يا شيخنا الكتبي إذا لم تمتنع من بيع الكتاب فسوف لن تبقى في النجف بعد يومين فذهب الكتبي إلى الإمام الشيخ محمد الحسين آل كائف الغطاء(رحمه الله) وكان الوقت يوم الخميس فأخبره بما حدث حول الكتاب فاتصل الشيخ(قده) بوزير الداخلية تلفونياً وقال له: يلزمك الآن نقل قائممقام النجف لأنه أصبح يثير طائفية، ولا أرضى أن يداوم في دائرته يوم السبت، وهكذا تم ما أراد الشيخ كاشف الغطاء وانتهت هذه القضية.

وفي قضية مشابهة حين قام الكتبي بطبع كتاب المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون للشيخ كاشف الغطاء(رحمه الله) ولم يسوغ الأمر للسلطة الحاكمة آنذاك انتشار الكتاب ولكنهم لم يستطيعوا فعل شيء في مواجهة الإمام كاشف الغطاء فأثاروا قضية حوله تتلخص في مساءلة القائممقام بالنجف للشيخ الكتبي حول كيفية قيامه بطبع ثلاثة آلاف نسخة من هذا الكتاب حيث قال له: كيف تطبع ثلاثة آلاف نسخة من هذا الكتاب كان يلزمك طبع ألف نسخة فقط فأجابه الكتبي: كان عليّ أن أطبع ثلاثين ألف نسخة فقال القائممقام: كيف تقول هكذا وتتحدى السلطة فإنك سوف لن تبقى هنا بعد يومين فأجاب الكتبي: سوف ترى من الذي يبقى ثم خروج وتوجه إلى دار الإمام كاشف الغطاء(رحمه الله) وأخبره بالخبر فكان أن تم نقل القائممقام من النجف بعد يومين…

وهكذا يجد القارىء كيف أن أعلام الدين في النجف كانوا يقفون حصناً منيعاً لدرء عادية من تحدثه نفسه الإساءة إلى كرامة الدين والمذهب بدواعي واهية، كما توضح لنا هذه الذكريات صلابة المواقف الخيرة والشجاعة اللامتناهية في حسم القضايا، وأن الكلمة الفصل كانت للمرجعية الدينية، وأن للدفاع عن المبادىء المقدسة أبعاد مؤثرة في روحية المجتمع والأجيال اللاحقة، وأن للعالم الديني في النجف المكانة الجليلة التي يتمتع بها كطبقة متميزة تمنحه من الإمتيازات بقدر ما يقدمه من خدمات نافعة على مستويات متعددة يتلاحم فيها المصير وتجتمع فيه الأكف لتحقيق المصلحة العليا لخدمة الإسلام والمسلمين.

ومن الحكايات التي يرويها (الكتبي): أنه كان كلما يسمع بشخص يسافر إلى خارج العراق من البلدان التي تتوفر فيها مطبوعات لكتب التراث الإسلامي فإنه يطلب منه أن يجلب معه بعض النسخ للعناية بطبعها مجدداً أو وضعها بين يد الباحثين والمحققين.

ويذكر السيد صادق الموسوي صاحب مكتبة الصادق(عليه السلام) أنه بدأ حياته طالباً للعلوم الدينية في النجف وكان يتردد على الشيخ محمد كاظم الكتبي لاستعارة بعض الكتب منه أو شراءها وفي بعض المرات كان قد اشترى أحد الكتب من المطبوعات التي تكون نسخها قليلة وبعد مدة فوجىء من الشيخ الكتبي وهو يسأله عن مصير الكتاب الذي اشتراه وهل هو في حاجة إليه ولمّا عرف بأنه قد استفاد منه ولم تعد فيه حاجة إليه طلب منه فيما لو رغب في بيعه مجدداً فوافق على ذلك وباعه بتوسط الشيخ الكتبي إلى شخص آخر ليستفيد منه في مورد حاجة إليه وعندها يقول السيد الموسوي تبادرت إلى ذهني فكرة إعادة بيع كتبي التي لا أحتاجها أو بعد أن أنتهي من قراءتها وهكذا تولدت في نفسي مسألة تأسيس مكتبة تجارية في النجف وهي المعروفة بمكتبة الصادق(عليه السلام) والتي قامت كذلك بنشر بعض نفائس التراث وشاركة باستيراد كتب ومطبوعات كثيرة.

ومن صفات الشيخ الكتبي أنه سخي بإعارة الكتب لمن يحتاجه وإرجاعه إليه ولعلها صفة امتاز بها الكثير من أصحاب المكتبات في النجف الذين يمتازون عن غيرهم من الكتبيين بثقافة وخبرة في عالم الكتاب نتيجة وجودهم في مدينة علمية كالنجف وكثرة تردد الأفاضل من العلماء والأدباء وأصحاب الفن والتخصص وربما نجد في الكثير من الأحيان أن الكتبي النجفي يحتفظ له بخزانة خاصة به يودعها بعض نوادر المطبوعات التي كانت ترد إلى النجف في زمان مضى بقدر يسير ويقدّم هذا الكتبي ما لديه من هذه النوادر عارية لمن يحتاجها من المحققين والأفاضل والعلماء كما أن محلات بيع الكتب في النجف كانت تشهد لقاءات ثقافية كانت تشبه إلى حد كبير الندوات الرائعة بين أصحاب الفضيلة ممن يتردد على المكتبات وكان يبادر الكثير من هؤلاء إلى التعليق والتصحيح والمقابلة للكتب التي يروم أحد الناشرين من أصحاب المكتبات إلى طبعها ولم تزل الذكرى الطيّبة حيّة في الأذهان عن المرحوم الأستاذ الشاعر محمد صادق القاموسي النجفي (1341 – 1408) صاحب المكتبة العصرية في بغداد حيث قدمت هذه المكتبة خدمات جليلة لطلبة الدراسات العليا في الجامعة، وللباحثين الذين كانوا كثيراً ما يستعيرون منها كتباً يستفيدون فيها ما ينفعهم بأطروحاتهم الجامعية.

ولعل ف يالحديث عن هذه الخلال الكريمة تعبير عن مدى ثقافة الكتبيين في النجف فهم بالإضافة إلى عملهم التجاري كانوا قراء جيدين يرصدون النكات التي تختص بها الكتب ويعرفون قيمة الكتاب وتحقيقه ونشره وربما نسخة المخطوطة المتوفرة ولو توسعنا بعض الشيء لاكتشفنا أن نخبة منهم كانوا في طليعة أدباءنا.

وبسبب الصفات التي اتصف بها الشيخ الكتبي فقد اجتمع عليه في مكتبته نخبة كبيرة من أعلام المحققين في النجف كان لهم الدور الأساس في تعضيد حركة النشر وإصدار المطبوعات حيث تعتبر هذه الظاهرة أحد معالم نهضة الكتاب الحديثة في تاريخ العراق المعاصر وفي النجف على وجه الخصوص، وقد تولدت في نفوسهم صفة الطموح والتطلع إلى مستقبل خدمةالتراث منذ مفتتح هذا القرن. فكانوا الرواد لتنشية جيل الدارسين والباحثين، والمعين الذي لا تستغني عنهم صفحات المجلات والصحف، والساعين بجد ومثابرة إلى رصد حركات الإنبعاث الفكري، والتقدم على صعيد الكشف عن الحقائق والفنون في إزالة غبار السنين عن الأعلاق النفيسة التي حاولوا ما أمكنتهم الفرص تقديمها لطلاب العلم والفضل والمعرفة.

ولو قدّر للبعض من المتأخرين الذين راق لهم النقد والتعريض بكل حركة ناهضة – وهم كثيرون بكل زمان ومكان – فلو أنهم عرفوا ما كان تتعرض له هذه الصفوة الصالحة من العنت وكوابيس الفقر والحرمان، بالإضافة إلى ندرة الكتب التي تصلح أداة لإعانة المحققين في بحوثهم، وشحة نفوس الذين يمتلكون خزائن الكتب وعدم تعاونهم، ولو أدركوا سجية القوم الذين حسبوا على ذمة أهل القلم زوراً وبهتاناً لما صدرت منهم المواجهة والوقيعة بالخيّرين. ولعلموا عندئذٍ أن ما قدمته النجف بنهضتها الطباعية ورفدها بتعضيد المؤلفين وتقييمهم خلال قرن أو يزيد ما كان مدعاة للفخر والإعتزاز.. على أن هؤلاء المحققين الذين ذكرناهم كانوا لا يطلبون أجراً مادياً على ما يقدمونه من أعمال تحقيقية بل كانت غايتهم في الدرجة الأولى إحياء التراث وتقديمه للمتطلّعين نحوه.

ويشير المرحوم الخاقاني إلى ذلك بقوله:

“أن النجف بمساهمتها في إحياء التراث الإسلامي في العالم برهنت أنها تتقبل مختلف المواضيع من مختلف الرجال بقصد الوقوف على الحقيقة ومناقشتها، ولقد ساهمت في نشر كثير من هذا التراث الذي يرجع أكثره إلى القرون العباسية فقد أحيت مطابع النجف وخاصة (المطبعة الحيدرية) مئات الكتب من هذا اللون مع العلم بأن الظروف كثيراً ما عاسكتها والأذواق كثيراً ما اختلفت معها ولكن بفضل الإيمان استطاعت أن تتغلب على المصاعب كما شاركت معها بعض المطابع الأخرى التي جاءت قبلها أو بعدها فقد بلغت مطبوعات النجف لمختلف الرجال في مختلف العصور أكثر من أربعة ألاف كتاب يقرأ[3]، وقد احتفظتُ بأكثر هذا النتاج بغية عرضه يوماً عندما يجهل الناس أمر مساهمة هذا البلد في النشر وتجاوب الأفكار، ولكني لا أكتم أن هذا النشر أكثر جاء عارياً عن التحقيق وفن الإخراج، والمسؤولية في ذلك لا تقع على عاتق المطبعة النجفية وحدها بقدر ما تقع على عاتق المسؤولين عن صلاح هذا النشر وإتقانه، وإني طالما هاجمت المنتقدين للمطبعة النجفية سواء من أبناء البلد الذين لا يحسنون غير النقد أو من أبناء البلدان الأخرى الذين يجهلون الأمر بتمامه، وللتوضيح أقول بصراحة: أن في النجف مجموعة كبيرة من أهل الفضل ولكنها تتنوع في سيرتها وإمكانياتها”[4].

إلاّ أن الذي تسمو به مكانة النجف بحيث حازت قصب السبق هو صمودها في وجه التيارات السياسية وسوء نية من أراد السوء بها من أنظمة الحكم المتعاقبة في العراق الذين غمرهم الجهل والحقد والطائفية، بواجب لم يستطع القيام به أكبر معهد علمي وأكبر جامعة واسعة وإذا ما دققت ونقبت وقفت على المئات بل الألوف من الكتب التي ألفت في هذه المدينة، وأن الفقه الإسلامي الذي لا يزال المرجع الأول لتوجيه المجتمع وتكوين نظام الأسر حفظه علماء هذا البلد وحرسه أعلامه من الذين ضحوا بصحتهم ومعاناة زمنهم والذين قاسوا في سبيل حراسته أنواع البلايا والمحن، والجوع والعري والخوف. وشذّ أن تجد مدينة يعيش فيها أناس وقد عكفوا عشرات السنين دون أن يلتفتوا إلى زخرف الحياة وبهارجها بقصد تحقيق موضوع مجهول، أو مشكل استعصى حلّه على من يروم الحل، فينبري إلى كشفه وإنارته مضحياً براحته وغذائه وصحته.. وأن المؤلفين بالأمس واليوم في النجف ليعانون أشد ما يعانيه الإنسان الكادح نظراً إلى أن التأليف لا يتحقق إلاّ بالراحة وتوفير العيش والإستقرار النفسي وشذّ من المؤلفين النجفيين من حصل على ذلك أو ضمن له أحد الوسائل المؤدية إلى الإنتاج ووفرته. ومع كل ذلك فقد ساهمت النجف بتوسعة المكتبة العربية وسد كثير من نقائصها، ولمؤلفاتها طابع خاص وهو العناية بالدين والعقيدة وما يتبعهما من فنون مؤيدة وكاشفة[5].

وقد كان يقصد سوق المكتبات في النجف العديد من الشخصيات العربية والأجنبية للإفادة من محتوياتها وما يعرض فيها من النوادر، وقد ساهمت كذلك هذه السوق في تشجيع الكثير ممن أقام في النجف بسبب وظيفته الإدارية أو توليه لمنصب رسمي خاصة من كانت له سابقة في الحياة الأدبية، والمزايا العلمية فكان أن اقتنى من الكتب التي أصبح حريصاً على شرائها، أو أنها تقدم له على سبيل الهدية حيث أن أثمن هدية عند النجفيين – يومئذٍ – كانت الكتاب، فأصبحوا من ذووي المكتبات الخاصة، والخزائن النفيسة ولعل في طليعة أولئك المرحومين طيبي الذكر الأستاذ العالم الجليل توفيق الفكيكي، والأستاذ الأديب السيد ضياء شكاره.

ومن عطاء النجف أن تجعل من المقيمين فيها من هؤلاء الإداريين مثلاً مؤلفين أو باحثين وذلك لأن الجو العام مما يعضد الهمة في تكوين الشخصية الأدبية العلمية من ذلك مثلاً ما ألّفه محمد علي جعفر التميمي لكتابه مشهد الإمام عندما كان يتولى منصب ضابط تجنيد في النجف.. وأما سلسلة من تولى منصب القضاء في النجف فهم كثر ممن استفاد وأفاد وكتب وأبدع في المجلات أو حقق كتباً مخطوطة أو قرض نظم الشعر.

ولعلي لا أغالي إذا قلت أن مكتبة الأب أنستانس الكرملي، ومكتبة الأستاذ عباس العزاوي ومكتبة كوركيس عواد ويعقوب سركيس وغير ذلك من الخزائن الشهيرة في بغداد والموصل والبصرة وكربلاء والنجف التي ملئت بالمخطوطات والنوادر بشرائها من سوق الكتب بالنجف وبالإضافة إلى الإفادة من مصادر أخرى.

في الفترة الواقعة مفتتح القرن العشرين، وبداية تطلعات المجتمع للإنفتاح على المدينة الحديثة التي من مظاهرها بروز الطباعة الحديثة، كان طموح المؤلف المحقق والباحث للحصول على مصادره الأساسية في عمله لا يتيسر بسهولة، بل كان يمر بمرحلة شاقة خاصة وأن المطبوعات التي تعرضها المكتبات التجارية أو تحتويها خزائن الكتب الخاصة في النجف مثلاً – يومئذٍ – نادرة.

والشيء الأهم أن الغالب على الطبقة العلمية هو قلة ذات اليد، لأن الموارد المالية لطالب العلم قليلة، ولا تبلي متطلبات العيش الضرورية إلاّ بقدر العفاف والكفاف حتى أثر عن بعضهم قوله: كدت من الجوع أن آكل الحصير، كما أن من التقاليد الموروثة في الحوزات العلمية – على الأخص – ما ينبغي أن تكون عليه حالة الطالب من القناعة والزهد، وكلّما كان ملتزماً بهذه الصفة كلما سمت درجات القدسية والتجلة على أن غالبية طبقات المجتمع كانت تعيش عيشة واحدة تقريباً.

وعوداً على بدء نجد أن الإعتماد في الأساس على المخطوطات المتوفرة لدى بعض الأشخاص الذين اتصفوا بالحرص غالباً كما نقل عن الكثير، أو أنهم يتذرعون بعدم توفر الوقت لديهم لاستقبال الباحثين[6] وقد وددت إعطاء صورة إيضاحية لما كان عليه واقع الحياة الثقافية في النجف فقد كان جلّ أهل العلم وطلاب الحوزات يندر أن تجد لدى أحدهم مكتبة خاصة به إلاّ بعض أبناء الأسر، وأما الكتب الدراسية فقد توفرت بشكل محدود نظراً لأنها موقوفة علهيم من قبل الأخيار والمؤمنين، أو أنهم يعتمدون على المخطوطات أو يستنسخون لأنفسهم ما يحتاجونه منها.

وفي إطار دراستنا هذه نجد أن من ذكريات شيخ الوراقين الكتبي ما حصل له من تردد الأعلام الأفاضل على مكتبته للإستفادة من الكتب التي تهمهم ولا يستطيعون شرائها أو لندرة النسخ منها، ومن ذلك أن الإمام الراحل السيد أبو القاسم الخوئي(قده) قبل ستين عاماً كان من رواد المكتبة الحيدرية الدائمين خاصة في وقت الظهيرة إلى قرب حلول العصر، ومن نوادر الحكايات عنه: أنه كان يواصل الحضور إلى المكتبة لمطالعة كتاب (مجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي) يقول الشيخ الكتبي: وكثيراً ما عرضت تقديم الكتاب هدية مني لسماحة الإمام الخوئي(رحمه الله)، إلاّ أنه أبى قبول الهدية معلّلاً ذلك لسببين:

الأول: أنه إذا متلك الكتاب فربما يطمئن لتوفره عنده وقد يترك مواصلة القراءة فيه كما هو عليه الحال.

والسبب الثاني: أنه لا يمتلك قسيمة شراء الكتاب فإذا ذهب إلى بيته فسوف يواجه مساءلة العائلة عن كيفية شراء الكتاب في الوقت الذي يحتاج البيت إلى مشتريات ومستلزمات ضرورية وهم يعلمون جيداً أنه ليس لديه شيء يملكه من حطام الدنيا.

وما يحكيه الشيخ الكتبي في هذا الصدد لما جرى مع الإمام الخوئي هو نفسه ما كان يجري مع المرحوم الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي كان كذلك يواصل الحضور إلى هذه المكتبة للإستفادة من أوقات فراغه بمطالعة بعض الكتب أو الإطلاع عليها، وربما كانت الإفادة من المكتبة في ساعات الظهيرة يكلّف الشيخ الكتبي تقديم وجبة غذاء خفيفة بالإضافة إلى إعارة بعض الكتب. ونستفيد من خلال هذه الحكايات ما كان ينبغي توفره من خلق نبيل وسماحة ذات من قبل أصحاب المكتبات حيث لا بد وأن يؤثر تداولهم بيع الكتب على سلوكيتهم الاجتماعية، وتربيتهم، وأسلوب تعاملهم مع الناس.

هذا وقد ورث الكتبي عن أبيه المرحوم الشيخ صادق ما عرف عنه بطهارة الضمير، وعدم الإكتراث بحطام الدنيا بقدر ما يُسعده نشر كتاب شيعي والمعروف عن المرحوم الشيخ صادق أنه كان يبرمج لحد الكفاية في معيشته مما تدر عليه عملية بيع الكتب ويوزع الأرباح الباقية على طلبة العلوم الدينية الذين يعرف حاجاتهم، خاصة وأنه بالأساس كان أحدهم ويعرف تماماً معاناتهم المعاشية والمهم في إثباته هنا.. هو نكران الذات التي يتصف بها الكتبي ففي أحد المرات تقدم جماعة من تجار الشيعة وحاولوا تقديم ملكية مجموعة من البيوت لشيخ الوراقين نظراً لإدراكهم أهمية عمل المكتبة الحيدرية للإستعانة بإيجاراتها مثلاً في إدارة أمور المكتبة إلاّ أن الشيخ أبى ذلك وكان حاضراً المجلس أحد الأفاضل من أصحاب المكتبات الذي وجد من إباء الشيخ فرصة وطلب منه أن يحيل هذا العرض عليه وبالفعل فقد أحيلت إليه ملكية البيوت العشرة؟!

وأما العروض الأخرى لتكريم الشيخ الكتبي فهي كثيرة تجاوزت حدود كلمات الثناء والإطراء عليه لاهتمامه بالنشر ومن جملة ما ذكره أحد عارفي فضله بالرغبة في إقامة تمثال له في النجف لما حققه من طموح أهل العلم والفضل بتوفير طبع الكتب الإسلامية الشيعية على الخصوص ولمساهمته في رفد حركة النشر والتعريف بالمذهب الإمامي.

ومن جهة أخرى نجد أن تعامل الإعلام الذين رغب لهم في نشر آثارهم كان على مستوى تقييم هذا الدور لديه، وتعضيده بما يملكون من دعم معنوي، ويجد القارىء أن كتباً كثيرة من إصدارات المكتبة الحيدرية خرجت لعالم النور بمبادرة من الشيخ  الكتبي وإصراره وتصميمه مما جعل هؤلاء الأعلام يذكرونه بخير في مقدمة الكتب التي يؤلفونها أو يحقّقونها فيطبعها أو يصوّرون مدى اهتمامه باستحصال النسخ المخطوطة وتقديمها بين أيديهم، وهكذا كان ديدنه طيلة الفترة التي عاشتها مطبعته العتيدة في النجف، ومكتبته الحيدرية.

وحينما نواصل مع الشيخ الكتبي استطلاع نوافذ ذكرياته نجد أنه طلب من الإمام الشهيد محمد باقر الصدر(قده) نشر كتابه الأول (فدك في التاريخ)، وعندما أنجز طبع الكتاب قام الشيخ الكتبي بإرسال عدة نسخ من الكتاب بيد أحد معارف السيد(رحمه الله) وما أن وقعت عينا السيد على هذه النسخ من كتابه مطبوعة بين يديه إلاّ وبادر إلى زيارة الكتبي في مكتبته حاملاً النسخ قائلاً له: لا تدخل في بيتي إذا لم أعرف قيمتها فأقدمها إليك، وبعد إصرار وإلحاح لم يتقبل الشهيد الصدر إلاّ نسخة أو نسختين من كتابه موكلاً الحصول على بقية النسخ لمن شاء أن يشتريها من المكتبة الحيدرية.

وبعد فترة زار السيد الصدر جماعة من أهالي المحافظات الجنوبية في العراق وطلبوا موافقته على إعادة طبع كتابه هذا مجدداً فطلب إليهم السيد(رحمه الله) مراجعة الكتبي للحصول على موافقته على طبع الكتاب مجدداً فهو على حسب قوله: الكتاب كتابه يتصرف فيه ما يشاء..!

وحيث يسمو الحديث هنا عن معالي سيرة السيد الشيهد الصدر(قده) وخلقه وغيرته الدينية نستذكر مع الشيخ الكتبي ما أفاده عن موقف هذا السيد العظيم(رحمه الله) من قضيته صدور الأمر من الجهات الأمنية في العراق على غلق المكتبة الحيدرية حيث حضر مدير أمن النجف مع بعض الضباط وقت الظهيرة حيث استغلوا قلة وجود الناس[7] وقاموا عندئذٍ بغلق المكتبة وبوضع (الختم الأحمر) على الأقفال وكان الشيخ الكتبي جالساً على مصطبة أمام المكتبة وينظر إليهم ولا يستطيع أن يقف دونهم أو يمنعهم، والناس الذي عرفوا بالأمر يختلفون في هواجسهم أو عواطفهم تجاه هذا الفعل.. وفي هذه الأثناء مرّ السيد الشهيد الصدر(رحمه الله) على سوق الكتب وكان قد وضع عباءته على عمامته كما هي عادة رجال العلم في النجف وقت الظهيرة تقريباً ولدى مشاهدته للشيخ الكتبي ولرجال اللأمن وما يفعلونه من تصرف مشين فوقف سائلاً الشيخ الكتبي أولاً: لماذا أنت جالس على الأرض؟ فأجابه الشيخ: أن رجال الأمن كما ترى جاؤوا وهم يقومون بوضع الختم الأحمر على قفل المكتبة فأنزل السيد الشهيد(رحمه الله) عباءته على كتفه والتفت إليه قائلاً: يخسئون هذه ليست مكتبة خاصة بك بل هي مكتبة الشيعة، اليوم العصر يلزم أن تفتح المكتبة.. ثم انصرف وعلامات التأثر عليه..

ويواصل الكتبي حديثه فيقول: بينما كنت عصر ذلك اليوم في داري طرقت باب الدار فخرجت لأستعلم الخبر وإذا برجال الأمن قد حضروا يطلبون مني الذهاب معهم إلى حيث يقومون بكسر الأختام الحمراء وفتح المكتبة ويقدمون الإعتذار عن التأخير لأنهم لم يتعرفوا على عنوان المنزل بسرعة.

وهكذا يخلد الرجال الأفذاذ بأعمالهم الرائعة التي يقدمونها قرباناً بين يدي الله طاعة له خدمة المبادىء الحقة دون أن ينتظروا جزاءً أو ثواباً غير رضاه، وهذا هو بعينه العز بلا عشيرة والهيبة بلا سلطان ولمثل هذا فليعمل العاملون..!

ومن ذكريات الشيخ الكتبي: أن طارق عزيز وكان حينها وزيراً للإرشاد جاء ومعه بعض المسؤولين في الحكومة ووقف على باب المكتبة وطلب كتاب تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة للدكتور عبد الله فياض وكتاب الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس يقول الكتبي: فقدّمت له الكتابين فالتفت لي قائلاً: ألا تخاف؟! فأجبت طارق عزيز قائلاً: كيف أخاف! وممن أخاف؟.. وأنا في جوار حامي الجار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأعرف أنك وزير الإرشاد وهؤلاء مسؤولين في الحكومة.. ولما أن بدا الإعجاب من الوزير على هذه الصراحة والوضوح قال له الكتبي: أي كتاب ممنوعٌ التداول في السوق تجده عندي ومستعد أن أقدمه لك.. وعندها غادروا المكتبة.

وحاول الشيوعيون القيام بإهانة الكتبي وضربه وربما قتله كجزء مما تمثله فوضويتهم لمحاربة المؤسسات الدينية إلا أن الغيارى من أهل النجف لم ترق لهم هذه المبادرة السيئة ولذلك فقد قام المرحوم المحامي السيد محمد رضا السيد سلمان بالحضور يومياً إلى المكتبة ومعه مسدس يخفيه في سترته التي يضعها أمامه، وكان جماعة آخرين من النجفيين يقومون بإيصال آخر الأخبار عن تصرفات الشيوعيين وما كانوا يهدفون إليه من إهانة الشيخ الكتبي أو قيامهم بسحله بالحبال كما كانوا يذيعون ذلك..!

وفي مرة كان الشيخ الكتبي ببغداد في مكتبة المثنى الشهيرة لصاحبها قاسم محمد الرجب حيث عقد صفقة كبيرة لشراء كتب من المكتبة كان مبلغها كبيراً، وفي الأثناء دخل أحد علماء الدين واختار مجموعة من الكتب ولما بادر لإعطاء المبلغ إلى صاحب المكتبة لاحظ أنه لا يكفي بالكامل فطلب إرجاء دفع المبلغ القليل المتبقي إلى فرصة أخرى ظناً منه بحسن نوايا الرجب به إلاّ أن قاسم الرجب رفض ذلك وقال إذا لم تدفع كامل المبلغ لا تأخذ الكتب وعندها قام الشيخ الكتبي الذي كان حاضراً في هذا الموقف إلى فسخ صفة المعاملة بينه وبين الرجب مخاطباً له: أنك الآن قمت بإهانة مقدسة من مقدساتي.. أن هذه العمة التي يحملها هذا السيد الجليل تمثلني وأنت حططت من مكانتها.. وحينها سارع الرجب بمحاولة تقبيل يد هذا العالم الجليل واحترامه وقام بإرسال الكتب إلى داره على حساب المكتبة. وهكذا كان موقف رجال المبادىء في الساعات الصعبة، لا يتنازل عن إيمانه ومبدئه مهما تلونت الظروف، وسمت المصالح والمنافع.. وأن الكرامة لا بد أن تصان خاصة لمن يمثل الشرع الشريف ويحمل علوم آل محمد(ص).

ومن جملة الذكريات أن للشيخ محمد كاظم الكتبي مخزناً كبيراً لمنشوراته يقع في القيصرية التي هي في مقابل قيصرية علي آغا (سوق الكتب) فقد كانت غرف الطابق العلوي منها مشحونة بالكتب التي يطبعها وهي تمثل بالنسبة إليه (رأسماله) وتشاء الظروف أن تحترق هذه الخزانة وتشب فيها ألسنة النار، ولم يواجه الشيخ الكتبي هذه المحنة إلاّ بكلمة واحدة خاطب بها سيدنا أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بقوله: هذه كتبك يا سيدي، والعوض منك، ومرّت الأزمة بسلام.

وأما المحنة الكبيرة التي حلّت بشيخ الوراقين فكانت خاتمة سلسلة الحوادث المؤلمة، والتي قدّم فيها تضحية جليلة ففي عصر أحد أيام الشهر الرابع من 1980 وبينما كان المرحوم طيب الذكر السيد حسين الرفيعي سادن الحرم الحيدري جالساً في المكتبة على عادته اليومية، حضر رجال الأمن العراقي إلى المكتبة ووجهوا سؤالاً مفاده: أين صاحب المكتبة فأجاب السيد حسين الرفيعي: أنا صاحب المكتبة، ولكنهم لم يعبأوا بجواب الكليدار وهمّوا بسحب الشيخ الكتبي وأخذه إلى دائرة المخابرات العامة ببغداد، ولم تنفع شفاعة السيد حسين بالدفاع عنه وبتعبيره عنه: هذا أخي.. وسوف أتصل بوزارة الداخلية.. وقام بتعقيب الأمر ومراجعة الجهات المسؤولية ولم تجد محاولاته نفعاً، وبعد مرور خمسة عشر يوماً قام السيد الرفيعي بإرسال عائلة الشيخ الكتبي إلى إيران للإلتحاق به حيث سارع رجال الأمن والمخابرات إلى تسفير الشيخ سريعاً ثم ألقوا البعض على ولده أزهر الذي لم يزل خبره في المغيبين، كما ألقوا القبض على ولد الأستاذ محمد صادق (أبو زينب الكتبي) وقاموا بتسفيره إلى إيران بعد مرور ثمانية أشهر..

وحينما نستمر باستعراض الذكريات المؤلمة التي جرت على الشيخ الكتبي عند اعتقاله الأخير فإنه قضى سبعة أيام في دائرة المخابرات ببغداد، وعندما قاموا بالتحقيق معه قالوا له: الآن وجدناك، كنا نبحث عنك كثيراً، هذه إضبارتك طولها متر واحد من كثرة التقارير والإخباريات التي تجمعت على الشيخ الكتبي من منشورات مكتبته ومطبعته الحيدرية طيلة ما يتجاوز نصف قرن من تاريخ مشرق..

ومما نستذكره كذلك أن المرحوم السيد حسين الرفيعي لم يأل جهداً لإطلاق الشيخ الكتبي حيث ذهب إلى وزير الداخلية مرتين وذكر له أن الكتبي من أقاربي، وأريده منك، ولكن الوزير كان يعتذر وأرسل على معاونه للإستفسار حيث قال له: أن تسفير الكتبي بأمر خاص من صدام وقد قامت الجهات الأمنية بالإستيلاء على المطبعة والمكتبة والمخازن المملوءة بالكتب الإسلامية وقاموا بإرسالها إلى المحرقة التي أعدّت في دائرة المخابرات بالنجف.

وهكذا انطوت صفحة مضيئة من تاريخنا المعاصر في النجف، كانت ولم تزل تحفل بصفحات المجد التي يتطلع إليها عشاق الكلمة الطيبة ورواد مدرسة أهل البيت(عليهم السلام

[1]. انظر الدكتور عبد الله فياض، الثورة العراقية الكبرى، ص63.

[2]. انفرد الإمام كاشف الغطاء بتوقيعه في آخر رسائله التي يكتبها بعبارة (الأب الروحي).

[3]. كان من مبادرات جمعية النشر في النجف إقامتها معرض الكتاب النجفي الذي كان بحق تظاهرة ثقافية كبرى تسجل لهذه الجمعية بكل اعتزاز وفخر.. وكذلك إقامة الأستاذ محمد عباس الدراجي معرضه عن الصحافة النجفية فهو عمل جليل نستذكره ببالغ الإمتنان. انظر محمد عباس الدراجي، صحافة النجف تاريخ وإبداع، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد عام 1989.

[4]. انظر الخاقاني، شعراء الغري، 486:12.

[5]. انظر الخاقاني، شعراء الغري، 484:12.

[6]. على أن هناك أمثلة رائعة كثيرة على انفتاح قلوب البعض من أرباب خزائن الكتب دلت على كرم ذاتهم، وشرف أخلاقهم كالمرحوم المحقق الطهراني(قده) صاحب الذريعة أو المرحوم الحجة الشيخ محم رضا آل فرج الله الذي كان قد فتح قلبه وداره لقاصديه من طلاب المعرفة ورواد البحث والتحقيق بحيث هيأ لهم ما يحتاجونه من قرطاسية ولوازم وضيافة ومما يحكى عن المرحوم العلامة الأميني(قده) صاحب الغدير أنه قال: أني لم أخرج للبحث عن مصادر كتابي الغدير إلاّ بعد أن استقصيت ما حوته مكتبة الشيخ فرج الله(رحمه الله) وذلك لما فيها من المطبوعا، ولأن الشيخ كان ذات إمكانية مالية قياساً بالآخرين من أقرانه الملائية ولهذا فقد كان يشتري الكتب التي تصدر من مصر والهند وغيرهما ويوفرّها بين يدي الأفاضل من المؤلفين والقراء.. وكذلك الحال عن مثل هذه السخاء بتقديم المطبوع والمخطوط الذي عرف به المرحومينالسيد محمد صادق بحر العلوم والشيخ عبد المولى الطريحي(قده) حيث تجد ما قدموه من زاد ثقافي في كثير من الكتب والموسوعات أشير إليها أو لم يُشر.

[7]. لم تملك الجهات الأمنية وغيرها – آنذاك – الجرأة على الإقدام بمثل هذه الوقائع بمنظر من الناس حيث لم تزل النفوس تعيش حرمة وقدسية الأعمال الخاصة المتعلقة بالمسائل الدينية والمذهبية وما يمس الشعائر ونواحي التبليغ والإعلام. ولم تتجاوز السلطات الحاكمة ذلك إلاّ بعد مضي فترة من الزمن برزت فيه ظاهرة الإستهتار بالقيم والشخصيات، إلى الحد الذي نفذ الإستعمار وعملائه  في العراق الجريح جريمتهم النكراء بقتل العلماء والتنكيل بهم وتهجير الحوزات العلمية، وتحجيم دورها، وإثارة العصبيات كما أن لهذه النتائج الوخيمة أسبابها المباشرة وغير المباشرة وهي مما لا نستطيع استيفاء الحديث عنه هنا.