لمحات من حياة: سماحة آية الله السيد محيي الدين الغريفي(قده) بقلم: السيد محمد رضا الغريفي

 

 

الإنسان بين الحياة والموت

يختلف ما يكتب عن شخصية ولدت في حياة ينقضي زمانها ثم تموت، عمّا يكتب عن أخرى تستمر في الحياة رغم رحيلها عنها.

ويتجسد واقع من مات وبقي حياً بمن رحل وخلّف ذِكراً وعملاً؛ إذ يختلف عمّن مات فمات ولم يخلف ذكراً ولا عملاً. ولا بد أن يكون الأول هو من حقّق شرف العبودية لربه بعد أن ثبت في منهج الإرادة وأسلس الطاعة له بالإنقياد لما أمر والإنتهاء عما نهى، ويكون جزاؤه على شقّين، ولا نعرف حقيقة الشق الأول؛ لأننا لا نفهم كيفية النعيم في الآخرة. ونكون لامسين للشق الثاني في ذكر الدنيا، حيث لا بد أن يكون هو الترحم عليه والإستغفار له نطقاً باللسان من كل مَنْ يتحسس واقع الحَسَنَة في ابن آدم، وكذلك في بقاء عوالم الراحل شاخصة يتوضح بها ما فعل حيث يكون قد خلّف بناءه وجميله ثم رحل.

وليس ذلك كذلك الثاني، وهو من يرحل عبداً لهواه ويستهلك آخرته بدنياه، وقد استلَّ عمره في تصرم الزمان عليه جزءاً جزءاً ليفيض في النهاية مفقوداً ويقف أمام ربه؛ إذ يخاطبه: {قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}[1].

وترتب ذلك في القانون البشري منذ أن رحل قابيل وخلّف أتباعاً وأمّةً ميتة، وختفى هابيل عن دنياه وكان وراءَه أتْباعٌ وأمّةٌ حيَّةٌ. وكانت الأمة القابيلية على طول الزمان مصداقاً لسنّة الله التي صنفت الخلق فكانوا هم الكثرة المنزلقة، وتجلّى الهابيليون فكانوا مصداقاً لوصف القرآن لهم بالثُلَّةِ والقِلَّةِ والقليل وكانوا هم الأمة الثابتة.

إنَّ دنيا البشرية تَتَقَسّم بين مَن أبقى بعده ذكراً حسناً ورحل ميتاً، وبين من يتَقوَّم في جانب إغرائها فيستوعبه خداعها، ويتخيل البقاء الأبدي، فتكافئه حينئذٍ بالفناء له؛ إذ يرحل عنها خالي الوفاض.

لقد عاش دنيانا بعض مَن رحل عنها وبقي حياً فيها بذكره ومآثره وفِكْرِه وعمله وما زال يحيى خالداً. وتجلّى ذلك في من نتحدث عنه حيث جاء دنياه في شرف ليلة فأسماه أبوه.

المولود المبارك

وأطل السيد محيي الدين على الدنيا حين أطل، وكان أبوه قد وهى مما ثُكِلَ به من قبله ممن وُلِدَ له؛ إذ كانت النجف آنئذٍ ضيقة المورد، مفتوحة على موت من يولَد! إلاَّ بخصيص حكمة من الله في أن يعيش، ورعاية منه في أن يبقى، وإذ فقد السيد جواد آخر من وُلِدَ له، تزوج بابنة عمّه (السيد مسلم)، وأسَرَّ النداء مع ربه خفياً وربّه يسمع فيستجيب، فأعطاه بأن حملت زوجه الجديد وأتمت، فكان مخاضُها في نُزُل الآباء والأجداد على مسافة نظرة من مرقد جدّها سيد المتقين.

واستقبلت محلة (الحويش) في النجف نقيّاً آخر من آل علي(عليه السلام) في زمان اختاره الله لتتنزل رحمته على عباده وتلك خصيصة تتميّز فيه أخفاها ثم أضاف إليه خصيصة شرف أظهرها في مولد منقذ البشريّة مهدي آل محمد(عليه السلام).

لقد كان إشراف ولادة (محيي الدين) في ليلة النصف من شعبان عام (1350هـ) بعد أن تنفس الليل عن فجر جديد بدار عم أبيه (السيد جاسم) المطل على الزقاق الملاصق اليوم لمكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة.

وبَقَدْرِ ما كانت الفرحة غامرة، كان يحيط بها وجل، حيث استنزفت والده آلام ثكل سابق طبع خوفاً بكل الأسرة من تكرره مرة أخرى. وعلى قدر ما في ذلك من ألم فهو في البشر من لوازم رحمة الله، إذ يُمَحِّص العباد في اختبار واختيار، وحينئذٍ لا يَذَرَ – عزّ وجلّ – مَن آمن فَصَدَّقَ منهم إلاّ أن يرفع له عنده موقعاً، درجة درجة بمستوى ما تثبت ذاته البشرية الممتحنة في الصبر منزلة منزلة.

وتَقَسّمَ الصمت في بيت الولادة بين الخوف والرجاء على مستوى اختلاف الفرد البشري في التوجه لله دُعاءً في حفظ ذلك المولود!

إن الموروث الاجتماعي يلجىء في المتماثلات من الوقائع إلى مثيلاتها.. وفي ما نحن فيه كان تأميل البقاء للمولود الجديد هو غاية كل الأسرة ومحور تفكيرها، فكان لا بدَّ أن يتجه ذلك التفكير إلى الأشباه والنظائر؛ لأجل التيمّن بها وتثبيت الرجاء بتماثلها، ووفقاً لهذا كان الإقتراح أن يسمى الوليد باسم يحيى تأميلاً ببقائه للتلازم بين معنى الإسم وبين الحياة بقاءً، ومماثلة لنبي الله زكريا(عليه السلام)؛ إذ استجاب له ربه حين دعاه بوريث له فكان؛ ولأن شعبان هو زمان الإحتفاء وإحتفال بدعاء زكريا أو بولادة ابنه يحيى بعد استجابة الدعاء حسب بعض الروايات التي أخذها موروثنا الاجتماعي.

ولكن والده رأى بأن شُكْرَ مِنّة الله عليه في تحقيق ما طلب، أن يأمل إحياء الدين بوليده الجديد، لِيَتَيَمّن بولادة المماثل وهو المغيّر في آخر الزمان بإحياء شرع الله حيث ولد في تلك الليلة مهدي آل محمد، فأسمى وليده الجديد (محي الدين).

العودة إلى بغداد

وحين انتهت مراسيم الولادة في النجف – واستحبابات ما بعدها حيث وعينا وما زلنا على استمرارية الإلتزام بها مما هو مذكور في روايات آل محمد – عادت الأسرة الصغيرة إلى بغداد.

وكان السيد جواد أوَّل شخصية علمية نزلت بغداد مهاجرة إليها من النجف عام (1339هـ) بتوكيل من مرجعيتها لأداء التبليغ والإرشاد وحين سكن اتخذ من منطقة الكرخ سكناً له، وأطل بما سكن على دجلة الخير حين كانت تشغل ضفتها بساتين نخيل تلتحم بسداها الأخضر من الكرادة إلى الكاظمية، لقد أنبأني ذلك شخصياً (رحمه الله) قائلاً: نزلت بغداد وما كان فيها بناء يذكر، وعشت في منطقة تناثر على ترابها مجموعة أكواخ تُؤوي من يعتمد على ما خلق الله في مياه النهر مما يرزق.

واتصل السيد جواد وثيقاً بمرجع الكاظمية آنذاك (آية الله السيد حسن الصدر) كانت له منه وكالة، وعليه دراسة، وبه صلة أسرية، وقد اعتمده السيد الصدر بقوة في الأمور التي تخص شيعة آل محمد في كرخ بغداد.

وبَقيَ السيد في بغداد على جبلّته ترابياً في المسلك، صريحاً في القول والفعل، مُتَعصّباً للحق، مُتَرفّعاً عمّا في أيدي الناس.

وترعرع السيد (محيي الدين) ونشأ في تصرم السنين والأيام بما يحاط به من حدث، أو فيما يدور به أبوه من خوف عليه ووجيب شخصي من طوارىء الأيام، حيث كتب (رضوان الله عليه) حينما ترجم نفسه في الجزء الأول من كتابه (السادة الغريفيون) قائلاً: (نشأت في حجر والد فَقَدَ قبلي ما يقرب من ستة عشر طفلاً، فكنت حرياً لديه بغاية العزّ والعناية، وكان يصحبني في أكثر أسفاره وأغلب مجالسه التي استفدت منها كثيراً أيام صباي.. إلى آخره)[2].

ولم يَرسُ الوالد (رحمه الله) في أثناء طفولته في محطة طفولة، مع الراسين من أترابه إذ كانوا يدرجون على دجلة ومحيط بساتينها، إلا ما طَبّقَ عليه أبوه السُّنّة المحمدية في تعلم السباحة.

وكان السيد (محيي الدين) ومن زمان عمره المبكّر يختلط مجالسةً مع الذين يتصلون بوالده في مجلسه، وهو يستمع جيداً لحديث من كان راسخ التجربة، أو حكيماً فيما يتعقّل، أو من عركه الزمان فساح في الأرض مع (العثمانيين) في سلمهم وحربهم. وقد أدركت أنا وَشْلَتَهُم وكانوا يتحدثون بتوقد ذهن على ما فيهم من تعب شيخوخة ومرض. وكان يُلْفِتْ نظري منهم اثنان بُتِرت أصابع أقدامهما، فسَأَلْتُ أحدهما عن ذلك، فأجابني بابتسامة قائلاً: لقد ماتت أصابعي بثلج الجبال مع العثمانيين، ولم أفهم ما قال لي حيث كنت صغيراً إلاّ بعد أن أدركت ما يعنيه.

نشوء شخصية السيد

ونشأت شخصية السيد(رحمه اله) على تلك المعالم الشخصية والعامة فاستمع ممن عاش الدنيا قبله تجارب ما عاش، وتهيأ لأن يتلقى ويستفيد.

لقد كان مَنْ أحاطه محطةً وسطى ما بين الزمان الذي عاشه وتَصَرّم، وبين الزمان الذي يتحدث فيه عن الحدث حيث كان يستجمع عمره في الزمان والمكان يتحدّث به في منطق واحد في مجلس واحد.

وتعلم السيد (محيي الدين) في عمر مُبَكِّر على ألاّ خوف في طريق الحق من الإقدام ولا وجل فيه من الثبات، بيد أنّه سما وتَرَفَّع عما كان يخصه من حق وتعفف عن أن يطالب مغتصبه به، وظهرت قوته المذهلة حين تعلق بما يعتقد أو بما يخص رَحِمَهُ دفاعاً عن حق رَحِمِه ممن يؤذيه أو استخلاصاً له ممن اغتصبه، حيث لم يهادن في ذلك ولم يجامل.

ونشأ السيد في حياته صاحب قرار يتخذه فيستمع محيطه إليه حينما يسمع منه، وإذ بدأ في ذلك كان يتولى أمر إدارة أسرة أبيه حينما كان يلتفت أبوه نحو مهاه في تكييف من يحيط به من الناس بكيف آل محمد، أو ينشغل تماماً بمهام تأسيس أول مسجد للشيعة في كرخ بغداد في آن ذلك الزمان رغم ما عانى من تدني الوعي في مجتمعه ومن غلبة العاطفة على العقيدة فيه.

وكبرت أسرتهم الصغيرة، وتتابع بناء المسجد رغم ضغط الحاكمين، وتسلسل من قطعة أرض بستان اشتراها السيد جواد جزءاً جزءاً وبسرية تامة وبأسماء مشترين متعددين ثم أحاطها أولاً بسور من سعف نخيل بعد أن أوقفها ليطوره إلى سور طيني إلى تعالي بناء أرخ إكماله بالقاشاني عام (1340هـ)، وتم كل ذلك بما كان يملك من بساطة في مورد المال ومن ضيق وضَنَك من كان يحيط حوله.

لقد حدثني هو (رحمه الله) عن بعض طفولته – وكان نادراً ما يتكلم عن ذلك – قائلاً: لم أكن حين وَعَيتُ الحياة إلاّ حاملاً للمسؤولية وسرت فيها مع والدي الذي شُغِلَ في مجتمعه وشُغِلتُ معه بما هو فيه، وزدت عليه مسؤوليتي عن إدارة بيتنا الداخلي في أسرة تتوسع كل سنة.

وحين بدأ السيد (رحمه الله) يتعلم القراءة والكتابة وعلوم الحساب كانت سِنّهُ أبكَرَ من أقرانه، وخَتَمَ القرآن فكان له ما يكون لخاتمه في ذلك الزمان من مراسيم. وفي هذا بدأ يتفتح على مورد عناية أبيه الخاصة في حمل العلم حيث راهق أبوه الإجتهاد إن لم يكن قد اجتهد في زمان أن رحل من النجف إلى بغداد. وتعمق الدرس بين الأب والإبن وأحاطت به آداب الدارس لعلوم آل محمد وملازماتها من الإعتياد على السؤال عن كل جزء جزء مما يتعلمه المتعلم إذ يكون متهيئاً في كل زمان للإجابة عما يسأل.

لقد كان على طالب العلم في مسلك طلب العلم أن يكون مستنفراً في كل حين للجواب عما تعلّم دون نسيان أو إهمال، وذلك منهج سلكه معنا (رحمه الله) نحن أبناؤه حين ابتدأنا الدراسة الحوزوية في سن مبكرة، بل هي سليقة نجفية لقياس القدرة العقلية لطالب العلم، بل لتقدير أحقيته بحمل علوم آل محمد.

وكان السيد (رحمه الله) من القِلّة الذين حكّموا قول الله بأنفسهم فيما أنزل في الوالدين: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}[3]. ولطالما سمعته – يُردّد في محالّ الإستشهاد، ومواضع التربية والتوجيه – أن لو وجد الله أقلّ من كلمة (أفٍ) في النهي عن حقوق الوالدين بقولها لذكرها في القرآن. ولقد غلبه الحنين إلى أبيه حينما رثاه بين صلاتي الظهر والعصر؛ إذ صلّى مكانه في اليوم الثاني من وفاته، واختنق بِعَبْرَةٍ حاول الإمساك بها ولكنه أجهش. ولم أرَ السيد والدي (رحمه الله) في تلك الصورة قَطٌ على طول ما سَخَنَهُ الألم حيث كانت ترجح عنده كفة الصبر دائماً؛ إذ لم يزد فيما يصيبه عند مواضع الشدّة على أكثر من الحوقلة والإسترجاع كرد فعل عن المؤلم.

مع الحدث الجاري حوله

لم يغب السيد الوالد (رحمه الله) عما كان يجري حوله من حدث إذ كان يعلم أنّه يمسك بساحة خالية تقريباً ممن يمتلك وعياً في الصلة مع الله عن طرق القيادة الشرعية التي توصلهم بالإمامة، وحتّمت عليه وحدته مع أبيه أن يكون قطب ما يدور حوله. مضافاً إلى طبع ما يحمل من ذات، وما جُبِلَ عليه من نظرة الجد لما يمرّ به وعليه من أمور صغيرة فضلاً عما يخص شيعة آل محمد أو المسلمين عموماً. ولم تشغله – إذ كان يتحرك – نظرة حاسد أو مُستثقِل لما يعمل، وإنّما كان يعطي دون مَنٍّ عطاءً غير مجذوذ، ودون انتظار ما ينتظر مثيله من جزاء؛ لأنه لم يفكر بمقدار ما تنسج دنياه لمن يريدها لباساً يزهو بها أو افتخاراً يُعلي بزبرجها على الناس كَعْبَه. وهو السيد الذي آمن بتحكّم المتغيّر في كل دقائق وتفاصيل الحياة على مدى تصرّم اللحظات وانقضاء الزمان؛ ولهذا كان يردد دائماً الآية الكريمة في مواضع مجيئها كمَثَلٍ لما تكلمنا عنه: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}[4].

لقد كان الأمر الثابت عنده أن التِّركاض في الدنيا هو محض مرور إلى نهاية محتومة، مهما حوى الراكض لنفسه ومهما حاز لذاته، وأن الفائز هو من يشريها ابتغاء مرضاة الله، ويفني ذاته ليطبع ذات غيره بما يريده الله سبحانه وتعالى لابن آدم إذ استخلفه في ملكه، وحينئذٍ حَكَمَ فيه قولُ الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}[5].

ودارت بالسيد الوالد (رحمه الله) دنياه فأثبت محورها على نفسه، وما ذَهَلَ حينئذٍ عن الشخوص إلى الله وما تَلَفَّتَ ليؤخذ في الدوران، وتوحّد في ذلك فرداً مع المتوحدين، فلم يعش موضع شبهة، ولم تحط به الأوهام في خَطْلَة فعل، أو زلّة منطق، لقد كان الله أمامه في كل شيء وكان وَليّه، فأحاطه قانونه: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}[6].

وفي هذا كان مسدداً، ولا بد أن يكون ذلك كذلك من يُبصِر حوله بنور الإيمان فيكون من عباد الله المخلصين، وكان (محيي الدين) في حياته من المخلصين.

وتلازم الضنك معه منذ أن بدأ يعي، وتدرج متصاعداً يتوسع حينما كان يرتقي الزمان بمرور السنين، فاحتاجت بَشَريّته إلى قوة مجابهة، فكانت كما اختار وسطاً ما بين العاطفة والحزم مع طفولة إخوته أولاً حيث لازمهم مدار الحركة ونزق التمرد في حَيٍّ بدأت بيوته تتكون في ضيق أزقة، وتلاصق عوائل بمساحة أربعين متراً لكل بيت. وكان عليه أن يتلازم مع النظرة النجفية للتربية – حيث وسمها أبوه السيد جواد بعد أن لم يندمج في مسلك البغاددة أو يتمازج – وأن يميز بين الإبداع في ما يعمل، أو الحرفيّة في ما يتصرف، ولقد تحَسَّسَ (رحمه الله) كل ذلك فوازن حياته مبكراً في أسرته وفي مجتمعه، وواصل التوازن بميزان العقل، فاحترم الكلَّ وانجذب إليه الكلُّ مخالف أو مؤالف.

لقد حدثني (رحمه الله) في ساعة صفاء قائلاً: نشأت في مجتمع يفضي إلى الخلاف في كل شيء، ولكني ما خالفت أي أحد إلاّ في ذات الله، سالكاً مع من أخالفه لطف القول وجميل الصنع، ثم أردف بعد سكتة يقول: أنا لم أنظر يوماً إلى مَن صَدَّ عني أو جَفَا بأنه صَدٌّ، فأَحْتَمِل الغيظ ليحملني الغضب عليه، وكنت أقول سلاماً لمن يحاول أن يُحَكّم معي روابط الشيطان ليُسيء إلي.

لقد عشت معه أنا طوال ثلاثين عاماً من عمري فما كان إلاّ ما حدثني به، وهو الصادق فيما يحدث.

وبدأت تجري عليه (رحمه الله) – من ضمن ما جرت عليه في حياته – أحداث السياسة وتحولات الحرب الثانية، والسيد يتفتح في العمر في مدارج التكامل، وكان أهم ما أتذكر في الحديث معه في تلك الفترة هو حديثه عن الحصار والتموين، بيد أن الحدث الأهم كان الحركة (الـﮔيلانية) التي عرفت في الأدب الاجتماعي الشعبي (دﮔـة رشيد عالي).

إن الذي يؤذي الشيعة في العراق هو استمرارية المنهج التركي العثماني الذي لم يعترف يوماً بأتباع آل محمد رعايا في دولة آل عثمان، والحاكمون آنذاك أشخاص وأفكار هم بقايا أولئك الذين حكموا العراق لأربعة قرون، حيث تعاقَبَ على السياسة العراقية الحاكمة مَنْ عَسْكَره العثمانيون، ثم تَحَوّل بولائه إلى مَنْ جاء بعدهم من الحكام البريطانيين، ولقد كان يساكنهم المنطقة مالكاً الكثير من بساتينها المجاورة أحد بقايا من أمسك بهم التعصب عن مقومات النظرة العادلة، وتشاء السياسة أن يكون ذلك الشخص أميناً للعاصمة، وكان هو الذي وقف سداً مانعاً في سبيل كثير من المشاريع التي كان يروم القيام بها السيد جواد في المنطقة من خلال ما كان يملك من سلطة اتخاذ قرار في المنع.

لقد كان على السيد وأبيه أن يعملا في جو اجتماعي متردد يحيطه جو سياسي خانق، فكيف إذا لازمه حدث استثنائي في منطقة شيعية على مرمى حجر من دار الحكومة، وحينئذٍ لا بد أن نقول بأن الجهد بحاجة إلى الإستثناء.

عمل السيد (رحمه الله) في تلك الأزمة

وعمل السيد الوالد (رحمه الله) في تلك الأيام بهدوء ما يفعل، وذلك كان ديدن أبيه في العمل القربي، فسار وقد تَخطّى العاشرة من عمره يكتم الحركة، وكان – وهو في تلك السنّ – مؤثراً مع أبيه بما يحيط ويصنع من هِمّةٍ في الترتيب والتنظيم، وتسايرت حياته كذلك في صمت الحديث عما يصنع وينشىء، ومن يَتَحدَّث أو يفعل يكون عادة مفتقراً في شخصه لأن يقال عنه أمرٌ ما، يَزِنُ مَقولَ ما قال أو ما فعل إن فعل، أما (السيد) فلم تَكُن فيه حاجة لأن يكون كذلك، كما أنه لا يحتاجُ لأن يعضَّ بِناجذِهِ على مَمْسَكِ دَرْبٍ يحيط به بريق.

إنَّ صاحب التأثير في الناس واضح، يدل عليه ما صنع حتى وإن سكت، ولكن السيد زهد حتى في نتاج ذلك منه بأن يكون في واجهة الحدث، بل لم يحتاج حتى إلى دلالة صنعه ليرتفع بعد رِفْعَةِ الله له إذ أعزّه حين خرج بذاته من ذلّ معصيته.

ورغم صعوبة الظرف آنئذ فقد مضى التجمع في المسجد للصلاة والدعاء ومجالس عزاء الحسين، ومضت خطب أبيه فيها مشيرة إلى ترسيخ الهدوء النفسي والتلاحم بين شيعة آل محمد، وكان الأساس في العمل بدايةً هو شرح المسألة الشرعية والتعريج بعد ذلك على ما يُراد إفهامه مما لا مدخل له في السياسة.

لقد كان المهم – فيما وجدتُ من كتابات على قصّاصات أوراق – أن تَعْبُر الأمة تلك الأجواء المُلبّدة؛ وذلك بالمحافظة على توازن المحيط الاجتماعي، وتلك تفاصيل لي معها شأن، ولكن طريقها طويل ويكفي أن أقول: إن السيد عمل مع أبيه حيث هدف أن يستقر الهدوء دون الخضوع إلى انجرافات التيارات.

وفي كل هذا استمر درس السيد مع أبيه وقد أفصح عن ذلك سطر ونصف سطر كتبه عما كان يجدُّ فيه (السيد محيي الدين) آنذاك ويشتغل إذ كتب: (تمَّ الدرس – والحمد لله – رغم ما يحيطنا من زعزعات وفي الزقاق من منازعات). لقد كان السيد يسترِق الساعات ليطالع ويكتب، وحدثني أنه كان يحمل كتابه معه مستفيداً من فراغه في زحمة ما يحيط به.

شيءٌ ما فيه؟!

وأثّر التعب في حياة السيد إذ لم يكن يملك فُسْحَة فراغٍ للجسد أو في الفكر، فانتابته ابتلاءات لقياس قدرته على التحمل فيما كان يثبَّت مرسخاً ذاته في عبودية الله. لقد توقفت إحدى كليتيه، فكان قرار الطب أن تُسْتَأصَل، فَضَمَّهُ المشفى راقداً، وحرجت حالته في يوم حتى وصل إلى الحاقّة!

وحدثتني خالته التي كانت تعيش معهم قائلة: خرجت ملهوفة أحُثُّ الخطى نحو (باب الحوائج (عليه السلام” مخترقة البساتين أمشي على قدميَّ، وأحمل قُلّة ماء، وكان الوقت غَبَشاً، وقد طلعت عليَّ الشمس وأنا في الدرب، ودخلت – موزعة بين الخوف والرجاء – على إمامي وسيدي وكُلِّي وَجِيب، والعبر تتكسر في صدري، وأمسكت بشباك موسى بن جعفر(عليه السلام)، وبكيت ثم جلست وقُلَّة الماء بين يدي. ويظهر مما حدثتني به أنها قد أخذتها سِنَة من النوم رغم تأكيدها لي بأنها كانت مُتيَقِّظة مالكة لحواسها؛ إذ شاهدت إصبعين فضيين أو ما يشابههما يخرجان من الشباك نحو الماء الذي في (القُلّة)؛ وسمِعَتْ صوتاً هامساً يقول لها: قومي إلى المشفى وليشرب ولدي من هذا الماء. وقطعت الطريق راكضة ودخلت عليه وهو راقد، تقول: فسقيته دون أن أتكلم، وبعد سويعات فتح عينيه ببركة باب الحوائج وشفي.

لقد كُنْتُ متيقناً – من خلال ما مرّ بي وشاهدتُهُ – من ارتباط السيد بعلقة خاصة بجده موسى بن جعفر(عليه السلام) وبعمّه أبي الفضل العباس(عليه السلام)، فقد كان يرحل إلى كربلاء كلما نابته نائبة ويدخل بدون استئذان على عمه باب الحوائج يبثه ما عنده، وقد اختار في كل ابتلاء يصيبه تخميساً لبيتين لابن عمّه آية الله السيد عدنان الغريفي، حيث قال:

ندبت أبا الفضل الذي هو لم يزل

قديماً حديثاً في النوائب يقصد

يمد على جسمي السقيم بكفّه

وإن لم تكن يوم الطفوف له يد

وكملت تلك قصيدة بما يقارب من عشرين مقطعاً، وكل مقطع لِهَمٍ من همومه يشكو به إلى الله بواسطة عمّه باب الحوائج.

العودة إلى النجف

بعد ولادته فيها، وما اكتسب من تجربة عاد إلى النجف من بغداد. وبغداد – إن أرَدْتُ قليل استرسال – هي مركز مهم كونها وريثة تراث الحضارة ومُسَيّرَة الحدث في العراق، وفيها ابتدأ نمو أساساتنا الفكرية التي نتعبَّد الله بها على طريق آل محمد بعد الغيبة الكبرى لمهديّنا الموعود؛ إذ بنيت أصولنا ومنهاجنا وقواعدنا على فكر مَن مضى من أبناء (موسى بن جعفر(عليه السلام” المرتضى والرضي وأستاذهما المفيد، بل ومَنْ أسس العلم في النجف، ولولا ما لاقى من عَنَتٍ وإحراق الكرسي الذي يُدرّس عليه وكذلك مكتبته لما هجرها طوسيّنا (رضوان الله عليه) ليُجاور علياً(عليه السلام). وفيما أجزم إنّ ما حدث له هو بترتيب ربّاني لقيام العلم في النجف، وكذلك كان عودة السيد الوالد إليها بترتيب رباني ليكون فيها.

ولم تكن عودة السيد محيي الدين – في الحقيقة – آليّةَ رجوع وانتقال؛ وذلك لأنّ والده قد نقل النجف مصغّرة إلى بيته في بغداد تربية وعادات وتقاليد، فأنشأ أبناءه نجفيين في محيط بغدادي، فيكون السيد الوالد في رحلته قد رحل من النجف إلى النجف.

وبدأ يرتاد منذ وصوله حلقات الدرس، وكان لا يتخلّف عن حضور أبداً، وقد فَتَحْتُ عَيْنَيّ عليه مدركاً أنه كان يخرج صباحاً ويعود ظهراً فيقتاتُ بقليل طعام، ثم يَأوي إلى قيلولة يلم نفسه بعدها فاتحاً كتابه، ويخرج عصراً ليعود بعد الغروب إلى كتابه في الدار، فيأخذني النوم لأصحو على صوت تعقيبه بعد صلاة الفجر، ولقد حَفِظْتُ منه قبل سن السابعة سورة ياسين والواقعة والجمعة وكل تعقيبات صلاة الفجر ونُتَفاً كثيرة من دعاء الصباح.

وحدثّني في ما كان يعرض عليَّ من تجارب التفاني في طلب العلم قائلاً: طلبت مدرّساً فاعتذر بعدم الوقت، فقلت له: وبعد صلاة الفجر؟ فَفَكَّر ونَظَرَ وقَبِل. وقال لي: كنت أخرج إليه أقطع الأزقة الخالية في الظلام قاصداً داره، ما تأخرت عنه يوماً وما تعَلَّلَ هو بِعَلَلٍ عن الدرس وما تعلّلتُ إلى أن أنهيت درسي عنده.

لقد كنت أصحبه ليصعد سطح مسجد، وكان أمام ناظريّ يتحلّق مع أشخاص حولَ سيّد ذي شيبة، وأبي كان يجلس على ركبتيه وحيداً يكتب، وما كنت أفقه حتى ما يقول ذلك السيد بعربيته الممتزجة باللكنة الفارسية، وكان المشهد يتكرر في كل زمان كان يصحبني فيه معه إلى ذلك المسجد.

نحن وهو

لقد كُنّا شأن مَنْ صنَعَتْهُ النجف نصنع الحركة. وإذا كان غيرنا يتحرك فنحن نتحرك ونتحرك ونتحرك، مع مَيَلان طبع السيد الوالد إلى الهدوء إذ التزم بما نشأ عليه وشب، وكان يريدنا أن نكُونَهُ متصرّفين وكما يريد هو، مُلْتَفّين بثنايا الشخصية المتعقِّلة، ونجح إذ أخْضَعَنا للأناة في الحركة ولكن دون تردّد، فاتخذنا الصبر دريئة للمكاره، وسلاسة الفعل دفعاً لمظنّة المظالم، وإذا كان مَنْ يرى بأن ما كان يصنع – هو ومَنْ مِثْلُهُ في ذلك الزمان من تربية – ضغطاً على الطفولة من أن تأخذ مداها الطبيعي، فإنّ ما ربّانا به وعليه (رحمه الله) هو الذي أفضى بنا إلى أن نرى العِزّ في الحياة مع الحق قاهرين. وتَرَوْنَ أني لا أستعمل لغة المفرد لأني أقصد ما كُنتُهُ أنا مع شقيقي الشهيد (السيد محمد حسين) إذ كان بيني وبينه عمر سنة واحدة وكنا شقيقين صديقين تشاركنا الدرب كُلَّ الدرب، وسِرنا فيه طريق الحياة، وأسلمنا روحينا لله، فسبقني إليه راحلاً حيث استشهد على يد الطاغية مع ثلة من إخوته، ويقال بأنّه دفنهم في واحدة من مقابر شهداء جرائمه في منطقة محمد السكران، وفتشت عن رفاته بعد سقوط الطاغية ولم أجده.

موقفنا في النجف

واندمج السيد في النجف – وكانت هي نجف آبائه وأجداده – بكل ما فيها من ملابسات، وما تملك من خصيصة الإصرار على إنبات من تحتضنه في خصب المعرفة، وإجباره على اعتماد الفكر الراسخ في محور ما يتعقّل ومن يتعقّل، وسط مسيرة تعتمد الفكر والنظر ثم الفكر والنظر.

والنجف أعراف ومواسم وذكريات، وموضع السرّ فيها خصوصية التصرف في الكلمة والحركة، فهي لا تصمت إلا لِتُعِدّ كيف تتكلم وإن نطقت ففعلاً ظاهر التأثير، إن لم يكن هو واقع العنف، يُحيط به التكليف الشرعي أحياناً لدى الثُلّة، والجانب الشخصي أحياناً أخرى عند الغالب. لقد حملت النجف تربية خاصة بكل ما يخصها كونها موضعاً خاصاً يحيط به أفق خاص.

وكان أبي معنا حينما اجتزت مع أخي الشهيد الدَّرب، وحملناه بداية دراسة فكر، وطَبَعَنا – وأنا أعترف – بميسم الإصرار والثبات، بل وربما العناد، حيث تولدت فينا مسافات في النفس، امتزجت بعوالم خاصة في الشخصية، وإذ ابتدأنا من الطفولة في قوة الغلَبَة، وغَلَبَة القوة، اندفعنا في شعور عدم الخشية فجازفنا في مواضع المخاطر. وإذ شدَّنا حفظ القرآن الكريم والشعر وصناعة الأدب ودراسة الحوزة… شدّتنا أيام المحرم وصفر حيث فقدنا الحس حينما كانت قلوبنا تخفق للحسين، إذ ما كانت زاوية في ذواتنا إلاّ وهي مملّكة له، وقد نبض به كل عرق فينا إذ تَنسّمه وجداً وعشقه حباً. ولم نكن ونحن بعد ما بين الثامنة والعاشرة من العمر – إذ بدأنا الدرب – إلاّ صور أشخاص نُفْرَغُ كُلياً في مراسيم نسير فيها حفاة ما بين (الثَّلْمة وعَـﮔد السلام)[7] لا نمتلك فيها نفْساً ولا قلْباً، بل كنّا لا شيء حينما نقف في باب الحصن مع الكتل الفاقدة في حب الحسين ودقات الطبل تفرغنا تماماً إلاّ من كربلاء والفداء والدم والبطولة في ذكرى الدم.

إنّني أفخر بأن الوالد كان يمنعنا من أن نكون على سَجيّتنا دون ضوابط ما يريد إلاّ فيما ينظر إلينا باعتزاز حينما نعود متعبين وقد صُبِغْنا بما صُبِغْنا به في القَدَم والوجه واليد والثوب؛ لأنّ ما نعمله هو جوهر ما يريد. لقد كان يحثنا أن نكون في عزاء الحسين(عليه السلام)، وكان يسألني حينما كانت المجالس تترى في مسجد الهندي طيلة شهر صفر عن ماذا قرأ الخطيب، ويبدو السرور على محياه إذ كان يسمع مني ما أتكلم.

بزوغ نجم السيد الوالد في النجف

إنّ النجف لا تحمل إلاّ من ثَقُلَ وزنه حسبما تَزِنُ هي، وكانت موازين السيد (رحمه الله) ثقيلة، فاتَّزَن ورجُح على سواه فأجْبَرَ من أحاط به على الإنفراج ليأخذ مكانه الطبيعي في العقل النجفي والعلم الحوزوي. ولم تنفع طريقته في أن يتكتم على ما يعمل وما يفكر أو أن (يَتَدَرْوَش) أو أن يكون وراء الستار؛ إذ بدات تشير إليه بنانات القوم ليكون في العيان، وينسب إليه الحدث ولعل تكتمه يرجع إلى ما تتابع على أسرتنا من ثقل الأحداث، أيام كُنّا نُمْسِكُ باللّظى لِنُعبّد الدرب حيث نكون في واجهة عَلَنٍ لإقامة الحق وإزهاق الباطل، وتسرب جرّاء ذلك أجدادنا من بلد إلى بلد يلاحقهم الظالم حتى طَبَعَنا التخوّف بميسم الكتمان.

إنّ نظرتي هذه تبلورت من رؤية فاحصة لمجمل ملامحَ في أسرتنا ربطت بين ماضيها وما عِشْتُهُ في حاضرها؛ إذ كنت أرى غلبة التكتم عليها في النظرة إلى السياسة، أو العمل العام، أو الظهور إلى الواجهة، أو التردد في اتخاذ القرار، أو التهرب من تحمل مسؤولية!

وبدأ السيد يُعْرَف ونجمه يعلوا في المحافل العلمية في النجف، وذلك منذ أواسط الستينات من القرن الماضي، بل وما قبلها، فكان هو (السيد الغريفي) وكانت تلك بداية عودة هذا اللقب في النجف وإحيائه في المحافل العلمية والاجتماعية.

لقد نُسي لقب (الغريفي) أو كاد، إلاّ فيما كُتِبَ عن الأسرة وأعلامها. وتوزع أفرادها اجتماعياً على ألقاب، فعرَّف البعض نفسه بلقب البحراني.. والآخر بالصائغ.. وثالث بالموسوي.. وآخر.. وآخر.

واحتاج زمان الأسرة الغريفية إلى انجلاء، ومكانها الذي تشغله في ساحة المجد العلوي الشيعي إلى جديد إجلاء، فأثبت السيد الوالد (رحمه الله) بما ملك من مزايا وبما حوى شخصه من مواهب أنّه وريثها الحي، فنجح في إحيائها في النجف وأعادها إلى التجمّع على لقبها الذي لازم تراثها الضخم؛ إذ هي (من أسمى البيوت مجداً وشرفاً، وأعلاها نسباً ومذهباً، وأرفعها في المكانة العلمية، والثقافة الدينية، وأشهرها في الملأ الشيعي العلوي، رجالها معروفون بلك فضيلة فيهم، علماء، وأدباء، وزعماء، وفقهاء)[8].

لقد خدم الغريفيون منهج آل محمد بالعلم والدم لأربعة قرون، منذ زمان أن بزغ نجم جدهم الأعلى (السيد حسين الغريفي) وحتى ولده (السيد محيي الدين)، وما بينهما من تاريخ كتب عنه معظم من أرخ لما مرَّ به أولياء آل محمد في النجف وكربلاء والبصرة والبحرين والمحمرة… وفي أي مكان ضمَّ عَلَماً أو عالماً أو مجاهداً من هذه الأسرة المباركة. وكتب في ذلك عن بعض أعلامها – بما تميزوا به من لقبها – الشيخ محمد حرز الدين في كتابه (مراقد المعارف)[9] وكتابه (معارف الرجال)[10]، وكذا السيد محسن الأمين العاملي في كتابه (أعيان الشيعة)[11]، والعلامة الأميني في كتابه (شهداء الفضيلة)[12].

ولازم السيد الوالد (رحمه الله) درس أستاذه السيد الحكيم وقرّره بما لم يزل موجوداً بين يدي أحاول أن يراه النور عمّا قريب إن شاء الله. واستقلّ تماماً بأستاذه السيد الخوئي بعد أن رحل الحكيم؛ إذ كان يواصل الحضور على الإثنين معاً، وأكنّ التلميذ وأظهر لأستاذه الخوئي أجل تبجيل حتى عُرِفَ بطريقته المؤدبة المخصوصة في الحديث معه عند ابتداء كلامه والإستمرار فيه والإنتهاء منه في المناقشة أو الإشكال العلمي.

وكان واضح المنهج بذلك فيما كتب، إذ لم يشر إلى أستاذه في مواضع خلافه معه بما يرى هو ويشارك غيره، وأشار إليه مساً رقيقاً إن انفرد برأي خاص به وخالفه، ولعل البعض يعلم أنّ (السيد الغريفي) هو مَنْ أخذ أولاً على توثيق أستاذه لجميع من وقع في أسناد أحاديث (كامل الزيارات) وأنّه هو من فتح باب النقاش مع أستاذه الخوئي، وأثبت ما يراه في قواعده، ثم أشار في الهامش إلى عدول أستاذه عن رأيه حين عدل، فقال (رحمه الله): (عدل (دام ظله) عن هذا التفكيك في شهر محرم 1410هـ وخصّ ابن قولويه بمشائخه فقط؛ وعلَّلهُ بنظير ما حرّرتُهُ هنا؛ ولذا أبْقَيتُهُ على حاله)[13].

وعرف الأستاذ (الخوئي) تلميذه (الغريفي) مقيّماً له بما يمتلك هو من منهج خاص به في تمحيص الأمور بصورة عامة وفي تقييم الأشخاص بصورة خاصة، إذ يعيد النظر كرة بعد أخرى لإبراز ما يريد ومن يريد. ولا يمكن وفق ما نهج عليه استخلاص ما يهدفه بوضوح فيحتاج – وخاصة في تقييم الأشخاص – إلى مَنْ يُتْقِن فنّ تصيّد الكلام أو الإحاطة بدلالات التصرّف. وذلك – فيما أعتقد – أسلوب لسدّ الطريق على مَنْ ليس بأهل للإرتقاء أن يكون، مع انعدام القدرة على التصريح بذلك، فيُضبَّب الأمر مع الكُلّ لتخرج نُتَف حديث عن تقييم البعض، ذلك من ناحية، ولتعلّق الأمر من ناحية أخرى بإفراغ الذمم فاستدعى غاية الإحتياط في استحقاق الشخص أن يُشار إليه بما يؤدّي؛ لكونه قادراً على ذلك.

وتَقَسَّم من يحيط بالسيد الخوئي بين مَنْ اعتمد عليه في الظاهر وبين مَنْ تَرَتّب له أن يكون عَلَماً في المستقبل، فكان في عباءة الظل يتهيأ لأن يأخذ مكان التقليد. وهؤلاء هم الحزمة الخاصة المعروفة بفضلاء الطلبة، وكان منهم – في ما اسْتكشف من السيد الخوئي – السيد محيي الدين الغريفي، وكان لافتاً اهتمامه الخاص به، والإحالة عليه في جواب ما يُسأل عنه إن حَضَر والإلتفات بالتساؤل عن وجوده إن غاب، وحرصه على أن يكون في النجف أزمان الأزمات، حتى أنه (رضي الله عنه) استقبل مَنْ عاده – حين مرض وأدخل مشفى في بغداد – واعترض على حضور السيد الوالد(رحمه الله) لعيادته، بل وطلب إليه الرجوع من فوره إلى النجف، فرجعتُ معه وأنا مأخوذ بالأمر من السيد وكامل الإستجابة من الوالد.

لقد قال لي حينما أخبرته بوفاته بعد أن صفق بيده ودمعت عيناه: لقد رحل ولدي، ثم سكت هينئة وأردف: لقد رحل سيد فضلاء الطلبة العرب في النجف.

الأحداث في عقدين

وتتالت الأحداث سراعاً في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وأبرز ما يمكنني أن أتحدث فيه – حيث دخلت شخصية السيد الوالد – أحداث صَفَر، وكنّا بعض من أدار رحاها؛ إذ تحركنا شِقّاً مِنْ حَمَلَتِها وتحميلها منذ بدايتها في النجف وحتى كربلاء، وحَفَظَ السيد الوالد مجموعتنا إذ تجمّعنا في حسينيته في كربلاء، وكنّا أكثر من خمسين شاباً. ودَبَّرَنا (رضوان الله عليه) في تلك الأجواء الرهيبة وحزَمَنا عن مخاطرها رسوخ فكره، وأخفانا في ظل شخصه، فواجه ثلاثة مرات رجال الأمن يجيبهم – إذا جُنّوا – في استفساراتهم عن وجود شباب نجفي لديه، وداراهم بحزم حينما أصروا على تفتيش الحسينية. ثمَّ هيأ لكل واحد هوية وثياباً غير ثيابه وخرجنا متسللين بعد ثلاثة أيام من مكوثنا في الحسينية وهو معنا.

لقد كانت أحداث السبعينات بصورة عامة موجات متتالية لم يكن في ذهن السيد الوالد – بما كان يصرّح – أن تجري بالذي جرت عليه، وحين أسْتَرجع ما كان يقوله ويُرشِد إليه فأنا على بيّنة اليوم من أن الإنسياق كان حقيقياً وراء ضبابية النظرة في التقدير لموازين القوى. لقد طُبِعْنا في النجف آنذاك مهتزّين ونحن نظن بأننا قد أمسكنا بما نريد، ولكننا في الحقيقة لم نكن نمتلك حقيقة التأثير الحقيقي، أو هكذا دفع بنا صنّاع السياسة فانجرفنا دون أن نحدد الملامح التي نريدها، فتصيّد شبابَنا نَزْفُ الدم.

ورغم انقطاع التصاقي بالسيد الوالد في الثمانينيات، إلا أنّ جريان الصلة لم ينقطع، وكانت بيني وبينه بما كان يُدَرّس ويناقش عبر أشرطة التسجيل حيث تابعته مُفَصّلاً. وأحاطت بي الأحداث بعنف ويشاء تتابعها أن آوي إلى بيته خلال تسعة أشهر، وكنّا نتابع ما يجري عن أسرتنا من خلال رصدٍ ضعيف يتنقّل فيه إلينا الخبر مشوشاً تارة ومُعَتَّماً تارة أخرى، وقد نُبّئنا بأن السلطان قد قَلّب عنّي كل شيء وكان لا بد لي – حينئذٍ – من الخروج من بيته إلى مكان آخر.

وواصل السيد – في أثناء كل هذا الحدث – درسه وتدريسه، حيث ما كان لأحدٍ أن يواصل بمثل ما مرّ به وفي جزء مما عاشه من ظرف، ولقد امتلأ مَدْرَس (مدرسة السيد كاظم اليزدي) بطلبته، وتخرجت على يديه دورات عديدة في دراسة كتب اللمعة والمكاسب والرسائل والكفاية. وكان مَنْ يريد أن ينهي – من مجدّي حوزة النجف – في تلك المرحلة دراسة السطوح العالية بفهم حقيقي ينهيها على السيد الغريفي، ثم يتهيأ وبجدارة لحضور البحث الخارج.

وحينما اشتدت الأزمة في السبعينات وهرب من هرب من الطلبة وسُفّرَ من سفّر وسُجِنَ من سجن انقطع عن التدريس، ولكنّي أتذكر بأن شيخاً أعرفه كان يأتيه إلى البيت لينهي عليه مبحث التعادل والتراجيح في (فرائد) الشيخ الأنصاري، وكانت السلطة تتهيأ لتسفير ذلك الشيخ.

إنني لا أريد أن أعدّ أسماء من تخرّج على يديه وهم جلُّ من درس في النجف تلك الفترة تقريباً وللكثير منهم اليوم مواضع علمية أو أدبية أو حتى سياسية في كل من العراق وإيران ولبنان والبحرين والمملكة السعودية وهم يذكرون ما كان من السيد عليهم من حُنُوّ خاص لم يجدوه عند مثيل له.

وطلب منه طلبة النجف أن ينتقل إلى بحث الإستدلال الذي يسمى بالبحث الخارج فسكت، ثم استجاب بعد أن طلب منه ذلك أستاذه الخوئي واختار له أن يدرّس بحثه في مدرسته الفخمة التي أنشأها في الجهة الغربية من الصحن الحيدري الشريف وأسماها (دار العلم). وَوَثَّق السيد (رضوان الله عليه) ذلك إذ كتب (ابتدأت في تدريس المكاسب المحرمة (خارج) يوم الأحد 7 ربيع الآخر سنة 1405هـ فاستغرق مدة سنة وشهر ويومين. وابتدأت في نفس اليوم بكتاب البيع). وبعد مدة من هذا التاريخ هددته السلطة بوضوح بترك التدريس فأعلم أستاذه الخوئي بذلك ثم انقطع.

وألمت بالسيد الوالد في هذين العقدين آلام شخصية لا يسعني أن أدخل في كشف أحداثها ولكنني أقول: إنّه احتسبها عند ربه، وجرى فيها صابراً برباطة جأش وقوة جنان.. ولما كان العاطفة تشغل حيزاً من شخصه والتحسس للأمر الحادث هو ما طُبِعَ عليه، فلقد أفرز الفعل النفسي على بشريّته ضغط ما تراكم عليه في ذلك الظرف فقد بدأ جسده بالذُّبول وقلّت ساعات اشتغاله بالكتابة، وهو المنهوم الذي لا يشبع من التنقيب والبحث والحوار العلمي.

إن البعض من الناس يجني على نفسه، والآخر يجني على أُسْرَته، والثالث يجني على أمّة بكاملها، وقل جَنَت الأحداث التي ألمّت بالسيد الغريفي ومحدثوها على الأمة بما عطلته من بحث وتفكير وكتابة، (ونعم الحكم الله، والموعد القيامة، والخصيم محمد).

منهاج السيد في التفكير

حينما تكون المسيرة متعددة المفاصل لا بد أن تجتمع روافدها في مكان واحد إن كان المنهج واحداً، وحينئذٍ يتسابق البارز في كل رافد مع غيره لأن يبرز، وذلك من حقه، ولكن ليس من حقه أن يعمل في الزمان هو ليحرف المسار باتجاهه دون الآخرين، ووفق طبيعي المسار لا بد أن يكون فرد واحد في كل مسيرة لا يُشْبِهُ غيره بما يفكّر ولا يتماثل معه سواه بما ينهج، وكان السيد من أولئك الذين أظهرتهم المسيرة من بين معاصريه، فامتلك منهجاً فكرياً وطريقة شخصية خاصة به، وكوّن – فيما كتب وتكلّم ودرس ودرّس وناقش – خطاً وازن فيه بين المعلومة وطريقة فهمها أو تفهيمها، معتمداً ما تميز به من سليقة فريدة في التفكير، وتركيبة شخصية خاصة في توجيه الخطاب والتفهيم، إذ يتناسب التفهيم عنده مع مقدار ما يحيط السامع من قدرة على الإستيعاب وكمية ما يتقبّل من معرفة، أو يلتلفت إلى عمق استعمال الكلمة.

لقد امتلك السيد في تدريسه ذوقاً خاصاً في استخلاص مادة الدرس وتقديمها لطلبته بعذوبة وسلاسة مع عمق إحساس بما يراد، وإحاطة فهم عربي محض بجوانب ما يراد.

وخَبَرْتُ طرائق وأساليب أساتذة وحاملي معلومة من أعلام حوزتنا المباركة أو ممن اسْتَدْرَجْتُ معه دارساً في الدراسة الأكاديمية، وعشت مع السيد الوالد بما درّسني في (المغني) و(اللمعة) و(الكفاية) وشطراً من (المكاسب) وما استمعت إليه حينما بدأ معي البحث الخارج على (الكفاية)، فكان نسيجاً وحده بما يجري على لسانه مما يهضم من فكر، وما يركّز على كيفية التعقل بمستوى ما نَتَعَقَّل، إذ ينتقل بالفكرة من النظر إلى نَظَرٍ غيره على مرتكزات ما يعلم، لخلق روح التقبّل عندنا، وتحديد موازين الإصغاء.

لقد كان شرْحُ ما يعلم فناً عنده، وتعريف تلامذته مدار الكتاب الذي يُدَرّسهُ ذوق جميل، إذ تتبسط بين يديه المعلومة فيسبكها ثم يرسلها في التوضيح؛ ليعود على ما بدأ من نقطة ما انتهى من المطلب الذي بين يديه. ويجتمع كل ذلك عنده في بحر تفكيره وغزارة علمه وتلاحقات منطقه وترادفات ألفاظه مازجاً ما يبحث بما يتناسب من نكتة أدبية أو شعرية أو بلاغية أو قول مأثور، متسائلاً كثيراً عن إعراب جملة أو كلمة، دون أن نحسّ أنّ ما قاله حشو أو خروج عن موضوع ما كان يدرّسنا به.

وكان السيد (قدست نفسه) حريصاً جداً على الدرس، فيؤديه مهما حفّت به مشاغله، وكان يقول لي: (قل للشغل: إنّ عندي درساً، ولا تقل للدرس: إنّ عندي شغلاً). ورغم أنه كان يُدرّسني داخل الدار – وأنا ولده – إلا أنه كان حريصاً على مظاهر التدريس وآدابه من الزيّ الكامل، إلى انتظاري في المكان المحدد للدرس، إلى الدخول والسلام والقيام، ثم أجلس معه جلسة التلميذ، وزاملني ذلك في شَطْرٍ من دراسة (اللمعة) صهري حجة الإسلام والمسلمين (الشيخ محمد طاهر الساعي) (وفقه الله).

إنّ اجتماع فضلاء الحوزة النجفية – أو أيّ من طلابها المُجدّين – في أي مكان يعني عقد منتدىً للنقاش، حيث تحرر مسألة ليبدي كُلٌّ منهم ما يراه على مقدار ما يحمله من علم، وتلك حلبة لإبراز الفحل من العلماء حيث لا يُلْتَزَم بفرع فقهي أو أصولي أو موضع أدبي أو شعري، أو فلسفي.. أو أي علم يتطرق إليه التدريس، وعلى هذا يكون الداخل في النقاش هو مَنْ يثبت استحضاره لما تعلّم فأتقن ما تعلم.

ولقد كان السيد (رضي الله عنه) هو الفارس المحلّق إنْ حضر، وأمام عيني كانت هناك مجريات نقاش كثيرة، وكَمُرْتَكَزِ تمثيل لما أقول، ذلك النقاش الذي دار حول إحدى مسائل الرضاعة على مائدة طعام لأحد فضلاء الحوزة، فتكلّم الكل والسيد ساكت، فطلب المضيّف من السيد أن يتكلم، فاندمج (رحمه الله) وشقّق المسألة وفصّلها وقدّم الدليل على كل قول ثم نقض على الكل وتوصل إلى ما يرى هو وخالف الجميع فيما طرحوه في رأي خاص به، وسكت الكل ولم يجب حتى بعد أن قال مضيّفهم: إنّي ما سمعت بهذا ولا قرأت، وسأكتبه حينما ننهي مائدتنا، وابتسم.

إن السيد (رحمه الله) صاحب مواهب متعددة، ومزايا وقابليات متفردة إذ لم يكن الفقه والأصول والحديث حَلَبَته بل الأدب، والشعر، وعلم الأنساب، والتاريخ، والأحداث، والشواهد. وهو من نوادر من امتلك ناصية الكلام وشجاعة الخطيب – في حوزة النجف – بلغة فصيحة يسترسل بها ويتتابع دون أن يَلْحَنَ في كلمة أو يتلكّأ في مقولة، ويجري ذلك في ارتجالٍ ودون سابق تحضير منه وفي شتّى المواضيع التي يستدعيها المقام.

وأدبه – حينما يكتب – أسلوب رفيع في امتلاك جمالية الكلمة في المعنى، يجمع بين القوة والسلاسة والوضوح. لقد أحسن توظيف ذلك في ما كتب فطَلَب إليه أستاذه أن يكتب ما ترجَمَ به نفسَهُ في كتابه (معجم رجال الحديث)، وأثبت الأستاذ في معجمه ما كتبه السيد الغريفي عن لسانه.

وكان السيد (رضي الله عنه) لا يرضى أن يعلم عن مواهبه أحد خارج ما يعرف عنه من رسوخ في نطاق الدراسة الحوزوية؛ ولذا كتم الكثير مما عنده، ومنه أنّه ذو باعٍ طويل في فن التاريخ الشعري، وقد أقول عن قلّة من يباريه في سرعة ما يكتب وفي عمق ما يؤرّخ به. لقد كان يصمت قليلاً في الحدث الجاري ثم ينظم ويبدع، وقد فعلها أمام الجمع عند وفاة أبيه؛ إذ اتكأ على الحائط ثم طلب من أحدهم أن يكتب منه ما يلقيه عليه. وكذلك فيما أرّخ وفاة أحد الأعلام ممن يرتبط به بإلفة محبة واحترام. وتميّز تاريخه الشعري بقِصَرِهِ وعمق معناه وإتقان فنّ التورية فيه.

إن شعر السيد (رحمه الله) صورة ما يحسّ بداخله، وهو على قلّته نفثاته هو ومشاعره بما يدور حوله يكتبها فورة في كلام شاعر. ولقد كان يتقن (رضي الله عنه) النظم باللهجة الدارجة، وكأنه يصوغ معنى الشعر الفصيح، ويقرّبُه من الفهم العام المتداول.

واهتم السيد (رضي الله عنه) ببعض ما يوجد من غريب علوم اندثر الإهتمام بها، لقد كان يكتب في أوقات فراغه عنها ويلتفت إليّ وهو يقول: إنّ هذا ليس للنشر يا ولدي؛ إذ ليس كل ما أكتبه مسموحاً لك أن تنشره بعدي.

وبّكر السيد الوالد (قدست نفسه) في كتابة نتاج فكره، ونشر ما كتب، وكان باكورة أعماله كتابه (آية التطهير في الخمسة أهل الكساء). ثم وجدتُ عنده رسالة في (المطلق والمقيد) أرخ انتهاء ما كتب فيها عام 1384هـ قائلاً: بعد مرور سنين على تحريرها.

ورأى السيد دقّة مباحث القبلة والوقت حينما كان يدرّس كتاب اللمعة، ولمس الصعوبة التي تواجه طالب العلم في عملية الإستيعاب؛ لعدم تيسّر النظرة الفلكية الواضحة لديه، فصعب عنده الربط بين اللغة الفقهية وبين الظاهرة الفلكية موضع اعتماد الحكم الشرعي.. فكتب (الوقت والقبلة في الفقه والهيئة)، وقد وفقني الله فأخرجتُهُ وبوّبتُهُ وحَقَقتُهُ وعلّقتُ عليه ونشرته فانتشر والحمد لله.

وألّف الوالد (رحمه الله) هذا الكتاب الذي بين أيدينا وسمّاه بـ (قواعد الحديث)، وهو نسيج كتابة في علم الحديث لم يسبقه إليه أحد، على أننا نفتقر إلى من كتب ويكتب في هذا المنحى من العلم على كثرة ما كتبنا واجتهدنا في الفقه والأصول. واطّلع أستاذه الخوئي على ما كتب فيه في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وكتب له ما فُهِمَ أنه اعتراف منه باجتهاد تلميذه (السيد محيي الدين).

وعرف هذا الكتاب جيداً في المحافل العلمية الخاصة والعامة بعد أن نُشِرَ جزؤه الأول، بل صار مرجعاً لبعض الجامعات الأكاديمية والحوزوية التي تُعنى بدراسة الحديث، أو المقالات التي تنشر عن هذا الفن في المجلات المتخصصة. وما أن قدّم جزأه الثاني حتى أخْفَتْهُ رقابة المطبوعات العراقية في وزارة الأوقاف وادّعت أنّه فُقِد ولم يستخلصه ويستخرجه منهم إلاّ بعد زمان ووسائط متعددة، وكانت النتيجة النهائية أن خُتِمَ على كل ورقة فيه: يُمنع طبعه!

وطلبت مجموعة من فضلاء الحوزة أن يدرسهم السيد قواعد الحديث على نهج البحث الخارج فاستجاب لهم واستمرّ يدرّسه لثلاث دورات، عنّت له في أثنائها أفكار أضافها إلى ما كتب.

لقد أضْناني البحث والتعليق في هذا الكتاب، وبعد جهود ثلاث سنوات بين التحقيق والتعليق والتنقيح والتصحيح، وفي أثناء الأحداث التي مرّت بها النجف في العام قبل الماضي سقطت قذيفة هاون على داري، وقد كنت قد خرجت من مكان سقوط القذيفة أنا وأسرتي قبل دقائق، فأنجانا الله، ودُمِّر تعبي واشتغالي بقواعد الحديث؛ إذ نُسِفَت كل النسخَة المحققة، وأعدت مرة أخرى التحقيق سريعاً منذ سنة ونصف، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقني لإكماله ولو على يسير ما أنتج فكرياً.

كانت تقريرات السيد الوالد (رحمه الله) لدرس أستاذه الخوئي مدار اعتبار؛ وذلك لتميّزه بملاحقة ما يقوله أستاذه، ولصفاء ذهنه، ولقدرته على الإستذكار، ولمناقشته الرصينة له أولاً بأوّل؛ ولهذا فقد استعار أجْزاءَها بعض المقرّرين لدرس السيد الخوئي ولم يكن السيد يمانع في أن يستفيد أحد من نتاجه، ولقد استلمت آخر جزء ممن استعاره بعد الأحداث في التسعين إذ كان يلحّ على استعادته وأرسلني رغم خطورة الوضع آنذاك وتوتّر الأجواء لِتَسَلُّمه منه.

لقد درّس السيد وكان مميزاً فيما درّس، خاصة كتابَي الكفاية للآخوند الخراساني و(فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري – وكذلك مكاسبه – دورات متتالية، وعلّق على المكاسب بثمانية أجزاء فُقِد منها جزء فاضطر إلى إعادة تأليفه. ولكنني آسف إذ أشْغَلَهُ الحدث الأُسَري الخاص والجو الإرهابي العام عن إكمال تعليقته على (كفاية الأصول) وكذلك إكمال ما كان يكتبه من الجزء الثاني من كتابه المهم (السادة الغريفيون).

وأعدّ السيد في زمان أستاذه الخوئي ما كان يُسأل عنه من مسائل كتبها وأجاب عنها على رأي أستاذه الخوئي وعلّق عليها برأيه، ويبدو أنه كان يعدّها كرسالة عملية في وقتٍ ما بأسلوب جديد هو غير الأساليب المتعارفة، استقاه من خلال اختلاطه المباشر بالناس وتَبَسّطهِ معهم فنظر أنّ ما ينفع هو ليس ما يكتب على نهج ما يكتب من الرسائل العملية.

وألمّت بالنجف موجات ضد المرجعية وَوُزّعتْ كتب تحت أنظار السلطة في الصحن الحيدري تنال من علماء آل محمد بأسلوب يخدع القارىء بأنه علمي، فنشر السيد كتاب (الاجتهاد والفتوى في عصر المعصوم وغيبته)، وكان له صدىً واسعٌ، إذ طبع في لبنان وغيرها أكثر من عشرين مرة.

لقد كان السيد كنزاً علمياً نذر كل حياته لعلوم آل محمد، وهو شخصية لم تدعه الدنيا أن يستقر فأوذي في نفسه وفي ولده وفي فكره وفي إنتاجه.

لم تكن الحياة العلمية في النجف تنفتح على الخارج إلا في مناهج محددة؛ وذلك خشية الإتصال بالسلطان، ولم يكن السيد ليخرج عن منهج الحوزة فيما ترى رغم أنه متفتّح فيما يرى، إذ يهتم اهتماماً بالغاً بما ينشر ويقرأ عنه أو يستمع. لقد كان يلاحق المؤتمرات العلمية والإسلامية التي تعقد هنا وهناك ويعلّق عليها، وهو من أوائل الذين طرح نقد ما قيل عن عدالة الصحابة وناقش ذلك بعقلية علمية رصينة. ومن أوئل الذين اهتموا بالكتابة عن المرأة حيث نشر مقالاته في مجلة الأضواء النجفية ثم كتب كتابه (مع دعاة التبرج).

إنّ الحوزة في النجف – على ما أعلم – كانت لا توافق على أية عملية يقوم بها أيٌ من رجالاتها لبلورة شيء يَسْتَجد، وبذلك سار السيد (رحمه الله) رغم أنّ ما يفكّر به يتقدم على عصره بسنوات طوال.

أحداث التسعين

بعد موجة الإرهاب التي أتقنت صناعتها السلطة وما استمر من الحقد الطائفي على شيعة آل محمد، وإثر الهزيمة النكراء للحكام الرعناء وهروبهم من الكويت، تحرّك الشارع العراقي، وكان قلب ما تحرك هو النجف، وكان الحدث ضبابياً حسب تجربة السيد (رحمه الله)، وهو لا يمكن أن يُقْدِم على خطوة في رأي أو فعل ما لم يرَ قبل الخطو موضعه، ويقدّر نتائجه المستقبلية، وفوق هذا تميّزت خطواته التي اختصّت بمقررات تخص العقيدة بنسبة عالية من الشك بالحدث حتى يثبت العكس، وكان هدير المدفعية الأول للإنتفاضة في النجف مفاجئاً للسيد، أما أنا فقد كنت أعرف بعض توابع الحدث وأخبرته عن إرهاصات للتحرّك فقال لي: ومَن؟ قلت: لا أدري! فقال: حتى نرى! وجلسنا ننتظر. حتى أن قُرِع الباب وجاءنا من جاءنا ظهراً وكان شيخاً صديقاً لي، ففتحت الباب ودخل مبتسماً قائلاً بحزم: أن السيد – يعني الخوئي – يريد السيد – يعني السيد الوالد – فعرفت فجئته وهو في سِنَةٍ من قيلولته بعد الظهر، وأخبرتَهُ فنهض مسرعاً وأوصاني بعدم الخروج، ثم عاد في الثانية بعد منتصف الليل منهكاً ولم يتكلّم، وفهمت بعد ذلك أنّه حاور أستاذه الخوئي طويلاً ولم يدع له منفذاً دون أن يكون على رأس مَن اختارهم لإدارة مدينة النجف بعد اختلال النظام وسريان القتل والنهب والحرق في كل مكان فيها…!

أنا لا أريد الدخول في تفاصيل أحداث ما زالت طرية وجُل شهودها حضور، ولعلّي أستنطق بعض الخصوصيات في المستقبل حينما سوف أتحدث عن جهالة المبدَئي الثابت بمبدأ المصلحة في تسيير الروابط، وعدم استيعابه لإحلال موقف المتقلّب محل الموقف الثابت بناءً على متطلبات الحال أو المحل! لقد ملأ المبْدَئيُّون التاريخ صناعة فكرٍ وصياغة عمل، وكان ما طرحَتْهُ مبدئية السيد (رضي الله عنه) في تلك الإنعطافة عن دراية بتسلسلات التاريخ، حيث آمن بحاجة شيعة العراق إلى قدرة مجردة على قراءة هذا التاريخ، ينعتقون بها من محيط من لا يفهم منهم، ولقد احتجنا منذ انتفاضة شعبان وحتى اليوم – كما أرى – بل وَجَبَ علينا أن نقدّم التدبير على استنطاق التاريخ – كما كان يريد السيد آنذاك – لعدم نفع الإستنطاق وحْدَه لنا نحن شيعة العراق، حيث تدور بنا وتتحكم الخصوصية الخاصة. لقد أراد البعض آنذاك أن يخرج عن التدبير، بل أن يجعل وراءه حتى استنطاق التاريخ! فتكلّم السيد ساعاتٍ طوالاً نفع في جزء يسير منها و… أُردّدُ الحوقلة!

لقد كان السيد والدي قرب أستاذه الخوئي، وقد أوكل إليه ما أوكل. أما نحن فقد دَخَلْنا الحدث – في الشارع نقاوم حتى النهاية – دخول عقيدة رغم علمنا بأن المسير حتى في أحرج اللحظات هو لغة المصلحة، ويتقدم في النهاية العُرج ذَوو الهمم المشلولة والكلمات المعسولة؛ لأنهم الأوفق على كسب التنازل.

وسقطت أول قنبلة للسلطة على النجف، وتلتها الثانية والثالثة، فكان السيد يهمس بِمَ حذَّرْتُكُم؟! ولِمَ سُقْتُ إليكم الدلائل وطلبت إليكم التدبير! وعشنا ليلة قصف صدّامي بمدفعية وصواريخ لا يعلم مداها إلا الله! لقد وافَقَتْ كلُّ المنطقة على ذاك المطر الصاروخي وبكلّ حكامها! وما زالت لديّ تسجيلات المصرحين وبعض الوثائق.

وانتقلنا إلى بيت آخر في مكان آخر.. ولبس (السيد الوالد) ثيابه في الصباح وخرج إلى بيت (السيد الخوئي)، وما أن وضع على باب الدار رجله حتى انهال مطر المدفعية وصواريخ (الأرض أرض) من جديد، فذهب يتمشّى يريد سيارة تقلّه فلم يجد… وجاءه رجلان يركضان وهما يعرفانه، فأمسكاه بقوة وهو يريد أن يقطع شارع المثنى باتجاه بيت السيد الخوئي(رضي الله عنه) مشياً، وفي كل موضع كانت تقع فيه قذيفة، لقد أتى به هذان الرجلان إلى الدار عنوة وهما يردّدان إنّ مسيرك إلى هناك انتحار.

أنا آلم من استذكار ما جرى؛ لأن أمامي هو مسيل دم، وقد رأيت! وحديثي عمّا عَمِلْتُ وعَلِمْتُ عن تلك التجربة المرّة وما فيها من انسحابات وتراجعات، بل و..! هو نزيف متواصل، ولكنني أقول بأنّ الحدث قد أَزِفَ على نهاية حياة وليّ من أولياء الله؛ إذ مرض (رحمه الله) بعد أن تشرَّدْنا ستَّة أشهر ننتقل بين دار ودار مُلاحَقِين، وأمَضَّ به المرض جرّاء الهم الذي أصابه ولحق السيد (رضي الله عنه) بربه في صبيحة الثالث عشر من شهر رمضان، وقبل أن يسلم الروح قال لي: اذهب إلى سماحة السيد الخوئي وخذ إذْناً بالتصرف بمال موجود تحت يدي وأخبره بوفاتي. فأخبرت السيد بوفاته وبكى (رضوان الله عليه) – وكان يقف إلى جنبه ولده الشهيد السيد محمد تقي(رحمه الله) – وقال: لقد مات ولدي، وبكيت معه وقبّلت يده وقبلني من جبهتي، وخرجت وجهزت له المقبرة وواريته إلى جوار جدّه علي(عليه السلام

[1]. طه: 126.

[2]. السادة الغريفيون، 01 (مخطوط).

[3]. الإسراء: 23.

[4]. آل عمران: 26.

[5]. الحشر: 9.

[6]. البقرة: 257.

[7]. موضعان في النجف الأشرف، الأول مكان انطلاق عزاء (المشاعل)، والثاني هو درب المرور إلى الصحن العلوي الشريف.

[8]. هذا ما ذكره عن السادة (آل الغريفي) العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه (شهداء الفضيلة)، ص378.

[9]. انظر: مراقد المعارف 271:1، عند ذكر مرقد جدّنا الشهيد السيد أحمد الغريفي المعروف بـ (الحمزة الشرقي).

[10].انظر: معارف الرجال 121:2، في ترجمة عمّ جدي (السيد جواد) المرحوم آية الله السيد علي الغريفي، وص82 في ترجمة ابن عمّنا السيد عدنان ابن السيد شبر الغريفي جد الأسرة العدنانية المعروفة في البصرة وما والاها.

[11]. انظر: أعيان الشيعة 14:7، في ترجمة ابن عمّ جدي (السيد جواد) السيد رضا ابن السيد علي الغريفي.

[12].انظر: شهداء الفضيلة، 270، في ترجمة جدّنا السيد أحمد الغريفي المعروف بـ (الحمزة الشرقي)، والصفحة 378 في ترجمة آية الله السيد عبد الله الغريفي، وهو من أبناء السيد عبد الله البلادي.

[13]. انظر: قواعد الحديث، الجزء الأول.