عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا عباس غلام حسين نوري

 

 


أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.

 

 عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا

 

عباس غلام حسين نوري
أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.

 

 عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا

 

عباس غلام حسين نوري
أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.

 

 عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا

 

عباس غلام حسين نوري
أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.

 

 عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا

 

عباس غلام حسين نوري
أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.

 

 عندما اصبح الشاعر الجواهري نائبا

 

عباس غلام حسين نوري
أدرك الجواهري من خلال الحقبة التي قضاها مع الساسة العراقيين من النخبة الأولى للحكم الوطني في العراق، ومن خلال اشتغالهِ في البلاط الملكي، فضلاً عن احتكاكهِ المباشر وغير المباشر بالوزارات التي تعاقبت على البلاد، اذ تراكمت عندهُ خلفية سياسية يستطيع فيها أن يمارس دورهُ على الصعيدين السياسي والصحافي. بات حلم النيابة من الاحلام الرئيسة التي كانت تراود مخيلة الجواهري منذ ان جاء الى بغداد ، ولم يكن بالأمر الهين والمستغرب منه وهو الرجل الطموح الذي يرى في نفسه الكفاية لإشغال كرسي النيابة، فضلاً عن كونه شاعراً وأديباً، موضحاً ان العملية الانتخابية لاتخلو من التزوير الذي طال الكثير من الدورات الانتخابية من عمر الحياة النيابية في العراق منذ الحكم الوطني وحتى انتخابات عام 1947.
رشح الجواهري نفسه في نهاية عام  1947 لانتخابات المجلس النيابي بعد مقابلتهِ الوصي ، بناء على طلبه بدخول البرلمان الذي كان حلماً يفكر به ، لكن قدوم الجواهري لهذا الغرض جاء متأخراً فلم يبق سوى يومين على دفع التأمينات الخاصة بالمرشحين التي تبلغ (100) دينار والتي دفعها الوصي اليه من خزانة البلاط.
احالَ الوصي امر ترشيح الجواهري للنيابة الى رئيس الوزراء نوري السعيد، لكن الاخير لم يكن مع دخول الجواهري المجلس لما يعرفهُ عنه ، وقناعته بأنه لايصلح لهذا المكان لما يشكلهُ من تهديد بسبب مواقفهِ وآرائهِ وانتقاداته المستمرة ، لذا اجابَ السعيد الوصي بأن يتخذهُ سكرتيراً خاصاً له ومما قاله للوصي (سبق وانتقاهُ عمك “الملك فيصل” في البلاط الملكي) الا أن الجواهري اعترض حين عُرضَ الموضوع عليه مصراً على دخول المجلس ومع هذا الإصرار ، أُبلغَ بدخول القائمة التابعة للواء كربلاء على الرغم من وجود نائب مرشح عن اللواء وهو عبدالرزاق شمسه ويُعد مرشح رئيس الوزراء في حين يعدّ الجواهري مرشح الوصي ، وبعد سلسلة من المداولات بين بغداد وكربلاء ، اسفرت عن سحب الجواهري لترشيحه لاعتقاده أن مرشح رئيس الوزراء هو الفائز لامحالة رغم تدخل الوصي من جهة ، ولارتباطه مع المرشح المذكور عبدالرزاق شمسة بعلاقة عائلية قديمة ومعرفة شخصية من جهة ثانية ، ولهذا كله ترك الجواهري أمر النيابة ، علماً أن متصرف اللواء نفسه أخبرالجواهري ان مرشح رئيس الوزراء هو الفائز المنتظر .
ولم تكن هذهِ المرة الأخيرة التي يتقدم الجواهري للترشيح الى المجلس النيابي ، اذ سبق ان رشحهُ رئيس الوزراء السابق ياسين الهاشمي عام 1936 وصارحهُ بانه يجب أن يكون عضواً في البرلمان القادم وطلب منه مقابلة وزير الداخلية لوجود شاغر في لواء كربلاء ، لكن متصرف كربلاء آنذاك وهو صالح جبر وقف ضد هذا الترشيح .
في غضون ذلك نظمت جمعية الصداقة العراقية الانكليزية عام 1947 سفرة للصحفيين لزيارة لندن مدة شهر ودعيَ الجواهري أن يكون ضمن هذا الوفد في نشاط خاص للسفارة البريطانية في بغداد باختيار عدد من أصحاب الصحف والمحررين الذين وقفوا الى جانب بريطانيا في الحرب كما يخبرنا التكريتي في كتابه ، “اختير الجواهري من ضمن الوفد والتقى الجواهري في لندن مع رئيس الوزراء نوري السعيد ، فقد كانت لغتهم تتحدث عن البرلمان وإمكانية ترشيح الجواهري في الانتخابات القادمة .
وعندما بدات في 15 من تشرين الثاني 1947 الانتخابات النيابية لسد الشواغر الموجودة في البرلمان ،رشح الجواهري في الانتخابات التكميلية لسد الشواغر في لواء كربلاء وذلك بعد وفاة نائب كربلاء عبدالرزاق شمسة، رشح الجواهري بدلاً عنه بعد عودته من لندن ، وحقق ما كان يطمح اليه منذ مدة طويلة جداً ، ومنذ اول وهلة لدخوله المجلس وقف مع  المعارضة ، ولم تختلف منطلقاته الفكرية ومواقفهِ السياسية وهو في البرلمان عن تلك المواقف على صفحات جريدته .
وفي أولى جلسات المجلس التي شارك فيها ، وفي ضوء مناقشة الشأن الداخلي تجلت مواقفهُ ومداخلاته التي استمرت خلال الاجتماعات المتكررة ، وكانت اولى مواقفه دعوته الى احتواء “أزمة الخبز” المستحكمة والمستفحلة التي واجهت البلاد بشكل لم يسبق له مثيل وذلك في كانون الأول 1947 . وأدت بعد ذلك الى ارتفاع أسعار الحنطة بشكل كبير تراوحت بين “150 و240” ديناراً للطن ، والشعير بين “60 و80” ديناراً للطن ، فضلاً عن ارتفاع اسعار الدقيق في الأفران لصنع الصمون مما شكل سابقة خطيرة على الصحة العامة وحياة الناس وحاجتهم ، لذا تقدم الجواهري مع بعض النواب بمذكرة إستيضاحية تفصيلية بهذا الشأن الى رئيس المجلس في الثالث والعشرين من كانون الأول كما وتناولت معارضة الجواهري في الشؤون الداخلية والخارجية التي عرضها أمام المجلس جوانب اخرى كانت تتضمن جملة مواقف نستخلص منها ما يأتي :
1.
انتقاد المسؤولين لتهربهم عن مسؤولياتهم تجاه الوطن في مدة طويلة جداً كثرت خطابات العرش دون تغيير منذ تأسيس الحكم الوطني واستقلال العراق .
2.
خداع الشارع العراقي ووجوب الوقوف على الامور التي تعيق تقدم البلاد قياساً بالأمم الخرى .
3.
وجود فجوة عميقة وهوة واسعة باعدت بين الشعب العراقي الذي نضجت مداركه وتغيرت مقاييس تفكيرهِ وتسرب الوعي الشديد والعنيف الى نفوس الاطفال والشيوخ والعجزة ، وبَّين المسؤولين عنه خلال هذهِ الفترة وهذه الفجوة وقفت حائلاً بين سير القافلة “الشعب” الى أمام وبين موقف الطبقة الحاكمة المسؤولة عن تعثرها وعدم سيرها نحو التقدم ، حسب تعبيره.
4.
دافع الجواهري عن الشباب واعتبرهم خير وجود للعراق ونهضته ، معترضاً على نقص الثقافة التي يتلقاها الطلبة في المدارس ، بالنسبة الى مناهجها المعروفة وسياسة التعليم الموسومة .
5.
كان يؤمن بأن كل ثقافة مهما كان لونها ونوعها هي خير من الجهل .
6.
طالب أن يعيش الفرد العراقي سعيداً مرتاح البال ، موفور الكرامة مأمون العاقبة ، وان تكفل له كل حرياته وأن تهيىء له الدولة الطمأنينة على مصيرهِ وعائلتهِ .
7.
أبدى طموحهِ أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات .
8.
طرح في مواقفهِ في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا العدو الأول للعرب والعراقيين ، وان كل مبدأ هدام أو غير هدام مما لايتماشى مع النظام والدستور في العراق سيذوب من تلقاء نفسه في ظل دستور ويكون ضمن مسارات مؤمنة وواقعية ، وان الضعف والعجز والفقر انما يكمن في نهج الوزارات وخطابات العرش.
9.
رفض الجواهري كل اشكال الاستعمار والاستعباد من القوى الاستعمارية ولاسيما موقفهِ من المعاهدة العراقية – البريطانية والملاحق الخاصة به وكيفية ربط العراق مع بريطانيا في أوقات الحرب والسلم دون الاعتراف بها بانها دولة محتلة ومن ثمّ ربط مصير العراق بها .
أما على الصعيد العربي فمن أرائهِ الفكرية ومواقفه السياسية التي تطرق لها طوال مدة دخوله المجلس النيابي جاء فيها :-
1.
التأكيد على القضية الفلسطينية ووجوب وقوف الحكومات مع شعبها ولو لمرة واحدة بعد فشل جميع المساعي لاعادة الأراضي المغتصبة من الاحتلال الإسرائيلي.
2.
سخريتهِ من قرارات الجامعة العربية ومواقفها آبان القضايا العربية المصيرية، ومنها قرار مجلس الأمن بشأن تقسيم فلسطين وموقف الجامعة العربية من الدول التي وافقت على قرار التقسيم هذا واعلان المقاطعة الاقتصادية عليها اذ لم يشمل القرار أهم مورد وهو النفط .
3.
إيضاح ما يحاك من خطط ومقررات سرية ، دون علمهم ، وتناولها من خلال الصحف الأجنبية بشكل علني دون تكتم .
4.
ربط الجواهري زوال فلسطين بزوال الأمة العربية ، وان الغاية ليست هي بالتبرعات ومد الفلسطينيين بالسلاح وانما هي مسألة كرامة إرغام المتحكمين على أن العرب يفعلون ثم يقولون ولايقولون ثم يفعلون .
وكان يرى أن ضعف المجالس النيابية وهزل السلطة التشريعية وراء توالي الاضطرابات في داخل العراق ، ولايرى مخرجاً لحل مشكلات العراق الا بأقامة حكومة شعبية ديمقراطية لادكتاتورية تتحكم بها النخبة الارستقراطية 
التقليدية.