فنجان شاي مع عبد الرزاق محيي الدين بقلم: بدر شاكر السياب

 لم أكن قد هيأت الأسئلة التي سأطرحها على الدكتور عبد الرزاق محيي الدين حين امتدت يدي إلى جرس الباب تقرعه.
كنت  على يقين من شيء واحد: أن الحديث سيتناول الدكتور علي الوردي وكتابيه  ((وعاظ السلاطين)) و((أسطورة الأدب الرفيع)). وفي هذا وحده ما يكفي..

 

فالدكتور محيي الدين من اكبر ((خصوم)) الوردي.. وقد خصه الوردي في كتابه الأخير ((أسطورة الأدب الرفيع)) برد مطول.
رحب بي الدكتور محيي الدين ترحيباً بالغاً وسألني عن الصحة و((المزاج))… على عادة النجفيين، وان كان هو من أهل الكاظم، وبين النجفيين والكاظميين خصومة لا تنتهي على الزعامة الأدبية وعلى أي الفريقين أحسن طبخاً.
واهتبلت أول فرصة مناسبة وسألت الدكتور عبد الرزاق محيي الدين عن رأيه في الوردي وفي كتبه، وبخاصة كتابه الأخير ((أسطورة الأدب الرفيع)) وقد أثنى الدكتور على زميله ((وخصمه)) الوردي.. ثم قال:
الحق ان كتبه مفيدة، لأنها تنفض الخدر عن الأذهان، وتثير مسائل يجب ان تواجه وتثار بدلاً من التملص منها.. ومن خلل هذه الاثار، وخلل الجدال بين الأنصار والخصوم تظهر الحقيقة. ان الوردي خير في هدفه، لا يقصد إلا خدمة الحقيقة..
فسألت الدكتور محيي الدين: هل افهم من هذا أنك متفق معه في الرأي.. فأبتسم ابتسامة المعتذر وقال:
لا استطيع ان اقول ذلك.. ولكن الشيء الذي أريد ان أؤكده هو ان الخلاف بيني وبينه ليس عميقاً كما يظن البعض.. فلو ان الوردي استعاض عن ((دائماً)) بتعبير اكثر اعتدالاً مثل ((في احيان كثيرة)) وعن ((كل..)) بـ((كثير من)) لما بقي بيننا وبينه خلاف.
وذكرت الدكتور محي الدين بانني واياه مطالبان بان نوضح للقراء ما نعنيه وتيسر لهم اسباب فهمه.. ورجوته ان يشفع قوله هذا بالأمثلة.. فقال:
كتب الوردي، مثلاً، ((ان الشعر العربي كله لا يخرج عن أغراض ثلاثة، مدح الظالمين، ووصف الخمرة، والتغزل بالغلمان)).. وكان الأولى ان يقول ((ان كثيراً من الشعر العربي لا يخرج عن هذه الأغراض الثلاثة..)).
ومرة أخرى سألني الدكتور عبدالرزاق محيي الدين عن الصحة والمزاج..
وخل علينا الشاي دخول الفاتحين.. ((سماور)) من المعدن المجلو، يتربع القوري على ذروته، كخطيب على منبر.. أو كواعظ من وعاظ السلاطين يتهيأ لإلقاء قصيدة شينية ليدل على طول باعه في النظم..
وكان متوقعاً ان نعرج بالحديث على الشعر الحديث.. والدكتور محيي الدين ليس مع الشعر الحديث ولا ضده.. إذ لابد له من ان يدرسه دراسة وافية قبل ان يحكم عليه. وسيعكف، بعد ايام قلائل، على دراسة النماذج المتوفرة لديه من هذا الشعر، ليضع كتاباً عنه. قال الدكتور عبدالرزاق:
((لست أقصد بالشعر الحديث كل الشعر المعاصر.. فمن الشعر المعاصر ما لم يخرج عن اطار الشعر القديم في شكله أو مضمونه. ولكنني أقصد الشعر الذي انقطعت الصلة بينه وبين القديم.. وأهم ما أخذه على هذا النمط من الشعر انه ((يجرد)) الملموس والمحسوس، انه يحيلهما الى وهم لا تحسه العين او اليد او الإذن فبدلاً من ان يقول الشاعر ((بحر))، مثلاً، نراه يقول ((خاطر أزرق))! ان الشعر هو لغة المجاز والاستعارة، وانما يراد من المجاز والاستعارة ان يقربا المعنى الى الأذهان لا أن يبعداه.
ونظرت الى الساعة.. لقد جئت هنا كاتب ريبورتاج صحفي، لا شاعراً يبحث في مشاكل الشعر.
وبدأت أوجه الأسئلة التي اسعفني الدفء المنبعث من الصلاء –الصوبة- والسماور، على صياغتها في ذهني بين رشفة واخرى من الشاي.
ما رأي الدكتور في الأدب النسائي في العراق؟
أبتسم الدكتور محيي الدين ابتسامة من يحس انه مقبل على ((ورطة)).. ولكنها ورطة من النوع اللذيذ، ثم قال:
أن نتاج الأديبات العراقيات، من شاعرات وناثرات، لا يرقى إلى الدرجة المتوسطة في أحسن حالاته، وهو دون المتوسط في أغلب الاحيان..
وسألته، محاولاً إحراجه ((… حتى نازك الملائكة؟)) وتردد الدكتور محيي الدين قليلاً. كان يفكر في ((تخلص حسن)) من هذا السؤال، كما اعتقد.. واجاب وهو ينفث دخان سيجارته:
((ان نازك الملائكة بنت مدرسة جديدة في الشعر.. ولا يمكن الحكم عليها الا من خلال الحكم على هذه المدرسة كلها، وهذا ما سأحاول ان اقوم به في كتابي الجديد عن الشعر الحديث..)).
وكان الدكتور محيي الدين خشيَّ ان اعتبر قوله هذا تراجعاً منه عن حكمه العام على الأدب النسائي في العراق.. فاستطرد يقول:
((.. والحق ان ما قلته عن الأدب النسائي لا يقتصر على العراق وحده، بل يتجاوز الى البلدان العربية كلها.. ولا على هذا العصر وحده وإنما يتعداه إلى العصور جميعاً.. خذ الخنساء مثلاً، فهي –بلا منازعة- اكبر شاعرة عرفها تاريخ الأدب العربي. ولكن.. أين هي حتى من شعراء الدرجة الثانية؟)).
وحاولت أن أتكلم.. أن اعتذر للمرأة بالظروف والتقاليد التي كانت (وما تزال الى حداً ما) تحول بينها وبين التعبير عن مشاعرها بمثل الحرية والصراحة اللتين يعبر بهما الرجل عن مشاعره. فبادر الدكتور محيي الدين إلى القول…
((اعرف ما تريد ان تقوله تريد أن تعتذر للمرأة بالظروف والتقاليد.. ولكن دعني استشهد بالخنساء نفسها: مات أخوها فرثته.. وليس هناك من حرج على امرأة ترثي أخاها اذا هي عبرت عن كل ما يجيش في نفسها من عواطف فهل استطاعت الخنساء ان تقول في اخيها ما قاله المتنبي في رثاء خولة اخت سيف الدولة او ما قاله جرير في رثاء زوجته؟)).
وتصورت وجوه الشاعرات العراقيات وقد ملئت غيضاً كما تمتلئ السحب بالبرق والرعد و… المطر أيضاً. ولكن.. هل قصر الدكتور محيي الدين حكمه على الشاعرات دون الناثرات؟ وسألته أنا أتمثل، في نفسي، بقول المتنبي:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
أقصير طريقنا أمْ طويل
وكثير من السؤال اشتياق
وكثير من رده تعليل
سألته ((وما قولك في فلانة وفلانة.. من كاتبات القصة في البلاد العربية اليوم؟)).
فاجتذب الدكتور محيي الدين نفساً عميقاً من سيجارته وقال:
((أستطيع أن أقول إن المرأة تخلفت عن الرجل في كل الفنون التي شاركته فيها.. في الموسيقى والرسم والنحت.. والرقص أيضا بل وحتى فيما هو من اختصاصها كالخياطة والتفصيل)).
فما رأي آنساتنا وسيداتنا في هذا القول؟
وسألت الدكتور محيي الدين عن رأيه في الجواهري وفي شوقي.. أيهما أشعر؟ فانا اعتقد –وما زال- ان الجواهري أعلى كعباً في الشعر من أمير الشعراء. ولكن الدكتور عبد الرزاق لا يرى هذا الرأي.. فقد قال:
((إن الجواهري شاعر العراقيين الأكبر.. أما شوقي فهو شاعر البلاد العربية كلها. والجواهري، بالنسبة للعراقيين ولهذه الفترة، (أنفع) من شوقي… )).
فما الذي يقصده الدكتور محيي الدين من قوله ((بهذه الفترة))؟ أنه يوضح ذلك.. فيقول ((ان شعر الجواهري لن يستمر بنفس قوة التأثير التي يملكها الآن، لأنه يكسب قوته من الخارج أكثر ما يكسبها من الداخل، من الشعر نفسه.. الخيال والديباجة والفن. أما شوقي فأن شعره سيبقى على الزمن بنفس القوة. غير إنني أود إن أؤكد إني معجب بالجواهري كل الإعجاب)).
وقد اشترط الدكتور محي الدين أن ((أؤكد)) على تأكيده هذا.
ومرة اخرى قادتنا الدروب كلها إلى حديث ((الوردي)) والدكتور محي الدين متفق معي فيما سبق ان قلته عن الوردي من انه يتعمد المبالغة والتطرف ليحقق غرضه الخير عن طريقهما.. ويعبر الدكتور محيي الدين عن هذا تعبيراً طريفاً فيقول:
((الوردي يدخل إلى السوق بروح مزايد.. فمهما عرضنا من سعر زاد هو عليه، والمزايدات لا تقف عند حد، فكلما غالينا في الدفاع غالى هو في الهجوم.. لكنه خير الهدف.
ويمكن تشبيه الوردي بالسياسي الشعبي الذي يخوض معركة انتخابية وهو عارف كيف يضرب على الأوتار الحساسة من عواطف الناخبين)).
وتصورت الوردي يخوض معركة انتخابية… وقد ارتقى المنبر وراح يخطب، داعياً لنفسه. وسألت الدكتور عبدالرزاق:
((لا ريب في ان الوردي هو اليوم اشهر مؤلف عراقي.. فهل تعتقد بانه سيفوز في الانتخابات لو رشح نفسه للنيابة؟)).
وابتسم الدكتور عبدالرزاق لهذا الخاطر واجاب ((سيفوز بالتأكيد)).
فسألته ((عن أي منطقة.. عن الكاظم مثلاً؟)).
فقال: ((لا عن الكاظم ولا عن اية منطقة بذاتها.. ولن يفوز الا اذا عدل نظام الانتخاب من اجله بحيث تحتسب له الاصوات التي يحصل عليها من العراق كله)).
وصمتنا لحظة، نصغي ووشوشته وهو ينشد الاماديح….
الى وسوسة ((القوري)) قال الدكتور محي الدين وكأنه يكمل حديثاً لم ينقطع: ((ان الوردي له مجتمع وردي)) ولم أفهم ما يعنيه، فاستوضحته…
((الوردي عرف كيف يحرك عواطف القراء العراقيين انهم يميلون الى هذا النوع من تهويل الامور، والأتيان بآراء تحدث ما تحدث من أخذ ورد.. وهو يكتب في كل المواضيع. والحق ان الوردي وخصومه على السواء لا يواجهون المناقشة، وانما يدورون حول الموضوع دوراناً.. اما بقصد اطالة ((الطريق)) وما يترتب على ذلك من جذب لأنظار القراء. واما لان من الصعب عليهم ان يواجهوا الموضوع بصورة مباشرة.
ان الوردي –في الحق- يحارب الى جبهة واحدة وان تعددت الجبهات التي يحارب عليها. وقد افاد ونفع اكثر مما افاد ونفع أي كاتب اخر… فاذا انتفع من كتبه بعد ذاك، فربحه مشروع، ومن حقه ان يتحدى ضريبة الدخل.. كما صرح مؤخراً)).
وغادرت الدكتور محيي الدين وانا افكر بما ستثيره اقواله من نقاش وجدال.. لعل الحقيقة التي نسعى اليها جميعاً ستظهر من خلالهما.

عن جريدة الشعب
25 كانون الثاني عام 1958