حسن الأمين رائد «دائرة المعارف الاسلامية الشيعية» وسيد «مستدركات الأعيان» بقلم: الدكتور جودت القزويني

 

 

الحديث عن السيد حسن الأمين حديثٌ عن مملكة مشحونة بالإثارة، أو الحديث عن بحرٍ ما له ضفاف. فقد بقي السيد حسن الأمين راهباً ملتفّاً بالعمل الدؤوب لا تشغله عن أحوال الماضين أو الحاضرين شاغلة. بقي طوال تسعين عاماً شابحاً نظره إلى هياكل الأمم والملوك، وإلى هياكل المعتقدات والأفكار، مستجلياً الحقائق مرّة، وموجّهاً لها أُخرى، ومنتفضاً عليها مرّة ثالثة.

إنغمس السيد الأمين بالتتبع وتحقيق أهدافه. حيث أراد أنْ يلمّ بكلّ ما يستطيع الوصول إليه ليجعله تحت قبضته، سواء أكان ذلك متعلّقاً بالأشخاص وتراجمهم، أو الأفكار ومعطياتها. فأنتج عملين هما حصيلة جهود سنوات متواصلة من التتبع والكتابة، إندرجا في موسوعة «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، و«مستدركات أعيان الشيعة»، وكان يعتقد أنَّ هذين العملين هما ثمرة عمره الذي به يحيا، ويمتدّ.

لم يلتفت إلى عمل حسن الأمين إلاّ القلائل، فلم يكن يشعر بعمله أحد، بل كان يجاهد مفرداً ليسبح في عالمه البعيد عن عوالم بني جلدته. لذلك كان مسكوناً بالاكتشافات ليس «من بلد إلى بلد»، وإنّما باكتشافاته عبر الأزمنة. حتى إذا قرّر معلومة من المعلومات هام بها، وتبنّاها، ولم يجد لها بديلاً. وبالرغم من كلّ ما كتبه وألّفه وسطّره من دراسات في صُلب التاريخ وتراجم الرجال فإنّ طاقة حسن الأمين لا تقتصر على هذه الكتابات وإنّما الكتاب الذي أراد كتابته، لم تُطاوعه الأيامُ له. فقد ترك حفنةً من أوراقه البيضاء الناصعة مملوءةً بالعناوين، لعلّ واحداً من أبنائه القادمين يتّبع أثره ويُكملُ مشواره ويرفعُ رايته على مدى الأزمان خفّاقة، لا تحملُ إلا إسمه «الحسن»، ومنهجه التاريخي «الأمين».

أسرة السيد محسن الأمين

للسيد محسن الأمين خمسة أولاد ذكور، وأربع إناث. وزوجته هي العلوية شاهزنان ابنة السيد علي ابن السيد محمد الأمين، وأولاده هم:

1 ـ العلوية نجيبة زوجة الشيخ محمد علي قبلان (ت: 1404هـ/1984م)، عالم مدينة ميس الجبل، وهو والد الشيخ عبد الأمير قبلان من زوجته الأولى. ولها بنت واحدة.

2 ـ العلوية أنيسة تزوجها إبن خالها السيد مرتضى بن السيد عبد الحسين الأمين (ت: 1378هـ/1959م). وأولادها، الدكتور محمد علي، والسيد رائف الأمين، والسيد عمران.

3 ـ محمد باقر (ت: 1397هـ/1977م)، وهو الولد «الروحاني» الوحيد من ذرية السيد محسن، فقد بقي محافظاً على لباسه الديني، وتولّى منصب قاضي بيروت الشرعي، له من الأولاد: السيد هاني (1349 ـ 1404هـ/1930 ـ 1984م)، والسيد عاصم، والسيد ياسر، توفي ولم يتزوج (1354 ـ 1404هـ/1935 ـ 1984م)، والسيد محسن (1367 ـ 1418هـ/1948 ـ 1998م).

4 ـ العلوية فاطمة زوجة الشاعر (فتى الجبل) السيد عبد الرؤوف الأمين بن السيد علي محمود الأمين، (1318 ـ 1390هـ/1900 ـ 1970م). ولها من الأبناء: السيد زيد، الدكتور علي، البحاثة الدكتور هيثم الأمين.

5 ـ العلوية عفيفة زوجة الشيخ خليل مغنية (1318 ـ 1378هـ/1900 ـ 1959م). وأولادها المحامي السيد إبراهيم، السيد إسماعيل، السيد منير.

6 ـ جعفر الشاعر الأديب (ت: 1402هـ/1982م) من أسرة التعليم، وهو من زوجة ثانية. ولده الاستاذ الفاضل صديقنا السيد أكرم الأمين.

7 ـ السيد حسن: صاحب مستدركات أعيان الشيعة، ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية، (لم يتزوج)، (1326 ـ 1423هـ/1908 ـ 2002م).

8 ـ السيد هاشم: الشاعر المحلّق، من أسرة التعليم، إشتغل بالصحافة، ولم يتزوج (1332 ـ 1412هـ/1912 ـ 1992م).

9 ـ السيد عبد المطلب، الشاعر الدبلوماسي (1335 ـ 1394هـ/1916 ـ 1974م). ولده السيد محسن، (كاتب العدل في شقرا).

بين بلاد الشام والعراق

ولد السيد حسن الأمين سنة 1326هـ/1908م بدمشق في محلّة حي الخراب، والتي تُعرف اليوم بمنطقة حي الأمين. فقد جرى إطلاق حي الأمين على هذه المحلّة سنة 1362هـ/1943م. ويعرف شارع المحلّة بشارع الأمين نسبةً لأبيه العلاّمة السيد محسن الذي استوطنها. قضى السيد حسن طفولته بين دمشق وشقرا، الموطن القديم لآل الأمين. وكان والده قد اتخذ مدينة دمشق مركزاً دينيّاً وثقافياً بعد رجوعه من النجف الأشرف لتوجيه أبناء الشيعة إلى الدراسة والتثقيف بعد محاصرتهم في بيئة ضاربة عزلتها الثقافية عليهم. وفي دمشق درس سنة 1340هـ/1921م بالمدرسة العلوية الرسمية التي أسسها والده العلاّمة، التي سمّيت بعد وفاته بالمدرسة «المحسنية» تكريماً له. كما حضر حلقات درس والده في دروس اللغة والمنطق والفقه وأصوله. وبعد أنْ أتمّ المرحلة الإعدادية سنة 1351هـ/1932م دخل معهد الحقوق التابع للجامعة السورية وتخرّج منه سنة 1353هـ/1934م، ثم مارس وظيفة المحاماة على مدى عامين كاملين، إلا أنَّ هذه المهنة لم ترق له فهجرها، وكانت المرحلة التي أعقبتها مرحلة ترقّب. وعندما عُيّن العلاّمة الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيراً للمعارف في الحكومة العراقية سنة 1357هـ/1938م، طلبت المدارس العراقية مجموعة من الأساتذة العرب لتغطية النقص في كوادرها التعليمية، ففتحت الباب لاستقدامهم، وكان السيد حسن الأمين واحداً منهم، حيث وصل العراق في العام نفسه، وعُيّن مدرساً في ثانوية الحلّة. وكان مديرها الأديب عبد الوهاب الركابي، وأحد مدرسيها هو والدي السيد كاظم القزويني، فبقيَ عاماً دراسياً يدرّس مادة الأدب العربي والتاريخ الحديث والاقتصاد.

إئتلف السيد حسن مع وضعه الجديد، وألِفَه. فقد كانت الحلّة في هذه الفترة الزمنية بالذات تزخر بالشخصيات العلمية والأدبية والاجتماعية. وكان للشخصيات التي عاصرها السيد الأمين وجود فيها، ممن أدركهم، فلم يكن قد أحسّ بالغربة وهو يطوي أرضه إلى أرض غيرها مخلفاً كلّ وجوده هناك. إلاّ أنّ مكانته لم تزايله، بل سبقت شهرتُهُ مقدمَه. فقد كان أبوه علماً من أعلام النهضة الإصلاحية الشيعية، وأحد المراجع الدينيين العظام. ولم تكن مواهب الإبن قد انحصرت بشهرة أبيه، بل راح قلمُه السيّال يُدبّج المقالات وينشرها على صفحات مجلّة «العرفان» وكان النشر يومذاك يُعدُّ من المفاخر التي لا ينالها إلا أنفار قلائل. وقد اشتهرت مقالته حول الحديث عن رحلته من دمشق إلى بغداد، وهي أول مقالة نشرها في أدب الرحلات. كما نشر مقالته الثانية في وصف رحلة قام بها مع مجموعة من طلاّب ثانوية الحلّة إلى مدينة سامراء. ثم تحوّل للتدريس في «دار المعلمين الريفية» الواقعة بمنطقة الرستمية (من ضواحي بغداد) فأمضى عامه الدراسي فيها. لكنّه آثر الرجوع إلى لبنان، وقبوله الانخراط في سلك القضاء، فعيّن قاضياً مدنياً بمنطقة النبطية. لكنّ هذه الوظيفة لم تستهوه فاستقالَ منها بعد طول مراس أواخر شهر شباط 1945م، وآثر الرجوع إلى العراق مرّة أخرى، والتدريس في «دار المعلمين العالية» الخاصة بالبنات، والتي كانت تسمّى «كلية الملكة عالية». وقد بقي في هذه المهنة أربع سنوات متواصلة، وخرّج جيلاً من الأديبات اللواتي أضحين فيما بعد من الأسماء الكبيرة ليس في العراق فحسب، وإنّما في العالم العربي ككل، أمثال نازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي، وفطينة النائب.

وتُعدُّ سنوات حسن الأمين في العراق من أغزر السنوات عطاءاً وتشكيلاً. فقد كانت الأجواء تفيض بالحركة الأدبية التي تجنح إلى التجديد والأصالة، وكان العراق كلّه يتنفسُ شعراً، لذلك ظهر نتاج الأمين الشعري غزيراً في هذه السنوات.

ولمّا أحسّ الأمين أنّ أباه المحسن زحف إليه العجز أراد أنْ يكون جنبه، فترك العراق سنة 1369هـ/1950م، ملتحقاً به إلى لبنان.

كانت هذه المرحلة من أشدّ مراحل الأمين الفكرية انعطافاً، فقد دخل مملكة والده الروحية والعلمية، وعاش فيها عامين كاملين قبل أنْ ينتقل والده إلى الرفيق الأعلى في 4 رجب سنة 1371هـ/30 آذار 1952م. إنَّ هزّة وفاة الوالد تركت أثرها في نفس الولد، خصوصاً بعد تجربة غربته ومعايشته على مدى سنوات، اكتشف الولد تفوّق أبيه ومجالدته في تحقيق أهدافه العلمية التي ينشدها. وكان أبوه قد أحسّ أنّ إنجازَ عمله لم يتمّ كما كان مقرّراً له، فقد بقيت أجزاء عدّة من موسوعة «أعيان الشيعة» مكتوبة بقلمه، لم ينشر شيء منها، وإخراجها من مسوداتها تحتاج إلى جهود متظافرة لا يقوى عليها إلاّ المتخصص الفعّال دون غيره من هواة البحث.

السيد حسن: الأمين لمنهج أبيه الأمين

لم تكن جهود السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» إلاَّ ضرباً من ضروب الخيال. فلم يكن أحدٌ يجرأ على الإقدام لجمع تراجم علماء الشيعة عبر العصور بمثل السعة التي اشتمل عليها كتاب «الأعيان». مضافاً إلى أنَّ السيد محسن كان يملك أسلوباً يمتاز بالسلاسة والتدفق ونصوع العبارة وسلاستها. فلم يكن قد جمع في كتابه حشداً من التراجم دون أنْ يعمل النظر بها ويصوغها على وفق فهمه للشخصيات التي كتب عنها واستوعب مناحيها من جميع الجهات. ولا فرق في ذلك بين الشخصيات المتقدمة التي لم يعاصرها وبين تلك التي عاصرها وكتب عنها. فلم تتبدّل منهجيتُه في ذلك، ولم تتغير. بل كان أُسلوبه واحداً في كلا المجالين. كما كانت له اجتهاداته الكثيرة في مطاوي بحوثه حول العديد من الأحداث المتصلة بسيرة مَنْ كتب عنهم، وقد أعطى آراءاً جريئة، مفككاً النصوص المتصفة بالغموض، ومستوحياً منها آراءه، بعد الموازنة والمفاضلة.

وعندما تهيّأ ولده السيد حسن لإنجاز عمل «الأعيان» وتقديم أجزائه المخطوطة للنشر بعد تحقيقها ونسخها وإصلاحها وتتميمها على مدى أربع سنوات متواصلة، إنطبعت منهجية والده في كتابة التراجم والتعامل مع النصوص التاريخية، في نفسه، وأصبحت من الدلالات لديه حتى اتخذها منهجية ثابتة في أعماله التي ظهرت فيما بعد.

ويمكن القول إنّ السيد حسن الأمين هو النسخة غير المعدّلة للسيد محسن الأمين، فلم يستطع أن يتجاوزه في رأي، أو يردّ عليه في مطلب، أو يخالفه في اعتبار. حتى أنَّ مقولة «الولد سرُّ أبيه» لا يمكن أن تنطبق، والحال هذه، إلاّ عليه. فقد تأثّر فيه تأثراً بالغاً، ووجد في كتاباته نافذة لحلّ الأزمات التاريخية والفكرية. كما وجد في دفاعه عن العقائد والتاريخ الشيعي الطريقة الناجعة في ردّ سهام القاصدين أو غير القاصدين على حدّ سواء.

ولم تقتصر هذه الملكة على التاريخ والتراجم فحسب، وإنّما سرت إلى تأثره بأدب الرحلات. فقد كتب السيد محسن شيئاً عن رحلاته إلى العراق وإيران ومصر وغيرها من البلدان، وسجَّل ما شاهده فيها، وما وقع له من مصادفات. وكانت هذه الأوراق التي نشرها ولده السيد حسن تحت عنوان: «رحلات السيد محسن الأمين» باعثاً لتسجيل رحلاته فيما بعد «من بلد إلى بلد»، وذكرياته في «حلّ وترحال»، حتى عُدّ كتابه هذا من الكتب الرائدة في أدب الرحلات خلال القرن العشرين الميلادي.

دائرة المعارف الشيعية

انبثقت فكرة «دائرة المعارف الشيعية» من ردّة فعل على «دائرة المعارف الإسلامية» التي تصدّى لها نخبة من المستشرقين وصدرت بعدّة لغات. وكانت تحمل بعض المعلومات الناقصة المتعلّقة بجملة من الموارد التاريخية الشيعية أو التفسيرات المغايرة للفهم الشيعي والمناقضة له.

وكان حسن الأمين، كما يقرّر في مطالعته لتلك الموسوعة الشاملة، يدوّنُ ملاحظاته على صفحات الكتاب مرّة، وفي أوراق مستقلّة مرّة أخرى. وكانت فكرته تقوم على نشر تلك القصاصات المتضمنة للردود في مقالات متسلسلة. إلاَّ أنّ هذا المنحى لم يرق له لعدم مناسبته حجم الموسوعة التي يُراد دحض مباحثها الخاطئة في دراسة مفردات التشيّع التاريخية والعقائدية. فقد كانت الجهود المبذولة في موسوعة المستشرقين جهوداً كبيرة لا يمكن التعليق عليها بمقالات أو ردود متفرقة، إلاَّ بما يُضاهيها من عمل يكون مرجعاً عاماً يلتجئ الباحثون إليه، وكتاباً يُلفت الأنظار إليه. من هنا بدأ العمل لتشييد قواعد «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، وكان ذلك محدّداً في عام 1386هـ/1966م.

إنّ جهود السيد حسن الأمين في «دائرة المعارف» لم تكن مقتصرة على تحشيد المواضيع النظرية، بل كان الأمين، من خلالها، يسعى لخلق منظومة شيعيّة موحدة يستند إليها في عمله العلمي ويوحّدها فيه. من هنا فقد اندفع لتتبّع الدراسات حول تاريخ الشيعة وما يتعلّق به من أمور، وتقصّي أخبار الكتّاب ومراسلتهم وجذبهم إلى ساحته بالمعرفة والكلمة الطيبة. وعلى ذلك فقد كان لا ينقطع عن المؤلفين أينما كانوا ووجدوا، تشهد على ذلك مراسلاته للكثير منهم، وإشعارهم بأهمية أعمالهم بالثناء، وما تستدعيه كلماته الجزلة من دلائل.

أمّا الحدث التاريخي الذي سجّله حسن الأمين فيما يخصّ التاريخ الذي عاصره وشهده ووعاه، فهو يساوي في كمّه ما كتبه عن التواريخ المتقدمة التي لم يعاصرها بل قرأها في كتب المؤرخين، ووازن بينها. أمَّا في النتائج فإنّ نوعية التاريخ المعاصر تختلف في جدّتها ونضارتها عن تلك النصوص المتقدّمة للتاريخ والتي هي نصوص مربكة عانى منها المتخصصون ولم يهتدوا للتخلّص منها.

ويُلاحظ على عمل الأمين ما يلي:

1 ـ إنَّ عمل السيد الأمين كان رائداً في عصره، لم يُسبق إليه بمثل هذه المنهجية والسعة، فقد بدأه بوقت مبكر قبل أنْ تكون هناك جهود ملحوظة في التصدّي للتأليف الموسوعي الذي عُرف باسم «دائرة المعارف». وقد ظهر شبيه هذا النمط بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتمثّل بمؤسسة «دائرة المعارف الإسلامية الكبرى» التي صدرت بعض أجزائها باللغة الفارسية، وترجمت إلى اللغة العربية.

2 ـ إنَّ عمل السيد الأمين في «دائرة المعارف الشيعية» كان عملاً ذاتياً بحتاً. فلم تكن هناك جهة ثقافية أو دينية أو مؤسساتية تسند مشروعه، بل كان عمله منحصراً بجهوده الفردية المحدودة.

حدّثني مرّة أنّه قال، ما مفاده: لم يكن في نيتي إصدار «دائرة المعارف الشيعية» على هذه الشاكلة. فقد كنتُ أنوي إصدارها في (45) مجلداً، وأقوم باختيار البحوث لأوزعها على المتخصصين من الكتّاب، إلاّ أنّ ظروف العمل لم تكن قادرة على تحقيق ذلك، خصوصاً إذا اعتمدت على الإمكانات الذاتية دون غيرها.

3 ـ لم تكن جهود الأمين الفردية قد انصبّت على كتابة «دائرة المعارف» وجمع مباحثها فقط، بل تعدّت إلى جهوده الفردية في إصدارها أول مرّة على شكل كراسات صغيرة بصورة متسلسلة لكي لا يضيع جهده أو يتلاشى. وقد شكّلتْ هذه الكراسات ثلاث مجلدات فقط، ثم تطورت فيما بعد بالطبعات اللاحقة.

4 ـ تمَّ ترتيب «دائرة المعارف» على الحروف الهجائية من الألف حتى «حرف الياء». وقد استدركَ مؤلفُها في نهاية بعض الأجزاء، كما أعاد في جملة منها بعض المباحث المشابهة التي تحمل نفس الكلمة.

5 ـ ركّزت دائرة المعارف على استقراء البحوث التاريخية والعقائدية وعرض بعض المؤلفات والتعريف بها. كما أوردت تراجم جملة من الرجال استطراداً ضمن بحوث خاصة دون أن تؤثر على منهجيتها في الموضوع.

ولم تفتْ صفحاتها البحوث السياسية المتعلقة بالتاريخ القديم أو الحديث، كالحديث عن الإضراب الخمسيني في سوريا الذي استمرّ (52) يوماً، والذي بدأ في 18 كانون الثاني 1936م، وانتهى في 8 آذار، أو البحوث الميدانية المتعلقة بالمراقد الإسلامية كالحديث عن المشهد الزينبي في القاهرة ومشهد الحسين في حلب، ومقام أبي أيوب، وغير ذلك.

كما تطرقت الموسوعة إلى استجلاء بعض الصناعات، كصناعة الورق وتاريخه وما يتعلّق بتطور هذه المهنة، أو يتصل بها.

6 ـ جمعت «دائرة المعارف الشيعية» أسماء كتّاب من بقاع شتى، أمثال كامل مصطفى الشيبي، مرتضى مطهري، جورج صاوا، عبد الستار أحمد فراج، حسين مروة، مصطفى جمال الدين، الدكتور نبيه عاقل، السيد علي الخامنئي، عبد العزيز الطباطبائي، سلمان هادي طعمة، وغيرها من الأسماء المتخصصة في مجالات التاريخ والفكر الإسلامي والأدب.

7 ـ بالرغم أنَّ «دائرة المعارف الإسلامية» تخصصت كما يُوحي عنوانها بالدراسات الشيعية، إلاّ أنّها في جوهرها كانت دائرة معارف إسلامية عامة، وإنْ كان الدرس الشيعي ظاهراً فيها. ولا تخفى هذه الإشارة في جميع أجزائها.

8 ـ لم تقتصر «دائرة المعارف» على المفردات التاريخية والعقائدية وما يتصل بهما من المباحث، بل لجأت إلى استصدار بحوث مستقلة في الفكر الإسلامي، والدراسات القرآنية وبحوث الاقتصاد الإسلامي. ومن جملة بحوثها في هذه المضامير: السنن التاريخية في القرآن، بحوث في تاريخ القرآن، مبادئ نظام الحكم الإسلامي، الميثولوجيا والبيروني، وبحث مطوّل بعنوان: «اليقين المنطقي والموضوعي والذاتي». (يُلاحظ المجلد الرابع والعشرين، ص159 ـ 390).

كما تضمّنت أيضاً دراسات مقارنة في أصول الفقه، والسنة النبوية وعلم الحديث والفقه، من ذلك: مبحث القياس، والسنة النبوية، والظواهر وحجيتها، وشرع ما قبلنا، وسهم الإمام، والسند في علم الحديث، وغيرها.

9 ـ تضمنت «دائرة المعارف» جولة في دراسة الحروب على مرّ التاريخ، سواءً القديمة منها والحديثة. فقد حاول مؤلفها أنْ يدوّن تاريخ الوقائع التي عاشها إلى جانب الوقائع التي قرأ عنها، وتتبّعها على صفحات الصحف وساحات الأوراق. ومن تلك: حديثه عن واقعة الحرّة، وحرب مرو، وحرب صفين، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب لبنان عام 1982م.

10 ـ احتلت القارات والدول والمدن التاريخية مساحة واسعة في «دائرة المعارف». فقد جرى الحديث عن بعض القارات، ثم الدول على اختلافها، ومن أمثلتها: الهند، الصين، إيران، العراق، البحرين، فلسطين، باكستان، أفغانستان، انكلترا، ألمانيا، ألبانيا، لبنان، تركيا، اليمن.

وكما جرى الحديث على تتبع أخبار المدن التاريخية لبعض هذه الممالك والدول والامبراطوريات، فقد جرى الحديث أيضاً عن بعض تاريخ المدن الهندية مثل لكنو، كشمير، أوده، أكره وممالكها الشيعية كالمملكة العادل شاهية، والقطب شاهية، وغيرهما.

أما المدن الإيرانية فقد ورد الحديث عن سبزوار، سجستان (سيستان)، طوس، قزوين، قم، كاشان، مشهد، نيسابور، كرمان، كرمانشاه.

كما ورد الحديث عن المدن العراقية: البصرة، بغداد، سامراء، غماس، الكاظمية، كربلاء، الكوفة، كركوك، الكناسة، النجف، واسط. والمدن اللبنانية: بعلبك، بنت جبيل، صور، صيدا، طرابلس.

أمّا المناطق في المملكة العربية السعودية، فقد ورد الحديث عن البقيع، غدير خمّ، القطيف، المدينة المنورة، مكة، الهفوف، الهلال الخصيب.

هذا بضميمة مدن تاريخية أخرى أفردت لها «دائرة المعارف» صفحات للتعريف بها، أمثال: القدس، القاهرة، صقلية، طبرستان، قفقازيا، الكويت، وادي آش (غرناطة)، ملتان.

11 ـ اعتمدت «دائرة المعارف» بالتعريف على الأمم والشعوب والأجناس الحاكمة في التاريخ. فقد أفردت بحوثاً ثرّة في التعريف بها، ومن ذلك: الأوزبك، الإيلخانيون، الفاطميون، البويهيون، السربداريون، الطاهريون، السعديون، القاجاريون، الصفويون، المزيديون، المشعشعون، المرداسيون.

وعند الحديث عن «الأكراد»، ورد تفصيل حول منشأ الأكراد، وكردستان جغرافياً، جمهورية مهاباد، يهود كردستان، الأكراد الفيلية الشيعة، والإبادة الجماعية للأكراد في العهد الأخير. كما ورد تعريف عن الثقافة الكردية، والكتابة والشعر والقصة والأدب والمسرحية والترجمة، والفلكلور والكتاب الكردي في بحوث متناسقة تقدّم معلومات شيّقة للقارئ المستزيد.

12 ـ شملت «دائرة المعارف التعريف بالكتب ومؤلفيها سواءاً القديمة منها والحديثة. فقد ورد تعريف بجملة من الكتب التراثية، منها: كتاب الأغاني، مقاتل الطالبيين، الشاهنامة، الإكليل، وسائل الشيعة، كتاب العين، ضوابط الأصول، مجمع البحرين، الفهرست، نشوار المحاضرة.

أمّا الكتب الحديثة فقد عرّف جملةً منها، على سبيل المثال: كتب الدكتور جواد علي «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام».

كما أورد نصيّن كاملين لوالده السيد محسن الأمين، وهما بحدّ ذاتهما كتابان مشهوران ومتداولان، الأول: نقض الوشيعة (ج22، ص115 ـ 352)، والثاني: كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب، (ج19، ص71 ـ 262).

13 ـ أوردت الموسوعة مباحث مهمة في الشعر واللغة والأدب العربي. ومن جملة هذه الموارد، بحث حول البند في الأدب العربي، البلاغة العربية، علم الصرف، الكنية، علم النحو، والكعبيات (قصائد للشاعر هاشم الكعبي). بضميمة بعض المباحث الأخرى المتعلقة بالشعر العامي من أمثال الزجل وغيره.

14 ـ إعتمدت «دائرة المعارف» التعريف بالبحار وغيرها من الأنهار. فقد تحدثت عن البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، ونهر الليطاني، كما تحدثت عن المعادن وأفردت الحديث عن البترول.

15 ـ في المجلد الخامس والعشرين ورد حشدٌ من الكتب: اليوم الموعود، الآثار الباقية، إصلاح المنطق، وكلُّ المواضيع التي طرقتها هي مواضيع مسهبة.

مستدركات أعيان الشيعة

بعد العمل في إعداد وضبط نصوص كتاب «أعيان الشيعة»، عمدَ السيد حسن إلى ملء الفراغات التي تركها والده في بعض تراجم الأعلام دون أنْ تسنح الفرصة للرجوع إليها. وعندما نشر «أعيان الشيعة» في طبعته الثانية أورد هذه التراجم، في صُلب الكتاب. وكان من بينها تراجم للأشخاص الذين تُوفوا بعد صاحب الأعيان. وقد أشار المحقق الأمين إلى ذلك في الهوامش، ولم يُشر إلى بعضها الآخر. لكنّ عمله في تحشية الكتاب لم ينتهِ إلى حد، فقد قادته غزارة عمله إلى إفراد المستدركات ككتاب مستقل، والبدء بنشر أجزائه المتسلسلة بعدما وجد من تبنّى مؤلفاته، وهو على أعتاب الثمانين من العمر.

وفعلاً فقد نشر المجلد الأول من «مستدركات أعيان الشيعة» وكان قد فرغ منه في 7 جمادى الثانية 1407هـ/6 شباط 1987م، ولم يكن يعلم إلى أين سينتهي به المطاف، لكنّه واصل عمله. وكان في كلّ مرّة ينعى نفسه بالرغم أنّه لم يكن يُعاني من عجز أو مرض، حتى بلغت مجلدات المستدركات إحدى عشرة مجلدة بالقطع الكبير.

كان السيد الأمين طوال عقد ونصف من الزمن مواصلاً رحلته في جمع تراجم الأعلام والكتابة عنهم، وتقصي أخبارهم. وقد جاء كتابه على هذه الصورة:

1 ـ رتّب كتابه على حروف المعجم. لكنه كان يكرّر حروف المعجم إبتداءً من حرف الألف وانتهاءً بحرف الياء في كلّ مجلد من المجلدات. لعدم تقديره بما سيؤول إليه عدد الأجزاء التي يصدرها.

2 ـ نهج في كتابة «المستدركات» نهج أبيه في كتابة «الأعيان»، حيث جمع بين تراجم المتقدّمين والمتأخرين على حدّ سواء. فقد كتب عن إبن سينا، وأبو نؤاس، والحسين بن نما الحلّي، وحيدر الآملي من المتقدمين، إلى جانب حسين معتوق وخليل مغنية وعبد الحسين نور الدين ومحمد باقر الصدر، ومحمد علي الحوماني، وغيرهم من المتأخرين.

3 ـ أفردَ كتابات وافية حول علماء الشيعة القدامى أمثال الشهيد الأول، والكراجكي، والفيض الكاشاني، والشريف المرتضى، إلى جانب الفقهاء المعاصرين أمثال الإمام أبو القاسم الخوئي، والإمام محسن الحكيم، والسيد محمود الشاهرودي، وأضرابهم، كما ترجم للشعراء الكبار من المتقدّمين أمثال البحتري، الفرزدق، كثير عزة، المتنبي، كشاجم، أبو فراس الحمداني، إبن الرومي ودعبل الخزاعي، إلى جانب الشعراء المعاصرين، أمثال: محمد مهدي الجواهري، وعلي الشرقي، ومحمود الحبوبي، ومحمد علي اليعقوبي، ومصطفى جمال الدين، وصالح الجعفري، ومحمد رضا شرف الدين، ومحيي الدين شمس الدين وغيرهم.

4 ـ ترجم لجملة من شخصيات الحكم على مر عصور التاريخ، أمثال تيمورلنك، علي بن المؤيد محمد أولجايتو (خدابنده)، إسماعيل الصفوي، نادر شاه، فتح علي شاه القاجاري، السلطان حسين الصفوي، ورضا بهلوي. كما تتبّع أخبار إدريس بن عبد الله الحسني مؤسس دولة الأدارسة، وساقها كما وردت في كتب التاريخ.

5 ـ جمعت «المستدركات» أسماء جملة من المؤرخين والفلاسفة أمثال: المسعودي، التنوخي، الكندي، ابن مسكويه، صدر المتألهين الشيرازي، أفضل الدين الكاشاني. كما جمعت علماء من جنسيات وطوائف مختلفة كالبحرانيين والقطيفيين والعراقيين والإيرانيين والأفغان والباكستانيين وعلماء جبل عامل وغيرها من المناطق.

6 ـ كرّر الأمين بعض تراجم الأشخاص في أجزاء «المستدركات» أكثر من مرّة. فكان إذا عثر على إضافات في ترجمة الحال أو بعض المنظومات الشعرية ردّها إلى صاحبها، وأشار إلى موطن ترجمته الأولى في الأجزاء التي سبقت، وعيّن مكانها.

7 ـ جمع صاحب «المستدركات» بعض التراجم التي وجدها نافعة بأقلام الآخرين وحفظها كدراسات مستقلة بأسماء كاتبيها، مستفيداً من كتابات هذه النخب في الحديث عن الشخصيات كإضافات تاريخية تُغني مادة البحث من جوانب أُخرى.

8 ـ يُلاحظ أنَّ حسن الأمين عندما كتب عن المعاصرين له، فإنّه سجّل عنهم بعض المعلومات التي مهما طالت فإنها سوف تبقى مقتضبة. فقد كان يملك خزيناً من المعرفة عن كثير من الأشخاص الذين عايشهم في أكثر من بلد، إلاّ أنّه لم يستخدم ما يكنزه عنهم من مواقف وأخبار ووصف، بل عمد إلى إطلاق الأحاديث العامة حول الأشخاص التي هي أقرب ما تكون للتراجم الرسمية دون الدخول في التفصيلات.

تدوين التاريخ عند حسن الأمين

حسن الأمين باحثٌ أرّقه الوصول إلى الحقيقة التاريخية. فقد أحسّ أنّ التاريخ الذي وجده بين يديه هو تاريخ مزوّر في كلّ عصوره وأدواره. وقد أوعز السبب إلى تسلّط الدول والمتنفذين من ذوي السطوة، وأنّ كتابة التاريخ لم تتمّ إلاَّ لهؤلاء النخبة فقط. وكان يفكّر أنّ المسلّمات التي وصلتنا، والتي هي في حدّ ذاتها مرويات لا واقع لها في تاريخ الحُقب تلك، أصبحت حقائق لا يمكن إلاّ التسليم لها، لوجود قنوات التثقيف المغلوطة التي رسّختها في عقول الأجيال المتكررة. وقد بقي في درسه التاريخي يُنشد الخروج من هذه المعضلة المعقّدة باللجوء إلى مستندات غير مستندات الكتب والصحائف المُربكة كمستندات علم الآثار، وما يتصل بها من معتبرات. لأنّ النصوص المحفوظة في بطون الكتب هي «نصوص» لُفّتْ بأغشية ساهمت في دفع الحقيقة، وتضليل القارئ الذي لم يُعاصر المراحل التي يقرأ عنها، ويحاول استيعابها. وبذلك سعى إلى إزالة «الغشاوة» عن النصّ باستقراء «الخفايا» التي تقف وراء النصوص، وإعادة تشكيلها من جديد. فربّما عثر المؤرخ على «جملة» صغيرة أرشدته إلى معنى كبير، وكشفت له خبايا خارج حدود النصّ.

ولم يقتصر تشويه التاريخ على النصوص القديمة فحسب، وإنّما تعدّى حديثُ الأمين عن تشويه التاريخ الحديث (المعاصر) أيضاً. فعندما يبدأ التاريخ بلحظة حصول الحدث وتدوينه فإن الكثير مما يُسجّل في وسائل الإعلام على سعتها وشموليتها تمتدّ إليه يد التلاعب بالحقائق، باعتبار أنّ الحوادث الحالية التي تُعاصرها خاضعة جميعها لصراعات الطوائف والدول والملل والنحل والأديان كواجهة لإدامة الصراع دون أن تكون هناك هدنة في آفاق المرحلة. وبذلك يبدأ العمل في «تخريب» التاريخ. ومن هنا تأتي حاجةُ المرحلة لوجود مؤرخين منصفين يسجّلون الحقائق على ما هي عليه.

نصير الدين الطوسي: من الخيانة إلى البطولة

ومن الأمثلة التي ساقها الأمين تشويه شخصية الخواجة نصير الدين الطوسي. وهذه المسألة عاشها في وقت مبكّر من حياته وانشغل بها، وهي أيضاً قادته إلى التعامل مع النصوص التاريخية، في محاولة لبيان الخلل فيها، ونقضها.فعندما وجد بعض الأقلام تنسب للطوسي دوراً في الخيانة، والتعامل مع القوات المغولية الغازية، بالرغم ما يتمتع به من مكانة بين علماء الشيعة الإمامية، وتفرّد في مجال الفلسفة والعلوم الرياضية وغيرها، لم يستطع إلاَّ تقصي أخباره. لكنّه إنتهى إلى أنّ الطوسي لم يكن قد طالته مثل هذه التهم، وإنّما كان «بطلاً» من أبطال الإسلام. إلاَّ أنَّ بطولته لم تكن في مرحلته تلتجئ إلى الشدّة والعنف، بمعنى آخر لم تكن بطولة «السيف»، وإنما كانت بطولة الفكر «القلم» لأنّه وضع أسس تحوّل المغول من الوثنية إلى الإسلام، ملتفّاً عليهم بالعلم، ومكبّلاً لهم بالمعرفة. وهذه الظاهرة، حسب اعتقاد الأمين، ظاهرة فريدة لم تتكرر في التاريخ بعدما تأثر الغازي الغالب بالمضطهد المغلوب، لأنّ القاعدة أن يفرض المنتصر مفاهيمه وعقائده على غريمه، إلاَّ أنَّ في حالة نصير الدين كانت خططه قد قلبت الموازين، وعطّلت مثل هذه القواعد.

يقرّر الأمين أنَّ نصير الدين كان مكرهاً بالتعاون مع المغول، لكنّه بعدما أضطر لذلك عمد إلى تحقيق مشاريعه الإصلاحية داخل وسطهم. فأنقذ أولاً التراث الإسلامي من الإبادة حيث جمع الكتب والمؤلفات في مكتبة «مراغة» الشهيرة، وأسس جامعة كبرى، ملأها برجال الفكر والاختصاص، ثم ساهم ثانياً في «أسلمة» المغول الوثنيين ودخولهم إلى الإسلام، بل تبنيهم له، حتى أصبحوا من بُناة الحضارة الإسلامية بما أنشأوه من الدول المشرقية حتى وصولهم إلى تخوم الهند والصين.

ويُلاحظ على تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي ما يلي:

1 ـ إنّ تفسير حسن الأمين لتاريخ الطوسي كان قد وقع في «شَرَك» النصوص التي حاول التهرّب منها ودحضها. فقد قرّر سيرة الطوسي من خلال حشد المرويات التي وضعت الطوسي في قلاع الإسماعيلية قرابة ثلاثة عقود، ثم وقوع نصير الدين بيد هولاكو بعد اقتحامه لقلاع الإسماعيلية واعتقاله مع طبيبين آخرين كان هولاكو بحاجة إليهما بعدما قتلَ جميع العلماء والفلاسفة. ولمّا كان نصيرالدين عالماً فلكياً فقد ألجأت الحاجة هولاكو اصطحابه معه في رحلته إلى بغداد.

وقد أثبتنا في دراستنا عن نصير الدين الطوسي أنّ هذه النصوص لا يمكن الإقرار بها، أو الاعتماد عليها في تشكيل «واقع» تلك المرحلة التاريخية. وإنّما صورة «الواقعة» تلك لم تكن كما تحدّثت عنها هذه الحشود من المرويات التي هي بحدّ ذاتها لم تُعاصر المرحلة، ولم تُكتب إلاّ بعد قرون عنها.

2 ـ إعتقد السيد الأمين أنّ نصير الدين الطوسي ساهمَ في دخول هؤلاء الوثنيين بالدين الإسلامي، وذوبانهم بالمجتمع. وهذه المقولة هي من المسلمات التي يتناقلها جميع ما يقرأ تفاصيل التاريخ المغولي المبتسر الغامض، وكيف انتهى به الحال بعد احتلال القوات المغولية للدول الإسلامية. ولم تكن هناك إجابة حول هذه التساؤلات، لأنَّ تاريخ المغول هو ليس التاريخ المسطّر على صفحات الكتب الضئيلة التي وصلتنا، وإنَّما هو تاريخ مضيّع شأنه شأن كثير من الحُقب المهمة في تاريخ الأمم الإسلامية وممالكها.

ثم من الناحية العملية، كيف يمكننا أنْ نتصور أنّ شخصاً واحداً استطاع أنْ يقلب موازين «إمبراطورية» ضخمة بكلّ ما فيها من مفكرين وقادة عسكريين وعلماء من شتى الأصناف بهذه الكيفية، وهو لم يعش بين ظهرانيهم سوى عقد ونصف من الزمن.

والحال إذا صحّ الغزو المغولي لإيران والعراق، وهو لم يصحّ بصورته هذه، فإنّ الفترة بين سقوط بغداد سنة 656هـ،ووفاة نصير الدين الطوسي سنة 772هـ، هي فترة اضطراب وتشكيل لا يمكن أن تتمّ من خلالها المشاريع الضخمة التي أسسها نصير الدين الطوسي في بلدة «مراغة»، والاشراف على المنظومة الدينية للبلاد، وإدارته شؤون الأوقاف وتفقده الحوزات العلمية في مدينة الحلّة في عهد المحقق الحلّي، تبعاً لما صوّرته النصوص المتداخلة التي أطفأت تاريخ هذه الحقبة بالمنقولات التي هي أشبه ما تكون بقصص القصّاصين من ذوي الإقناع على حساب الحقيقة.

3 ـ إنَّ تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي هو أقرب إلى التفسير «التبريري» للتاريخ الذي يقرّبه إلى الأسلوب الوعظي الإقناعي في محاولة إيجاد المنعطف بين حدّين متناقضين وترجيح كفّةٍ منهما على الأخرى.

والحال أنَّ هذين التفسيرين لا وجود لهما في حياة نصير الدين الطوسي، وإنّما تأريخه مغايرٌ تماماً لما سُجّل على صفحات الكتب اعتماداً على النصوص المربكة المنسوبة للمؤلفين القدامى من المتقدّمين.

صلاح الدين الأيوبي: دراسة لتاريخه

أثارت دراسة حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي الجدل في صفوف المهتمين بدراسة هذا الموضوع وتطور أحداثه. فقد نهج الأمين خلافاً لما اعتاد عليه الكتّاب من اعتبار صلاح الدين قائداً فذّاً استطاع الوقوف في وجه الصليبيين ودحرهم، إلى أنّه قائدٌ نَسبَهُ إلى «الخيانة» بعدما آثر الاستسلام وتسليم مقاليد البلاد بلا قتال. كما طعن الأمين في سلوكه الشخصي ونسبه، تبعاً لنصوص بعض المؤرخين، إلى إدمانه السُكر.

وكان الأمين قد اعتمد على النصوص التاريخية التي حاول أنْ يهرب منها فوقع في أسرها، كما هي الحال في نصوص نصير الدين الطوسي.

وخلاصة ما قاله، بعدما استعان بأقوال المؤرخين الأيوبيين أنفسهم، أمثال المؤرخ ابن شدّاد الذي ألّف «العلائق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة»:

1 ـ إنّ صلاح الدين الأيوبي أعاد فلسطين أو معظمها عدا القدس إلى الصليبيين بعد انتصاره في معركة «حطين».

2 ـ أخذ عليه، اعتماداً على النصوص، أنّه اعتبر البلاد التي حكمها مزارع وقرى قسّمها في حياته على ورثته، حتى تقاسم ورثتُهُ البلاد، مستقلاً كلٌّ منهم عن الآخر قبل أن يتنازعوا، أو يستنجد بعضهم على بعض بالصليبيين.

3 ـ قرّرت قراءة الأمين لهذه الحقبة التاريخية أنّ صلاح الدين أعاد فيما بعد القدس إلى الصليبيين ليحالفوه على جيوش الخلافة العباسية. وخلاصة القول فيها: أنّ الخليفة العباسي الناصر لدين الله أراد أنْ يُرسل تعزيزات عسكرية تسند الأيوبي في حربه مع الصليبيين بعد هزيمتهم بمعركة «حطين». إلاَّ أنّ وجودهم لم ينتهِ بعد هذه الواقعة. فقد حرّرت معركة «حطين» قسماً من بلاد الشام، وبقي القسم الأكبر رازحاً تحت احتلال الصليبيين.

4 ـ رفضَ صلاح الدين طلب الخليفة العباسي، وأبدى المصالحة مع الصليبيين لمقاومة جيش الخلافة العباسية إذا دخل فلسطين. وقد اشترط عليه الصليبيون إعادة المدن الفلسطينية إليهم، فلبّى طلبهم.

5 ـ أصرَّ صلاح الدين على الخليفة العباسي عدم إرسال جيوشه لتعزيز قطاعاته العسكرية.

6 ـ ردّ الأمين أنّ رفض صلاح الدين لدخول الجيوش العباسية بلاد الشام لإنهاء الوجود الصليبي فيها لا يخرج عن المنافع الذاتية التي سوف ينالها الأيوبي من الوضع الجديد، في حين أنّه لا يحرز إلاّ اليسير منها في ظلّ دولة الخلافة. وبذلك فقد فضّل مصالحه الشخصية على المصلحة الإسلامية.

7 ـ أوعز الأمين أنّ انتصار الجيوش الإسلامية على الصليبيين وتخليص بلاد الشام منهم سيجعل صلاح الدين أحد الولاة التابعين لدولة الخلافة، في حين أنّ طموحه كان في السلطة أكبر من ذلك.

وساق مثالاً مماثلاً جرى بين نور الدين الذي أرسل صلاح الدين إلى مصر ليُعدّ جيشاً من المصريين لمهاجمة الصليبيين من مصر بعد استعداد نور الدين نفسه لمهاجمتهم من بلاد الشام ليسهل القضاء عليهم، إلاَّ أنّ صلاح الدين رفض ذلك. وسبب رفضه، كما تقرّر قراءة الأمين، هو حبّه للاستقلال فهو الآن مستقلٌّ بمصر، وانتصار نور الدين على الصليبيين وإخراجهم من بلاد الشام لا يعود عليه إلا بمنصب أحد الولاة التابعين لنور الدين.

8 ـ ذكر الأمين، تبعاً لنصوص ابن الأثير، أنَّ نور الدين عزم على الزحف إلى مصر والقضاء على صلاح الدين «لكن جاءه أمرُ الله»، فتُوفي وهو يتأهب للقضاء على صلاح الدين.

9 ـ ذكر الأمين أنّ صلاح الدين الأيوبي احتجز رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائهم في مكان آخر ومنع الفريقين من التزاوج لكي لا يتناسلوا. وقد نقل عن المقريزي صاحب «الخطط» أنَّ عدد مَنْ فرّق الأيوبي بين ذكورهم وإناثهم عشرة آلاف بين رجل وإمرأة. وقد بقي هؤلاء محتجزين في عهد خلفاء صلاح الدين «عقوداً» من السنين، وكان من بينهم أطفال شاخوا في هذا الاحتجاز.

10 ـ حاول الأمين أنْ يُثبت أنَّ صلاح الدين بدّد أعظم مكتبة في العالم الإسلامي أسسها الفاطميون في مصر.

ويُلاحظ على قراءة السيد حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي ما يلي:

1 ـ إنّ الأمين في درسه التاريخي لم يخطر في باله التشكيك في النصوص التاريخية بالشكل الذي يقرّبه إلى دائرة أوسع في نقد التاريخ والتشكيك في جزئياته. وعليه فقد اعتبر معظم النصوص المبثوثة في كتب التواريخ هي نصوص ثابتة وصحيحة، لا يُستلهمُ التاريخ إلاَّ من خلال سطورها.

2 ـ يُلاحظ أنّ النصوص المنسوبة للمؤرخين غالباً ما تحمل «نقيضها» معها، لينطفي وهج الشخصيات المراد الحديث عنها وتشويهها، على طريقة الذمّ مرّة، أو المدح الذي يُرادُ به الذمَّ مرّة أخرى، ولا وسطية بينهما.

وعلى هذه القاعدة تُقاس النصوص المنسوبة لصلاح الدين الأيوبي، أو تلك المنسوبة لنصير الدين الطوسي. ولا تتعدى هذه الملاحظة العديد من الوقائع في جميع أدوارها وأطوارها وأزمانها ومراكزها.

إنّ قصة صلاح الدين كما وردت في النصوص التاريخية المتناقضة، والتي اعتمد السيد الأمين على القسم المشوّه لشخصية صلاح الدين منها، هي في ذاتها تحملُ بذور نقائضها. فهي، اعتماداً على السرد التاريخي، تحاول ربط الشؤون السياسية الكبرى بالقضايا الشخصية البحتة. وإلاّ فلا يمكن أنْ نفسّر دخول صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين واعتماد الأمبراطورية الإسلامية عليه إلى وجود عدم الضوابط أو الشؤون العسكرية السائبة. وكأنّ الجيوش الإسلامية مرتبطة «بفرد» واحد تأتمرُ بأوامره، وليس هناك سلطة عليا تقف وراءه أو تحاسبه، خصوصاً وهو في حالة قيادته للجيوش، وليس حاكماً جرى العرف على زعامته للممالك الإسلامية.

إنّ ربط قضايا التاريخ الكبيرة بنتائج شخصيته هي سمة من سمات التاريخ الموهوم الذي لا يرقى إلى عصر «الوقائع»، وإنّما جرى عليه التحريف في عصور متأخرة عنه، خصوصاً عصر الصراع الصفوي ـ العثماني الذي بدأ أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، والذي فيه ظهر التحريف وتطوّر في الجانبين المذهبيين الشيعي والسني على حدّ سواء.

4 ـ اعتماداً على النصّ المنسوب لتاريخ ابن الأثير وغيره في قيام صلاح الدين الأيوبي الفصل بين الذكور والإناث الفاطميين ومنعهم من التزاوج حتى شاخ أطفالهم وهم عشرة آلاف شخص، مما يُوحي أنَّ فترة الاحتجاز كانت تقارب الخمسين عاماً على الأقل.

وتهدف مثل هذه المرويات المدسوسة بكتب التاريخ إلى مسائل، منها:

أ ـ إنَّ النصوص تحاول أنْ تردّ عمل صلاح الدين الأيوبي إلى العامل المذهبي الطائفي المتخذ من المذهب السني دافعاً له، باعتبار أنَّ الفاطميين هم من الشيعة المخالفين في المذهب والاعتقاد.

ب ـ إنّ مثل هذه الواقعة المعتمدة على الفصل بين الإناث والذكور، كما يقرّر النصّ، هي في حدّ ذاتها تنفي صحّة وقوعها. فإذا بقي هؤلاء العشرة آلاف شخص محتجزين، وشاب أطفالهم بهذه الطريقة التي قرّرها النص، مما يعني أنّ أحداً منهم لم يبقَ على قيد الحياة، خصوصاً من الطبقات الأكبر سنّاً. وعليه فإنّ عنصر الإبادة قد لحق بهؤلاء على مدى أكثر من نصف قرن من الاحتجاز.

أما الصمت الذي قرّرته الرواية في غياب تفاصيل مرحلة ما بعد الاحتجاز فهو دليل محكم على بطلانها من الأساس.

ج ـ إنّ مثل هذه الروايات تتكاثر في طبعات الكتب التاريخية وفي عصورها المختلفة، وهي تمزج حقائق الجد بالهزل والسخرية المبطّنة بالاستهزاء، مما يدلّ على أنّها ليست من أفعال المؤرخين على طول جبهات تاريخية متتالية، وإنّما هي من فعل أقلام عصر واحد وزّعها على العصور بالتساوي. وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ الإسلامي على مداه. وقد وردت الإشارة على أنّ الصفويين والعثمانيين ومن تبعهم من الساسة القاجاريين ساهموا في عملية تحريف الكتب المخطوطة، وتشكيلها وفق المناهج التي تخدم أهدافهم ومتبيناتهم السياسية.

حسن الأمين: ملاحظات عامة

1 ـ السيد حسن الأمين مؤرخ يمتاز بالجُرأة والبراءة. فإذا تقصَّى حدثاً تاريخياً أو معاصراً قال رأيه فيه دون أنْ يحسب للنتائج حسابها. وتغطي آراؤه جميع الجهات، القريبة منه أو البعيدة على حدّ سواء فيما يخص بتقييم سلوك الأفراد أو الأمم أو ركائز الأفكار وما يتصل بها من المعتقدات على الصعيدين الديني أو السياسي.

2 ـ إمتاز الأمين بسعة الأفق، وغزارة المعرفة حتى شكّل بحدّ ذاته «دائرة معارف» مليئة بالفوائد والدرر ينقلها معه في حلّه وترحاله. وقد تجلّت ثقافته في أحاديثه الشخصية وخطاباته المرتجلة البليغة، وكتاباته الغزيرة في أدب الرحلات والتراجم، أو السفر في أعماق الماضي، أو الإبحار في مدارات الأزمنة.

3 ـ عُرفَ السيد حسن الأمين في الوسط المثقف العام بكتاباته ومتابعاته بالصحافة والمجلات ثم إصداره الكتب والمؤلفات. وعلى الصعيد الشيعي الخاص عُرف بالموسوعات التي أصدرها، والكتب التي تلتها فيما بعد. إلاّ أنّ معرفته داخل الوسط الشيعي لم تكن معرفة «شعبية»، وإنّما كانت أقرب ما تكون للمعرفة الرسمية. فلم تكنْ شخصيته بالرغم من بساطته وترسله قد نزلت إلى الشارع الشيعي وائتلفت معه. بل بقي شخصيةً رسمية يتوافد عليه نفرٌ محدود من الزائرين من ذوي الخبرة، أو من الدارسين التائقين لحلّ بعض المسائل التاريخية المشكلة أو التساؤل عنها. كما لم تكن تربطه علاقات بالقطاعات الشيعية الأخرى إلاّ بالقدر المحدود الذي يقرّبه إلى العلاقات التي لا تخرج عن نطاق الرسمية أيضاً.

4 ـ بالرغم من انفتاح حسن الأمين على جميع الأفكار واحترامه لها وعدم وقوعه في شباك «الطائفية»، إلاّ أنَّه لم يتجاوز في دراساته القراءة «الطائفية» للتاريخ، بل كانت جهوده جميعها منصبّة في هذه القراءة. ويظهر من ذلك تصديه للردود التي تظهر في الصحافة والمجلات ومتابعته لها، إلى جانب تصديه للمعارك التاريخية التي يُنَصّبُ نفسه فيها طرفاً يصدر حكمه على خصومه في أغلب الأحيان، أو ينتصر «لفئتهِ» بدرء الشبهات في أحيان أخرى. ولم تخرج دراساته عن إطار هذا المنحى في كلّ ما كتب وألّف. وكأنّ النزعة الطائفية التي أراد الهروب منها عملياً وقع بها نظرياً على صفحات الكتب وبين سطور المقالات، دون أن يجد في ذلك ضيراً أو حراجة. ويرجع سبب ذلك إلى أنّ حسن الأمين كان يشعر أنّ عالم التشيّع بما فيه من تاريخ ورجال وفكر ومؤلفات هو «تراثُه» الذي تلقّاهُ عن أبيه وهو مسؤول عنه، أو «ذاته» الكبرى التي يجب أن تكون ناصعة مضيئة على مدى الأجيال المتلاحقة دون أنْ يمسّها شيء من التغيير.

5 ـ إمتاز الأمين بصفة الوفاء، والخلق القويم. فقد كان في وفائه وخلقه ونبله مدرسة قائمة بذاتها. فهو يهتَمُّ لزيارة أو مراسلة مَنْ هم دونه مرتبةً ومقاماً وعمراً دون أنْ يجد حراجة في ذلك. تدعمه ثقة عالية يزرعها في نفوس مَنْ يقصدهم، وكأنّه يحاول أنْ يشكّل نفوسهم من جديد، أو يكرّم أعمالهم بالإشادة، وقد انعكس وفاؤه لأناس عاش معهم، وسجّل عنهم، وأشاد بهم، وذكرهم بعد رحيلهم، كما ترك سطوره تلهج بالثناء عليهم في حياته وبعد رحيله.

وهو من منطلق هذا المبدأ لم يكن يقصد حتى في دراساته التاريخية وهجومه الصارخ في بعض الأحيان، الإساءة إلى أحد، بل كان مبهوراً بالإكتشافات دون أنْ يحمل ضغينة على أحد. إنّ براءته باكتشاف المجهول ودهشته به تقرّبه إلى البراءة المحضة التي لا مراء فيها ولا جدل.

6 ـ يُلاحظ أنّ انبثاق عمل حسن الأمين التاريخي كان مرتبطاً بالعلاقة الحميمة التي حصلت بينه وبين صديقه الحاج حامد عزيزي، أحد ناشري الكتب الشيعية في بيروت منذ عقد السبعينيات الميلادية، وأثمرت خلال العقدين الأخيرين من حياة السيد الأمين. فلم يكن الحاج عزيزي ناشراً لكتب «الأمينين»، الأب والإبن فحسب، وإنّما كان صاحب رؤية حاول تحقيقها وتنفيذها على رغم جسامة العمل وضخامته، وما يتطلبه من جهود متواصلة على حساب الطرفين.

وبهذا الاندفاع انطلق حسن الأمين مواصلاً سيره رغم تقدّمه الزمني، وحقّق رؤيته من خلال نشر موسوعاته؛ تحقيق أعيان الشيعة، مستدركات أعيان الشيعة، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية. وبعد أن تألّق إسمُهُ في عالم المصنفين أقبلت بعض دور النشر تطلب رفده، فقدّم لها مؤلفات كانت كامنة على أدراج رفوف مكتبته، ونشر ما لا يقلّ عن عشرين كتاباً منها تلاقفتها أيدي القرّاء بالانتشار.

7 ـ بعد وفاة العلاّمة السيد حسن الأمين يوم الاثنين 8 شعبان 1423هـ/14 تشرين الأول (اكتوبر) 2002م لم يكن قد جرى له تشييع يليق وما له من مكانة علمية وأسرية في عالم التشيّع. ففي بيروت لم يكن الحشد الذي تجمّع في المسجد الجامع ينيف على الخمسين شخصاً. أمّا في «شقرا» بلدته العتيدة فقد استقبله أهله بالأعلام السوداء، وأعادوه إلى ترابه الأول في ظلال مسجد آبائه الأقدمين، وبين قناديلهم المنتثرة على أرجائه هنا وهناك.

أمّا الاحتفالات التي أقيمت بعد رحيله فلم تخرج عن الإطار «الرسمي» الذي رافق حياة الأمين نفسه. فقد تولّى تأبينه نخبة من رجال السياسة والدين الرسميين تحت رعاية دولتين رسميتين هما إيران ولبنان. ولم يكن للسيد حسن الأمين أحدٌ يرثيه خارج السرب الرسمي، وكأنّ قدر هذه الشخصية الشيعية اللبنانية دفعها لأنْ تكون جسراً للتعبير عن الملاءمة التي تربط سياسة الدولتين الإيرانية واللبنانية بعضها بالآخر، حتى ولو كان ذلك على صعيد الاحتفالات، التي جذبت الشخصيات من شتى طوائفهم للتعبير عن هموم السياسة والدين وشجون المرحلة وشؤونها.

8 ـ لم يحصل السيد حسن الأمين في حياته على ما يتمناه من دعم مشاريعه الثقافية، وتبنيها من قبل عالم التشيّع أو غيره من العوالم الثقافية الأخرى، لكنّه بعد مماته حظيَ ببناء ضريح مجلل على قبره كان قد أُعدّ عمله بمدينة اصفهان الإيرانية بسعي من سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان. ويمثّل الضريح بناءً متساوي الأضلاع تعلوه قبّة صغيرة، وتحيط به الكتابات المزينة بالأحجار والفنّ المعماري والأناقة في خط الرسوم ونقشها. وقد نُقشت صورة العلاّمة الأمين وهو في كامل أناقته وحيويته، على صخرة تشير إلى مرقده، كما نُقش عليها آخر بيتين من قصيدة لي في تأبينه، بعنوان «رثاء مؤرخ»، والبيتان هما:

تجمّعت فيكَ أيامٌ وأزمنةٌ

مَنْ ذا سواكَ الذي قد حلّ مشكلها

فقل لمن حملوا للقبر هيكله

دفنتمُ أممَ التاريخ أكملها

وكان قد أُقيم حفل إزاحة الستار عن ضريحه بمدينة «شقرا» صباح يوم25 ذي الحجة 1423هـ/ 27 شباط 2003م.

9 ـ بعد رحيل العلاّمة الأمين كتبتُ قصيدة في رثائه. ولم تكن القصيدة مرثاةً له، بل كانت مرثاةً لي أيضاً. فكنتُ أنعاهُ بالبيت إثر البيت، وأغيّر نعيه بنعي آخر، حتى أحسست أني أؤبّن حسن الأمين المتلبّس في جسدي والذي يجري مجرى الدم في عروقي. لذلك كتبتُ بعد عنوان القصيدة هذه الجملة: «عندما نظرتُ بالمرآة تراءتْ صورة حسن الأمين فيها».

فكنتُ أكتبُ البيت الواحد وأوزّعه على شخصين اثنين، الراحل الملتفّ بالصمت والمودّع الملتفّ بالحسرات، حتى خُيّلَ لي أنّ هذه المرثاة صدرت مرتين؛ الثانية منهما كانت صدى للأولى، وكأنَّ حسن الأمين هو الذي أعاد كتابتها وأرجعها إليّ. وقد ذكرتُ تمام القصيدتين في كتاب «الروض الخميل».

وفي يوم من أيام الشتاء حملتُ قصيدة الرثاء ومشيتُ إلى بيت السيد حسن الأمين ببيروت، لم أشأ أنْ أطرق الباب، بل تريثتُ بالإنتظار، فبقيتُ مرتقباً نزوله لشراء صحيفة أو إرسال رسالة، وطال وقوفي تحت سقف بنايته، لعلّه يُطلُّ كما كان بطلعته البهية، وترحابه الجميل لأُسمعَه أبياتي فيه، لكنّ أحداً لم يأتِ. ولمّا يئستُ بكيتُ، وتساقط الدمعُ من عينيّ، وبكت السماء معي وتساقط دمعُها مدراراً، فحملتُ «مظلتي»، وعدتُ وحيداً أقطع ظلام المدينة بين قطرات الدمع، وزخّات المطر، وأنا أردد قولي فيه، وأندبُ أيامه السالفة:

مَنْ ذا يُعيدُ من الأزمان أجملَها

علّي أبثُّ شكاتي بينكم وَلَها

يا أيها «الحسنُ» الزاكي أرومتُهُ

هوّن خطاكَ فقد ناديتَ أعجلها

قد جئتُ أرثيكَ هل تُرثى بقافيةٍ

إنْ لم يكُ الوحيُ من علياه أنزلها

مَنْ ذا يضاهيك في الجُلّى ورهبتها

ألستَ أنتَ الذي قد كنتَ جحفلها؟

أنتَ الذي لو مددتَ السحبَ كنتَ فتى

على الملايين من جدواهُ ظلّلها

ما خلتُ أنثرُ من نظم القريض رؤىً

ووجهُكَ البدرُ غافٍ ما تأملها

بكتْ عليك مع القرطاس محبرةٌ

لمّا رثتْ صحفُ التاريخ مقولها

 

 

بيروت: 3/8/2005م جودت القزويني

 

حسن الأمين

رائد «دائرة المعارف الاسلامية الشيعية»

وسيد «مستدركات الأعيان»

بقلم: الدكتور جودت القزويني

الحديث عن السيد حسن الأمين حديثٌ عن مملكة مشحونة بالإثارة، أو الحديث عن بحرٍ ما له ضفاف. فقد بقي السيد حسن الأمين راهباً ملتفّاً بالعمل الدؤوب لا تشغله عن أحوال الماضين أو الحاضرين شاغلة. بقي طوال تسعين عاماً شابحاً نظره إلى هياكل الأمم والملوك، وإلى هياكل المعتقدات والأفكار، مستجلياً الحقائق مرّة، وموجّهاً لها أُخرى، ومنتفضاً عليها مرّة ثالثة.

إنغمس السيد الأمين بالتتبع وتحقيق أهدافه. حيث أراد أنْ يلمّ بكلّ ما يستطيع الوصول إليه ليجعله تحت قبضته، سواء أكان ذلك متعلّقاً بالأشخاص وتراجمهم، أو الأفكار ومعطياتها. فأنتج عملين هما حصيلة جهود سنوات متواصلة من التتبع والكتابة، إندرجا في موسوعة «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، و«مستدركات أعيان الشيعة»، وكان يعتقد أنَّ هذين العملين هما ثمرة عمره الذي به يحيا، ويمتدّ.

لم يلتفت إلى عمل حسن الأمين إلاّ القلائل، فلم يكن يشعر بعمله أحد، بل كان يجاهد مفرداً ليسبح في عالمه البعيد عن عوالم بني جلدته. لذلك كان مسكوناً بالاكتشافات ليس «من بلد إلى بلد»، وإنّما باكتشافاته عبر الأزمنة. حتى إذا قرّر معلومة من المعلومات هام بها، وتبنّاها، ولم يجد لها بديلاً. وبالرغم من كلّ ما كتبه وألّفه وسطّره من دراسات في صُلب التاريخ وتراجم الرجال فإنّ طاقة حسن الأمين لا تقتصر على هذه الكتابات وإنّما الكتاب الذي أراد كتابته، لم تُطاوعه الأيامُ له. فقد ترك حفنةً من أوراقه البيضاء الناصعة مملوءةً بالعناوين، لعلّ واحداً من أبنائه القادمين يتّبع أثره ويُكملُ مشواره ويرفعُ رايته على مدى الأزمان خفّاقة، لا تحملُ إلا إسمه «الحسن»، ومنهجه التاريخي «الأمين».

أسرة السيد محسن الأمين

للسيد محسن الأمين خمسة أولاد ذكور، وأربع إناث. وزوجته هي العلوية شاهزنان ابنة السيد علي ابن السيد محمد الأمين، وأولاده هم:

1 ـ العلوية نجيبة زوجة الشيخ محمد علي قبلان (ت: 1404هـ/1984م)، عالم مدينة ميس الجبل، وهو والد الشيخ عبد الأمير قبلان من زوجته الأولى. ولها بنت واحدة.

2 ـ العلوية أنيسة تزوجها إبن خالها السيد مرتضى بن السيد عبد الحسين الأمين (ت: 1378هـ/1959م). وأولادها، الدكتور محمد علي، والسيد رائف الأمين، والسيد عمران.

3 ـ محمد باقر (ت: 1397هـ/1977م)، وهو الولد «الروحاني» الوحيد من ذرية السيد محسن، فقد بقي محافظاً على لباسه الديني، وتولّى منصب قاضي بيروت الشرعي، له من الأولاد: السيد هاني (1349 ـ 1404هـ/1930 ـ 1984م)، والسيد عاصم، والسيد ياسر، توفي ولم يتزوج (1354 ـ 1404هـ/1935 ـ 1984م)، والسيد محسن (1367 ـ 1418هـ/1948 ـ 1998م).

4 ـ العلوية فاطمة زوجة الشاعر (فتى الجبل) السيد عبد الرؤوف الأمين بن السيد علي محمود الأمين، (1318 ـ 1390هـ/1900 ـ 1970م). ولها من الأبناء: السيد زيد، الدكتور علي، البحاثة الدكتور هيثم الأمين.

5 ـ العلوية عفيفة زوجة الشيخ خليل مغنية (1318 ـ 1378هـ/1900 ـ 1959م). وأولادها المحامي السيد إبراهيم، السيد إسماعيل، السيد منير.

6 ـ جعفر الشاعر الأديب (ت: 1402هـ/1982م) من أسرة التعليم، وهو من زوجة ثانية. ولده الاستاذ الفاضل صديقنا السيد أكرم الأمين.

7 ـ السيد حسن: صاحب مستدركات أعيان الشيعة، ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية، (لم يتزوج)، (1326 ـ 1423هـ/1908 ـ 2002م).

8 ـ السيد هاشم: الشاعر المحلّق، من أسرة التعليم، إشتغل بالصحافة، ولم يتزوج (1332 ـ 1412هـ/1912 ـ 1992م).

9 ـ السيد عبد المطلب، الشاعر الدبلوماسي (1335 ـ 1394هـ/1916 ـ 1974م). ولده السيد محسن، (كاتب العدل في شقرا).

بين بلاد الشام والعراق

ولد السيد حسن الأمين سنة 1326هـ/1908م بدمشق في محلّة حي الخراب، والتي تُعرف اليوم بمنطقة حي الأمين. فقد جرى إطلاق حي الأمين على هذه المحلّة سنة 1362هـ/1943م. ويعرف شارع المحلّة بشارع الأمين نسبةً لأبيه العلاّمة السيد محسن الذي استوطنها. قضى السيد حسن طفولته بين دمشق وشقرا، الموطن القديم لآل الأمين. وكان والده قد اتخذ مدينة دمشق مركزاً دينيّاً وثقافياً بعد رجوعه من النجف الأشرف لتوجيه أبناء الشيعة إلى الدراسة والتثقيف بعد محاصرتهم في بيئة ضاربة عزلتها الثقافية عليهم. وفي دمشق درس سنة 1340هـ/1921م بالمدرسة العلوية الرسمية التي أسسها والده العلاّمة، التي سمّيت بعد وفاته بالمدرسة «المحسنية» تكريماً له. كما حضر حلقات درس والده في دروس اللغة والمنطق والفقه وأصوله. وبعد أنْ أتمّ المرحلة الإعدادية سنة 1351هـ/1932م دخل معهد الحقوق التابع للجامعة السورية وتخرّج منه سنة 1353هـ/1934م، ثم مارس وظيفة المحاماة على مدى عامين كاملين، إلا أنَّ هذه المهنة لم ترق له فهجرها، وكانت المرحلة التي أعقبتها مرحلة ترقّب. وعندما عُيّن العلاّمة الشيخ محمد رضا الشبيبي وزيراً للمعارف في الحكومة العراقية سنة 1357هـ/1938م، طلبت المدارس العراقية مجموعة من الأساتذة العرب لتغطية النقص في كوادرها التعليمية، ففتحت الباب لاستقدامهم، وكان السيد حسن الأمين واحداً منهم، حيث وصل العراق في العام نفسه، وعُيّن مدرساً في ثانوية الحلّة. وكان مديرها الأديب عبد الوهاب الركابي، وأحد مدرسيها هو والدي السيد كاظم القزويني، فبقيَ عاماً دراسياً يدرّس مادة الأدب العربي والتاريخ الحديث والاقتصاد.

إئتلف السيد حسن مع وضعه الجديد، وألِفَه. فقد كانت الحلّة في هذه الفترة الزمنية بالذات تزخر بالشخصيات العلمية والأدبية والاجتماعية. وكان للشخصيات التي عاصرها السيد الأمين وجود فيها، ممن أدركهم، فلم يكن قد أحسّ بالغربة وهو يطوي أرضه إلى أرض غيرها مخلفاً كلّ وجوده هناك. إلاّ أنّ مكانته لم تزايله، بل سبقت شهرتُهُ مقدمَه. فقد كان أبوه علماً من أعلام النهضة الإصلاحية الشيعية، وأحد المراجع الدينيين العظام. ولم تكن مواهب الإبن قد انحصرت بشهرة أبيه، بل راح قلمُه السيّال يُدبّج المقالات وينشرها على صفحات مجلّة «العرفان» وكان النشر يومذاك يُعدُّ من المفاخر التي لا ينالها إلا أنفار قلائل. وقد اشتهرت مقالته حول الحديث عن رحلته من دمشق إلى بغداد، وهي أول مقالة نشرها في أدب الرحلات. كما نشر مقالته الثانية في وصف رحلة قام بها مع مجموعة من طلاّب ثانوية الحلّة إلى مدينة سامراء. ثم تحوّل للتدريس في «دار المعلمين الريفية» الواقعة بمنطقة الرستمية (من ضواحي بغداد) فأمضى عامه الدراسي فيها. لكنّه آثر الرجوع إلى لبنان، وقبوله الانخراط في سلك القضاء، فعيّن قاضياً مدنياً بمنطقة النبطية. لكنّ هذه الوظيفة لم تستهوه فاستقالَ منها بعد طول مراس أواخر شهر شباط 1945م، وآثر الرجوع إلى العراق مرّة أخرى، والتدريس في «دار المعلمين العالية» الخاصة بالبنات، والتي كانت تسمّى «كلية الملكة عالية». وقد بقي في هذه المهنة أربع سنوات متواصلة، وخرّج جيلاً من الأديبات اللواتي أضحين فيما بعد من الأسماء الكبيرة ليس في العراق فحسب، وإنّما في العالم العربي ككل، أمثال نازك الملائكة، وعاتكة الخزرجي، وفطينة النائب.

وتُعدُّ سنوات حسن الأمين في العراق من أغزر السنوات عطاءاً وتشكيلاً. فقد كانت الأجواء تفيض بالحركة الأدبية التي تجنح إلى التجديد والأصالة، وكان العراق كلّه يتنفسُ شعراً، لذلك ظهر نتاج الأمين الشعري غزيراً في هذه السنوات.

ولمّا أحسّ الأمين أنّ أباه المحسن زحف إليه العجز أراد أنْ يكون جنبه، فترك العراق سنة 1369هـ/1950م، ملتحقاً به إلى لبنان.

كانت هذه المرحلة من أشدّ مراحل الأمين الفكرية انعطافاً، فقد دخل مملكة والده الروحية والعلمية، وعاش فيها عامين كاملين قبل أنْ ينتقل والده إلى الرفيق الأعلى في 4 رجب سنة 1371هـ/30 آذار 1952م. إنَّ هزّة وفاة الوالد تركت أثرها في نفس الولد، خصوصاً بعد تجربة غربته ومعايشته على مدى سنوات، اكتشف الولد تفوّق أبيه ومجالدته في تحقيق أهدافه العلمية التي ينشدها. وكان أبوه قد أحسّ أنّ إنجازَ عمله لم يتمّ كما كان مقرّراً له، فقد بقيت أجزاء عدّة من موسوعة «أعيان الشيعة» مكتوبة بقلمه، لم ينشر شيء منها، وإخراجها من مسوداتها تحتاج إلى جهود متظافرة لا يقوى عليها إلاّ المتخصص الفعّال دون غيره من هواة البحث.

السيد حسن: الأمين لمنهج أبيه الأمين

لم تكن جهود السيد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» إلاَّ ضرباً من ضروب الخيال. فلم يكن أحدٌ يجرأ على الإقدام لجمع تراجم علماء الشيعة عبر العصور بمثل السعة التي اشتمل عليها كتاب «الأعيان». مضافاً إلى أنَّ السيد محسن كان يملك أسلوباً يمتاز بالسلاسة والتدفق ونصوع العبارة وسلاستها. فلم يكن قد جمع في كتابه حشداً من التراجم دون أنْ يعمل النظر بها ويصوغها على وفق فهمه للشخصيات التي كتب عنها واستوعب مناحيها من جميع الجهات. ولا فرق في ذلك بين الشخصيات المتقدمة التي لم يعاصرها وبين تلك التي عاصرها وكتب عنها. فلم تتبدّل منهجيتُه في ذلك، ولم تتغير. بل كان أُسلوبه واحداً في كلا المجالين. كما كانت له اجتهاداته الكثيرة في مطاوي بحوثه حول العديد من الأحداث المتصلة بسيرة مَنْ كتب عنهم، وقد أعطى آراءاً جريئة، مفككاً النصوص المتصفة بالغموض، ومستوحياً منها آراءه، بعد الموازنة والمفاضلة.

وعندما تهيّأ ولده السيد حسن لإنجاز عمل «الأعيان» وتقديم أجزائه المخطوطة للنشر بعد تحقيقها ونسخها وإصلاحها وتتميمها على مدى أربع سنوات متواصلة، إنطبعت منهجية والده في كتابة التراجم والتعامل مع النصوص التاريخية، في نفسه، وأصبحت من الدلالات لديه حتى اتخذها منهجية ثابتة في أعماله التي ظهرت فيما بعد.

ويمكن القول إنّ السيد حسن الأمين هو النسخة غير المعدّلة للسيد محسن الأمين، فلم يستطع أن يتجاوزه في رأي، أو يردّ عليه في مطلب، أو يخالفه في اعتبار. حتى أنَّ مقولة «الولد سرُّ أبيه» لا يمكن أن تنطبق، والحال هذه، إلاّ عليه. فقد تأثّر فيه تأثراً بالغاً، ووجد في كتاباته نافذة لحلّ الأزمات التاريخية والفكرية. كما وجد في دفاعه عن العقائد والتاريخ الشيعي الطريقة الناجعة في ردّ سهام القاصدين أو غير القاصدين على حدّ سواء.

ولم تقتصر هذه الملكة على التاريخ والتراجم فحسب، وإنّما سرت إلى تأثره بأدب الرحلات. فقد كتب السيد محسن شيئاً عن رحلاته إلى العراق وإيران ومصر وغيرها من البلدان، وسجَّل ما شاهده فيها، وما وقع له من مصادفات. وكانت هذه الأوراق التي نشرها ولده السيد حسن تحت عنوان: «رحلات السيد محسن الأمين» باعثاً لتسجيل رحلاته فيما بعد «من بلد إلى بلد»، وذكرياته في «حلّ وترحال»، حتى عُدّ كتابه هذا من الكتب الرائدة في أدب الرحلات خلال القرن العشرين الميلادي.

دائرة المعارف الشيعية

انبثقت فكرة «دائرة المعارف الشيعية» من ردّة فعل على «دائرة المعارف الإسلامية» التي تصدّى لها نخبة من المستشرقين وصدرت بعدّة لغات. وكانت تحمل بعض المعلومات الناقصة المتعلّقة بجملة من الموارد التاريخية الشيعية أو التفسيرات المغايرة للفهم الشيعي والمناقضة له.

وكان حسن الأمين، كما يقرّر في مطالعته لتلك الموسوعة الشاملة، يدوّنُ ملاحظاته على صفحات الكتاب مرّة، وفي أوراق مستقلّة مرّة أخرى. وكانت فكرته تقوم على نشر تلك القصاصات المتضمنة للردود في مقالات متسلسلة. إلاَّ أنّ هذا المنحى لم يرق له لعدم مناسبته حجم الموسوعة التي يُراد دحض مباحثها الخاطئة في دراسة مفردات التشيّع التاريخية والعقائدية. فقد كانت الجهود المبذولة في موسوعة المستشرقين جهوداً كبيرة لا يمكن التعليق عليها بمقالات أو ردود متفرقة، إلاَّ بما يُضاهيها من عمل يكون مرجعاً عاماً يلتجئ الباحثون إليه، وكتاباً يُلفت الأنظار إليه. من هنا بدأ العمل لتشييد قواعد «دائرة المعارف الإسلامية الشيعية»، وكان ذلك محدّداً في عام 1386هـ/1966م.

إنّ جهود السيد حسن الأمين في «دائرة المعارف» لم تكن مقتصرة على تحشيد المواضيع النظرية، بل كان الأمين، من خلالها، يسعى لخلق منظومة شيعيّة موحدة يستند إليها في عمله العلمي ويوحّدها فيه. من هنا فقد اندفع لتتبّع الدراسات حول تاريخ الشيعة وما يتعلّق به من أمور، وتقصّي أخبار الكتّاب ومراسلتهم وجذبهم إلى ساحته بالمعرفة والكلمة الطيبة. وعلى ذلك فقد كان لا ينقطع عن المؤلفين أينما كانوا ووجدوا، تشهد على ذلك مراسلاته للكثير منهم، وإشعارهم بأهمية أعمالهم بالثناء، وما تستدعيه كلماته الجزلة من دلائل.

أمّا الحدث التاريخي الذي سجّله حسن الأمين فيما يخصّ التاريخ الذي عاصره وشهده ووعاه، فهو يساوي في كمّه ما كتبه عن التواريخ المتقدمة التي لم يعاصرها بل قرأها في كتب المؤرخين، ووازن بينها. أمَّا في النتائج فإنّ نوعية التاريخ المعاصر تختلف في جدّتها ونضارتها عن تلك النصوص المتقدّمة للتاريخ والتي هي نصوص مربكة عانى منها المتخصصون ولم يهتدوا للتخلّص منها.

ويُلاحظ على عمل الأمين ما يلي:

1 ـ إنَّ عمل السيد الأمين كان رائداً في عصره، لم يُسبق إليه بمثل هذه المنهجية والسعة، فقد بدأه بوقت مبكر قبل أنْ تكون هناك جهود ملحوظة في التصدّي للتأليف الموسوعي الذي عُرف باسم «دائرة المعارف». وقد ظهر شبيه هذا النمط بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وتمثّل بمؤسسة «دائرة المعارف الإسلامية الكبرى» التي صدرت بعض أجزائها باللغة الفارسية، وترجمت إلى اللغة العربية.

2 ـ إنَّ عمل السيد الأمين في «دائرة المعارف الشيعية» كان عملاً ذاتياً بحتاً. فلم تكن هناك جهة ثقافية أو دينية أو مؤسساتية تسند مشروعه، بل كان عمله منحصراً بجهوده الفردية المحدودة.

حدّثني مرّة أنّه قال، ما مفاده: لم يكن في نيتي إصدار «دائرة المعارف الشيعية» على هذه الشاكلة. فقد كنتُ أنوي إصدارها في (45) مجلداً، وأقوم باختيار البحوث لأوزعها على المتخصصين من الكتّاب، إلاّ أنّ ظروف العمل لم تكن قادرة على تحقيق ذلك، خصوصاً إذا اعتمدت على الإمكانات الذاتية دون غيرها.

3 ـ لم تكن جهود الأمين الفردية قد انصبّت على كتابة «دائرة المعارف» وجمع مباحثها فقط، بل تعدّت إلى جهوده الفردية في إصدارها أول مرّة على شكل كراسات صغيرة بصورة متسلسلة لكي لا يضيع جهده أو يتلاشى. وقد شكّلتْ هذه الكراسات ثلاث مجلدات فقط، ثم تطورت فيما بعد بالطبعات اللاحقة.

4 ـ تمَّ ترتيب «دائرة المعارف» على الحروف الهجائية من الألف حتى «حرف الياء». وقد استدركَ مؤلفُها في نهاية بعض الأجزاء، كما أعاد في جملة منها بعض المباحث المشابهة التي تحمل نفس الكلمة.

5 ـ ركّزت دائرة المعارف على استقراء البحوث التاريخية والعقائدية وعرض بعض المؤلفات والتعريف بها. كما أوردت تراجم جملة من الرجال استطراداً ضمن بحوث خاصة دون أن تؤثر على منهجيتها في الموضوع.

ولم تفتْ صفحاتها البحوث السياسية المتعلقة بالتاريخ القديم أو الحديث، كالحديث عن الإضراب الخمسيني في سوريا الذي استمرّ (52) يوماً، والذي بدأ في 18 كانون الثاني 1936م، وانتهى في 8 آذار، أو البحوث الميدانية المتعلقة بالمراقد الإسلامية كالحديث عن المشهد الزينبي في القاهرة ومشهد الحسين في حلب، ومقام أبي أيوب، وغير ذلك.

كما تطرقت الموسوعة إلى استجلاء بعض الصناعات، كصناعة الورق وتاريخه وما يتعلّق بتطور هذه المهنة، أو يتصل بها.

6 ـ جمعت «دائرة المعارف الشيعية» أسماء كتّاب من بقاع شتى، أمثال كامل مصطفى الشيبي، مرتضى مطهري، جورج صاوا، عبد الستار أحمد فراج، حسين مروة، مصطفى جمال الدين، الدكتور نبيه عاقل، السيد علي الخامنئي، عبد العزيز الطباطبائي، سلمان هادي طعمة، وغيرها من الأسماء المتخصصة في مجالات التاريخ والفكر الإسلامي والأدب.

7 ـ بالرغم أنَّ «دائرة المعارف الإسلامية» تخصصت كما يُوحي عنوانها بالدراسات الشيعية، إلاّ أنّها في جوهرها كانت دائرة معارف إسلامية عامة، وإنْ كان الدرس الشيعي ظاهراً فيها. ولا تخفى هذه الإشارة في جميع أجزائها.

8 ـ لم تقتصر «دائرة المعارف» على المفردات التاريخية والعقائدية وما يتصل بهما من المباحث، بل لجأت إلى استصدار بحوث مستقلة في الفكر الإسلامي، والدراسات القرآنية وبحوث الاقتصاد الإسلامي. ومن جملة بحوثها في هذه المضامير: السنن التاريخية في القرآن، بحوث في تاريخ القرآن، مبادئ نظام الحكم الإسلامي، الميثولوجيا والبيروني، وبحث مطوّل بعنوان: «اليقين المنطقي والموضوعي والذاتي». (يُلاحظ المجلد الرابع والعشرين، ص159 ـ 390).

كما تضمّنت أيضاً دراسات مقارنة في أصول الفقه، والسنة النبوية وعلم الحديث والفقه، من ذلك: مبحث القياس، والسنة النبوية، والظواهر وحجيتها، وشرع ما قبلنا، وسهم الإمام، والسند في علم الحديث، وغيرها.

9 ـ تضمنت «دائرة المعارف» جولة في دراسة الحروب على مرّ التاريخ، سواءً القديمة منها والحديثة. فقد حاول مؤلفها أنْ يدوّن تاريخ الوقائع التي عاشها إلى جانب الوقائع التي قرأ عنها، وتتبّعها على صفحات الصحف وساحات الأوراق. ومن تلك: حديثه عن واقعة الحرّة، وحرب مرو، وحرب صفين، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب لبنان عام 1982م.

10 ـ احتلت القارات والدول والمدن التاريخية مساحة واسعة في «دائرة المعارف». فقد جرى الحديث عن بعض القارات، ثم الدول على اختلافها، ومن أمثلتها: الهند، الصين، إيران، العراق، البحرين، فلسطين، باكستان، أفغانستان، انكلترا، ألمانيا، ألبانيا، لبنان، تركيا، اليمن.

وكما جرى الحديث على تتبع أخبار المدن التاريخية لبعض هذه الممالك والدول والامبراطوريات، فقد جرى الحديث أيضاً عن بعض تاريخ المدن الهندية مثل لكنو، كشمير، أوده، أكره وممالكها الشيعية كالمملكة العادل شاهية، والقطب شاهية، وغيرهما.

أما المدن الإيرانية فقد ورد الحديث عن سبزوار، سجستان (سيستان)، طوس، قزوين، قم، كاشان، مشهد، نيسابور، كرمان، كرمانشاه.

كما ورد الحديث عن المدن العراقية: البصرة، بغداد، سامراء، غماس، الكاظمية، كربلاء، الكوفة، كركوك، الكناسة، النجف، واسط. والمدن اللبنانية: بعلبك، بنت جبيل، صور، صيدا، طرابلس.

أمّا المناطق في المملكة العربية السعودية، فقد ورد الحديث عن البقيع، غدير خمّ، القطيف، المدينة المنورة، مكة، الهفوف، الهلال الخصيب.

هذا بضميمة مدن تاريخية أخرى أفردت لها «دائرة المعارف» صفحات للتعريف بها، أمثال: القدس، القاهرة، صقلية، طبرستان، قفقازيا، الكويت، وادي آش (غرناطة)، ملتان.

11 ـ اعتمدت «دائرة المعارف» بالتعريف على الأمم والشعوب والأجناس الحاكمة في التاريخ. فقد أفردت بحوثاً ثرّة في التعريف بها، ومن ذلك: الأوزبك، الإيلخانيون، الفاطميون، البويهيون، السربداريون، الطاهريون، السعديون، القاجاريون، الصفويون، المزيديون، المشعشعون، المرداسيون.

وعند الحديث عن «الأكراد»، ورد تفصيل حول منشأ الأكراد، وكردستان جغرافياً، جمهورية مهاباد، يهود كردستان، الأكراد الفيلية الشيعة، والإبادة الجماعية للأكراد في العهد الأخير. كما ورد تعريف عن الثقافة الكردية، والكتابة والشعر والقصة والأدب والمسرحية والترجمة، والفلكلور والكتاب الكردي في بحوث متناسقة تقدّم معلومات شيّقة للقارئ المستزيد.

12 ـ شملت «دائرة المعارف التعريف بالكتب ومؤلفيها سواءاً القديمة منها والحديثة. فقد ورد تعريف بجملة من الكتب التراثية، منها: كتاب الأغاني، مقاتل الطالبيين، الشاهنامة، الإكليل، وسائل الشيعة، كتاب العين، ضوابط الأصول، مجمع البحرين، الفهرست، نشوار المحاضرة.

أمّا الكتب الحديثة فقد عرّف جملةً منها، على سبيل المثال: كتب الدكتور جواد علي «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام».

كما أورد نصيّن كاملين لوالده السيد محسن الأمين، وهما بحدّ ذاتهما كتابان مشهوران ومتداولان، الأول: نقض الوشيعة (ج22، ص115 ـ 352)، والثاني: كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب، (ج19، ص71 ـ 262).

13 ـ أوردت الموسوعة مباحث مهمة في الشعر واللغة والأدب العربي. ومن جملة هذه الموارد، بحث حول البند في الأدب العربي، البلاغة العربية، علم الصرف، الكنية، علم النحو، والكعبيات (قصائد للشاعر هاشم الكعبي). بضميمة بعض المباحث الأخرى المتعلقة بالشعر العامي من أمثال الزجل وغيره.

14 ـ إعتمدت «دائرة المعارف» التعريف بالبحار وغيرها من الأنهار. فقد تحدثت عن البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، ونهر الليطاني، كما تحدثت عن المعادن وأفردت الحديث عن البترول.

15 ـ في المجلد الخامس والعشرين ورد حشدٌ من الكتب: اليوم الموعود، الآثار الباقية، إصلاح المنطق، وكلُّ المواضيع التي طرقتها هي مواضيع مسهبة.

مستدركات أعيان الشيعة

بعد العمل في إعداد وضبط نصوص كتاب «أعيان الشيعة»، عمدَ السيد حسن إلى ملء الفراغات التي تركها والده في بعض تراجم الأعلام دون أنْ تسنح الفرصة للرجوع إليها. وعندما نشر «أعيان الشيعة» في طبعته الثانية أورد هذه التراجم، في صُلب الكتاب. وكان من بينها تراجم للأشخاص الذين تُوفوا بعد صاحب الأعيان. وقد أشار المحقق الأمين إلى ذلك في الهوامش، ولم يُشر إلى بعضها الآخر. لكنّ عمله في تحشية الكتاب لم ينتهِ إلى حد، فقد قادته غزارة عمله إلى إفراد المستدركات ككتاب مستقل، والبدء بنشر أجزائه المتسلسلة بعدما وجد من تبنّى مؤلفاته، وهو على أعتاب الثمانين من العمر.

وفعلاً فقد نشر المجلد الأول من «مستدركات أعيان الشيعة» وكان قد فرغ منه في 7 جمادى الثانية 1407هـ/6 شباط 1987م، ولم يكن يعلم إلى أين سينتهي به المطاف، لكنّه واصل عمله. وكان في كلّ مرّة ينعى نفسه بالرغم أنّه لم يكن يُعاني من عجز أو مرض، حتى بلغت مجلدات المستدركات إحدى عشرة مجلدة بالقطع الكبير.

كان السيد الأمين طوال عقد ونصف من الزمن مواصلاً رحلته في جمع تراجم الأعلام والكتابة عنهم، وتقصي أخبارهم. وقد جاء كتابه على هذه الصورة:

1 ـ رتّب كتابه على حروف المعجم. لكنه كان يكرّر حروف المعجم إبتداءً من حرف الألف وانتهاءً بحرف الياء في كلّ مجلد من المجلدات. لعدم تقديره بما سيؤول إليه عدد الأجزاء التي يصدرها.

2 ـ نهج في كتابة «المستدركات» نهج أبيه في كتابة «الأعيان»، حيث جمع بين تراجم المتقدّمين والمتأخرين على حدّ سواء. فقد كتب عن إبن سينا، وأبو نؤاس، والحسين بن نما الحلّي، وحيدر الآملي من المتقدمين، إلى جانب حسين معتوق وخليل مغنية وعبد الحسين نور الدين ومحمد باقر الصدر، ومحمد علي الحوماني، وغيرهم من المتأخرين.

3 ـ أفردَ كتابات وافية حول علماء الشيعة القدامى أمثال الشهيد الأول، والكراجكي، والفيض الكاشاني، والشريف المرتضى، إلى جانب الفقهاء المعاصرين أمثال الإمام أبو القاسم الخوئي، والإمام محسن الحكيم، والسيد محمود الشاهرودي، وأضرابهم، كما ترجم للشعراء الكبار من المتقدّمين أمثال البحتري، الفرزدق، كثير عزة، المتنبي، كشاجم، أبو فراس الحمداني، إبن الرومي ودعبل الخزاعي، إلى جانب الشعراء المعاصرين، أمثال: محمد مهدي الجواهري، وعلي الشرقي، ومحمود الحبوبي، ومحمد علي اليعقوبي، ومصطفى جمال الدين، وصالح الجعفري، ومحمد رضا شرف الدين، ومحيي الدين شمس الدين وغيرهم.

4 ـ ترجم لجملة من شخصيات الحكم على مر عصور التاريخ، أمثال تيمورلنك، علي بن المؤيد محمد أولجايتو (خدابنده)، إسماعيل الصفوي، نادر شاه، فتح علي شاه القاجاري، السلطان حسين الصفوي، ورضا بهلوي. كما تتبّع أخبار إدريس بن عبد الله الحسني مؤسس دولة الأدارسة، وساقها كما وردت في كتب التاريخ.

5 ـ جمعت «المستدركات» أسماء جملة من المؤرخين والفلاسفة أمثال: المسعودي، التنوخي، الكندي، ابن مسكويه، صدر المتألهين الشيرازي، أفضل الدين الكاشاني. كما جمعت علماء من جنسيات وطوائف مختلفة كالبحرانيين والقطيفيين والعراقيين والإيرانيين والأفغان والباكستانيين وعلماء جبل عامل وغيرها من المناطق.

6 ـ كرّر الأمين بعض تراجم الأشخاص في أجزاء «المستدركات» أكثر من مرّة. فكان إذا عثر على إضافات في ترجمة الحال أو بعض المنظومات الشعرية ردّها إلى صاحبها، وأشار إلى موطن ترجمته الأولى في الأجزاء التي سبقت، وعيّن مكانها.

7 ـ جمع صاحب «المستدركات» بعض التراجم التي وجدها نافعة بأقلام الآخرين وحفظها كدراسات مستقلة بأسماء كاتبيها، مستفيداً من كتابات هذه النخب في الحديث عن الشخصيات كإضافات تاريخية تُغني مادة البحث من جوانب أُخرى.

8 ـ يُلاحظ أنَّ حسن الأمين عندما كتب عن المعاصرين له، فإنّه سجّل عنهم بعض المعلومات التي مهما طالت فإنها سوف تبقى مقتضبة. فقد كان يملك خزيناً من المعرفة عن كثير من الأشخاص الذين عايشهم في أكثر من بلد، إلاّ أنّه لم يستخدم ما يكنزه عنهم من مواقف وأخبار ووصف، بل عمد إلى إطلاق الأحاديث العامة حول الأشخاص التي هي أقرب ما تكون للتراجم الرسمية دون الدخول في التفصيلات.

تدوين التاريخ عند حسن الأمين

حسن الأمين باحثٌ أرّقه الوصول إلى الحقيقة التاريخية. فقد أحسّ أنّ التاريخ الذي وجده بين يديه هو تاريخ مزوّر في كلّ عصوره وأدواره. وقد أوعز السبب إلى تسلّط الدول والمتنفذين من ذوي السطوة، وأنّ كتابة التاريخ لم تتمّ إلاَّ لهؤلاء النخبة فقط. وكان يفكّر أنّ المسلّمات التي وصلتنا، والتي هي في حدّ ذاتها مرويات لا واقع لها في تاريخ الحُقب تلك، أصبحت حقائق لا يمكن إلاّ التسليم لها، لوجود قنوات التثقيف المغلوطة التي رسّختها في عقول الأجيال المتكررة. وقد بقي في درسه التاريخي يُنشد الخروج من هذه المعضلة المعقّدة باللجوء إلى مستندات غير مستندات الكتب والصحائف المُربكة كمستندات علم الآثار، وما يتصل بها من معتبرات. لأنّ النصوص المحفوظة في بطون الكتب هي «نصوص» لُفّتْ بأغشية ساهمت في دفع الحقيقة، وتضليل القارئ الذي لم يُعاصر المراحل التي يقرأ عنها، ويحاول استيعابها. وبذلك سعى إلى إزالة «الغشاوة» عن النصّ باستقراء «الخفايا» التي تقف وراء النصوص، وإعادة تشكيلها من جديد. فربّما عثر المؤرخ على «جملة» صغيرة أرشدته إلى معنى كبير، وكشفت له خبايا خارج حدود النصّ.

ولم يقتصر تشويه التاريخ على النصوص القديمة فحسب، وإنّما تعدّى حديثُ الأمين عن تشويه التاريخ الحديث (المعاصر) أيضاً. فعندما يبدأ التاريخ بلحظة حصول الحدث وتدوينه فإن الكثير مما يُسجّل في وسائل الإعلام على سعتها وشموليتها تمتدّ إليه يد التلاعب بالحقائق، باعتبار أنّ الحوادث الحالية التي تُعاصرها خاضعة جميعها لصراعات الطوائف والدول والملل والنحل والأديان كواجهة لإدامة الصراع دون أن تكون هناك هدنة في آفاق المرحلة. وبذلك يبدأ العمل في «تخريب» التاريخ. ومن هنا تأتي حاجةُ المرحلة لوجود مؤرخين منصفين يسجّلون الحقائق على ما هي عليه.

نصير الدين الطوسي: من الخيانة إلى البطولة

ومن الأمثلة التي ساقها الأمين تشويه شخصية الخواجة نصير الدين الطوسي. وهذه المسألة عاشها في وقت مبكّر من حياته وانشغل بها، وهي أيضاً قادته إلى التعامل مع النصوص التاريخية، في محاولة لبيان الخلل فيها، ونقضها.فعندما وجد بعض الأقلام تنسب للطوسي دوراً في الخيانة، والتعامل مع القوات المغولية الغازية، بالرغم ما يتمتع به من مكانة بين علماء الشيعة الإمامية، وتفرّد في مجال الفلسفة والعلوم الرياضية وغيرها، لم يستطع إلاَّ تقصي أخباره. لكنّه إنتهى إلى أنّ الطوسي لم يكن قد طالته مثل هذه التهم، وإنّما كان «بطلاً» من أبطال الإسلام. إلاَّ أنَّ بطولته لم تكن في مرحلته تلتجئ إلى الشدّة والعنف، بمعنى آخر لم تكن بطولة «السيف»، وإنما كانت بطولة الفكر «القلم» لأنّه وضع أسس تحوّل المغول من الوثنية إلى الإسلام، ملتفّاً عليهم بالعلم، ومكبّلاً لهم بالمعرفة. وهذه الظاهرة، حسب اعتقاد الأمين، ظاهرة فريدة لم تتكرر في التاريخ بعدما تأثر الغازي الغالب بالمضطهد المغلوب، لأنّ القاعدة أن يفرض المنتصر مفاهيمه وعقائده على غريمه، إلاَّ أنَّ في حالة نصير الدين كانت خططه قد قلبت الموازين، وعطّلت مثل هذه القواعد.

يقرّر الأمين أنَّ نصير الدين كان مكرهاً بالتعاون مع المغول، لكنّه بعدما أضطر لذلك عمد إلى تحقيق مشاريعه الإصلاحية داخل وسطهم. فأنقذ أولاً التراث الإسلامي من الإبادة حيث جمع الكتب والمؤلفات في مكتبة «مراغة» الشهيرة، وأسس جامعة كبرى، ملأها برجال الفكر والاختصاص، ثم ساهم ثانياً في «أسلمة» المغول الوثنيين ودخولهم إلى الإسلام، بل تبنيهم له، حتى أصبحوا من بُناة الحضارة الإسلامية بما أنشأوه من الدول المشرقية حتى وصولهم إلى تخوم الهند والصين.

ويُلاحظ على تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي ما يلي:

1 ـ إنّ تفسير حسن الأمين لتاريخ الطوسي كان قد وقع في «شَرَك» النصوص التي حاول التهرّب منها ودحضها. فقد قرّر سيرة الطوسي من خلال حشد المرويات التي وضعت الطوسي في قلاع الإسماعيلية قرابة ثلاثة عقود، ثم وقوع نصير الدين بيد هولاكو بعد اقتحامه لقلاع الإسماعيلية واعتقاله مع طبيبين آخرين كان هولاكو بحاجة إليهما بعدما قتلَ جميع العلماء والفلاسفة. ولمّا كان نصيرالدين عالماً فلكياً فقد ألجأت الحاجة هولاكو اصطحابه معه في رحلته إلى بغداد.

وقد أثبتنا في دراستنا عن نصير الدين الطوسي أنّ هذه النصوص لا يمكن الإقرار بها، أو الاعتماد عليها في تشكيل «واقع» تلك المرحلة التاريخية. وإنّما صورة «الواقعة» تلك لم تكن كما تحدّثت عنها هذه الحشود من المرويات التي هي بحدّ ذاتها لم تُعاصر المرحلة، ولم تُكتب إلاّ بعد قرون عنها.

2 ـ إعتقد السيد الأمين أنّ نصير الدين الطوسي ساهمَ في دخول هؤلاء الوثنيين بالدين الإسلامي، وذوبانهم بالمجتمع. وهذه المقولة هي من المسلمات التي يتناقلها جميع ما يقرأ تفاصيل التاريخ المغولي المبتسر الغامض، وكيف انتهى به الحال بعد احتلال القوات المغولية للدول الإسلامية. ولم تكن هناك إجابة حول هذه التساؤلات، لأنَّ تاريخ المغول هو ليس التاريخ المسطّر على صفحات الكتب الضئيلة التي وصلتنا، وإنَّما هو تاريخ مضيّع شأنه شأن كثير من الحُقب المهمة في تاريخ الأمم الإسلامية وممالكها.

ثم من الناحية العملية، كيف يمكننا أنْ نتصور أنّ شخصاً واحداً استطاع أنْ يقلب موازين «إمبراطورية» ضخمة بكلّ ما فيها من مفكرين وقادة عسكريين وعلماء من شتى الأصناف بهذه الكيفية، وهو لم يعش بين ظهرانيهم سوى عقد ونصف من الزمن.

والحال إذا صحّ الغزو المغولي لإيران والعراق، وهو لم يصحّ بصورته هذه، فإنّ الفترة بين سقوط بغداد سنة 656هـ،ووفاة نصير الدين الطوسي سنة 772هـ، هي فترة اضطراب وتشكيل لا يمكن أن تتمّ من خلالها المشاريع الضخمة التي أسسها نصير الدين الطوسي في بلدة «مراغة»، والاشراف على المنظومة الدينية للبلاد، وإدارته شؤون الأوقاف وتفقده الحوزات العلمية في مدينة الحلّة في عهد المحقق الحلّي، تبعاً لما صوّرته النصوص المتداخلة التي أطفأت تاريخ هذه الحقبة بالمنقولات التي هي أشبه ما تكون بقصص القصّاصين من ذوي الإقناع على حساب الحقيقة.

3 ـ إنَّ تفسير الأمين لتاريخ نصير الدين الطوسي هو أقرب إلى التفسير «التبريري» للتاريخ الذي يقرّبه إلى الأسلوب الوعظي الإقناعي في محاولة إيجاد المنعطف بين حدّين متناقضين وترجيح كفّةٍ منهما على الأخرى.

والحال أنَّ هذين التفسيرين لا وجود لهما في حياة نصير الدين الطوسي، وإنّما تأريخه مغايرٌ تماماً لما سُجّل على صفحات الكتب اعتماداً على النصوص المربكة المنسوبة للمؤلفين القدامى من المتقدّمين.

صلاح الدين الأيوبي: دراسة لتاريخه

أثارت دراسة حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي الجدل في صفوف المهتمين بدراسة هذا الموضوع وتطور أحداثه. فقد نهج الأمين خلافاً لما اعتاد عليه الكتّاب من اعتبار صلاح الدين قائداً فذّاً استطاع الوقوف في وجه الصليبيين ودحرهم، إلى أنّه قائدٌ نَسبَهُ إلى «الخيانة» بعدما آثر الاستسلام وتسليم مقاليد البلاد بلا قتال. كما طعن الأمين في سلوكه الشخصي ونسبه، تبعاً لنصوص بعض المؤرخين، إلى إدمانه السُكر.

وكان الأمين قد اعتمد على النصوص التاريخية التي حاول أنْ يهرب منها فوقع في أسرها، كما هي الحال في نصوص نصير الدين الطوسي.

وخلاصة ما قاله، بعدما استعان بأقوال المؤرخين الأيوبيين أنفسهم، أمثال المؤرخ ابن شدّاد الذي ألّف «العلائق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة»:

1 ـ إنّ صلاح الدين الأيوبي أعاد فلسطين أو معظمها عدا القدس إلى الصليبيين بعد انتصاره في معركة «حطين».

2 ـ أخذ عليه، اعتماداً على النصوص، أنّه اعتبر البلاد التي حكمها مزارع وقرى قسّمها في حياته على ورثته، حتى تقاسم ورثتُهُ البلاد، مستقلاً كلٌّ منهم عن الآخر قبل أن يتنازعوا، أو يستنجد بعضهم على بعض بالصليبيين.

3 ـ قرّرت قراءة الأمين لهذه الحقبة التاريخية أنّ صلاح الدين أعاد فيما بعد القدس إلى الصليبيين ليحالفوه على جيوش الخلافة العباسية. وخلاصة القول فيها: أنّ الخليفة العباسي الناصر لدين الله أراد أنْ يُرسل تعزيزات عسكرية تسند الأيوبي في حربه مع الصليبيين بعد هزيمتهم بمعركة «حطين». إلاَّ أنّ وجودهم لم ينتهِ بعد هذه الواقعة. فقد حرّرت معركة «حطين» قسماً من بلاد الشام، وبقي القسم الأكبر رازحاً تحت احتلال الصليبيين.

4 ـ رفضَ صلاح الدين طلب الخليفة العباسي، وأبدى المصالحة مع الصليبيين لمقاومة جيش الخلافة العباسية إذا دخل فلسطين. وقد اشترط عليه الصليبيون إعادة المدن الفلسطينية إليهم، فلبّى طلبهم.

5 ـ أصرَّ صلاح الدين على الخليفة العباسي عدم إرسال جيوشه لتعزيز قطاعاته العسكرية.

6 ـ ردّ الأمين أنّ رفض صلاح الدين لدخول الجيوش العباسية بلاد الشام لإنهاء الوجود الصليبي فيها لا يخرج عن المنافع الذاتية التي سوف ينالها الأيوبي من الوضع الجديد، في حين أنّه لا يحرز إلاّ اليسير منها في ظلّ دولة الخلافة. وبذلك فقد فضّل مصالحه الشخصية على المصلحة الإسلامية.

7 ـ أوعز الأمين أنّ انتصار الجيوش الإسلامية على الصليبيين وتخليص بلاد الشام منهم سيجعل صلاح الدين أحد الولاة التابعين لدولة الخلافة، في حين أنّ طموحه كان في السلطة أكبر من ذلك.

وساق مثالاً مماثلاً جرى بين نور الدين الذي أرسل صلاح الدين إلى مصر ليُعدّ جيشاً من المصريين لمهاجمة الصليبيين من مصر بعد استعداد نور الدين نفسه لمهاجمتهم من بلاد الشام ليسهل القضاء عليهم، إلاَّ أنّ صلاح الدين رفض ذلك. وسبب رفضه، كما تقرّر قراءة الأمين، هو حبّه للاستقلال فهو الآن مستقلٌّ بمصر، وانتصار نور الدين على الصليبيين وإخراجهم من بلاد الشام لا يعود عليه إلا بمنصب أحد الولاة التابعين لنور الدين.

8 ـ ذكر الأمين، تبعاً لنصوص ابن الأثير، أنَّ نور الدين عزم على الزحف إلى مصر والقضاء على صلاح الدين «لكن جاءه أمرُ الله»، فتُوفي وهو يتأهب للقضاء على صلاح الدين.

9 ـ ذكر الأمين أنّ صلاح الدين الأيوبي احتجز رجال الأسرة الفاطمية في مكان، واحتجز جميع نسائهم في مكان آخر ومنع الفريقين من التزاوج لكي لا يتناسلوا. وقد نقل عن المقريزي صاحب «الخطط» أنَّ عدد مَنْ فرّق الأيوبي بين ذكورهم وإناثهم عشرة آلاف بين رجل وإمرأة. وقد بقي هؤلاء محتجزين في عهد خلفاء صلاح الدين «عقوداً» من السنين، وكان من بينهم أطفال شاخوا في هذا الاحتجاز.

10 ـ حاول الأمين أنْ يُثبت أنَّ صلاح الدين بدّد أعظم مكتبة في العالم الإسلامي أسسها الفاطميون في مصر.

ويُلاحظ على قراءة السيد حسن الأمين لتاريخ صلاح الدين الأيوبي ما يلي:

1 ـ إنّ الأمين في درسه التاريخي لم يخطر في باله التشكيك في النصوص التاريخية بالشكل الذي يقرّبه إلى دائرة أوسع في نقد التاريخ والتشكيك في جزئياته. وعليه فقد اعتبر معظم النصوص المبثوثة في كتب التواريخ هي نصوص ثابتة وصحيحة، لا يُستلهمُ التاريخ إلاَّ من خلال سطورها.

2 ـ يُلاحظ أنّ النصوص المنسوبة للمؤرخين غالباً ما تحمل «نقيضها» معها، لينطفي وهج الشخصيات المراد الحديث عنها وتشويهها، على طريقة الذمّ مرّة، أو المدح الذي يُرادُ به الذمَّ مرّة أخرى، ولا وسطية بينهما.

وعلى هذه القاعدة تُقاس النصوص المنسوبة لصلاح الدين الأيوبي، أو تلك المنسوبة لنصير الدين الطوسي. ولا تتعدى هذه الملاحظة العديد من الوقائع في جميع أدوارها وأطوارها وأزمانها ومراكزها.

إنّ قصة صلاح الدين كما وردت في النصوص التاريخية المتناقضة، والتي اعتمد السيد الأمين على القسم المشوّه لشخصية صلاح الدين منها، هي في ذاتها تحملُ بذور نقائضها. فهي، اعتماداً على السرد التاريخي، تحاول ربط الشؤون السياسية الكبرى بالقضايا الشخصية البحتة. وإلاّ فلا يمكن أنْ نفسّر دخول صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين واعتماد الأمبراطورية الإسلامية عليه إلى وجود عدم الضوابط أو الشؤون العسكرية السائبة. وكأنّ الجيوش الإسلامية مرتبطة «بفرد» واحد تأتمرُ بأوامره، وليس هناك سلطة عليا تقف وراءه أو تحاسبه، خصوصاً وهو في حالة قيادته للجيوش، وليس حاكماً جرى العرف على زعامته للممالك الإسلامية.

إنّ ربط قضايا التاريخ الكبيرة بنتائج شخصيته هي سمة من سمات التاريخ الموهوم الذي لا يرقى إلى عصر «الوقائع»، وإنّما جرى عليه التحريف في عصور متأخرة عنه، خصوصاً عصر الصراع الصفوي ـ العثماني الذي بدأ أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، والذي فيه ظهر التحريف وتطوّر في الجانبين المذهبيين الشيعي والسني على حدّ سواء.

4 ـ اعتماداً على النصّ المنسوب لتاريخ ابن الأثير وغيره في قيام صلاح الدين الأيوبي الفصل بين الذكور والإناث الفاطميين ومنعهم من التزاوج حتى شاخ أطفالهم وهم عشرة آلاف شخص، مما يُوحي أنَّ فترة الاحتجاز كانت تقارب الخمسين عاماً على الأقل.

وتهدف مثل هذه المرويات المدسوسة بكتب التاريخ إلى مسائل، منها:

أ ـ إنَّ النصوص تحاول أنْ تردّ عمل صلاح الدين الأيوبي إلى العامل المذهبي الطائفي المتخذ من المذهب السني دافعاً له، باعتبار أنَّ الفاطميين هم من الشيعة المخالفين في المذهب والاعتقاد.

ب ـ إنّ مثل هذه الواقعة المعتمدة على الفصل بين الإناث والذكور، كما يقرّر النصّ، هي في حدّ ذاتها تنفي صحّة وقوعها. فإذا بقي هؤلاء العشرة آلاف شخص محتجزين، وشاب أطفالهم بهذه الطريقة التي قرّرها النص، مما يعني أنّ أحداً منهم لم يبقَ على قيد الحياة، خصوصاً من الطبقات الأكبر سنّاً. وعليه فإنّ عنصر الإبادة قد لحق بهؤلاء على مدى أكثر من نصف قرن من الاحتجاز.

أما الصمت الذي قرّرته الرواية في غياب تفاصيل مرحلة ما بعد الاحتجاز فهو دليل محكم على بطلانها من الأساس.

ج ـ إنّ مثل هذه الروايات تتكاثر في طبعات الكتب التاريخية وفي عصورها المختلفة، وهي تمزج حقائق الجد بالهزل والسخرية المبطّنة بالاستهزاء، مما يدلّ على أنّها ليست من أفعال المؤرخين على طول جبهات تاريخية متتالية، وإنّما هي من فعل أقلام عصر واحد وزّعها على العصور بالتساوي. وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ الإسلامي على مداه. وقد وردت الإشارة على أنّ الصفويين والعثمانيين ومن تبعهم من الساسة القاجاريين ساهموا في عملية تحريف الكتب المخطوطة، وتشكيلها وفق المناهج التي تخدم أهدافهم ومتبيناتهم السياسية.

حسن الأمين: ملاحظات عامة

1 ـ السيد حسن الأمين مؤرخ يمتاز بالجُرأة والبراءة. فإذا تقصَّى حدثاً تاريخياً أو معاصراً قال رأيه فيه دون أنْ يحسب للنتائج حسابها. وتغطي آراؤه جميع الجهات، القريبة منه أو البعيدة على حدّ سواء فيما يخص بتقييم سلوك الأفراد أو الأمم أو ركائز الأفكار وما يتصل بها من المعتقدات على الصعيدين الديني أو السياسي.

2 ـ إمتاز الأمين بسعة الأفق، وغزارة المعرفة حتى شكّل بحدّ ذاته «دائرة معارف» مليئة بالفوائد والدرر ينقلها معه في حلّه وترحاله. وقد تجلّت ثقافته في أحاديثه الشخصية وخطاباته المرتجلة البليغة، وكتاباته الغزيرة في أدب الرحلات والتراجم، أو السفر في أعماق الماضي، أو الإبحار في مدارات الأزمنة.

3 ـ عُرفَ السيد حسن الأمين في الوسط المثقف العام بكتاباته ومتابعاته بالصحافة والمجلات ثم إصداره الكتب والمؤلفات. وعلى الصعيد الشيعي الخاص عُرف بالموسوعات التي أصدرها، والكتب التي تلتها فيما بعد. إلاّ أنّ معرفته داخل الوسط الشيعي لم تكن معرفة «شعبية»، وإنّما كانت أقرب ما تكون للمعرفة الرسمية. فلم تكنْ شخصيته بالرغم من بساطته وترسله قد نزلت إلى الشارع الشيعي وائتلفت معه. بل بقي شخصيةً رسمية يتوافد عليه نفرٌ محدود من الزائرين من ذوي الخبرة، أو من الدارسين التائقين لحلّ بعض المسائل التاريخية المشكلة أو التساؤل عنها. كما لم تكن تربطه علاقات بالقطاعات الشيعية الأخرى إلاّ بالقدر المحدود الذي يقرّبه إلى العلاقات التي لا تخرج عن نطاق الرسمية أيضاً.

4 ـ بالرغم من انفتاح حسن الأمين على جميع الأفكار واحترامه لها وعدم وقوعه في شباك «الطائفية»، إلاّ أنَّه لم يتجاوز في دراساته القراءة «الطائفية» للتاريخ، بل كانت جهوده جميعها منصبّة في هذه القراءة. ويظهر من ذلك تصديه للردود التي تظهر في الصحافة والمجلات ومتابعته لها، إلى جانب تصديه للمعارك التاريخية التي يُنَصّبُ نفسه فيها طرفاً يصدر حكمه على خصومه في أغلب الأحيان، أو ينتصر «لفئتهِ» بدرء الشبهات في أحيان أخرى. ولم تخرج دراساته عن إطار هذا المنحى في كلّ ما كتب وألّف. وكأنّ النزعة الطائفية التي أراد الهروب منها عملياً وقع بها نظرياً على صفحات الكتب وبين سطور المقالات، دون أن يجد في ذلك ضيراً أو حراجة. ويرجع سبب ذلك إلى أنّ حسن الأمين كان يشعر أنّ عالم التشيّع بما فيه من تاريخ ورجال وفكر ومؤلفات هو «تراثُه» الذي تلقّاهُ عن أبيه وهو مسؤول عنه، أو «ذاته» الكبرى التي يجب أن تكون ناصعة مضيئة على مدى الأجيال المتلاحقة دون أنْ يمسّها شيء من التغيير.

5 ـ إمتاز الأمين بصفة الوفاء، والخلق القويم. فقد كان في وفائه وخلقه ونبله مدرسة قائمة بذاتها. فهو يهتَمُّ لزيارة أو مراسلة مَنْ هم دونه مرتبةً ومقاماً وعمراً دون أنْ يجد حراجة في ذلك. تدعمه ثقة عالية يزرعها في نفوس مَنْ يقصدهم، وكأنّه يحاول أنْ يشكّل نفوسهم من جديد، أو يكرّم أعمالهم بالإشادة، وقد انعكس وفاؤه لأناس عاش معهم، وسجّل عنهم، وأشاد بهم، وذكرهم بعد رحيلهم، كما ترك سطوره تلهج بالثناء عليهم في حياته وبعد رحيله.

وهو من منطلق هذا المبدأ لم يكن يقصد حتى في دراساته التاريخية وهجومه الصارخ في بعض الأحيان، الإساءة إلى أحد، بل كان مبهوراً بالإكتشافات دون أنْ يحمل ضغينة على أحد. إنّ براءته باكتشاف المجهول ودهشته به تقرّبه إلى البراءة المحضة التي لا مراء فيها ولا جدل.

6 ـ يُلاحظ أنّ انبثاق عمل حسن الأمين التاريخي كان مرتبطاً بالعلاقة الحميمة التي حصلت بينه وبين صديقه الحاج حامد عزيزي، أحد ناشري الكتب الشيعية في بيروت منذ عقد السبعينيات الميلادية، وأثمرت خلال العقدين الأخيرين من حياة السيد الأمين. فلم يكن الحاج عزيزي ناشراً لكتب «الأمينين»، الأب والإبن فحسب، وإنّما كان صاحب رؤية حاول تحقيقها وتنفيذها على رغم جسامة العمل وضخامته، وما يتطلبه من جهود متواصلة على حساب الطرفين.

وبهذا الاندفاع انطلق حسن الأمين مواصلاً سيره رغم تقدّمه الزمني، وحقّق رؤيته من خلال نشر موسوعاته؛ تحقيق أعيان الشيعة، مستدركات أعيان الشيعة، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية. وبعد أن تألّق إسمُهُ في عالم المصنفين أقبلت بعض دور النشر تطلب رفده، فقدّم لها مؤلفات كانت كامنة على أدراج رفوف مكتبته، ونشر ما لا يقلّ عن عشرين كتاباً منها تلاقفتها أيدي القرّاء بالانتشار.

7 ـ بعد وفاة العلاّمة السيد حسن الأمين يوم الاثنين 8 شعبان 1423هـ/14 تشرين الأول (اكتوبر) 2002م لم يكن قد جرى له تشييع يليق وما له من مكانة علمية وأسرية في عالم التشيّع. ففي بيروت لم يكن الحشد الذي تجمّع في المسجد الجامع ينيف على الخمسين شخصاً. أمّا في «شقرا» بلدته العتيدة فقد استقبله أهله بالأعلام السوداء، وأعادوه إلى ترابه الأول في ظلال مسجد آبائه الأقدمين، وبين قناديلهم المنتثرة على أرجائه هنا وهناك.

أمّا الاحتفالات التي أقيمت بعد رحيله فلم تخرج عن الإطار «الرسمي» الذي رافق حياة الأمين نفسه. فقد تولّى تأبينه نخبة من رجال السياسة والدين الرسميين تحت رعاية دولتين رسميتين هما إيران ولبنان. ولم يكن للسيد حسن الأمين أحدٌ يرثيه خارج السرب الرسمي، وكأنّ قدر هذه الشخصية الشيعية اللبنانية دفعها لأنْ تكون جسراً للتعبير عن الملاءمة التي تربط سياسة الدولتين الإيرانية واللبنانية بعضها بالآخر، حتى ولو كان ذلك على صعيد الاحتفالات، التي جذبت الشخصيات من شتى طوائفهم للتعبير عن هموم السياسة والدين وشجون المرحلة وشؤونها.

8 ـ لم يحصل السيد حسن الأمين في حياته على ما يتمناه من دعم مشاريعه الثقافية، وتبنيها من قبل عالم التشيّع أو غيره من العوالم الثقافية الأخرى، لكنّه بعد مماته حظيَ ببناء ضريح مجلل على قبره كان قد أُعدّ عمله بمدينة اصفهان الإيرانية بسعي من سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان. ويمثّل الضريح بناءً متساوي الأضلاع تعلوه قبّة صغيرة، وتحيط به الكتابات المزينة بالأحجار والفنّ المعماري والأناقة في خط الرسوم ونقشها. وقد نُقشت صورة العلاّمة الأمين وهو في كامل أناقته وحيويته، على صخرة تشير إلى مرقده، كما نُقش عليها آخر بيتين من قصيدة لي في تأبينه، بعنوان «رثاء مؤرخ»، والبيتان هما:

تجمّعت فيكَ أيامٌ وأزمنةٌ

مَنْ ذا سواكَ الذي قد حلّ مشكلها

فقل لمن حملوا للقبر هيكله

دفنتمُ أممَ التاريخ أكملها

وكان قد أُقيم حفل إزاحة الستار عن ضريحه بمدينة «شقرا» صباح يوم25 ذي الحجة 1423هـ/ 27 شباط 2003م.

9 ـ بعد رحيل العلاّمة الأمين كتبتُ قصيدة في رثائه. ولم تكن القصيدة مرثاةً له، بل كانت مرثاةً لي أيضاً. فكنتُ أنعاهُ بالبيت إثر البيت، وأغيّر نعيه بنعي آخر، حتى أحسست أني أؤبّن حسن الأمين المتلبّس في جسدي والذي يجري مجرى الدم في عروقي. لذلك كتبتُ بعد عنوان القصيدة هذه الجملة: «عندما نظرتُ بالمرآة تراءتْ صورة حسن الأمين فيها».

فكنتُ أكتبُ البيت الواحد وأوزّعه على شخصين اثنين، الراحل الملتفّ بالصمت والمودّع الملتفّ بالحسرات، حتى خُيّلَ لي أنّ هذه المرثاة صدرت مرتين؛ الثانية منهما كانت صدى للأولى، وكأنَّ حسن الأمين هو الذي أعاد كتابتها وأرجعها إليّ. وقد ذكرتُ تمام القصيدتين في كتاب «الروض الخميل».

وفي يوم من أيام الشتاء حملتُ قصيدة الرثاء ومشيتُ إلى بيت السيد حسن الأمين ببيروت، لم أشأ أنْ أطرق الباب، بل تريثتُ بالإنتظار، فبقيتُ مرتقباً نزوله لشراء صحيفة أو إرسال رسالة، وطال وقوفي تحت سقف بنايته، لعلّه يُطلُّ كما كان بطلعته البهية، وترحابه الجميل لأُسمعَه أبياتي فيه، لكنّ أحداً لم يأتِ. ولمّا يئستُ بكيتُ، وتساقط الدمعُ من عينيّ، وبكت السماء معي وتساقط دمعُها مدراراً، فحملتُ «مظلتي»، وعدتُ وحيداً أقطع ظلام المدينة بين قطرات الدمع، وزخّات المطر، وأنا أردد قولي فيه، وأندبُ أيامه السالفة:

مَنْ ذا يُعيدُ من الأزمان أجملَها

علّي أبثُّ شكاتي بينكم وَلَها

يا أيها «الحسنُ» الزاكي أرومتُهُ

هوّن خطاكَ فقد ناديتَ أعجلها

قد جئتُ أرثيكَ هل تُرثى بقافيةٍ

إنْ لم يكُ الوحيُ من علياه أنزلها

مَنْ ذا يضاهيك في الجُلّى ورهبتها

ألستَ أنتَ الذي قد كنتَ جحفلها؟

أنتَ الذي لو مددتَ السحبَ كنتَ فتى

على الملايين من جدواهُ ظلّلها

ما خلتُ أنثرُ من نظم القريض رؤىً

ووجهُكَ البدرُ غافٍ ما تأملها

بكتْ عليك مع القرطاس محبرةٌ

لمّا رثتْ صحفُ التاريخ مقولها

 

 

بيروت: 3/8/2005م جودت القزويني