الشيخ محمّد رضا المظفر              الدكتور يوسف عزّ الدين

 

 

قال عزّ من قائل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(صدق الله العلي العظيم).

لا نبالغ إذا قلنا: إنّ العلاّمة الفقيد تغمده الله بالرحمة كان مصداقاً لمفهوم هذه الآية الكريمة وإنّ سيرته الطاهرة لتشهد بأنّه كان ذا إيمان راسخ، هذا من جهة، وكان في حدّ ذاته فضيلة كبرى كما أنّ للعلم وحده مقامه وشرفه العظيم على أنّ هناك منزلة أخرى تفضل هاتين المنزلتين وهي المنزلة التي يقترن فيها العلم الواسع بالإيمان الراسخ وهذه المنزلة هي المقصودة بالآية الكريمة ولا يلقاها إلاّ ذو حظّ عظيم.

كان فقيدنا (رحمه الله) ممّن أوتوا ذلك النصيب الموفور اقترن فيه العرفان بالعاطفة الروحية ولا يخفى أنّ المربي الصالح والراعي الرفيق هو الذي يجمع بين هاتين الخصلتين فقد رأينا فقدينا معنياً بشؤون التربية عناية بالغة وقد مارسها على نهجين.

1 – تربية النشء في المدارس والمعاهد التي أسسها ورسم خططها ومناهجها.

2 – تعليم الراشدين بعد تربية الناشئين وذلك بالمواظنة على تدريس علوم الشريعة الإسلاميّة حيث كان له مجلس درس وبحث يختلف إليه جماعة من طلاب العلوم الدينيّة.

ولد (رحمه الله) في النجف ودرس في جامعتها وفي مقدمة أساتذته شقيقه العلاّمة الإمام الراحل الشيخ محمّد حسن المظفر هذا ولم تفت فقدينا (رحمه الله) تلك الملكة القدسيّة ملكة الاستنباط ورد الفروع إلى اصولها في مقتبل عمره حيث حصل على أكثر من إجازة علميّة أجازه فيها جماعة من كبار الأئمّة المجتهدين وقد انصبّ بعد ذلك على التأليف وأخرج عدّة تصانيف راجت رواجاً حسناً من أشهرها كتاب المنطق في ثلاثة أجزاء وكتاب أصول الفقه في أربعة أجزاء انجز منها ثلاثة وله بحوث قيّمة في جملة من الصحف والمجلات عالج فيها كثيراً من الموضوعات الاجتماعيّة والعلميّة والدينيّة وله محاضرات في مناسبات شتّى في العراق وغير العراق من البلدان التي زارها أو دعي إلى زيارتها منها محاشرة علميّة القيت في مهرجان (كراجي) الذي أقيم في باكستان بمناسبة مرور أربعة عشر قرناً على ميلاد الإمام علي (عليه السلام) ومنها محاضرة قيّمة ألقاها في مهرجان (جامعة القرويين) بمدينة فاس سنة 1960 قارن فيها بين المناهج المتبعة في جامعة النجف وجامعة القرويين.

وقد كان فقيدنا على جانب من عمق التفكير وسداد الرأي في هذه المحاضرة التي اتسمع إليها جمهرة من أعلام الشرق والغرب دعوا إلى ذلك المهرجان قوبل بحثه في هذا الموضوع بمزيد من التقدير والاستحسان وقد استهله بملاحظات لطيفة عن القطيعة والجفاء بين كثير من الأقطار الإسلاميّة في الشرق والغرب وأثر الاستعمار في هذه القطيعة ثمّ خلص من ذلك إلى أنّ جامعة النجف صنو جامعة القرويين في قدم عهدها إذ تأسست أوّل بناية لها في القرن الثاني للهجرة وقد ذهب في هذا البحث([1]) إلى أنّ جامعة النجف لا تختلف عن سائر الجامعات الإسلاميّة القديمة في مناهج دراستها للفنون العربيذة والعلوم الإسلاميّة وذلك من حيث كونها دراسة خصوصيّة حرّة لا دراسة صفيّة مفيدة كما لاحظ أنّ الحريّة مطلقة للطالب في اختيار المدرس والكتاب.

ويقول الشيخ (رحمه الله) في بحثه هذا الذي ألقاه في مهرجان القرويين: لقد تقدمت بنماذج من الكتب التي تدرس وتقرأ في جامعة النجف أضعها بين يدي السادة العلماء في جامعة القرويين ليطلعوا عليها ولتعكس لديهم المراحل التطوريّة لدراسة العلوم الشرعيّة ويقول أيضاً وسأحمل معي بعض الكتب التي تدرس في جامعة القرويين لأضعها بين يدي العلماء من المشرفين على جامعة النجف كوسيلة من أهم وسائل التعاون بين الجامعتين وأرجو أن نجد في هذه الأنواع من الكتب مجالاً للالتقاء تقتضيه وجهات التشابه بينهما ووحدة الهدف بنش رالثقافة الإسلاميّة في أوسع مجالاتها وختم هذا البحث بقوله([2]):

وحسبنا أن نسجل لجامعة القرويين وأخواتها من الجامعات الإسلاميّة نضالها في الحفاظ على لغة القرىن الكريم وآدابه وعلومه بعد أن اجتازت البلاد الإسلاميّة مراحل خطيرة مظلمة كادت تقضي على الإسلام واللغة العربية وذلك بعض ما قاله في رحلته إلى المغرب ننقله عن كلمته التي ألقاها في مهرجان فاس، ومعنى هذا أن رحلته لم تكن رحلة عاديّة بسيطة وإنّما كانت رحلة مصممة رسم أهدافها وغاياتها قبل القيام بها بمدة طويلة في الأساس.

هذا وهناك ناحية أخرى من سيرته (رحمه الله) لها خطورتها من حيث النشاط الاجتماعي العملي فكانت للفقد (رحمه الله) بالإضافة إلى ما تقدم تلك اللفتة البارعة إلى ناحية الاصلاح الاجتماعي وضرورة تعديل مناهج الدراسة في النجف على أساس تنقيحها وتلقيحها بضروب من المعارف والفنون الحديثة فقد كان ينظر إلى مناهج الدراسة في المدارس القديمة نظرة فحص وانتقاد فهو يرى أنّ مرحلة الدراسة الابتدائيّة والثانويّة وما بعدها مضنية شاقّة يضيع فيها كثير من الطلاب أعمارهم وقد يتوقفون فيها عن السير ولا يلحقون بالطليعة المجدة فخلص من ذلك إلى ضرورة فتح مدارس حديثة منظمة هي مدارس منتدى النشر وفق مناهج حكيمة منظمة يتلافى فيها كثيراً من النواقص التي يتشكل منها وهكذا تيسر لجمعية منتدى النشر أن تنشئ كليّة للفقه لتخرج طلاباً لهم الاستعداد الكافي لحضور حلقات دروس يلقيها كبار الأساتذة المجتهدين بالإضافة إلى القيام بواجب الدعوة إلى الدين الإسلامي وتبليغ مبادئه من على منابرهم وبواسطة استخدام أقلامهم في البحث والكتابة.

وفي الشهر الثامن من السنة الماضية انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي وكان (رحمه الله) بواظب على شهود جلسات المجمع على ما كان يعانيه من المرض العضال الذي توفي فيه ولا يعلم إلاّ الله مبلغ العباد والجهاد الذي يتطلبه فتح مثل هذه المدارس والمعاهد في مثل الظروف التي يختاره محيط النجف خاصة والبلاد الإسلاميّة عامّة.

ولا يخامرنا أدنى شك بأنّ هذه الجهود المضنية المثمرة كانت من جملة.

 

([1]) هذا هو رأي الشيخ المفيد في المقارنة بين جامعة النجف وجامعة القرويين وأنّهما صنوان في تاريخ المنشأ ووضع المنهج، والواقع إنّ جامعة الكوفة ـ ولا يوجد فرق بعيد بين النجف والكوفة ولا تفضل بينهما مسافة يعتد بها ـ هي أقدم من جامعة القرويين بكثير، وما منبر الكوفة الذي ألقيت من فوقه خطب أمير المؤمنين علي وهي طافحة بالعلم والفقه والحكمة وأصول الدين وأحكام الشريعة وما جامع الكوفة الذي شهد أحكام الإمام في الاشتراع وأقضيته في الواقعات المعضلة ـ إلاّ جامعة كبرى.

ولولا جامعة الكوفة لما عرفت الجامعات الإسلاميّة التي عولت عليها ورجعت إليها ومن ذلك جامعة القرويين وجامعة القيروان وجامعة الزيتوبة وجامعة الأزهر وجامعة بغداد حتّى جامعة قرطبة فعلى جامعة الكوفة هذه عوّلت الجامعات الإسلاميّة فيها عوّلت في مأخذها من علوم الإسلام وفنون اللغة العربيّة، وأخيراً لنا أن نقول إنّ جامعة الكوفة هي الأصل وباقي الجامعات فروع.

([2]) النهج: بعد عودته من المغرب كتب النهج كلمة خاصّة ضمنها ما يرويه الكتاب راجع العدد من السنة.