المظفر ودار التقريب

كلمة دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بالقاهرة

أيّها الأخوة الأفاضل:

إنّ (دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة) لتشارككم بالروح في حفلكم هذا، الذي أقمتموه تقديراً لذكرى رجل من كبار أهل الدين والعلم، جاهد في الله حقّ الجهاد، بفكره وقلمه، وعلمه وعمله، وما كان يمثله من قدوة صالحة للشباب المؤمن، يوم كان شاباً، ومن أخوة صادقة مخلصة، لزملائه في العلم والدين، يوم كان كهلاً، حتّى رفعه الله إليه كما يرفع عباده الصالحين، راضياً مرضياً، ظافراً مظفراً، ندي الذكر، خالد الأثر، مشكوراً من الله ومن المؤمنين.

إنّ المغفور له، أخانا آية الله العلاّمة الشيخ محمّد رضا المظفر كان شعلة متوقدة في الذكاء، والعلم، والمثابرة، وكان قبساً وهّاجاً في ميادين العمل الصالح، والسعي الخميد، فيما ينفع المؤمنين، وكان من أعزّ أمانيه أن يلتقي المسلمون على مبدأ التفاهم والمودة والأخوة في الله، وأن ينزعوا لباس العصبيات المذهبية، ويرتدوا رداء المنصفين الطالبين للحق، المذعنين للحجّة، النازلين على حكم الله من أي طريق وصل إليهم، ولذلك كان من السابقين الأوّلين في اعتناق فكرة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، ومؤازرة دعوتها، والاتصال بأقطابها.

ولقد كانت حياته خيراً وبركة على المسلمين، في كلّ جانب من جوانب نشاطه وسعيه الموفق، ولا سيّما تأسيسه لجمعيّة منتدى النشر وكليّة الفقه، وتفوره على خدمتها وتثبيت أركانهام، قرابة ثلاثة عقود من عمره المبارك، ولسوف يبقى هذان الأثران الطيبان النافعان، ما بقيت عقول تفكر، وقلوب بالإيمان تخفق، ووعي وإدراك عميق لما ينبغي أن يقوم عليه أمير المؤمنين، وما به تصلح شؤونهم.

إنّ «جماعة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة» لتعتز بكلّ جهد يبذل، في سبيل التنوير والتبصير، لأنّ الحقائق كلّما وضحت، التقت عليها العقول، وائلتفت حولها القلوب، وإنّها لتعلم، إنّ كثيراً من الخلافات، التي مني بها المسلمون باصطلاء نيرآنها، ترجع إلى الجهل بالحقائق، أو عموضها في أذهان الناس، ومن هنا كنذا دائماً نرقب بارتياح ما يقوم به الفقيد العظيم، من جهود مشكورة في تطوير الدراسات المتبعة لدى الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، واثقين بأنّ ذلك سيعود بأطيب الثمرات في تقريب العلم، وتيسير الأدراك والفهم، وتأليف القلوب حول كلمة الحقّ.

إنّ الإسلام لم ينتصر بشيء كما انتصر بالوضوح، ولم يعز ولم تعل كلمته إلاّ باعزازه للعلم، وإعلائه لكلمته، ولو كان في الإسلام غموض لران على القلوب والعقول من ذلك الغموض، سواد وظلام، ولكن الله تعالى أنزله نوراً وضياء، وبرهاناً تطمئن به القلوب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً) (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَات بَيِّنَات لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).

وإنّ سنة القتريب لسنة الإسلام: قصاراه أن يشرح ويوضح، ويضيء الطريق للسالكين; ويزيل الحجب عن أعين الناظرين، ويحمي العقول من جمود المتعصبين، ويدعو إلى الانصاف في الحكم، والتثبت قبل ابداء الرأي، والتشاور يبن أهل العلم، والاجتماع على موائد المعرفة، وتذوق ألوانها حيثما تيسرت.

وإذن فمنتدى النشر من روح التقريب، لأنّه من روح الإسلام، وكليذة الفقه من سبل التقريب، لأنّها موطن واع من مواطن دراسة نظام الإسلام للحياة، ولقد كنّا هنا نطور دراسة الفقه في كليّة الشريعة في جامعة الأزهر، وكان الفقيد يطور دراسة الفقه في كليّة الفقه بالنجف، فالتقينا بتوفيق من الله على هذا الأمل الموحد، وخطونا إليه أهم الخطوات، وما زال علينا جميعاً أن نخطو خطوات أخرى مباركات بإذن الله، وإنّا على الطريق لسائرون.

ولقد أدرك الفقيد العظيم ما أدركنا، من أنّ أعداء الإسلام والمسلمين، ينظرون إلى قوّتين أصيلتين، يعمخلون على سلبهما من أصحابهما: القوة الطبيعيّة فيما للمسلمين من ثروات وكنوز وذخائر أرضيّة، والقوة المعنوية فيما لديهم من روح أصيل، مبعثه دين الفطرة والصفاء، والحنيفية البيضاء، التي ليلها كنهارها فى الوضوح والجلاء، فلا التواء فيها ينكره العقل، ولا خفاء يستريب به الفكر، ولا قصور عن مواجهة الحياة بكلّ ما يصلح لها ويصلحها، فإذا وجدناها يحرصون على استلاب كنوزنا الطبيعيّة، وذخائرنا الأرضيّة، ليغنوا بإفقارنا، ويترفهوا على حساب بؤسنا، فلنعلم أنّهم أيضاً حراص على أن يشغلونا بخلافاتنا عن أصول ديننا، ووحدة أمتنا، وعلى أن يزلزلونا بذلك عن مثلنا، التي فيها حصانتنا، ومنابع قوتنا.

وآية ذلك، إنّنا نراهم يدعون فيما بينهم إلى التقارب، وهم المختلفون في الدين، المتفرقون في الأصول، بينما يعملون على إثارة الأحقاد بيننا، وإحياء النعرات والعصبيات بين طوائفنا، التي تتفق في الأصول اتفاقاً واضحاً، ولا تختلف إلاّ في الفروع، اختلافاً طبيعيّاً هو سنّة الله في أصحاب العقول وأرباب التفكير.

ولقد سبقناهم بحمد الله فدعوزنا إلى التقريب بين المسلمين منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، ولم يكن أحد من أهل الغرب يفكر في مثله بين طوائفهم، فضلاً عن أن يعمل له، وها هم أولاء يدركون الآن أنّ التقارب والتكتل هو سرّ النجاح والتقدم، فنراهم يدعون إلى المؤتمرات، ويحاولون التوحد بالقرارات، والنداءات، والاتفاقات، وما نحسبهم بالذين يلاقون من النجاح، ما لاقيناه نحن الذين دعونا إلى التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، ذلك بأننا ندعو إلى شيء واقعي في ديننا، يدعو إليه كتاب ربّنا، وينادي به رسولنا، وتتوحد عليه عقيدتنا; وأصول ملّتنا، أمّا هم فالخلاف بينهم أصلي جوهري لا يمكن حسمه، ولا درء آثاره، وشتّان بين الطبع والتطبع، والجمال والتجمل !

على مبدأ التقريب، ودعوة الوحدة، تلاقت قلوبنا وأفكارنا، وبهذا الإيمان والثبات، جاهدنا وجاهد معنا فقيدنا المظفر طيّب الله ثراه، وجعل الجنّة مثواه، وأحسن جزاءه مع الصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، اللهمّ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأغفر لنا وله إنّك أنت الغفور الرحيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بالقاهرة